تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال في المنتقى ومثله في نوازل ابن رشد, واللفظ للمنتقى: ولو أصاب الناس ما يمنعهم من الجامع يوما ما لم تصح لهم جمعة في غيره من المساجد ذلك اليوم, إلا بأن يحكم له الإمام بحكم الجامع, وينتقل الحكم إليه عن الجامع الممنوع فيبطل حكم الجمعة في المسجد الأول وتنقل إلى

[273/1] الثاني. ولذلك قال مالك في المدونة فيمن رعف يوم الجمعة وهو جالس في التشهد أنه يخرج فيغسل عنه الدم ويرجع إلى الجامع فيتم فيه تشهده ويسلم. وإن علم أن الإمام قد قضى صلاته بعد, لأن الجمعة لا تكون إلا في الجامع. ولو كانت سائر المساجد تنوب عن الجامع قال يتم صلاته في أقرب المساجد, لأن إتمامها فيه يجزى عنه انتهى. وأما قوله ولم يشعر الباني أن الجمعة تفتقر إلى شروط وربوط فأفحش شيء يسمع, إذ سلب المعرفة عن أمراء ذلك الزمان, ومن حضر وقتهم من العلماء الأعيان, ولا ينبغي لك أن تفوه بهذا الكلام لقصر باعك, وعدم اطلاعك, ولأنك إن فعلت زجرك لسان الحال, وقال لك ليس هذا بعشك فادرجي وأنشدك:

خل الطريق لمن يبني المنار به ... وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر

قال: وقد نص الإمام رحمه الله تعالى في المدونة على بعضها الخ.

أقول: هذا شيء قد فرغ الناس من اتقانه, وبلغوا الغاية القصوى في تحقيقه وبيانه.

لم يدع من مضى للذي قد غبر ... فضل علم سوى أخذه بالأثر

وأما قوله: وجامع القصر ليس فيه شيء من هذا, فليس بصحيح لما قدمناه.

=وأجاب عبد الرحمن بن بقي بن مخلد أنه متوقف على القول في التدميات، وذكر أنه كان مذهب أبيه وجده، والله الموفق للصواب بمنه.

وأنهى أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله إلى ابن حدير في تطلب فتى أحمد بن أبي عثمان، وسجنه إذ اتصل به أعزه الله أن الجريح زعم أيضا أن الفتى أحدث عليه بعض الجراحات، فسجنه بعد أن وقفه وقال: بمثل قول مولاه وأمر أبقاه الله في توجيه رجال من أهل العدل إليه مع أهل البصر من الأطباء ليمتحن الأطباء الجراحات وليشهدوا بعلمهم بها وليسمع العدول الموجهون معهم مقالة الجريح، ويوقفوه إن كان يستمر على قول الأول في ابن أبي عثمان أو يرجع عنه، فإن استمر على ذلك أحلف بالله خمسين يمينا على أن ابن أبي عثمان جرحه الجراحات التي أصابته عمدا لا خطأ ثم يشاور قاضي الجماعة والفقهاء فيما ثبت عنده من ذلك فوجه العدول والأطباء إلى الجريح فنظر الأطباء إلى الجراح، فقالوا: إنها مأمونة غير مخوفة إن تلوفيت بعلاج إن شاء الله، ثم سأله العدول إن كان يستمر على مقالته وأن يحلف بمشهدهم خمسين يمينا على أن أحمد ابن أبي عثمان تولى ذلك بيده على وجه العمد، وأن تكون يمينه في الجامع إن استطاع ووعظوه وخوفوه الله عز وجل، فقال: أما الجرح الذي برأسي فإنه لم يصبني به أحمد وإنما أصابني به فتاة تمام، وأما الجرح الذي بذراعي فإن أحمد بن أبي عثمان هو الذي أصابني بها على وجه العمد بيده، وشهد عنده الأطباء والعدول بما تقدم الذكر عنهم وقبل شهادتهم وشاور قاضي الجماعة والفقهاء.

فقال القاضي محمد بن إسحاق: الذي نرى والله الموفق للصواب أنه إذا ادعى بهذا وشبهه على من لا يليق ذلك به ولا ينسب إليه ولا تقوم للمدعي شبهة قوية ألا يحبس، ونرى أحمد بن أبي عثمان هذا إطلاقه من السجن إذ ليس معلوما بهذه الأفعال ولا موصوفا بها، وكذلك الغلام إن كان من أهل الطهارة والعافية نرى أن يطلق أيضا إن شاء الله.

