تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا انتهى ما أوردته من الانتصاف والانتصار, من هذا المتعرض للإنكار, المسارع للرد من غير معرفة ولا استبصار, وإني لأعجب كل العجب ممن ليس عنده من متانة العلم واستنارة البصيرة ما يدرك به حقائق الفقه ودقائقه, ومع ذلك يطلق الاعنة, ويوجه نحو أهله الأسنة. وقد كنت عزمت أن لا أضيع فيه كلاما, ولا أعمل فيه أقلاما, ولا أرى مثبتا لما اشتمل عليه من الغلطات والسقطات افتتاحا واختتاما, لأني عددته من قبيل اللغو الذي نمر به كراما, لكن حملني على ذلك ودعاني إليه أمران: أحدهما مخافة أن يقع به اغترار ممن لم تتهذب بالعلم طباعه, ولا امتدت في سبله باعه, فيظن السراب شرابا, ويجعل الخطأ صوابا, ويعتقد الفساد صلاحا, والفجر الكاذب صباحا. والثاني أنه لم يسلك في كلامه مسلك العلماء, ولا تأدب بآداب الفضلاء, فعدل في مناظرته عن المنهج المألوف حديثا وقديما, ولم يعتبر من له عليه الحق إفادة وتعليما, فتعين علينا إماطة أذاه, والإعلام بفساد

[274/1] ما أبداه, فإن اكتفى بذلك وإلا زدناه.

إن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النعل لها حاضره

وقد تركت التنبيه على كثير من معانيه الفاسدة, وألفاظه الموردة لغير فائدة, وسوى ذلك مما يرجع لإقامة الحروف, وإعطائها ما لها من الحق المعروف, ككتبه سور المدينة بالصاد, وظاء لاحظ بالضاد, إلى غير ذلك مما لا يحيط به التعداد, لعلمي بجهله لهذه المواد, والله سبحانه ولي التوفيق والارشاد, والسلام على من عرف الحق فرجع إليه, وآثر الانصاف وعدل إليه انتهى.

[احداث جمعة في قرية لمعاداة فرية مجاورة]

316/2]

[317/2]

وقال عبد الله بن الوليد وأصحابه بمثل ذلك إلا في الفتى تمام فإنه يقول: إنه يرى إطلاقه لاضطراب قول الجريح وتنقله بدعواه عن أحمد بن أبي عثمان الذي يقول: إن تماما أصابه في رأسه إن شاء الله تعالى، وقال القاسم بن خلف بمثل مقالة القاضي رحمه الله إلا في الغلام فإنه لا سبيل في حبسه وإن كان ممن يليق به ما ادعى عليه.

[ كان الحكم المستنصر فقيها عارفا بالمذاهب ]

قيل: انظر أمر أمير المؤمنين رحمه الله بتحليف المجروح خمسين يمينا، فهكذا هو أصل الحديرية ولا أعلم له وجها، وكان أمير المؤمنين هذا فقيها عالما بالمذاهب جماعا للعلوم، ولم يكن في بني أمية بالأندلس أعظم همة منه في مطالعة العلوم، ولا أكثر معرفة منه بالعلماء، تجرد لذلك وتميز به نفعه الله بذلك وأورثه جنته.

[ دعوى الجاني أن غيره من أهل المروءة اشتركوا معه في القتل ]

*وسئل ابن لبابة عن غلام قتل سيده، وقال عن غيره إنه اشترك معه في ذلك.

=فأجاب: رأينا وفقك الله الشهادات الثابتة عندك للذين رماهم الغلام ابن الحاسبة بالاشتراك معه في دم سيده، وأنهم من أهل الطهارة، وممن لا يقبل عليهم مثل هذا والذي يجب في ذلك أنه لم ينبغ أن يقبل قول الفاسق على أحدهم، وأن يؤخذ بما قد أخذ به وحكم به عليه، فإذا قد حبسهم للتثبيت في أمرهم، فالتثبيت من شأن الحكام ويجب إطلاقهم من الحبس قاله ابن لبابة وأصحابه.,

[ القسامة مع الشاهد عدل شاهد القتل ]

*وسئل ابن الحاج عن رجل تشاجر مع رجل على مسرح فضربه بسكين، فسقط ميتا بمعاينة شهود لذلك شهدوا على عينه، قبل واحد منهم وأعذر إلى القاتل، وثبت موت المقتول وعدة ورثته، وهم أخوان شقيقان، وأم وأخت وأن أحق الناس بالقيام بدمه أخوه شقيقاه، ووكلوا كلهم من يخاصم القاتل وثبت ذلك وأعذر إلى القاتل في جميع ذلك فلم يأت بشيء بعد الآجال.

