وأما قوله: وإنما كان بناؤه قاصرا على بانيه ومن معه في قصره فمحض تخرص وتخمين, ورجم بالغيب وإساءة ظن بأمراء المسلمين وعلمائهم أن يتفق ملؤهم على إحداث جامع ثالث بمصرهم يختص بإقامة الجمعة فيه الأميرومن انضم إليه من حشمه وخدمه الساكنين معه دون المشاركين لهم في البلد. بل جامع القصر مستجمع لجميع شروط الجمعة وجوبا وأداء, غير أنه ثالث جوامع البلد أحدثوه أول ثامن القرون, إما رعيا لمن قال بالجواز من أحبار العلماء وإن كان خارج المذهب, أو اغترار بظاهر اطلاق ابن بشير وابن التلمساني في تعدد الجمعة. وقد قدمنا في جوابنا أنا لم نقف على نص قاطع لأيمتنا يساعد اطلاقهما. وهذا كله مما ينبفي عنه هذا الوهم انتهى. وأما كون السور آتيا عليه وعلى بعض ما اتصل به من دور أهل البلد فأمر حادث في أول العشرة السادسة من القرن الماضي قريبا لأمر أوجب ذلك, ولم يكن بينه وبين دور البلد من تاريخ إنشائه إلى تاريخ الحادث المذكور فاصل ولا حاجز. ثم استدل على صحة ما ذكره من قصره, على بانيه بشهرته بجامع القصر, ولم يشعر أن الآضافة تقع بأدنى ملابسة, وإلا فيلزم في جامع الشرفاء من فاس أن يكون قاصرا عليهم لإضافته إليهم. وكذلك كل ما كان من هذا المعنى, وهو شيء لا يقال. ويعطي قوله وكأنه معد لأيام التشويش والفتن أن الجمعة لا تقام في أيام الأمن والعافية والهدوء والسكون, وإنما يقيمها فيه الباني ومن معه عند هبوب رياح الفتن واضطرام نيرانها, وحدوث التشويش ووقوعه بالبلد. ومثل هذا إن أمكن وقوعه من مسقطات الجمعة لا من موجبات إحداث ثالثة استعدادا لزمن الفتنة لا غير. ولم يشعر أن الجامع لا يحكم له بهذا الحكم حتى يحكم له به على التأبيد دون أن ينقل إليه هذا الحكم في يوم من أيام بأعيانها.
*وسئل أبو القاسم أصبغ بن محمد عن ولي الدم تجب عليه اليمين أن فلانا هذا ضرب وليه فلانا أو جرحه، وأن من جرحه ذلك مات، فهل يجب عليه وفقك الله أن يزيد في يمينه، وأن ما شهد به الشهود من قول المدمى لهم وإشهادهم إياهم حق أم لا؟ وهل قال ذلك أحد من أهل العلم؟ وهل يشبه يمين الولي هنا يمين الصغير إذا بلغ وقد كان شهد للصغير شاهد بحق بأن اليمين تجب على المشهود عليه فإن حلف برئ إلى بلوغ الصغير، فإذا بلغ الصغير حلف أن حقه حق وأن شاهده سهد بالحق، قيل لمالك: وكيف يحلف الصبي على ما لا يعلم؟ قال: لا يحلف حتى يعلم بالخبر الذي يتيقن به فله أن يحلف بذلك، قال مالك رحمه الله: على البت أن هذا الحق لحق بين لنا ذلك، يعظم الله أجرك ويجزيك ثوابك وذخرك.
=فأجاب: إن ولي الدم لا يلزمه أن يزيد في يمينه إحقاق ما شهد به الشهود من قول المدمي وما علمت أن أحدا من أهل العلم قاله، وبالله التوفيق.
[ إذا أنكر المدمي عليه أن يكون هو المراد ]
*وسئل فقهاء الأندلس عما ذكره محمد بن عبد الله وهو مضطجع على فراش يعقل ما يقول من أن أحمد بن عمر بن أبي عثمان جرحه في رأسه وفي ذراعه عمدا لا خطأ، وأنه المطلوب بدمه والمستفاد له منه إذا مات قبل أن يبرأ، وفي قول أحمد: إني لست أعرف هذا القائم علي بهذه الجراح ولا أعرف شيئا مما يدعى به علي ولا أنا ممن تأخذه الصفة، وكانت مقالته بمحضر من سمعهما لأربع عشرة بقيت من جمادى الأخير سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.
