ولقاضي الجماعة بحاضرة غرناطة الفقيه أبي الحسن بن عبد الله بن الحسن في الرد على من انكر على المصلي بالناس الارتباط للدعاء إثر الفراغ من الصلاة بالمسجد, وتشريك المصلين معه فيه, وتأمين الحاضرين له عند سماعه ما نصه: وتقرر اولا أنه لم يرد في الملة نهي عن الدعاء دبر الصلاة على ما جرت به العادة اليوم من الاجتماع, بل جاء الترغيب فيه على الجملة. ففي الصحيح من حديث الماجشون ابن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استفتح الصلاة كبر, وإذا رفع رأسه من الركوع قال سمع الله لمن حمده, وإذا سلم دعا. وفي كتاب مسلم بن حجاج: ولم يقل بين التشهدين والتسليم. وعن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة وسلم قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. وفي الخبر أن معاوية كان يأمر الناس بذلك. قال عماد الدين إسماعيل بن الأثير: فيه دليل على استحباب هذا الذكر المخصوص عقب الصلاة وذلك لما اشتملت عليه من معاني التوحيد ونسبة الأفعال إلى الله تعالى, والمنع والاعطاء وتمام القدرة. والدعاء من الشهرة بحيث لا يفتقر إلى إقامة الحجة وتقرير الأدلة, وإنما الحاجة فيما يختص بالمسألة. ومنه عن ثوبان ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلهن, لا يؤم رجل فيخص نفسه بالدعاء دونهم, فإن فعل فقد خانهم, ولا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن, فإن فعل فقد خان, ولا يصلي وهو حقن(¬1) حتى يتخفف.
=وأجاب أبو عمر القطان: يثقف ماله الآن، ولا يمكن ورثته بشيء منه، ويقتل دون استتابة ولا أعذار إليه في ذلك على ما رواه أشهب، عن مالك فيمن هو أخف من هذا، ابن سهل يريد ما في سماعه في كتاب الشهادات إذا شهد القوم عند القاضي، وعدلوا أيقول لمشهود عليه دونك فجرح، فقال مالك: إن فيها لتوهينا للشهادة، ولا أرى إذا كان عدلا أو عدل عنده أن يفعل، قال القاضي في هذه رواية ضعيفة متروكة لم يجر عمل من القضاة والحكام عليها، ولا أعلم من أصحابنا مفتيا بها في الحكام، وقد قال ابن نافع متصلا بها بل يمكن المشهود عليه من التجريح، ولعله بينه وبين الشهود عليه عداوة، وفي السماع نفسه، إذا عدل الشاهد رجلان وجرح المشهود عليه رجلان، قال مالك: ينظر في أعدل الشهود، فقد أباح في هذا الجواب للمشهود عليه التجريح في الشهود، وبه القضاء على ما وقع في سماع يحيى ونوازل سحنون في ذلك الكتاب، وفي غيره في المدونة والواضحة والموازية وغيرها: وقد تقدم هذا في صدر الكتاب، وإسقاط ابن عتاب وابن القطان الإعذار في مسألة ابن حاتم هذه غير سالم من الوهم والغفلة، لأن القاضي المسجل عليه أبا زيد قد قال في تسجيله: إنه أخذ بقول من شاوره من فقهاء موضعه وحكم به ولم يختلف عليه واحد منهم أنه يعذر إليه، فلا يجوز تعدي هذا إلى غيره لقضاء أبي زيد واختياره إياه وإمضائه، وصار من باب إذا قضى القاضي بما اختلف أهل العلم فيه فلا يجوز لمن يأتي بعده أن يعرض له ولا ينقضه، ولا اختلاف في هذا بشيء من المذهب، ولعلهما لم يقفا على هذا التسجيل وإن كانا وقفا عليه اختارا ما أفتيا به فاختيارهما غير موافق للمذهب، وبهذا أفتيت عند نفوذ الحكم على ابن حاتم وإلى قولي رجع فيه وبه نفذ القضاء على ما نذكره بعد هذا في تمام قضيته إن شاء الله.