[317/2]

[318/2]

=فأجاب : تعلق اليمين ضعيف على أبي الزوج ؛ لأن الحق للصبية[293/3]لا لأبيها ، والأولى في مراعاة الشبه التهمة وعدمها ، فمتى اتهم أبو الزوج حلف إذا كان الابن يعرف بمال وهو منقطع عنه .

[من غاب عنها زوجها غيبة انقطاع وهي بكماء ولم يترك لها شيئا]

*وسئل ابن شعيب عمن غاب عنها زوجها بالمشرق سبع سنين ، لا يعرف له خبر أحي أو ميت ، وهي بكماء ، ولم يترك لها شيئا ، وخاف أهلها أن تضيع فرفعوا مسألتهم لبعض حكامهم فأمر بتحليفها ، فذكر الشهود أن بعض الموثقين قال : لا بد للأبكم في إيمانه من معرفة المحكوم عليه واسمه وكنيته وصفته ويبين ذلك ، ويكون من حضر عنده من الشهود ممن يفهم جميع ذلك ، فأراد السائل أن تكشفوا له الغطاء عن ذلك بما يرفع له اللبس .

=فأجاب : إذا علم مراد الأبكم بقول من يترجم عنه من الشهود بواسطة الإشارات ، وما اقترن بها من القرائن الدالة على ذلك ببينة تنفي معها جميع مهمات الاحتمالات ، وحصل كل ما يتوقف عليه الحكم من جميع الأسباب والشروط ، فقد وجب الحكم له أو عليه ، وما ذكره في السؤال الخاص من توقف اليمين على معرفة الاسم والكنية والصفة لا أثر له ، فإن ثبوت الزوجية بينهما ليس مستفادا من قولها ، والجهل بالاسم وتعذ الوصول إلى معرفته ، لا يقدح فيما ثبت من الزوجية إذا علم من إشارتها ما يدل على أن المراد به الزوج- كما قدمناه وبالله التوفيق .

[من تزوج امرأة واشترى لها من نقدها محشوا فطلبته بكسوتها]

*وسئل : أبو محمد بن جعفر المرسي عمن تزوج امرأة واشترى لها من نقدها محشوا يحتوي على كسوتها وغيرها ، فطلبته بالكسوة قبل تمام العام وبقاء المحشو ، هل لها ذلك أم لا ؟

=فأجاب : إن كان الصداق واسعا فلا كسوة عليه في خلال العام ، وإن كان ضعيفا فعليه ، وليس عليه أن يبدل الشورة ولكن من حقه أن تتزين له بها الوقت بعد الوقت .

[

وسئل: عن الشخص الذي تنزل به مسألة لا يجد فيها مندوحه في مذهب إمامه، أو له مندوحة فيه إلا أنها على قولة شاذة، أو له مندوحة في مذهب الشافعي أو الحنفي أو غيرهما من أهل المذاهب، هل له تقليد الشافعي مثلا أو القوله الشاذة في مذهب إمامه ولا حرج عليه في ذلك؟ وقد قال بعض الشيوخ إن نزلت به نازلة ولمالك فيها قولان أنه يجوز الأخذ بأثقلهما أو بأخفهما ولا حرج عليه، وقد قالوا إن من أصل مذهب مالك مراعاة الخلاف، لكن هذه المراعاة هل تراعي قبل الوقوع أو بعده؟ أو لا تراعي إلا بعده؟ وما ضابط المحل الذي تصح المراعاة فيه؟

