وسئل الفقيه الحافظ أبو محمد عبد الله العبدوسي عن قرية عظيمة تشبه المصر لاتصال بنيانها وإحاطة السور بها وإقامة السوق فيها, فكانت الجمعة تقام فيها بالقرب منها من أدنى نصف الميل قرية أخرى على صفتها, وبين القريتين عداوة. وكان دأب أهل هذه القرية الثانية أنهم يصلون أربعا من لدن نشأت العدواة بينهم وبين أهل القرية الأولى لمنعهم من الصلاة بها, فأرادوا الآن أن يقيموا الجمعة بقريتهم, فهل ترون ذلك سائغا مع ما ذكر من مجاورة القريتين أم لا؟
فأجاب ليس لهم أن يقيموا الجمعة بها, بل يبقون على عادتهم من صلاتهم ظهرا أربعا إن لم يتمكن لهم صلاتها جمعة بالقرية الأخرى وبالله سبحانه التوفيق.
[القرية التي تقام فيها الجمعة والتي لا تقام فيها]
وسئل الفقيه أبو عبد الله القوري عن منزل كانت فيه جمعة أفتى الفقيه العبدوسي بقطعها وإعادة من صلاها أبدا, فقطعت لذلك وبقي الأمر على ذلك إلى أن ورد عليهم وارد قال لهم: أن الجمعة واجبة عليكم وشروطها قد توفرت فيكم, فتوقف الأمر في إعادتها وإقامتها على ما عندكم.
فأجاب الحمد لله. أما انهدام السور فلا يضر ولا يقدح في إقامة
[
=فأجاب بأن قال: يقول هذا الشاهدين المقبول إن الضرب كان عمدا، وتجب في ذلك القسامة للأخوين بشهادة الشاهد المقبول على قول ابن القاسم إن اللوث الشاهد العدل، وجائز عنه أن يوكلوا كلهم، وإن كان النساء لا حق لهن في القسامة، إذ قد يمكن أن يجدوا البينة على القتل فيستغنى عن القسامة إن شاء الله وصفة اليمين أن يحلف كل واحد من الأخوين بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة لقد ضرب أخي هذا بالسكين على سببيل العمد ولمات من ضربه حتى يستتما خمسين يمينا.
[ يساق المدمي عليه إلى حيث المدمي ويسجن مقيدا بالحديد ]
*وسئل عن رجل به جرح ظاهر دمى على رجل آخر في غير بلد المدمي وزعم أنه أصابه في ذلك البلد الذي هو فيه.
=فأجاب الواجب أن يسجن المدمى عليه في الحديد بعد أن يساق من حيث هو إلى حيث المدمى، فإن كان المدمى عليه مريضا سجن في البلد الذي هو فيه دون حديد، لأن الحديد إنما جعل له ليلا يفر فيقيد، والمرض قيد له عن الفرار، ونزلت عند ابن رشد على ابن حسين من أهل شبونة.
[ إذا لم يكن للقتيل عصبة فليس للإمام العفو ]
*وسئل عن رجل قتل ببينة عادلة ولا عصبة له فهل للسلطان ما للأولياء من العفو والقصاص أم لا؟
=فأجاب: الذي يقتضيه الواجب أن لا نظر للسلطان في العفو عنه، وقد قال عليه السلام: « لا يبطل دم المسلم »، ولا أعرف فيه نصا وكذلك ظهر إلى ابن رشد، انظرها في سماع عيسى في الرسم الأول منه، وقال فيه ابن القاسم: لا ينبغي للإمام أن يهدر دم مسلم، ولكن يستقيد له.
[ من دمى على رجلين حبسه أحدهما وقتله الأخر ]
*وسئل عن رجل دمى على رجلين ذكر أن الواحد حبسه والآخر قتله.
=فأجاب: الواجب في هذا أن يكون كمن دمى على رجلين فتكون
[318/2]
[319/2]
294/3][من قال : تزوج ابنتي وأنا أجهزها بكذا وأشهد على نفسه]
*وسئل : أبو جعفر عمن قال : تزوج ابنتي وأنا أجهزها بكذا . وأشهد على نفسه ، أو قال لبنيه : اشهدوا أن لها كذا دينارا . وأصدق الزوج مثل ذلك ، ثم مات الأب في الوجهين .
=فأجاب : ليس لها إلا ما عينه إذا عرف بعينه ، أو ما لا يعرف على يدي غيره ، وإن عين لها حصة مشاعة من رباع فمات وهي في يده ، كذلك إن مات وهي في ولايته صحت ، وإن خرجت من ولايته فإن حازت بقبض الغلة ، أو سقطت ، أو عالجت أو وكلت على ذلك ، فهو لها ، وإن لم يكن شيء من ذلك ، فهو للورثة .