[

=فأجاب : الزوج مطلوب بجميع الصداق نقده ومهره ، وله مورثه فيه ، ولا يقبل قوله في دفع النقد إلا ببينه أو اعتراف من الورثة ، وأما دعوى الزوج[292/3]وورثة الزوج على أبي الزوجة وورثته ، فإن حققوا الدعوى حلف من يظن به العلم أن الزوجة لم تترك شيئا في علمهم على إلا ظهر ، ولهم ردها على مدعي التحقيق ، وإن لم يحققوا الدعوى فيختلف فيه وإلا ظهر اليمين ؛ لأنها يمين تهمة بين الورثة مشبهة ، وما اغتل من رباع المتوفاة ، فهو لورثتها على الفرائض ، ومن دعى إلى المفاصلة في الرباع وغيرها مما هم فيه شركاء فالقول قوله .

[من طلق زوجته وله منها بنات فخرجت بهن للصائفة ، فإن النفقة تسقط عنه مدة إقامتها هناك]

*وسئل : أبو محمد المرسي عمن طلق زوجته وله منها بنات ، فخرجت بهن للصائفة أتسقط النفقة عنه مدة مقامها بهن أم لا ؟

=فأجاب : ذلك ساقط عنه مدة إقامة الصائفة بهن

[من توفيت وتركت زوجها وأولادها منه وصداقها ثم قام الأولاد يطلبون إرثهم من الصداق]

*وسئل : ابن النعمان عمن توفيت وتركت زوجها وأولادها الصغار منه وصداقها ، فأنفق الأب على الأولاد حتى بلغوا ، فطلبوا مورثهم من الصداق ، فذكر الأب أنه أنفقه عليهم في الصغر .

=فأجاب : القول قول الأب في أنه أنفق عليهم ما ورثوه من الصداق ، ولا يمين عليه .

[من تزوج صبية وله أب وبعد نكاحه مات الزوج وقال الأب : إنه كان في كفالتي]

*وسئل : البربي عمن تزوج صبية وله أب فبعد نكاحه بخمسة أيام مات الزوج ، فقال أبوه : كان في كفالتي ولم يترك شيئا . وادعى أبو الزوجة أنه ترك أشياء من كسوة وغيرها وذهب إلى يمين أبي الزوج وأمه ، وحقق عليه الدعوى ، فهل عليه يمين أم لا ؟

وسئل عن رجل وقع بنيه وبين زوجته شنان فقالت له إن كان النساء يطلقن الرجال فأنا طلقتك، فقال لها أنت طالق مائة تطليقة. ثم ادعى بعد ذلك أنه كان وقع بينهما فساد قبل التزويج واسترسل عليها إلى أن تزوجها قبل استبرائها، فهل إن صح ذلك تسوغ له مراجعتها أم لا؟

فأجاب: لا يقبل قول الزوج بعد الطلاق بالثلاث بما ادعاه من الواقع ولا تسمع بينته بذلك إلا أن يمنع البينة مانع من الرفع، واستمر عليها المانع، ثم تؤخر الرفع بعد التمكن فإنها تسمع ويعمل بمقتضى شهادتها.

[من عقد على امرأة قبل استبرائها وتاب فله أن يراجعها بعد الاستبراء]

وسئل عن رجل ذكر أنه عقد على امرأته قبل استبرائها من مائة الفاسد. بل استرسل عليها سنين إلى العام الفارط، فقال لها إنك عندي في الحرام. فأنت على حرام بصداقك. فجاء شاهدا بذلك على نفسه قاصدا به الفتيا، فما يلزمه؟

فأجاب: إن لم تأسره البينة بغير ما ذكر أعلاه فله أن يراجع زوجته بعد الاستبراء، ولا يؤخذ قوله أنت علي حرام على الإنشاء، بل هو إخبار عما وقع فيه من التزويج الفاسد والله أعلم.