فأجاب: تقليد المالكي في مسألة تنزل به شاذ مذهبه أو المذهب الشافعي على خلاف الأولى، لكن يتخلص منه من لم تأسره البينة، ومسائل مراعاة الخلاف منها ما تقع فيه المراعاة بعد الوقوع كطلاق المنكوحة بغير ولي، وقد يتركون المراعاة بعد الوقوع كمراجعة المطلقة في النكاح بال ولي، فإنهم قالوا تتم الرجعة عند ابن القاسم، ورجع إلى أصل مذهبه تاركا لمراعاة الخلاف. فمراعاة الخلاف ليست بمكروهة ولا جارية على أسلوب واحد وإنما يرجع الأمر فيها إلى النقل.

[320/4]

[321/4]

[من قال لزوجته إن كل امرأة يتزوج عليها حرام، ثم تزوج ورضيت ثم ماتت.]

وسئل القاضي أبو عثمان سيدي سعيد العقباني عن رجل طاع لزوجه بعد عقدة النكاح بينهما لا يتزوج عليها غير التي في عصمته قبلها، وأنه مهما فعل فالتي يتزوج عليها حرام، ثم أن الزوج تزوج على زوجه المسماة ولم تقم عليه بذلك إلى أن توفيت المتطوع لها بذلك، ثم إن وليا من أوليائها أو من أراد الاحتساب أراد رفع القضية إلى حاكم من حكام المسلمين. فهل له ذلك أم لا؟ لأنه أراد أن لا يقدم على ذلك إلا بعد معرفة موجب السنة في القضية إلى حاكم من حكام المسلمين.

فأجاب: إن لم يكن استثنى رضى المرأة الميتة ولا رضى غيرها كما يعطيه ظاهر السؤال فقد لزمه التحريم في الثانية.

[

إلا بالعداوة خاصة، ولو قدرنا أنها ميتة أو عديمة لم يضر مشتري الدار ذلك، إذ الرهن بدين كفاف ثقة يجوز بمعاينة البينة وبحيث يكون مشتري الدين أحق به من الغرماء إن كان للمرأة غرماء ولأولادها، وفي كريم علمكم أعزكم الله تعالى أن ابن القاسم أجاز في سماع عيسى بن معاوية شراء الدين على الغائب، وقاله أصبغ في نوازله من كتاب جامع البيوع، ورواه أبو زيد عن مالك، وكذلك إذا كانت للبائع بنية على الحق وعرفت حياة الذي عليه الحق على ما نقله القاضي ابن رشد في سماع ابن القاسم من كتاب السلم والأجل، وكذلك نقل الإمام أبو عبد الله المازري في شرح التلقين أن ابن المواز يجيز شراء الدين على الغائب القريب الغيبة إذا كان على الدين بينة، وقدرها هنا أن الخطأ والغرر معفو عنه، ثم قال المازري وتعقب هذا بعض شيوخنا من جهة إمكان دعواه قضاء الدين أو تجريحه البينة، فهؤلاء أثمة المذهب قد أجازوا بيع الدين فيها برهن يستوفي منه وعليه بينة عادلة؟ فتصفحوا يا سيدي أعزكم الله تعالى هذا السؤال وتفضلوا بالجواب عليه بما يكون عله العمل، والله تعالى يبقي بركتكم ويديم للمسلمين حياتكم، وكذلك يا سيدي تصفحوا مسألة كتاب الهبات من المدونة فقد قال فيها أبو عمران معنى قوله حاضرا أي حاضرا بالبلد أو ما هو في حكم الحضور ليعلم ملأه وعدمه، بل الاحتياط إنما هو خوفا من أن يكون عديما أو ميتا فلا يحصل للمشتري ما اشتراه، وهذا معدوم في مسألتنا، وقد نزلت هذه المسألة وتكلمنا فيها ها هنا مع بعض أصحابنا من الطلبة وقال لي يمكن أن يستحق الرهن فيعود الغرر لبقاء الدين بغير رهن، فقلت إذا اعتبرنا هذا الاحتمال أدى ذلك إلى أن لا ينعقد قبل بيعه، ويمكن أن يستحق من يد مشتريه، فلو جعلنا هذا مؤثرا في البيع لم يصلح بيع من البيوع والسلام عليكم.