[غريبة ذكرت أنها من الجبل وليس لها من يدخل عليها وتريد أن تتزوج]
*وسئل : ابن الضابط عن غريبة ذكرت أنها من الجبل ، لها بسفاقس سنة ونصف ، ولم يرج لها من يدخل عليها ولا يخرج ، وذكرت أنها ليس لها زوج ، وأرادت إذن القاضي في تزويجها وهي ضعيفة .
=فأجاب : إذا كشف جماعة من الجيران عن حالها وذكروا صدقها فيما ادعت ، زوجت
[من تأتي تريد أن يزوجها وليها وهو غائب]
*وسئل : سحنون عمن تأتي تريد أن يزوجها وليها وهو غائب بسفاقس والأربض فهل يزوجها ؟
=فأجاب : إن قربت غيبة الولي كتب إليه واضطر ليزوجها ، وإن بعدت غيبته زوجها الحاكم ، إلا الأب في ابنته البكر فينتظر ، إلا أن تكون غيبته منقطعة وسفاقس والأربض بعيدة ، فتزوج ويكتب إليه ولا ينتظر .
[من تزوج امرأة بخمسين دينارا النقد منها عشرون ثم سافر الزوج وباعت هي جميع الرحل]
*وسئل : أبو القاسم القاري السوسي عمن تزوج امرأة بخمسين دينارا[295/3]مرابطية ، النقد منها عشرون ، فدخل بها وأقامت سنين وولدت أولادا ثم سافر سفرا فأخذت رحلها الذي دخلت به ، وقيمته مائة وخمسون دينارا من هذه السوسية ، فباعت جميع ذلك ولم يبق منه شيء ، فجاء زوجها وسألها عنه فقالت ما أعرف ، فهل له متكلم في ذلك أم لا ؟
قيل لرجل تزوج فلانة فقال: تحرم علي ورددتها في ظهر أمي]
وسئل عن رجل أراد تزويج امرأة فخطبها فلم يتم له ما أرداه، فقيل له تزوج أختها، فقال لهم تحرم عليه ورددتها في ظهر أمي، ثم إنه أراد تزوجها.
فأجاب: أما الظهار فمهما صارت زوجة لم يحل له أن يطأها حتى يكفر كفارة الظهار، وأما التحريم فإنه يجوز له أن يعقد عليها ويقع عليه الطلاق بنفس العقد، ثم ينظر ما نوى بقوله تحرم عليه، فإن كان نوى واحدة أو اثنتين كان الذي يقع عليه ما نوى، وإن كان لم ينو واجدة أو اثنتين كان الذي يقع عليه الثلاث ومتى عقد عليها عقدا ثانيا جاز أن يبقى معها.
[من أشهد على نفسه أنه طلق زوجته المرة الثالثة، ثم رغب في مراجعتها بدعوى الجهل]
وسئل عن رجل جلس مع عدول فقال لهم طلقت امرأتي فلانة.
[321/4]
[322/4]
البارحة، فقيل له تردها إن شاء الله، فقال كيف أردها وهذه آخر الثلاث، ثم بعد مدة تطلب من قاضي موضعه مراجعتها، فقال له كيف تردها وهي محرمة عليك؟ والقاضي كان أحد الشهود بذلك عليه، إذ كان ذلك الزمان شاهدا، فقال إنما قلت ذلك، وإنما كنت ظاهرت منها قبل اليوم وكفرت بإذن قاضي المكان بعتق رقبة، فاعتقدت أن ذلك طلقة، فلذلك قلت إنها آخر الثلاث فامتنع القاضي من ردها ولم يعذره بجهل، وللفرض أنها معه بدار واحدة فما ترى في قبول عذره؟ وما يصنع القاضي إن لم يمكنه الحكم عليه لقلة أحكام السلطنة بالموضوع وكونه ذا وجاهة وسلطنة؟
فأجاب: الثلاث تلزمه ولا يقبل عذره، إذ لا يصدق فيه، وإن قدر القاضي أن الصحيحين كم عليه فليفرق بينهما، ولا يتركها ساكنة معه بدار واحدة، وإن ثبت الوطء بعد ثبوت الثلاث لزمه الحد، وكذلك يلزمه أن كانت عالمة بما ثبت عليه من الثلاث، وإن عجز القاضي عن التفريق بينهما وعن الحكم لم يلزمه شيء والله أعلم.