وخاطب أبو زيد بنسخة من قضائه بذلك محمد بن أحمد بن بقي الناظر.
[330/2]
[331/2]
من سلم لصهره وصيفة رومية ، فزعم الصهر أنها خادم ابنته التي في صداقها]
*وسئل : عمن سلم لصهره وصيفة رومية ، فزعم الصهر أنها خادم ابنته التي في صداقها ، وادعى الزوج أن لها خدمة ، وأن يحاسبها بقدرها من النفقة ، فأنكر الصهر ذلك ، وقال : عندي من يخدمني ، فطلب الزوج يمينه على ذلك .
=فأجاب : القول قول الصهر في عدم الخدمة مع يمينه إن حقق عليه الزوج الدعوى ، فإن نكل حلف الزوج وثبت ما ادعاه وكانت له أجرة مثله يحاسب بها في النفقة ، ومن له فضل رجع على صاحبه به .
[من طلبت زوجها في مؤخر صداقها فأنكر جملة مدعاها]
*وسئل : عمن طلبت زوجها في مؤخر صداقها وهو كذا ، فأنكر جملة مدعاها ، فراودته بأن تنجمه عليه أنجما ، فتأخذ في كل نجم كذا ، وفعل ذلك بالشهادة عليها ، ووثقت بالتنجيم لأجل أن بيده حيوانا حينئذ ، ولما ثبت من حجره الصداق ابتداء ، ثم طلق الزوج زوجته وعمد إلى ما كان بيده فباعه[308/3]وعزم على السفر ، فعلقت المرأة عبدا له خيفة خروجه بغير علمها فلا تجد على من ترجع .
=فأجاب : إن كان سفره لا ينوب منه حتى يحل نجم من أنجم الصداق ، فلا يسافر حتى يقيم حميلا بذلك ، وإن كان ينوب قبل حلول الأجل ، مكن من السفر وحلف أنه يعود إن اتهم ، وإن صالحته استخراجا لحقها وادعت ذلك ببينة وثبت جحوده لها ، فلها مقال في الصلح .
[من توفي وترك زوجة وولدين ، فقامت تطلب صداقها ، وتزعم أن وثيقتها ضاعت]
*وسئل : عمن توفي وترك زوجة وولدين فقامت تطلب صداقها وزعمت أن وثيقتها ضاعت ، وأثبتت أن صداق مثلها على مثله مما يشبه كذا ، فقام الولد ، أحد الولدين بشهادة أن أباه كان قد طلقها ثم راجعها بأقل من الأول على ما جرت به عادة الناس ، فقالت المراجعة في ظهر صداقي وقد ضاع وطلبت الحكم بشهادة شهودها بمشبه من المهر .
فأجاب: إن كان الذين شهدوا عليه بالتحريم عرفوا كلهم الخلع إلا أنهم قالوا لا نعرف هل راجعها بعده، لم يقض عليه بالتحريم لأنه لم يصادف محلا، وتستبرأ ويكون له أن يخطبها، وإن كان من شهود التحريم من لا معرفة له بالخلع وهل ممن يقبل لم يكن له إليها سبيل حتى تنكح زوجا غيره.
وأجاب القاضي سيدي حمو (¬1) الشريف: إن كانت البينة التي شهدت
[334/4]
[335/4]
عليه بالتحريم عالمة بالخلع لم يلزمه التحريم، وإن لم تكن عالمة بالخلع فالتحريم لازم له.