[319/4]

[320/4]

[المخبول الذي يطلق زوجته دون قصد لا يلزمه]

وسئل أيضا عمن وقع بينه وبين زوجته نزاع وبه قين يعتريه، فقال لها أنا طلقتك ولم يقصد الطلاق بقلبه ولا عول عليه.

فأجاب: لا يلزمه بقوله المذكور إن كان سبق به لسانه ولم يقصد به الطلاق شيء، لأن هذا في الفتوى. وأما إن كان مأسورا بالبينة فلا يقبل منه أن لفظ طلقتك لم يقصد به طلاقا، إلا أن تكون البينة تعلم ما ذكر من الخبل الذي يعتريه في عقله وتظن أنه كان به حين صدر منه اللفظ المذكور لما يظهر لها من مخايل حاله. فإن يحلف على ما ادعى ويخلى بينه وبين زوجته.

[يمكن في بعض النوازل الأخذ بالقول الشاذ في المذهب أو بقول مذهب آخر]

فأجاب: أما الدراهم التي يذكرها موثقو الأندلسيين فيما بيع على المحضون فلا أعرف مقدارها وما أظنها تبلغ الشرعية، لأن ذلك كثير جدا، وما وقع في المدونة من إيصاء الأم على ابنها في اليسير كستين دينارا يقرب من هذا إن كانت الدراهم شرعية، ولا يتوقف مع النصوص في هذا، بل يرجع في اليسير والكثير فيه إلى عرف الناس، والله تعالى أعلم والله سبحانه الموفق، وكتب محمد بن مرزوق غفر الله له ولطف به بمنه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

[مسألة في بيع الدين الذي على الغائب]

وسئل الشيخ أبو العباس سيدي أحمد القباب عن امرأة كانت لها دارا مشتركة بينها وبين أولاد لها صغار إلى حضانتها، فأثبتت المرأة المذكورة أن أولادها المذكورين بحال حاجة شديدة وفاقة فادحة، ورفعت الأمر إلى قاضي البلد فأذن لها في أن تدان لهم دينا وتلزمه ذمتهم وترهن فيه حظهم من الدار المذكورة، فأدانت دينا لها ولهم ورهنت فيه حظا من الدار على نفسها وعليهم، والدين المذكور دنانير إلى أجل، فلما مضى الأجل المذكور أراد مرتهن الدار صاحب الدين بيع دينه بعروض نقدا والمرأة المذكورة غائبة، فلما أراد أن يعقد البيع فيه طلب منه إحضار المرأة المذكورة لتقر بالدين فقال لا يلزم حضورها ولا إقرارها بالدين إذا هو ببينة عادلة وبرهن كفاف بالدين يساوي أكثر منه، فما ترون سيدي أعزكم الله تعالى هل يشترط حضورها وإقرارها بالدين كما يشترط ذلك في الدين إذا كان بغير بينة ولا رهان؟ أو لا يشترط ذلك؟ إذ العلة التي لأجلها اشترط حضور الغريم المطلوب وإقراره بالدين إنما هو مما يتوقع من حجوده وتجريحه بينة إن شهدت عليه بالدين، ولكونه إذا كان غائبا لا يدري أحي هو أم ميت أملي هو أم معدم؟ وهذا كله معدوم في مسألتنا، لأن المرأة المذكورة لو حضرت وجحدت الدين لم ينفع جحودها ولم تمكن من تجريح البينة التي شهدت عليها، إذ هي بينة عادلة، إذ لا يمكن من تجريحها

[292/5]

أنه لا يلزم من فساد المثال فساد الممثل. فقال أبو موسى للسلطان: هذا كلام أصولي محقق فقلت لهما وأنا يومئذ حديث السن: ما أنصفتما الرجل، فإن المثل كما تؤخذ على جهة التحقيق، كذلك تؤخذ على جهة التقريب.

ومن ثم جاء ما قاله عند الشيخ، أعني ابن أبي عمر. وكيف لا وهذا سيبويه يقول وهذا مثال ولا يتكلم به فإذا صح أن المثال قد يكون تقريبا فلا يلزم صحة المثال ولا فساد الممثل بفساده، فهذان القولان من أصل واحد. انتهى.

وقال القاضي الإمام أبو عبد الله بن عبد السلام في قول ابن الحاجب في فصل التحكيم: وتزوجتك على حكمي أو حكم فلان تفويض، لا فاسد. ورجع إليه ابن القاسم لما علم قول مالك.