[من نوى الطلاق ولم يلفظ به فلا شيء عليه.]
فأجاب: يا أخي رضي الله تعالى عنكم، بعد الوقوف على ما جلبتم من النصوص في هذه القضية أما من يجيز بيع الدين على غائب بغير رهن فلا يشكل على أحد أنه مع الرهن أولى بالجواز، لكنها أقوال غير مشهورة ولا
[293/5]
معول عليها عند أصحاب الأحكام، وإذا مضينا من أن ذلك لا يجوز فإشارتكم في السؤال أن يكون شهود الوثيقة ممن لا يمكن فيهم الخصم من التجريح بالأسفاه مع وجود الرهن يرفع الغرر وقلتم إن تجويز الاستحقاق لو اعتبر مثله ما صح بيع وبحثكم حسن، وأعرف مثله للشيخ أبي الحسن اللخمي فإنه أجاز شراء الدين على الميت إذا كان معروف الملا وله أموال مأمونة، ولا شك أن نظركم هو ما اعتمد عليه، وأن مسألته أقل غررا من مسألة السؤال، لأنه إن استحق أو هلك بعض ماله فبعيد استحقاق سائره أو هلاكه، ومع هذا أنكر غيره من أشياخ المذهب ولم يجيزوه، والصواب في باب الأحكام إتباعهم بخلاف باب المذاكرة، واستعادكم الاستحقاق والتجريح بالعداوة حق، لكن ما جوابكم عن إمكان إثبات القضاء فيسقط الدين جملة أو يأتي من يثبت ابتياع الرهن أو ارتهانه أو حيازته قبل هذا أو بعده وتفريط المرتهن الأول في الحوز أو يثبت القضاء في الدين أو بيع الغريم الطالب له أو هبته لهذا الدين أو إسقاطه له أو غير ذلك وكل وجه من ذلك وإن كان يستبعد على انفراده فإن المجموع لا يستبعد وقدح واحد منها فيكثر الغرر بسبب أنه يمكن اتفاق وقوع جملتها أو واحد منها فيبطل الحق وكان أقرب في التوصل إلى بيع هذا الدين بالطريق التي أشار إليها القاضي أبو الوليد بن رشد باعتراف المشتري أنه يعلم صحة الدين فإنه قال أن ذلك جائز باتفاق لأنه إذا قدر بطلان الدين لم يكن له رجوع وإن كان المازري حكي الخلاف في ذلك بل أشار إلى تخريج الخلاف في ذلك في كتاب الحوالة، وهذا كله إذا كان الدين صحيحا بأن يحتاج الأيتام إلى الإنفاق الضروري ولم يوجد ما ينفق عليهم ولا من يسلفهم وتكون لهم غلة موجودة وتكون
الأحاديث والتكلم على رجالها، وعلم الكلام، وأصول الفقه، والمنطق، وذكر مواضع الإجماع، والناسخ مع الجد والتوفيق من الله تعالى جعلنا الله تعالى من أهل العلم العاملين به. انتهى.
وقال تلميذه الإمام أبو عبد الله الأبي رحمه الله في كتاب الأقضية من إكمال الإكمال ما نصه: وكان ابن عبد السلام يحكي أن من الشيوخ من كان يصعب الاجتهاد ومنهم من كان يسهل في أمره، وإليه كان يذهب الشيخ ويرى أنه يكفي في مادته النحوية، مثل الجزولية وفي مادته الأصولية مثل ابن التلمساني قالوا وأما الحديث فهو اليوم سهل لأنه قد فرغ من تمييز صحيحه من سقيمه فإذا نزلت به مسألة من أم الولد مثلا فيكفيه أن يجمع المصنفات والأحكام الكبرى لعبد الحق وينظر ما ورد فيها ويكفي فيه تصحيح مؤلفه، ولا يلزمه نظر ثان في سنده، ولا يكون مقلدا في ذلك. قالوا: ويكتفي في معرفة الإجماع بالنظر في كتب الإجماع الموضوعة فيه كإجماع ابن القطان وكان الشيخ يقول: إذا أحضر هذه المصنفات للنظر في النازلة فإنه يجتمع له من الأحاديث فيها ما لا يكاد يحضر مالكا. قال وأنسب من رأيته على هذه الصفة يعني في المشاركة في هذه المواد ابن عبد السلام وابن هارون انتهى.