[من حلف بالحرام ليطعمن فلانا اليوم عسلا فمرت سنون ولم يعرف ما عمل]
وسئل أيضا عن رجل تذاكر مع قوم أكل العسل فحلف بالحرام لأطعمن اليوم العسل فلانا لرجل من القوم الحضور، ثم تفرقوا وانصرف كل لمحله. فلما كان بعد ثلاث سنين لغط الناس وشنعوا أنه لم يطعم فلانا العسل، فسئل الحالف عن ذك، فقال بل أطعمته العسل ذلك. اليوم ولم يقم على ذلك بينة. وسئل الشهود فقالوا سمعناه حلف وتفرقنا، فما نعلم هل أطعمه أم لا، وسئل فلان ذلك هل أطعمه أم لا؟ فقال طالت المدة علي ولا أتحقق إلا أني كثيرا ما كان يطعمني العسل تلك الأيام ولا يخطيني أكله في بيته إلا في النادر. وأما ذلك اليوم بعينه فلا أتحقق الآن هل أطعمني فيه أم لا؟ فما الذي يلزمه؟ وهل هذه المسألة شبيهة بمسألة من حلف بطلاق زوجته أو حرية عبده إن لم يضربهما كذا وكذا، وحلف بطلاق زوجته إن لم يقض فلانا حقه إلى أجل سماه الواقعة في سماع ابن القاسم من كتاب الأيمان بالطلاق الأول في رسم الرطب باليابس. وفي كتاب الأيمان بالطلاق الثاني في رسم أسلف وأسلم، وله بنون صغار. وهل مسألتنا إن قلتم تشبهها من القسم الأول منه أو من الثاني؟ وهل ما ذكر ابن رشد من الأقوال في شرحها في مسألتنا أم لا؟
لما تأملت الفتيا قلت الفقه في المسألة أن البائعين لا حق لهم في ذلك الدرهم ولا في أن يمنعوا المشتري من توظيفه على أنفسهم، بيانه أن المبايعة إنما وقعت صريحا بالثمن المسمى، وعليه سلم البائع سلعته، وعليه تسلمها المبتاع منه، ولا معنى للثمن إلا ما كان كذلك، وأما الدرهم فلم يشترط البائع أخذه
[303/5]
في سلعة ولا المبتاع دفعه فيها، ولا معنى لما ليس بثمن إلا ما كان كذلك وكيف يكون هذا الدرهم من جملة الثمن ولو فرض أن التجار التزموا في ذلك قولا غير معين فقالوا من اشترى منا سلعة فليخرج بقدر ما يطلقه الله على يديه يعده لهذا المغرم وتواطئوا على ذلك لما توقف فقيه في صحة أشريتهم، ويلزم هذا القائل بطلانها للجهل بقدر الثمن، وأيضا لو التزموا عوضا من هذا الدرهم عرضا من العرض كمدين من الطعام ونحوه للزم فساد البيع لأنه يصير سلما غير مؤجل، إذ من جملة الثمن عندكم هذا الملتزم، وكيف يحكم على هذا المبتاع بهذا الدرهم وهو يقول أنا لم أرض السلعة إلا بالثمن الذي صرحت به وسلمته إلى بائعها، ولست أسوأ حالا من المدلس بالعيب، ولا من الكذاب في المرابحة، وليس واحد منهما يلزمه البيع بخلاف ما رضي، وله أن يقول: إني فعلت ما فعلت رجاء أن يخفى لي وأفوز به، فلما لم يكن ذلك فإن رضيت أيها المبتاع فذلك وإلا فاردد علي سلعتي، فإني لم ألتزم بيعها إلا على ذلك الوجه، ولا يلزمني بيع على خلافه، كيف ولو قام دليل على إقرار البائع أو قيام البينة على المبتاع كان حين العقد عالما بعيب التدليس أو أنه كان عالما البائع في المرابحة وبقدر ذلك الكذب لسقطت حجة المبتاع وللزمته السلعة كذلك، فإن الفرض فيها أن الحاكة قد علموا بما التزمه التجار، وعليه باعوا، وأي حجة لهم بعد ذلك؟
في تذكر محفوظه من قواعد المذهب وأقواله، ونظره في الجري عليها، وإلا لم يجز له ذلك إلا أن يعزو ذلك إلى قائله من متقدم قبله، كالمازري وابن رشد والباجي وغيرهم من هذه الطبقة فذلك جائز والله أعلم.