=فأجابوا: نرى والله الموفق للصواب: إذا ثبت قول المدمى محمد بن عبد الله، وكانت به جراحات ظاهرة غيرة يسيرة مما لا يشبه أن يجنيها بنفسه أن.
[315/2]
[316/2]
يتمادى في السجن أحمد بن عمر حتى تظهر صحة المدمي محمد بن عبد الله أو وفاته، فينظر عند ذلك بالواجب فيه إن شاء الله تعالى.
[ توقف بعض كبار فقهاء الأندلس عن الإفتاء في التدمية ]
=فأجاب : لا يقبل قول الأب : إنه عارية . حتى يثبت ذلك قبل بينونته عنه ، وهذا الجواب يغني عما سئل عنه ، فإن أثبت أنه عارية كما هو ، فحينئذ تحتاج إلى جواب آخر وبالله التوفيق .
[من تزوج بنقد ومهر ورباع ثم توفيت قبل البناء ، ثم توفي والدها ثم الزوج]
*وسئل أبو الفرج التونسي عمن تزوج بنقد ومهر ورباع معلومة كلها ، ثم توفيت قبل البناء وتركت زوجها وأباها ، ثم توفي والدها وترك أولادا ذكورا ثم توفي الزوج عن ولده من امرأة غير الأولى وله أخ مفاوض ، فقام بعض إخوة الزوجة يطلب الأخ المفاوض ، فطلب حقه فيما تركته أخته من موروث أبيها منها ، فذكر الأخ أن أخاه كان نقد أربعين دينارا سفاقسية ، وزعم أن الأب أسقط عنه بقيته وكذلك العادة وهو مكتوب في الصداق ستون دينارا تميمية ، وزعم القائم أنه لم يدفع إلا ثمانين سفاقسية ، وأنكر ما قاله له الأب ، وزعم الأخ المذكور أن الزوجة تركت رجلا كثيرا وأخذه الأب وأنكره القائم ، فطلب الأخ يمينه على ذلك ، فأراد القائم رد اليمين ، فهل ترجع هذه اليمين أم لا ؟ وهل ترجع على الأخ أو على ولد المتوفى وكان حين وفاة أبيه ابن نحو سنتين ؟ وطلب القائم أيضا من أخ الزوجة ما كان جنى من غلة الربع من زيتون وغيره ، وأراد ابن الزوج المفاصلة في الربع لكونه شركة ، فهل ذلك من حقه أم لا ؟
وسئل عن رجل قال لزوجته طلقتك طلقة لإسقاطك عني صداقك، فقالت لم أسقط عنك شيئا وما طلقتني إلا طلقة من غير فداء، فقال الزوج لشهود حضروا كلامهما هذا: اشهدوا وأني راجعتها من تلك الطلقة لتحققها أنها كانت من غير فداء، فقيل له أنت مقر بطلقة بائنة تدعي الفداء. هل يباح لها ترويج غيره أم لا؟ لمراجعته إياها واعترافها أنها لم ترد عليه شيئا.
فأجاب: القول قولها أنها لم تفتد بمالها، وتملك نفسها بإقرار الزوج بأن الطلاق بائن، فإذا كملت عدتها حلت للأزواج ولا تمنع من نكاح غيره، إن ابتغت لموافقتها أنها مطلقة وبائن بعد انقضاء عدتها، وقول الرجل اشهدوا أني راجعتها لغو لما كان مقرا على نفسه بالخلع.
[وطء المطلقة يعتبر رجعة لها]
وسئل عن رجل حلف بالطلاق وحنث واسترسل على زوجته من غير رجعة، فكان بعد ذلك يحلف ويحنث ويطلق المذكورة ويردها بلا ولي ولا شهود، فهل يلزمه ما أوقع بعد الطلقة الأولى من طلاق وحنث به؟ والمذكور كان يبقى مع الزوجة ولم يرتفع عنها حتى تكمل عدتها ويستمتع بها بالوطء وغيره.