[أسئلة ثمانية في مواضع مختلفة وردت على ابن عرفة من غرناطة]
هذه أسئلة كتب فيها بعض فقهاء غرناطة بمدينة تونس للسيد الفقيه الإمام العالم العلامة المفتي الخطيب المدرس المقرئ المحقق الأكمل أبي عبد الله محمد بن محمد بن عرفة -رضي الله عنه- نصها.
بعد الحمد لله. يا سيدي أبقى الله بركتكم، وشكر إفادتكم، وأدام بدأكم في العلوم الشرعية، والمعالم الدينية وإعادتكم. يسلم على سيادتكم الفاضلة، ومجادتكم الكاملة وإمامتكم العالية، ومثابتكم السامية. طالب من أهل غرناطة الأندلس، مقتبس من أنواركم، وملتمس مما منحكم الله من
[365/6]
وأجاب الشريف محمد بن أحمد بن محمد العمراني بما نصه: لما وقع البحث والنظر في مسألة جنان بن عين الناس المذكور في السؤال أعلاه كشف الحال أن الأمراء يحكم في حبسهم بحكم مستغرقي الذمة, وأبرزت الحال أن ذلك في الصدقة والتبذير في الملاهي والشهوات المحرمة, مع ما ينالون من الرشا والهدايا المحرمة, انظر على ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام حين قدم رجل فجعل يقول هذا مالي أهدي لي, وهذا مال المسلمين, فخطب عليه السلام قال "هلا جلس أحدكم في بيت أمه فيهدى له" وتصدق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بما زادت قيمة الؤلؤ على قيمة المخلوق (كذا)(¬1) التي أهدت امرأة لامرأة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين. وشاطر عمر رضي الله عنه عماله, ولم يبح لعبد الله وعبيد الله ولديه أخذ ربح
[
فأجاب: لا ضمان عليه لأن من أطلق يد سفيه على ماله أو بايعه أو أودعه وديعة فتعدى السفيه فلا شيء عليه. قيل له أصلحك الله جناية الصبي لازمة له إلا فيما أطلق يده عليه وهذا الوصي يقول إنما أطلقت يده في الوصول بالمركب فقط فبنفس وصوله انقطع تسليطي عليه، فهو متعد فقال أبوعمران هذا وإن كان كما قلت فهو قد بقي في يده كأنه أودعه إياه حتى يبيعه، وقد قال مالك فيمن جعل للسفيه جعلا في آبق فباعه إلى آخر ما في المدونة وذكر مسائل على هذا المعنى.
وسئل ابن عرفة عن رجل مات بالإسكندرية ووارثه بتونس فخيف على بعض تركته من جهة السلطان ونحوه من الأمراء فقام رجل وباعها على جهة الدلالة ونظر المصلحة للوارث الغائب، فقدم بها المشتري لتونس فوقف عليه الوارث.
فأجاب بأن للوارث أخذ متاعه وعليه الكراء واستدل بمسألة الغلط في الكراء في الحملان المذكورة في العتبية قال لأن المشتري أخطأ على نفسه في الحكم وسلط على نفسه بسبب الانتزاع. قيل وفي ثامن مسألة من نوازل سحنون من الوصايا في نحو هذه النازلة بعينها وقال الكراء على الورثة إذا أخذوا أعيان متاعهم.
قيل وقعت مسألة من هذا المعنى وهي رجل اشترى قنطارا من النيل
[345/8]
[346/8]بمكة شرفها الله ثم أودعه عند رجل من مكة فلما قضى وطره أتاه فدفع غيره غلطا فحمل إلى أفريقية ثم تبين له أنه لغيره ممن أتى معه في الرفقة فقام عليه صاحب النيل فأثبته فهل يلزمه الكراء أم لا؟.
316/9] من أمثال ذلك، وبالله التوفيق، وها هنا انقضى كلامنا مع هذا السيد الفاضل بحسب ما أدى إليه نظري الذي لا أثق والله بصوابه، ولا أعد نفسي من أهل النظر والنجابة، ولكني كتبت لينظر هل يعمل أو يهمل ويعدل به(¬1) أن يعدل.