إن قلت: رجوع ابن القاسم دليل على أنه مقلد لملك كتقليده من دونه قلت: يحتمل أنه أجاب أولا على قواعد مالك، فلما وجد نصه رجع إليه. ولا يلزم من هذا أنه مقلد. ألا ترى أنه لا ينافي التصريح بنقيضه فيقول: الجاري على أصل المذهب كذا. والصحيح عندي كذا، لنص حديث أو غيره من الأدلة الظاهرة، إلا أن التقليد ممنوع من غالب حال أهل العصر بدليل منفصل، وحال ابن القاسم معلومة من دليل منفصل ألا ترى إلى كثرة مخالفته لمالك، وإغلاظه القول عليه؟ فيقول: هذا القول ليس شيء وما أشبهه من الألفاظ التي يبعد صدورها من مقلد. انتهى.

ابن عرفة: ظاهره أن ابن القاسم عنده مجتهد مطلقا، وهو بعيد، لأن بضاعته في الحديث مزجاة، والأظهر ما قاله ابن التلمساني في شرح المعالم: أنه مجتهد في مذهب مالك فقط، كابن شريح(¬1) في مذهب الشافعي. وظاهر قول ابن عبد السلام غالب حال أهل العصر أن عصره لم يخل من مجتهد وهو كم قال والله أعلم.

وقال ابن عبد السلام -رحمه الله في باب الأقضية: لا ينبغي أن يولي في

[363/6]

304/7] العلم بأنكم مسؤولون عما قلدتم من امور المسلمين ألهمنا الله وإياكم الحجة, وسلك بنا وبكم إلى أرشد واضح المحجة, وخلصنا من تلكم العقبات العظيمة والمفاوز, بكريم العفو, وعظيم الصفح, وحسن التجاوز, بمنه وفضله. وأما طلبكم الكتب بما تقتضيه الفتيا من أقاويل علماء الأمة, حملاء الشريعة من العلام والأئمة, فقد وجب الآسعاف به لما تهممتم به من المصالح, وتعين لكم وللمسلمين علينا من بذل النصائح, فأقول بلسان ناقل, لا بلسان حامل, إن المعلوم في هذه المسألة وما أشبهها من أقاويل العلماء المرسومة المسطورة, ومذاهبهم المعلومة المشهورة, تقدم مراعاة المصالح العامة على المصالح الخاصة, والمنافع التامة على المنافع الناقصة, ولا شك أن السور أصل لما عليه, وحرز تحرز المنافع بفضل الله وتنظيم لديه, والحبس من جملة من ينتفع بإقامة رسمه, ويستنصر بوهية وثلمه, وحيث إن الأمر في بنائه يحتاج إلى مؤنة كبيرة, وجملة من المال كثيرة, يعجز عن القيام بها الحبس الواحد من أحباس المنتفعين به, والمتوصلين إلى مصالحهم على اختلاف أنواعها من القلة والكثرة بسببه, فالاستعانة في ذلك بوفر أحباس الزوايا التي ذكرتم أولى إن كان فيه ما يسد خلته بعد إقامة ما يقي الرسم المحبس, ويحفظ أصله, جائز حسن مليح, والدليل عليه من أقاويل العلماء ومذاهبهم واضح صحيح, وغن كان يضعف عن إقامة جزء من أجزاء الاصلاح, فيستعان بأوفار أحباس التربيعة الكريمة, بمكة الشريفة العظيمة, على وجه السلف لا تصيير أحباس الزوايا المذكورة كالرهن فيه مهما طلع من خراجها شيء يرفع لمكة فتستوفيه بعد أن يبقى لمكة من وفر أحباسها ما يحتاج به لما عسى أن يحتاج ريعها من بناء وإقامة, وما تحفظ به رسوم الفوائد المستدامة, وبسط أقوال العلماء في هذا عريض طويل, وفي الإشارة إليه مع الاستشهاد والظهور دليل- انتهى.

