وأما احتجاج منكر ترك ذلك بأن هذا لم يزل الناس يعلمونه فلم يأت بشيء, لأن الناس الذين يقتدى بهم ثبت أنهم لم يكونوا يفعلونه. ولما كثرت البدع والمخالفات وتواطأ الناس عليها صار الجاهل يقول: لو كان هذا منكرا لما فعله الناس. وقد روى مالك في موطئه عن عمه أبي سهيل أنه قال: ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة, وإذا كان في عهد التابعين يقول إنه كثرت الأحداث فكيف بزماننا. وقد جاء من التشديد في إنكار البدع والمحدثات ما هو مشهور عند العلماء. وأما قوله إن الدعاء مرغب فيه فصدق, ولست أنكر دعاء الإنسان في نفسه عقب الصلاة. وإنما أنكر الدعاء بالإجتماع دائما عقب الصلوات حتى صار تارك ذاك كأنه نقص شيئا مما هو مطلوب. ومسلم أن الدعاء مطلوب ولكن على غير هذه الصفة, وذلك كما حكى الله عن زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا وقال: إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ووهبا. وقال ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين. قال المازري لأن ضعف الصوت دليل على استيلاء الهيبة على النفس, فكان أولى أن يستعمل في طلب الحاجات من الله سبحانه, فإن كان الدعاء هكذا فحسن. وأما على تلك الهيئة الخاصة فلا, والله سبحانه أعلم.
[286/1] [مشروعية الدعاء بعد الصلاة]
المدينة حرام فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا ».
وهذا عام في المدينة وغيرها ويجب على من آوى هذا الملحد التبري منه لإقامة الحد عليه.
[ حكم ميراث الزنديق ]
وأما ما سألت عنه من أمر ماله فلا سبيل إليه في حياته، واختلف عن مالك في ميراث الزنديق، ففي كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم، بلغني عن مالك، انه قال: أرى أن يورث الزنديق بوراثة الإسلام، قال ابن القاسم: وإذا شهد عليه بذلك فاعترف وتاب فلم تقبل توبته، وقتل فلا يرثه ورثته، وأما من لم يقر ولم يظهره حتى قتل أو مات فإنه يورث بوراثة الإسلام ولابن القاسم
[329/2]
[330/2]
أيضا أنه إذا أعلن ما هو عليه وتمسك به فلا يرثه ورثته وميراثه للمسلمين كالمرتد، ولا تجوز له وصية ولا عنق، ولابن القاسم في المدونة وغيرها أن ميراث الزنديق لورثته، وروى ابن نافع، عن مالك في المستخرجة أن ميراث الزنديق للمسلمين يسلك بماله مسلك دمه.
من أثبتت غيبة زوجها بعد دخوله بها وعدمه ، فلما حلفت استثنت حوائج كانت باعتها]
*وسئل عمن أثبتت غيبة زوجها بعد دخوله بها وعدمه ، فلما حلفت استثنت حوائج قدر ثلاثة دنانير ونصف ، وأنها باعت ذلك وأنفقته فيما يجب عليه في قاضي المدة ، فهل تطلق من الآن أو يقبل قولها وتقيم حتى تأكلها ، فحينئذ تطلق عليه .
=فأجاب : إقرارها بشيء تركه زوجها مقبول ومصدقة في ذلك ، ثم ينظر فيه فإن زعمت أنه أمرها ببيع ذلك وتنفقه في غيبته صدقت ، وإن لم يأمرها ببيعه فإن زعمت أنه أمرها ببيع ذلك وتنفقه في غيبته صدقت ، وإن لم يأمرها ببيعه فإن باعته بغير محاباة مضى بيعها ، ولو كان بمحاباة رد المبيع في النفقة ، واستأنفت الإنفاق من يوم الرفع ، فإذا فرغ فحينئذ تطلق عليه .
[من توفيت عن زوج لها وعاصبها ابن أخيها فقام مطالبا لزوجها بالمال]
*وسئل : عمن توفيت وقد كانت زوجت لرجل وعاصبها ابن أخيها ، فقام مطالبا لزوجها بالمهر ، وقال : هو عشرون دينارا . وقال الزوج : عشرة دنانير[307/3]وقد دفعتها إليها حين طلقتها . وأثبت طلاقها سنة خمس وستين ، وأنها كانت فقيرة تغزل للنساء ، وهي في داره منذ يسيرة قبل موتها حتى خرجت عنه ، وأحضر وصية كتبها أنه كان أوصى لها فيها بخمسة دنانير ، وزعم أنه يبرئه من المهر ، وخالفه العاصب .