فلنرجع إلى ما في هذه المسألة من النقل وما أدى إليه النظر وهدى له الدليل من ترجيح ما يظهر ترجيحه بحول الله، وبه الاستعانة، وهو ولي التوفيق فأقول مستعينا بالله:
إن مسألة الموصى يوصى ويشترط أن لا رجوع فيها لم يوجد فيها لمالك ولقدماء أصحابه نص على ما يقتضيه كلام المتأخرين فيها، والذي وقفت عليه فيها ما أذكر فرأيت للإمام أبي عبدالله المازري في المعلم لما تكلم على حديث النبي صلى الله عليه وسلم في المدبر، قال: والشافعي أحل المدبر في البيع محل الوصية بعتقه، وأصح ما فرق به أصحابنا بينهما أن ذلك مبنى على المقاصد فالتدبير عندهم علامة على أنه لا يرجع في هذا الفعل ولا يحله وليس كذلك الوصية، ولو صرح في الوصية أنه لا يرجع فيها لأشبهت التدبير، هذا نصه، فظهر أن هذا منه اختيار، وهو خلاف ما حكى شيخنا أبوعبدالله بن راشد في كتابه الموسوم بالمذهب في ضبط مسائل المذهب، فإنه قال الرجوع عن الوصية وإن قال لا رجعة لي فيها على ظاهر المذهب، وقد يتخرج فيها قول بأن لا رجوع له من قوله: أنت طالق واحدة لا رجعة لي فيها، ومن شرط(¬2) وهذا خلاف ما رأيت لصاحبنا الفقيه القدوة محقق الوقت بلا مدافع أبي عبدالله بن عرفة حفظه الله في اختصاره لكتاب الحوفي من الفرائض فإنه قال عقب كلام الحوفي: وللموصى أن يغير وصيته، وله الرجوع عنها بخلاف التدبير.
قال: قلت فإن التزم عدم الرجوع لزمه، على الأصح، ورأيته في نسخة على المشهور.
[
وسئل عن رجل سافر إلى أرض الحجاز وثبتت وفاته بالسماع الفاشي ، [293/10] وله أبناء عم هم عصبة تركته وانعقدت وفاته للناظر في المواريث فبحث على عصبته واستظهروا له برسم يوجب لهم الإرث ، وكان قد عهد بثلث متروكه للمساكين ، فطلب الناظر في المواريث من العصبة ثقافا مخزنيا على جميع التركة فامتنع العصبة من إعطاء ثقاف المساكين ، فنكل بعضهم وثقفهم . ثم إنه أخذ الثقاف على جميع المتروك منهم ، وقدم قاضي النظر في موضعه ناظرا ينظر في حظ المساكين فتحاسب مع العصبة على جميع التركة وعلى ما استفيد فيها بخلال ذلك من كراء وغيره وعلى الثقاف الذي أخذه الناظر في المواريث ، ووقع الفصل بينهم في ذلك بعقد به ويطالعه (كذا) القاضي ، ثم ان القاضي تأخر بعد ذلك بنحو العامين وتقدم بعده قاض آخر فأراد أن ينقض ما وقع الفصل فيه ويرجع بالثقاف الذي خرج من حظ المساكين على العصبة ويغرمهم إياه ، فهل له ذلك أم لا ؟ بينوا الحكم في ذلك مأجورين .
فأجاب : وقفت على السؤال المكتتب ، والحكم في ذلك أن لا غرم على العصبة في شيء من الثقاف المأخوذ ، لأن العادة أخذه من رأس التركة من غير محاسبة وصية ولا غيرها ، مع العلم بأن المدافعة عن ذلك غير مجزئة وعائدة على ما يأتي بالمضرة ، مع أن النصوص المذهبية على أن تسليم الإنسان في مال لغيره عند الإكراه والخوف على نفسه من الضرر وشبهه غير موجب للغرم وإن كان المخوف متوقعا لا محققا ، لاسيما وقد أمضى ذلك ناظر من القضاة وأنفذه في النازلة بالموافقين عليه ، فلا وجه في الشرع لتعقب ذلك بعد ذلك .
[لا تجوز هبة المريض لورثته إلا إذا ثبت أنه مات من مرض آخر أصابه]
294/11] موته من المتوارثين وانتقال أملاكهم بالبيع والشراء وبالجملة انسد طريق التحقيق في ذلك، وجهلت أرباب المواريث فهل يسلك بما في أيديهم الآن مسلك من الغالب على ماله الحرام فتمنع معاملته؟ كما قال ابن رشد في جامع المقدمات: أما على الكراهة، وعليه لا يحكم بإخراج ما بأيديهم وجوبا أو على التحريم، فيحكم عليهم بإخراجه وجوبا، أو يسلك بهم مسلك من كان ماله كله حراما، فيجب عليه التصدق به، أو يضعه فيما ينفع المسلمين، على الخلاف في المال المجهول أربابه، هل هو كالركاز أو كالفيء؟ فهل للإمام أن يحكم لكل واحد بتمليك ما بيده إن رأى ذلك نظرا، فيورث عنه الآن؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته انتهى السؤال.