زماننا من المقلدين من ليس عنده قدرة على الترجيح بين الأقوال، فإن ذلك غير معدوم، وإن كان قليلا وأما رتبة الاجتهاد في المغرب فمعدومة. وقد قال ذلك الإمام المازري عن زمانه، فكيف بزماننا وبينهما نحو مائتي عام وما أظنه انعدم بجهة المشرق، وقد كان منهم من ينسب إلى ذلك ممن هو في حياة أشياخنا وأشياخ أشياخنا. ومواد الاجتهاد في زماننا أيسر منها في زمن المتقدمين. لو أراد الله سبحانه بنا الهداية ولكن لابد من قبض العلم بقبض العلماء على ما أخبر به الصادق صلوات الله عليه وسلم.

ابن عرفة: ما أشار إليه من يسر الاجتهاد هو ما سمعته يحكيه عن بعض الشيوخ أن قراءة مثل الجزولية والمعالم الفقهية والاطلاع على أحاديث الأحكام الكبرى لعبد الحق ونحو ذلك يكفي في تحصيل آلة الاجتهاد. قال ابن عرفة: يريد مع يسر الاطلاع على فهم مشكل اللغة بمختصر العين والصحاح للجوهري ونحو ذلك من كتب غريب الحديث لاسيما مع نظر كلام ابن القطان وتحقيقه أحاديث الأحكام وبلوغ درجة الإمامة أو ما قاربها في العلوم المذكورة، غير مشترط في الاجتهاد إجماعا.

وقال الفخر في المحصول وتبعه السراج في تحصيله والتاج في حاصله في كتاب الإجماع ما نصه:

ولو بقي من المجتهدين والعياذ بالله واحد كان قوله حجة، فاستعاذتهم تدل على بقاء الاجتهاد في عصرهما والفخر(¬1) توفي يوم عيد الفطر سنة ست وستمائة ولكن قال في كتاب الاستغناء ما نصه: انعقد الإجماع في زماننا على تقليد الميت إذ لا مجتهد فيه انتهى.

وقال في مختصره الأصلي ما نصه: ومواد الاجتهاد عندي اليوم متيسرة، وليس موادها بتصنيف من تقدمنا عن قرب كتبها من لغة وعربية وجمع

[364/6]

وسئل فقهاء فاس عن تحبيس السلطان أبي العباس أحمد بن أبي سالم

[305/7] لجنان عين الناس على ضريح جده, هل يمضي أم لا؟

فأجاب الفقيه أبو العباس أحمد بن محمد بن عيسى بن علي البجائي بما نصه: الحمد لله تعالى. الجواب أن ما فعله الأمير أبو عامر من الحبس في الجنان المذكور باطل غير نافذ ولا ماض, وما فعله السلطان بعده من استرجاع الأمير المذكور الجنان المذكور وضمه إلى بيت مال المسلمين فهو الواجب في ذلك, لاستغراق ذمتهم, والشهرة في استغراق ذمة أمراء زماننا كافية, لا تحتاج إلى إثبات, لأن أحوالهم الموجبة لاستغراق ذمتهم لا تخفى على أحد, ولا يقال إن القاضي يحكم بعلمه لأن منع القاضي من الحكم بعلمه معلل بالتهمة التي تلحقه لذلك, ولا يكون إلا فيما ينفرد به, فأما ما يعلمه هو وغيره, وعلمه فيه كعلم غيره فيحكم فيه بعلمه, وهي مسائل موجودة في المذهب, مع أن قضية الجنان المذكور شهد فيه على السلطان أنه ثبت عنده استغراق ذمة الأمير المذكور, وهذا يقوي ما ذكرته من شهرة الحال ويحصل بمجموع ما ذكرناه بطلان حبس الأمير المذكور وتصحيح بيع السلطان محمد, وكتب أحمد بن محمد بن عيسى البجائي.