=فأجاب : إخراج الرجل الوصية لا يبرئه من المهر إن لم تكن أبرأته من مهرها بشهادة ، وللورثة طلبه ، إلا أن يثبت الزوج ببينة بعد طلاقه أن بينها من المنافرة ما لم يمكن أن يكون لها عليه حق ، وهي محتاجة ولا تطلبه ، فتقوى حينئذ جنيبته ، وقبل قوله مع يمينه بدفع ذلك إليها ، وإذا طلب الزوج بالصداق فالقول قوله في قدره مع يمينه ، إلا أن يثبت أن مهر مثلها على مثله لا يشبه ما ادعاه ، فإن أثبت ذلك وقع الجواب على ما يشهد به الشهود إن شاء الله .
[
وكدعواها أنها رضيعة لمن خطبها قبل التزويج، والنفس إلى هذا أميل لهذه الحجة، فيمنع السائل من نكاحها والله تعالى أعلم. ومسألة الشيخين في المسترسل قوى عندي إشكال تصورها، لأنها من التداخل، فمتى تنقضي العدة؟ ولم أر من كشف عنها الغطاء، وإن زعمه ابن الحاج في نوازله، لكنه لم يتبين لي وأقرب ما في تحقيقه كلام عياض والله أعلم.
[333/4]
[334/4]
وأجاب سيدي أبو القاسم العبدوسي عن أصل السؤال بما نصه:
الحمد لله. مسألة المخالع زوجته هي مسألة يلزمها فيها الطلاق وهو نكاح صحيح، وإن كان لم يصب على دعواه، وهو نكاح فاسد غير مجمع على تحريمه ولا تأبيده، والنكاح على هذه الصفة هو بشبهة، لكن الذي أتقلده فيها أنه إن ثبتت إصابته باتفاقهما وعلم ذلك فالطلاق لا يلزمه، وإن لم يعلم ذلك إلا بإقرارهما لزمه، والله سبحانه أعلم.
[من خالع زوجته ثم مرض فأشفقت عليه وجلست عنده تمرضه.]
وسئل سيدي قاسم العقباني عمن خالع زوجته ثم بعد مرض فقيل لمفارقته إن فلانا مريض فهلا ورثته؟ فأتت المرأة لزيارة الزوج. فلما رأته أشفقت من حاله وضعفه من قلة ذات يده وعدم من يمرضه، فجلست عنده تمرضه وتدخل وتخرج إلى أن برئ، فتمادت على جلوسها عنده واستمرا عليه نحو من ثلاثة عشر يوما، ثم تشاررا فقال لمن حضر شرهما اشهدوا أنها عليه حرام، فقيل له لم حرمت زوجتك؟ فقال ليس لي فيها ما أحرم فإنا لم أراجعها منذ فارقتها. فقيل لأهل الموضع لم تركتموهما على هذه الحال وهو بين أظهركم؟ فقالوا لا علم لنا، رأينا المرأة في بيت الرجل فظننا أنه راجعها. هل تحرم عليه أم لا؟ وهل يلزمه صداق أم لا؟
بقدر النسبة من الثمن، فأما ما وقعت به الفتيا من إلزام المشتري غرم تمام الدرهم ففيه ميل على المشتري، أما مع قيام السلعة فلأنه يقول إنما لم الأرض البيع إلا على أن يبقي لي درهمي انتفع به، فإن رأيتم لي ذلك وإلا فخذوا السلعة فلست أرتضيها بأكثر مما التزمت، وأما مع الفوات فقد وافقتمونا على ذلك في الرجوع الذي رجعتم عن فتواكم، وهذا كله إنما يحسن إذا كان الذي عليه النقص جاهلا حين العقد بسبب النقص، فأما العالم به كمسألتنا فلا حق له، فإن قيل أما علمك بسبب النقص في هذه الصورة فهو صحيح كما