[استنباط الأقوال من المدونة أو من مفهوم يعارض منطوقا]
المسألة الثالثة وحاصلها أنهم يستنبطون الأقوال من المدونة وغيرها من ألفاظ محتملة، أو مفهوم يعارض منطوقا في محل آخر، ويستدلون بمفهوم كلام ابن القاسم ومالك. والمفهوم من كلام الشارع مختلف فيه. فكيف به من كلام من ليس بعربي؟ إلى آخره.
وجوابه أن نقول: أما قوله يستنبطون الأقوال من لفظ محتمل، فإن أراد به محتمل على التساوي، فهذا لا يصح الاستنباط منه. وهذا لا أظن يفعله مقتدى به. وإن أراد أنه محتمل على التفاوت والاستنباط من الراجح. فهذا هو الأخذ بالظاهر وعليه أكثر قواعد الشريعة. وقوله يستدلون بمفهوم كلام مالك وابن القاسم.
قلت: الكلام إنما هو في الأخذ بالمفهوم في كلام مالك وابن القاسم ونحوهما من أهل المذهب. وهما عربيا اللسان عارفان بأصول قواعد المذهب التي منها معرفة النص، والظاهر والمفهوم وغير ذلك. وتقرير ما طلب من بيان ذلك أن نقول: كلام ابن القاسم ومالك في الأمهات العلمية كلام عالم بالقواعد التي تستنبط منها الأحكام الشرعية لإرادة إيهام الأحكام الشرعية الثابتة عنده الظن غالبا يجريه في وجود دلالته على قواعد استنباط الأحكام الشرعية، ينتج ذلك القضية القائلة: كلام ابن القاسم ومالك في الأمهات العلمية، الظن غالبا يجريه في وجود دلالته على وجوه قواعد استنباط الأحكام الشرعية. وإذا ثبت هذا فالأخذ بالمفهوم منه واضح البيان والله أعلم وبه التوفيق.
قلت: قال القاضي أبو عبد الله المقري رحمه الله في قواعده الفقهية ما
[377/6]
316/7] في وصيتهما محمد وعهائشة, ودخول اولادهما إنما هو لأجلهما ومن سببهما, لأنه لم يكن لواحد منهما ولد يوم الوصية, فيقال إنه أريد لذاته وقد جعلني الموصيان آخذ الوصية إذا انقرض الآكد فكيف إذا انقرض من هو بسببه هو وعقبه فيكون أخذي للوصية من باب أحرى, وقال طالب المرجع هنا إن ما ذكرتموه من جهة اللفظ فيترجح استحقاقي للوصية من جهة المعنى, لما عرف من عادة الناس إذا أوصوا بمثل ما ذكر أنهم يقصدون الآكد فالآكد, وآكد ما كان هنا محمد وعائشة ابنا عبد الرحمان لصلبه وحفيد فاطمة للابن وارثا ما بعد ابنها ثم بعدهما, بل بعد عقبهما أنا لأني حفيد فاطمة للبنت وابن أخت عبد الرحمان وأدخلتني في الوصية فلم ترد إلا منعتي.
362/8]إن كان السمسار يعرف البائع هل يلزمه أن يمضي إليه يعلمه بذلك؟ أرأيت إن كان الذي قبض الثمن ببلد بعيد وكان السمسار يعرفه هل يلزمه المضي إليه أم لا؟ وأرأيت إن كان السمسار لا يعرفه وقال إنما جاءني رجل بثوب فبعته وقبض الثمن ولا نعرفه هل يجب شيء أم لا؟ فقال ليس عليه في هذا كله شيء.
وسئل إذا قبض السمسار الثوب لينادي عليه فضاع منه قبل النداء.
فأجاب: لا ضمان عليه فيه إلا أن يفرط.
وسئل إذا رد التاجر الثوب بالعيب فطلب صاحب الثوب أن يأخذ من السمسار ما أعطاه.