فأجاب: ما أوقعه على زوجته بعد حنثه بالطلقة الأولى لازم له، لأنه لما بقي على الزوج ولم يرتفع عنها حتى تكمل عدتها كانت في لزوم ما أوقع عليها من الطلاق كالزوجة المرتجعة، لأن الوطء رجعة في مذهب بعض العلماء، والنكاح المختلف يلزم طلاقه.
[318/4]
[319/4]
وسئل عمن قال لزوجته أنت طالق في الدنيا والآخر، هل يحمل قوله على أنها طلقة بائنة؟ أو يكون بمنزلة من قال لزوجته أنت طالق أبدا؟ فالمراد إعلامنا بما نعتمد عليه في ذلك وبالنص إن وجدتموه.
فأجاب: ليس عندي في هذه النازلة نص يخصها، ولكني لا أتوقف في أنها من مسائل أبدا. فإن قائل في الدنيا والآخرة إنما يقتضي (¬1) التأكيد في التأبيد.
فأجاب: إن باعت الحاضنة للحاجة كما شرع لها فبيعها ماض، وإن ظهر غبن رد القاضي لا العاصب إن لم يكن وصيا، وإن أمضى البيع فلا حنث على واحد منهما لاستثنائه.
الثالثة النصيب إن جهل بين الورثة في حوانيت وفيها حظ محبس والورثة أجنبيون والكل جهلوا الحظ ولا وجد رسم شراء لا لهذا فهل توقف الغلة حتى يصطلحوا أم كيف يكون الحكم؟
فأجاب: توقف الغلة حتى يصطلحوا.
الرابعة ما الحكم في دراهم الأحباس هل يسلف الناظر دراهم مسجد لمسجد آخر ويبني بها على وجه السلف وهما غنيان أم لا يجوز ذلك؟
فأجاب: لا يجوز ذلك وكتب محمد بن مرزوق.
وأجاب الشيخ أبو الفضل وسيدي قاسم رحمه الله عن الأولى من هذه المسائل بأن قال: ومسألة ما لا يقبل القسم هل فيه شفعة كالحمام والرحى وفي المسألة اضطراب، ومذهب المدونة ثبوت الشفعة، والعمل به أكثر وإن كان من الموثقين من أشار إلى أن عمل أهل قرطبة على القول الآخر، لكن الناس اليوم على ما ذكرت لك أولا.
وأجاب عن الثانية بقوله: وذكرتم مسألة الحالف لا يعمل إلا بما عمل له الشرع في بيع الحاضنة على ابنتها ما يساوي النزر اليسير والثمن كالستة دراهم أو دنانير والشرع لا ينقض هذا من فعلها وشأن الحكم المرضي إذا استطلع رأيه في هذا أو مثله مع معرفة حاجة المحضونة في مسألة الدنانير أن يسلم صنيعها ولا يتعقبه، ومسألة الستة دراهم إنما تصرفها فيه كشراء القوت ونحوه لها فهو جدير بالمضي، وقضاء الحكم عند المرافعة بذلك، ولا يلحق الحالف حينئذ بشيء.
[مسألة في الدراهم الشرعية والدراهم الجارية]
وسئل أيضا سيدي محمد بن مرزوق عن العشرين دينارا قدر ما يبيع
[291/5]
الحاضن على محضونه هل هي دراهم السنة أو من دراهمنا أو ذهبنا؟ لأنه وقع فيها كلام بيننا وبين أصحابنا ووقع خلاف بينهم فيها.
أما الأول فلان إتباع مالك رحمه الله فيما فسر ليس لمجرد قول شخص، بل لما عنده دليل مطلقا من إجماع أهل المدينة أو عملها أو عمل الصحابة واستحسان وافق رأيه أو غير ذلك كما أشرنا إلى معناه في جوابه. سلم ذلك له أو لم يسلم. وإتباع دليل مطلق ليس بمخرج عن الاجتهاد بل هو شرطه، فلا يكون مقلدا.
وأما الثاني فلان إتباع ابن القاسم قول مالك رحمه الله بترجيحخ من أصوله وبتخريجه على قواعده، إتباع لقول شخص وتقليد له. فإن دليل الشخص من حيث هو دليل غير الدليل المطلق ومن لم يتبع الدليل المطلق لا يكون مجتهدا. وكتب عبيد الله عيسى بن محمد بن الإمام غفر الله لم بمنه.