ذكرتكم، لكن التصريح الصادر منه بالرضا غير معتبر لأنه لما لم يجد من يشتري منه إلا كذلك دعته الضرورة إلى أن قال قد رضيت، قلنا فهذا أيضا انتقال إلى أن البيع منثلم من جهة الرضا، ونحن قد بينا بطلانه، فإن قيل إنما كان غير الراضي لا يلزمه بيع لأنه لم يتقدم منه رضا لا بذلك الثمن الذي وقع البيع به ولا بغيره، وأما ها هنا فمعلوم أنه لو رجع له ذلك الدرهم زيادة على الثمن الذي قبض لرضي، فلذلك ألزمناه البيع إذا دفع له ذلك، قلنا هذا أيضا رجوع أن الثلم إنما هو لنقص العوض والحكم فيه كما ذكرتم أنه إذا زيد ذلك الدرهم انقطعت حجته كالعيب بالسلعة إذا أنكر زواله فأزيل فإنها تلزمه لما تقدم من رضاه بالسلعة سليمة، لكن ألزمتم المشتري الغرم في قيام السلعة ولم تلزموه كمال الدرهم في فواتها ولما جعلتم للبائع حقا مع أنه باع وهو عالم بباطن الأمر ويلزمكم أن من قيل له بع هذه السلعة فقال قد بعتها بأحد عشر فقال الغاصب لا آخذها إلا بعشرة وانتزعها من ربها قهرا ودفع له العشرة كما التزمتم هاهنا البيع بزيادة الدرهم متى تمكن منه، وهذا خارج عن الفقه، فإن شرط لزوم الإيجاب أن يعقبه القبول إلا في بيع الخيار، فهذا تحقيق ما يتعلق بالمسألة من فقه، فلنرجع إلى تتبع الألفاظ.
وفي كتاب الصيد أخذ فيمن أشلا كلبه على صيد وهو مطلوق فاشلا وصاد من غير أن يرسله من يده بقول مالك الأول: إن ذلك الصيد يوكل، لا بقوله الثاني: إنه لا يوكل. وفي كتاب العتق الأول فيمن ملك عبده العتق أو امرأته الطلاق أخذ فيها بقول مالك الأول: إن ذلك لا ينقضي بانقضاء المجلس، دون قوله الثاني: إنه لا ينقطع به. وفي كتاب العتق الثاني في العبد يقيم شاهدا واحدا بعتقه، والمرأة تقيم شاهدا بطلاقها فينكل السيد والزوج عن اليمين. أخذ فيها بقول مالك الأول: إنه يعتق على السيد وتطلق على الزوج، لا بقوله الثاني: يسجنان حتى يحلفا وفي كتاب الشركة، في الشركة بالطعامين المتماثلين، أخذ بقول مالك الأول تجوز الشركة بهما، لا بقوله الثاني. لا تجوز وفي كتاب الاستحقاق فيمن استحق أمة من مبتاعها بعد أن أولدها بقول مالك الأول: إن لمستحقها أخذها، لا بقوله الثاني: إنه لا يأخذها بل قيمتها. وفي كتاب الديات في الأعور يفقأ عين الصحيح المماثلة لعينه. أخذ بقول مالك الأول: إن للمجني عليه القصاص أو دية عينه، دون قوله الثاني: القصاص أو دية عين الأعور.
وما ذكر في السؤال من أن غالب أقوال مالك قال بها أصحابه فيعمل بها من حيث اجتهادهم يؤذن بأنهم مجتهدون مطلقا. وهذا شيء لا أعرفه، إلا ما حكاه الباجي عن إسماعيل القاضي وغيره عن ابن وهب. وصرح ابن التلمساني في شرح المعالم الفقهية: أن ابن القاسم إنما كان مجتهدا في مذهب مالك قط. والله أعلم.