فأجاب: له الرجوع عليه وقال غيره ليس له رجوع وهما على الخلاف في الرد بالعيب هل هو نقض بيع أو ابتداء بيع؟
وسئل إذا وقف السمسار الثوب على رجل بثمن فلم يبع صاحبه ثم إنه أعطاه لسمسار آخر فباعه بذلك الثمن أو أقل أو بأكثر أو باعه صاحبه بنفسه وذلك بحدثان ما قبضه من السمسار.
فأجاب: إن كان الثوب قد وقف على ثمن معلوم على يد هذا السمسار قد وجب له حقه وإن كان إنما أخذه منه رجاء أن تلتمس الزيادة فأعطاه لغيره فباعه بأقل أو بأكثر أو بالمثل فالجعل للأخير وليس للأول فيه شيء وفي كتاب الجعل من النوادر قال مالك فيمن قال لرجل بع ثمر حائطي ولك كذا ثم جاءه مع قوم فساوموه حتى باعهم ذلك فطلب الرجل جعله وقال أنا جئت بالقوم فلا شيء له إنما جعل له أن بيع ويماكس فهذا إنما اشترى وكايس لأصحابه ورب الحائط هو البائع.
وسئل إذا طلب السمسار ثوبا من التاجر ليشتريه فضاع قبل أن يشتريه المشتري.
[362/8]
[363/8]
فيها رخصة وإنما أجزأت في الزكاة مع اتحادها مع بنت اللبون في الجنس وفضلها عليها في الصفة فكانت من جنس القضاء، والزكاة دين من الديون وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((خيركم أحسنكم قضاء)) وأما المثال الثاني وهو إذ قوى في الحرب على مقابلة أكثر من اثنين فإنا لا نسلم أن الوقوف على اثنين رخصة ولا يلزم إذا نسخ الأثقل بالأخف أن يكون الأخف رخصة، بل الأخف حكم أصل في نفسه بعد النسخ كما لو شرع ابتداء، وأما المثال الثالث، وهو مسح الرأس وأنه لو انتقل عنه إلى غسله لأجزأه فنقل: إما أن يكون الغسل متضمنا حقيقة المسح حتى يكون الآتي بالغسيل آتيا بحقيقة المسح أو لا يكون متضمنا حقيقته حتى يكون الآتي بالغسل تاركا لحقيقة المسح، فإن كان الثاني منعنا حكم المسألة، وقلنا إن الغسل في الرأس لا يجزئ عن المسح، وإن كان الأول فنقول إنما أجزأ لأن المكلف أتى بأضيق منه وأشق، وهذا كمن وجب عليه درهم فأعطى درهمين، فهو ممتثل قطعا لأنه أتى بما أمر به وهو الدرهم والدرهم الزائد لا مدخل له في الامتثال، ثم دعوى كون المسح على الخفين رخصة مبنى على أن الأصل في الرأس الغسل، وهو لا دليل عليه، وأما المثال الرابع وهو غسل الخفين في الوضوء فأقول: ليس المسح على الخفين رخصة
[327/9] بالنسبة إلى غسلهما، وإنما هو رخصة بالنسبة إلى غسل الرجلين، وحينئذ نقول: لو سلمنا إجزاء الغسل فيهما على المسح فذلك لتضمن الغسل حقيقة المسح لا لأن الغسل فيهما أصل، ثم الرد العام لجميع هذه الأمثلة أنها دلت على جواز الانتقال إلى الأشق الأضيق لا على لزومه بالالتزام، وذلك محل النزاع، بل هذه أدلة لنا في المسألة لأنه لو التزم غسل رأسه أو غسل الخفين أو إخراج حقه في نصاب بنت اللبون لما لزمه، فكذلك في الوصية بعد التسليم أن أصلها اللزوم.
غ: وليس من باب تغيير الأحكام إلى قوله لرجوعه إلى الأصل على ما قررناه.