قلت(¬1): ذكر القاضي أبو عبد الله المقري التلمساني رحمه الله أنه شهد مجلسا بين يدي السلطان بن تاشفين عبد الرحمن بن أبي حمو ذكر فيه أبو زيد ابن الإمام أن ابن القاسم مقلد النظر بأصول مالك. ونازعه أبو موسى عمران بن موسى المشدالي وادعى أنه مطلق الاجتهاد واحتج له بمخالفته لبعض ما يرويه أن يبلغه عنه لما ليس من قوله وأتى من ذلك بنظائر كثيرة. قال: فلو تقيد بمذهبه لم يخالفه لغيره فاستظهر أبو زيد بنص لشرف الدين التلمساني ومثل فيه الاجتهاد المخصوص باجتهاد ابن القاسم بالنظر إلى مذهب مالك، والمزني إلى الشافعي، فقال أبو موسى عمران: هذا مثال، والمثال لا تلزم صحته، فصاح أبو زيد وقال لأبي عبد الله بن أبي عمر: تكلم، فقال: لا أعرف ما قال هذا الفقيه. الذي أذكر من كلام أهل العلم،
[362/6]
فأجاب: الحمد لله وحده, وصلى الله على مولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما, وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته, ولكم بفضل الله مواهبه الجزيلة, على جميل القصد وحسن النية ومثوباته. أما تردد نظركم في مسألة إصلاح السور للشفقة على الرعية والوقوف في حق الحبس موقف الحذر والتقية, فذلك عن شاء الله تعالى من ثمرة اليقين وحقيقة
[
ولما وقف على الجواب المشتمل بفضل الله ورحمته على ما لا يخفى من الحق وواضح الصواب بعض الناس بادر قبل الفهم للإنكار وصرح بما لا يليق من ردي الأفكار، ولم يبد لإنكاره مستندا، ولا اظهر له معتمدا، سوى مخالفته بزعمه فتوى من أدرك من الشيوخ، فإنهم كانوا يفتون بتضمين الراعي المشترك، وبفتواهم في عصره جرى العمل بحضرة فاس، ولا تجوز مخالفتهم لأحد من الناس.
فقلت لمن بلغني عنه وتلقاه من لدنه: هذا رجل قد أنكر الحق وأباه ويحه ما أجهله وأغباه. كيف ينكر علينا ويوجد بمخالفة من ذكر الخطأ إلينا، والمدونة التي بنصها أفتينا وبها بزعمه هذا الجاهل القح يصول ويلازم قراءتها على كرسيه في أكثر الفصول تصرح في كتاب جعلها وتقول: ولا ضمان على الرعاة إلا فيما تعدوا فيه أو فرطوا في جميع ما رعوه من الغنم والدواب لأناس شتى أو لرجل واحد ولا يضمن ما سرق إلا أن تشهد بينة أنه ضيع أو فرط قال أبوالزناد وإلا لم يلزمه إلا اليمين انتهى ومثله في اختصار ابن يونس واللخمي ومفيد الحكام، وغير واحد من كتب النوازل والأحكام.
[342/8]
[343/8][ألف الونشريسي كتابا في الرد على من خالفه وأفتى بتضمين الراعي المشترك]
ثم لج في ضلاله، وتمادى على ردي خلاله، حملني لجاجه، وعدم انقياده للحق واعوجاجه، أن ألفت في المسألة تأليفا مفيدا جدا، أبديت فيه حججا لظهره فاقرة، ولبطنه باقرة، ولأذنه واقرة، ولقفاه ناقرة، ولساقيه عاقرة، سميته بإضاءة الحلك، والمرجع بالدرك، على من أفتى من فقهاء فاس بتضمين الراعي المشترك، فمن طمحت عيناه للوقوف عليه فليلتمسه فإنه متين البضاعة مؤيد لمذهب الجماعة مزيف لمذهب ابن حبيب ومن أخذ به بحيث لا يساوي سماعه ومن الله أسأل العصمة والتوفيق إلى أرشد طريق.