[قول الفقيه في أحد طرق المذهب إنه مذهب مالك]
المسألة الثانية. وحاصلها: السؤال هل يجوز للطالب أن يقول في طريق من طرق ناقلي المذهب هذا مذهب مالك ويفتي به أم لا؟
وجوابه: إن كان له معرفة بقواعد المذهب، ومشهور أقواله، والقياس، والترجيح، ورد المطلق إلى المقيد، جاز له ذلك بعد بذله وسعه
[376/6]
ولم يوافق طالب المرجع على دخول ثاني ولد وثالث ولد لمحمد في الوصية, وقال: إن الموصي لم يعين إلا أول ولد وعقبه وعقب عقبه, واحتج بأن صاحب الوصية قسم وصيته بين ولدي محمد وعائشة بالسوية, وكذلك قسم بالسواء بين أولاد محمد, وقسم بالسواء بين أولاد عائشة, ولم يجعل وصية مقسومة إلا بين هؤلاء ولا أبقى منها شيئا بغير قسمة, ولو قصد دخول غيرهم معهم لعين لهم ما يعطى لهم كما فعل في الذين قسم لهم, ولم يجعل لثاني ولد ولا لثالث مرجعا, واحتج بان قال إذا سلم أن ثاني ولد وثالث ولد لا يدخلون في الوصية, فالمراد بالخطاب غيرهم وهم لم يتعرض لهم, إذ لا مدخل لهم في الوصية فهم معدومون منها شرعا كالمعدوم حسا, فمحمد مات من غير عقب مستحق للوصية, وهذا يعني قول الموصي من غير عقب واحتج أيضا طالب المرجع بأن قال إن الموصي كان غير ما بين للطلب ولم يلفظ بأول وصيته لعقب محمد وعائشة, وإنما لفظ بالعقب لأول ولد تزايد لمحمد وعائشة ومن لم يمس الطلب ولا يعرف أن الولد والعقب بمعنى واحد, فهو إنما عنى ما ذكر أولا وقد انقرض محمد وعائشة من غير ولد, واحتج أيضا طالب المرجع بأن قال الذي يفهم من الوصيين أن آكد الأشياء
[
361/8]قوله مع يمينه وقال أيضا إذا اتهم حلف وإن نكل غرم ولا ترد اليمين ها هنا وقال أيضا إن أخذ ما لا يطيق حمله فتلف فهو ضامن وإن كان مما يطيق فلا شيء عليه إلا أن يفرط وقال الداودي لا ضمان عليه إن ادعى ضياعه في السوق وإن خرج به من السوق ضمن يريد أن يكون متهما بالخيانة وذكر عن أبي عمران أنه قال ينبغي للسلطان أن يقيم من نصب نفسه للسمسرة من الأسواق إذا كان غير مؤتمن ويعاقب إن اقتحم ذلك بغير أمر وكان القاضي أبوالفضل عياض رحمه الله يحكم بتضمين السماسرة إذا ادعوا الضياع واستحسنه ابنه قال ولا سيما في وقتنا هذا إذ كثروا وقل المؤتمن ( )(¬1) واختاره عبدالرحيم وقال هو قول ابن عبدالحكم حلف الآمر مع الشاهد واستحق.
[حكم ما إذا نزل الثوب على تاجر ثم قال لا أرضاه]
وسئل إذا أقر السمسار الثوب على التاجر ثم مضى ليشاور صاحبه فأمره بالبيع فلما أتى السمسار ليقبض الثمن قال له التاجر لا أرضاه والسمسار يعلم أنه إن أخرجه من عنده لا يأخذه أحد إلا بأقل مما أعطاه فيه.
فأجاب: ليس للسمسار إخراجه من عنده لأن بيع المزايدة لازم لصاحب العطاء أخيرا وإن أخرجه السمسار من عنده بغير أمر صاحبه فانكسر في يده لزمه ما نقص قال ولو قال صاحب الثوب للتاجر لم آمره بإخراجه من عندك لم يلزمه شيء قيل له فإن ادعى التاجر أن صاحب الثوب هو من الذي أمر صاحب السمسار بإخراجه وأنكر ذلك صاحب الثوب والسمسار فقال تجب اليمين على صاحب الثوب.
[إذا باع السمسار سلعة فاستحقت من يد المشتري]
وسئل إذا باع السمسار الثوب واستحق من يد التاجر.