فأجاب : الحمد لله ، وصلني وصل الله عزكم كتابكم الكريم المنبىء عن جميل اعتقادكم ومحمود أخوتكم في شأن الماء الكائن في أحواز قرية بني ملحق ، وقد تصفحت يا أخي حفظكم الله العقد الواصل صحبته فوجدته يقتضي أن الماء يجري في أرض غير مملوكة لأحد من تلكم القرى ، فصار حينئذ حكم ذلك الماء لمن سبق كما ظهر لكم ، فليس لغيره منه إلا الفضل وإن كان موضعه أعلى من موضع السابق كما في كريم علمكم ، وإن كان في المسألة خلاف ذكره صاحب البيان في بعض مسائل إحياء الموات ، قال لو أحيا الأسفل ثم أراد غيره يحيى فوقه لينفرد بالماء وذلك يفسد عليه ، منع نفيا للضرر عند ابن القاسم ، وجاز عند أصبغ وإن لم يكن في الماء فضل . فتأمل هذا الخلاف حيث لا يمكن الانتفاع لكل واحد منهما ، وتجويز أصبغ للأعلى الانفراد مع سبق الأسفل له يظهر منه جواز تشريك بني ملحق في الماء مع غيرهم وإن كان غيرهم أسبق لكثرة الماء هنا لكم . وأما على قول أصبغ فلا شك فيه . والذي يظهر لي في القضية إثبات هذا الماء بالسماع الفاشي المستفيض هنا لكم أنهم لم يزالوا يسمعون أن أهل قرية بني ملحق كانوا يسقون بالماء زرعهم وغيرهم أيام كونهم بها قبل هذا ، وأن ذلك لم ينقطع حتى فارقوا القرية المذكورة وإلى أن عاد الآن منهم طائفة من أهلها وأرادوا السقي على العادة الجارية في القديم فمنعهم أهل القرى التي كانوا يسقون بعدهم أو كلاما هذا معناه ، فإني سألت الواصلين من قبلكم فذكروا لي أن هذا يمكن إثباته هنا لكم بهذا النوع من السماع . ولا شك أن إثبات الأملاك المتقادمة بشهادة السماع جائزة ، نص على ذلك ابن يونس وابن العربي [305/10] وغيرهما كما في كريم علمكم . لكن مع هذا كله إن ظهر لكم فالرأي عندي أن تستطلعوا على ما عند قاضي الجماعة وصل الله عزته فيما تعزموا عليه فيها ، فإن ذلك آكد لما تعلمون من نفرة المحكوم عليهم وإسراع كثير من الناس للخلاف ولسماع ما يقال له .
اللهم احشرنا مع الآباء والأمهات والزوجات، والإخوة والمشايخ، والذرية والأحبة، في زمرة السابقين في جنات عدن في عافية، فلا محنة بجاه الشفيع المشفع عندك سيدنا ونبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ذوي السبق في الدنيا والآخرة، إلى كل فضل ومنة.
[306/11] وكتب عبد الله تعالى محمد بن يوسف السنوسي الحسني أحسن الله عاقبته بلا محنة.
وأجاب: صاحبنا الفقيه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله التنسي بما نصه: الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم. الذي عليه جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن هذه الآية الكريمة لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأقسامها الثلاثة، وأن المراد بالكتاب فيها هو القرآن الكريم، إذ ما من أحد من هذه الأمة، إلا وهو مصدق بالقرآن وآخذ منه بنصيب، حفظا وفهما وعملا ولو لم يكن إلا القدر الذي يصلي به، إذ ما من أحد من هذه الأمة لا يخلو من حفظ ذلك المقدار، وإن لم يحافظ عليها فهو إذا لم يحافظ عليها وعلى غيرها من سائر التكاليف ظالم لنفسه، من أجل أنه وضعها في غير موضعها الحقيقي الذي خلقت له، لكن اسم الإرث حاصل له، إذ ما من حرف يقرأ مما حفظ من القرآن، ولو لم يكن إلا سورة الحمد لله، له به عشر حسنات، والله يضاعف لمن يشاء. كما أن وصف الاصطفاء باق عليه حيث لم يخرج عن دائرة الأمة، فهو من جملة من اصطفاهم الله، أي اختارهم من سائر الأمم حيث قال: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾. وظلم النفس لا ينافي الاصطفاء.