[تحبيس السلاطين على أقاربهم أو غيرهم غير نافذ]

وسئل سيدي قاسم العقباني عمن دفع برنسا لصانع يحيكه ودفع إليه أجرته ثم أتى رب البرنس للصانع فقال له أرنى برنسي أبيعه، وقال له الصانع إني أريد أن آخذ فيه معاملة، فقال له ربه لا آخذ فيه معاملة ولا أبيعه إلا بالذهب فقال له الصانع نعم أنا آخذ المعاملة لنفسي وأعطيك الذهب، وصار الصانع يعده بذلك وربه يتردد إلى الصانع إلى أن قال له يوما إنه قد ضاع ولكني أغرمه لك وأعطيك ثمنه فأعطاه بعض ثمنه ثم قال له سق لي ما عندك من البرانيس وأحيكها لك من الثمن الذي لك عندي فأعطاه برنسين ليحيكهما من ذلك فتمسك بهما الصانع وقال لربهما لا أردهما إليك حتى ترد إلي ما دفعت لك من الثمن ثمن الذي ضاع فإني قيل لي لا يلزمني غرمه فهل يلزم الصانع غرم الضائع أم لا؟ بينوا لنا ذلك ولكم الأجر والسلام عليكم.

فأجاب: البرنس الأول مضمون على الصانع والله الموفق بفضله.

[رفع المدعى عليه إلى حكام الظلم]

وسئل الأستاذ أبوسعيد بن لب عما تعم به البلوى من رفع بعض الناس بعضا إلى حكام الظلم والجور المتسلطين على أموال الخلق وأبدانهم بمجرد الدعوى من غير شبهة لا سيما إن كان ذا مال وذا عفة وخير ففيهم تقع

[343/8]

[344/8]

العجائب فإن أهل الشر يدفعون عن أنفسهم فهل يلزم الدافع غرم تلك الأموال المأخوذة بسببه أم لا؟

فأجاب: أما المتسبب في غرم مال بغير حق بشكوى مبطلة مع تقدم علم المتسبب بالغرم وثبوت الشكوى المبطلة يلزمه غرم ما تسبب فيه بعد تعذر استرجاعه من المباشر.

[جدة لأم أتت بحفيدها الحجام يوم سابعه فختنته فمات]

وسئل سيدي أبوالحسن الصغير عن رجل غاب فولد له مولود في غيبته فعمدت ختنته إلى الولد الذي ولد له فأتت يوم سابعه بحجام فختنته فمات، فهل يلزم الختنة أو الحجام شيء أم لا؟

قلنا متبعين لتكراره: قد ظهر بطلان الاعتماد على هذه النكتة، وأنها محل نزاع خصميك وأيضا فإنا نقول قولك في غير موضع وليس ثم وصية ثانية غير صحيح، لأن الموصى إذا أوصى بوصية ثانية دخلت وصيته الثانية مع الأولى فإنه لم يقل مهما أوصيت، وإنما قال إذا رجعت والوصية الثانية والثالثة لوقعت ليس برجوع ولا مسلوبة الدلالة فاعرفه.

قوله: عند من حقق النظر وتكلم بإنصاف.

قلنا: هذا مشترك الإلزام ومعارض بمثله، ولعمري إن من نظر بهذه الصفة لكلام الرجلين علم أنهما قد حققا النظر، ودققاه وظهر له شفوف إحدى الجهتين، والتقدم على الغير من غير مين.

قوله: ولم يؤثر خلاف الهوى على الائتلاف.

قلت: هذا مما أحاشى عن الجواب عنه قلمي، وأصون عن مقابلته بمثله كلمي، فأحد خصمه وهو المقري رحمه الله لقي الله وقد قدم على ما قدم، ولقد كان عفا الله عنه معلوم القدر، مشهور الذكر بالخير، بعيدا عن أن يطنن به إيثار الهوى في حكم شرعي وإرادة تفريق الائتلاف في أمر ديني، فلقد تبعه بعد موته في حسن الثناء وصالح الدعاء، ما يرجع له النفع به في يوم اللقاء، ودار الجزاء، وعوارفه معلومة عند الفقهاء، مشهورة بين الدهماء، فظان به هذا الظن هو المسؤول عنه، وأما الشريف فمقامه معروف، وتصانيفه

[315/9] الشاهدة له بالأمانة والتقدم حاضرة، ومن ادعى شفوفا عليه فليتجرد لأنظر في مصنفات وهو أكفل بالجواب عما ظن به الآن واللائق بسيدي وكبير بيته، وشريف منصبه وخطته غير هذا، ففي علمه الكريم ما في هذا الظن، فكيف بمن أضاف شرف العلم والعمل والبيت؟ اللهم غفرا.