فأجاب: يدفع الثمن المستحق ولا عهدة على السمسار. قيل له أرأيت
[361/8]
[
326/9] إبطاله، وذلك باطل قطعا، لأن الأحكام الشرعية وهي التي جعلها مورد التقسيم لا يصح إبطالها من المكلف مطلقا كان عزيمة أو رخصة، حتما أو غيره، لأنه ليس في الأحكام رفع ولا وضع، وثانيها أنه تعميمه في حكم التوسعة أنه يجوز الانتقال عنه إلى الأضيق الأشد باطل، إذ في الرخص ما يكون واجبا كأكل الميتة للمضطر، وثالثها أن الأضيق الأشد المتنقل إليه إما أن يعني به الحكم الأصلي في محل الرخصة، أو الأشد الأضيق مطلقا، والثاني باطل مطلقا إذ لا يجوز للمسافر أن ينتقل إلى صلاة الظهر مائة أو أكثر وإن كان أشد وأضيق، وإن كان مراده الأول فمن أمثلته ما لا يساعده، وهي التي أتى بها دليلا بزعمه، على هذا المعنى، أما المثال الأول وهو من وجب عليه بنت لبون فأخرج حقة فليس من هذا الجنس، فإن فريضة بنت اللبون في نصابها فريضة أصلية وفريضة الحقة في نصابها كذلك(¬1)
وأما العقد الذي استظهر به الوزير أبو محمد الذي يقتضي أنه كان يسقي هو وحده من الساقية متى كان القحط وتعذر عليهما السقي من الساقية فهو محتمل ماذكرته أولا من السقي بعد النبات وبعد أن كانوا يسقون من الساقية ، فلما تعذر في أثناء ذلك سقوا من فضل ماء الساقية المذكورة . وإذا احتمل هذا لم تكن فيه حجة على ثبوت التمليك وأيضا فإنه لو ثبت أنهم كانوا يبتدون الازدراع بماء هذه الساقية لم يكن فيه دليل على التمليك ، غاية ما في مثل هذا كله تأخذ منه ما ذكرته لك أولا . والذي ينبغي لك أن تعرض هذا على [304/10] الفقيه الخطيب الحافل أبي بكر ، وعلى الشيخ الفقيه الحاج الأكمل أبي إسحاق ، فإن وافقا فنفذه عليهما ، وإن خالفا فيه فعرفني بوجه خلافها . وإن أمكنك أن تصلح بينهما على ما كان مقيدا بينهما فافعل وعرفني بما ينتهي إليه أمرهما في أول مجلس ، والسلام عليك ورحمه الله وبركاته .
[ماء تنازع فيه أهل قرى]
وسئل عن ماء تنازع فيه أهل قرى .
305/11] مولانا سبحانه فضلا منه بزمرة السابقين، وحكم بدخولهم معهم في جنات عدن، لانحيازهم إليهم في الإيمان بالله تعالى ورسلهم عليهم الصلاة والسلام وكونهم إنما يستصوبون بقلوبهم أعمال السابقين، لا أعمال الكافرين. وأيضا فمرجعهم عند الشدائد والدواهي وانحيازهم بظواهرهم وبواطنهم، إنما هو إلى زمرة السابقين، إذ لو فرضنا حربا وقع بين أولياء الله السابقين، وبين أعداء الله تعالى الكافرين، لانحاز كل مقتصد وكل ظالم وكل مسرف في الكبائر بين أهل الإيمان إلى فريق السابقين، وحاربوا معهم الكافرين، ووقوهم بأنفسهم وأموالهم، وحرصوا على سلامتهم بقدر استطاعتهم. وأيضا لو قدرنا اجتماع عوالم المكلفين بجملتهم، وانحاز الكفار منهم على اختلاف أصنافهم إلى جهة، وانحاز أصناف السابقين وأهل الولاية الذين لم يقع من واحد منهم معصية إلى جهة أخرى، وجعل بين هذين الفريقين عصاة المؤمنين بصنفيهم وهم المقتصدون والظالمون في موضع واحد، لم يختلطوا فيه إلا بالسابقين لا بالكافرين، ثم نادى بهؤلاء العصاة من لا تمكنهم مخالفتهم، وأمرهم أن يلحق كل واحد منهم بحزبه من الفريقين وهما فريق الكافرين وفريق السابقين، لسعى كل واحد من أولائك العصاة من غير تردد، وجرى حتى يلتحق بفريق السابقين ويتعلق بهم ويستمسك بأذيالهم.
وأيضا فمولانا تبارك وتعالى قسم جميع المكلفين إلى قسمين: مؤمن وكافر، فقال جل من قائل: ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾. فدخل في قوله تعالى: ﴿ومنكم مؤمن﴾ جميع أصناف أهل الإيمان، من صالح وطالح، ظالم ومقتصد، كما دخل في قوله: ﴿فمنكم كافر﴾ جميع أصناف الكفرة. فكما يجتمع الكفرة في الخلود في العذاب والجحيم، يجتمع جميع أصناف المؤمنين في الخلود في جنات النعيم.