فأجاب: لا شيء على المختنة لأنها فعلت ما العادة أن يفعل الناس مثله، وإن كان الختان يوم السابع مكروها، فلم يبق معها إلا القول ولم تباشر. وأما الحجام الذي باشر فلأنه أذن له، لا سيما إن لم يعرف أن هناك أبا غائبا ففعل، فغايته أن يكون مثل حجام لقي صبيا فختنه بغير إذن، فهذا فعل ما يجوز شرعا بغير إذن. انظر من ذبح شاة لغيره وجدها تموت فخاف عليها ولم يؤذن لم يضمن. قيل هذا لو قامت ببينة أنها تموت لم يضمن. وانظر الراعي إذا أحرى على الغنم يضمن. قيل هنا تعدى ما أذن له فيه وقال الغير لا يضمن. ونظير مسألة الحجام من حصد زرعا بغير أمر مالكه فحمله الريح وذهب اختلف ابتداء هل له أجر أم لا؟ فإذا ذهب هل يضمنه أم لا؟ توقف على النظر.

وسئل ابن المكوي عمن استأجر راعيا لغنمه، فلما خرج بها إلى المسرح ورجع إلى المدينة، ثم رجع إليها عشية فوجدها ناقصة لا يدري هل قبل رجوعه أو بعده؟

فأجاب: لا ضمان إلا أن يقيم رب الغنم البينة أنها إنما ضاعت في وقت تعديه. ومثلها في المدونة في صناعها فيمن دفع ثوبا لقصار فيأتي ربه

[344/8]

[345/8]ليأخذه فوجد فيه تقطيع، فأرى أنه إن لم تقم البينة أنه قطع فار وأنه لم يفرط ضمن القصار، لأن حال هذا الضمان، والراعي مؤتمن، قيل انظر هذه المسألة مع المخالفة في العلة والحكم، ولو كانت المماثلة لكان الجواب عدم ضمان القصار إلا إذا قام رب الثوب ببينة أنه فرط وأنه قرض غير الفار.

وسئل أبوعمران عن وصي دفع مركبا له لمولى عليه في حجره وأمره بالسفر إلى أسكندرية فمضى به المولى عليه ورجع فعطب في رجوعه فقال الوصي إنما أمرتك أن تصل به وتبيعه هنا لك فغررت ورجعت به فعليك الضمان.

ثم ماذا يحملهما على ارتكاب الهوى حكما في المسألة؟ فانتقد عليهما أم أجابا فيهما جوابا فرد عليهما، والله أعلم بما تكنه الضمائر، وأعوذ بالله من أكذب الحديث، وهو الظن الخبيث، روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا ظننتم فلا تحققوا)) قال الله عز وجل: ﴿إن الظن لا يغنى من الحق شيئا﴾ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يحل لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمة أن يظن بها سوءا، وهو يجد لها في شىء من الخير مخرجا، وقال عمر رضي الله عنه: لا ينتفع بنفسه من لا ينتفع بظنه، فغير هذا يا سيدنا الخطيب أولى، لأن قدرك أحل وأعلى، ثم استدل بقوله عليه السلام: ((حبك الشيء يعمي ويصم))، تحقيقا لاتباع المجيبين للهوى، والله أعلم بقصدهما، والحق معلوم، وطريق الملامة غير مذموم، ومحسن الظن ليس بملوم.

وقوله: وهو لعمري يحمل المرء يعني الهوى على أن ينزل بالمنزل المستو بل ويلم، ويخوض البحر اللجي المغشي بالأمواج والسحاب المظلم المدلهم.

قلت: إن تأمل المتأمل في هاتين الفقرتين من الخروج عن الموازنة والطباق وسائر الألقاب المعتبرة في النثر، ونظر ما اشتملت عليه من العيوب المتعارفة عند القوم علم ما أهمل من ذلك وتجوفي عنه، وكذلك قوله: ويسلك بنيات الطريق، ويترك سلوك المسلك الفج العميق، هكذا إيجاب مثل هذين الرجلين، وإنما سلكا قولا، فهل أداهما ترجيح الدليل، والله أعلم بسالك بنيات الطريق، وهو المطلع على نيات الجميع، وقد تركنا كثيرا من مناقشة هذا السيد الفاضل في جوابه، ومطالبته مما لا يختص بكلامه مع الرجلين، وقد نبهنا على مواضع من ذلك في حاشية جوابه إشعارا بما أضرب