فأجاب : وقفت وصل الله حفظ سيادتكم ، وعلو مجادتكم على مكتوبكم وإذا ثبت للقائم أنه كان في تسليمه مخوفا بالقتل مهددا به بمحضر شهود شهدوا له بذلك ، وأن المسلم له كان مخوف الجانب مرهوب السطوة من أهل الشر والدعارة متصل الحال على ذلك إلى حين وفاته ، وثبت أيضا قيامه بعد وفاة ذلك الرجل طالبا حقه ، وإن تعذر وصوله إليه كان لأمر يذكره مما هو خارج عن جهته ، وأعذر فيما ثبت من ذلك كله إلى من يجب الإعذار إليه ، وحلف القائم المذكور أن تسليمه لم يكن إلا لما قارنه من التخويف والتهديد ، وأنه لم يسقط حقه في شيء من تلك المدة كلها إلى الآن ، وجب [292/10] له الرجوع في تسليمه وفي كل ما يثبت أنه من متروك موروثه ، ويرجع من بذل ثمنا على من قبضه منه أو على تركته . ولا بد في ذلك من ثبوت الموت والإراثة والمال والملك للميت في تلك الأملاك على العادة في ذلك مع الحيازة ، لأن هذا ضرب من الاستحقاق . وهذا ما عندي في النازلة .

ومما يجب على القائم في القضية المذكورة يمين الاستحقاق أن يحلفها أنه ما باع ولا فوت ولا خرج ذلك ولا شيء منه عن ملكه إلى الآن علن المعتاد في ذلك ، وهو المعمول به في استحقاق الرباع .

قلت: والشيء يذكر بالشيء قال التوزري صاحب الجدي ذكر لي بعض الفقراء ممن قدم على بتوزر من جهة المشرق قال: حضرت سماعا بالمشرق وحضره والي البلدة وأميرها، وكان له نصراني يخدمه، فقال له النصراني: إني أريد أن أناظر رجلا من المسلمين في هذا الموكب العظيم، فإن غلبني أعطيته ثلاثمائة دينار، وإن غلبته أعطاني كذلك، وأنا ألتزم له إن غلبته دخل ديني، وإن غلبني دخلت في دينه. فأجابه رجل من جملة المسلمين، فقال له المسلم نعم، قال النصراني: خزائن الله لا تنفذ أبدا، فنطلب أن تريني مثالا في هذا العالم، تقرب لي به الفهم والمثال، ويزول عني الإشكال، وندركه بحسي، فقال له المسلم: هذه المسألة الصبيان يلعبون بها عندنا. وقام إلى وسط المجلس وأخذ شمعة ووضعها بين يدي الوالب، ثم قال ناد أيها الملك في مملكتك، أن لا يبقى أحد إلا أسرج من هذه الشمعة، وإن نقصت شيئا فأنا أغرمه، فإذا فهمت هذا فكذلك خزائن الملك الحق، جميع الخلائق يغرفون منها، وهي لا تنقص أبدا وخزائن الله ترجع إلى قدرته التي لا يعجزها شيء. قال النصراني: في الجنة شجرة تظل أهل الجنة كلهم، ولا يبقى بيت في الجنة إلا دخله حظ منها، وأريد أن تريني مثالا في هذا العالم، فقال المسلم: نعم، الشمس أما رأيتها تشرع على الأرض كلها، ولا يبقى موضع ولا بيت إلا دخلته. قال النصراني: فإن أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون، فأرني مثالا في عالمنا. فقال المسلم: نعم، الجنين في بطن أمه يأكل ويشرب ولا يبول ولا يتغوط ثم إن المسلم قال: أيها النصراني أنتم تقولون: إن الجنة لكم، وإذا كان ذلك فهي داركم، وكل من له دار فهو عارف بأوصافها وأريد أن تعرفني بما هو مكتوب على باب الجنة قال فسكت النصراني وانقطع ولم يجد جوابا. فلما انقطع ولم يجب قيل له: أما عليها

[

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٣٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٣٥٢