[

ثم كتب رحمه الله : وصل الله حفظ سيادتكم وعلو مجادتكم . وقف إلي ناس ذكروا أنهم كانوا قد اشتروا قديما من المسلم إليه في الميراث الذي كنتم أخذتم معي في قضيته وتنصلوا بما نزل بهم ، فكبر علي الأمر في ذلك لمشاركتي فيه بالفتيا ، فالمراد منكم أن تكتبوا لي بنسخ من موجبات لأقف عليها وأكتب لكم بما يظهر فيها إن شاء الله تعالى . وإن كنتم لم تبرموا الحكم فيه فتوقفوا حتى يصلكم وجه النظر فيها بحول الله وقوته . وقد وقفت على استرعاء بالقدح في التسليم لجهة التحريف والتهديد ولم أره كافيا لأن المطلوب في ذلك أن يؤدي الشهود على حضورهم التسليم في تاريخه وأنهم سمعوا التخويف إذ ذاك حتى وقع التسليم في موطنه ، ولا يكفي قدم التخويف على التسليم في غير مجلسه ولا يعملون ما اتفق في وقته وتاريخه ، وربما كتبت إليكم بشيء من هذا ولا أذكر الآن ما سبق فيه مني ، وإنما كان يكفي ذلك مع التقية ، والقضية عارية منها . والاسترعاء المشار إليه مضمن أمرا جمليا في ذلك إذ لم يعين فيه حضور موطن التسليم وأنه كان على ذلك الوجه ، وإنما طريقة هذا الاسترعاء أن يقال شهوده حضروا موطنا سمعوا فيه فلانا يخوف فلانا ويهدده إن لم يسلم له في كذا ، فلم يزل به كذلك سائلا منه ذلك ومخوفا ومهددا حتى سلم لمكان تخويفه وتهديده . والسلام عليكم من كاتبه معظم سيادتكم الفاضلة فرج .

293/11] مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ وطولب بالدخول في دين الإسلام فلم يزل يرغب حتى افتدى بمال عظيم. قال بعضهم: إنما سكت النصراني ولم يجب خوفا وحسدا أن يظهر دين الإسلام، وما يدل على التصديق بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإلا ففي الإنجيل ما يدل على ذلك في مواضع منه.

[إقامة بعض العوائد ليلة الحجوز]

وسئل ابن وضاح من قبل المعلم محمد بن خميس عن ليلة الحجوز وما يفعله أهل بلدنا فيها.

فأجاب بأن ذلك مكروه وعابه عيبا شديدا ونزع بآى من القرآن. منها قوله تعالى: ﴿ولا تتبع سبيل المفسدين﴾. وقوله: ﴿ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون﴾.

[طريقة كتابة المصحف]

وسئل مالك فقيل له: أرأيت من استكتب مصحفا اليوم أترى أن يكتب على ما أحدث الناس من الهجاء اليوم؟

فأجاب: لا أرى ذلك ولكن يكتب على الكتبة الأولى.

قال أبو عمر: ولا مخالف له في ذلك من علماء الأمة.

[منع النساء من الميراث في العصور السالفة]

وسئل شيخنا القاضي الإمام أبو سالم سيدي إبراهيم العقباني عن مسألة وردت عليه من بلاد القبلة نصها.

جوابكم في مسألة عم بلواها، وعميت عن السؤال فتواها، وهي مسألة بلد تواطأ أهلها على منع النساء من الميراث من القرن الخامس إلى هلم جرا، فاسترشد والي البلد إلى الحق، فأخذ له وطلب وجه الحق فيها في أيدي الناس الآن من الأصول والرباع، وكيف تجري المواريث فيه مع جهل من له الحق في ذلك؟ لتوالي منع عن ذويه، وتناسخ المواريث، وجهل عدة المحيطين بكل فريضة وقعت في ذلك الزمان كله، وعموم الشك في من سبق

[

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٣٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٣٥٣