وقوله: لجعل الموصى دالا، هذا. بل هل هو إن دل على إبطال حكم الرجوع، وأما الرجوع فقد دل مطابقة.
وقوله: الثالث، منها على ضعفه وتسليم صحة نقله أن الوصية باطلة قال: قلت: المسألة المسؤول عنها ليس فيها رجوع، وليس ثم وصية أخرى إلى قوله فهي على هذا القول وصية باطلة.
قلت: كان هذا السيد الفاضل لم ير هذا التكرار مرارا من غير ضرورة ولا داعية من المستقبح هذا هو المكرر لفظا في مواضع ومعنى في أخرى، وهو محل النزاع وموضع الاختلاف، ومن الكمال أن يعزو هذه الأقوال ويسندها، ولكنه حفظه الله معتمد النقل، مقبول القول، معول على فتياه والاحتجاج لقوله لشهرة إمامته وعلو منزلته.
وقوله: فيجب أن يعود ميراثا لورثة الموصى.
قلت: لا يخفي ما في قوله فيجب مع خلاف غيره له وظهور ما ذهب إليه خصمه وعوده ميراثا دونه، لعمرك زحام ومزلة أقدام ويظهر من ترجيح مذهب غير ما يبطل هذه الدعوى المجردة على الدليل، والنتيجة الواهية المقدمات والتعليل.
قوله: فظهر أن جوابهم عن المسألة على الثلاثة الأقوال المذكورة ساقط غير صحيح لإعراضه عن التعرض إلى النظر في النكتة العظمى التي عليها المدار، وهي الأحق أن يقصد إليها بالتكلم بالاستدلال ويشار.
قلت: بل ظهر أن جوابهما مرجح لأحد الأقوال الثلاثة جار على مقتضى القواعد المحكمة، ونزيده بيانا إن شاء الله.
[314/9] وقوله: لإعراضهم عن النكتة العظمى، قد تقدم الكلام على هذه النكتة التي هي لعمري في هذا الكلام نكتة إنها هي محل النزاع وموضع الخلاف، وجعلها هو كالقاعدة المسلمة، واعتمدها في تقييده هذا، وعليه عقدة الكراء المدار، وإليها أسرع في قصده وسار، وأصر على الإعادة لها والتكرار، وهي أساس بنائه المنهار، وقاعدة أنظاره المتدافعة الاختيار، الواهية الاختبار.
وقوله: وهي التي خرجت بها المسألة على صحة الوصية أن تكون مسألة خلاف.
فأجاب : أما مسألة الرحيين فالذي يظهر من حكمهما أن ينظر إلى الرحى القديمة منهما وقت تجديد الأخيرة ، فإن كانت حينئذ من الدثور والدروس بحيث لا تترك في العادة حتى تصير إليه إلا على وجه التعطيل والترك جملة فلا حجة لأصحابها على المجدد للأخيرة ، وإن كانت قد بلغت ذلك المبلغ أيضا ويصير المجدد لها كمنشىء رحى حيث لا أرحى وإن كان [291/10] أثر ذلك الرحى الأولى حينئذ ظاهرا وبناؤها باقيا مما يرى في العادة أن صاحبها لم يتركها ولا عطلها جملة ، بل على ترقب العود إلى الانتفاع بها ، لكن ترك القيام مع علمه بالتجديد حتى مر من المدة ما تحصل به الحيازة فلا قيام ولا مقال للأول ، وإن قصرت المدة عن ذلك فالظاهر سقوط مقاله أيضا في ذلك بمرور العام فما فوقه مع السكوت والعلم ، لأن محمل ذلك على التسليم والرضى ، إلا أن يدعي عدم الرضى ويعتذر بالعذر الذي أشرتم إليه في السؤال فيحلف أن سكوته لم يكن رضى بذلك ولا إسقاطا لحقه فيه وأنه كان مجمعا على إعادة عمارتها ويكون على ما يجب له من الحق . وأصل هذه المسألة في منتخب الأحكام في آخر السفر الأول منه في ترجمة باب في رحى متقادمة يحدث فوقها رحى أخرى أو تحتها . وأما توصيل الماء فيحمل المتنازعون في ذلك على العادة القديمة ، فمن أخل بشيء منها أجبر على العود إليها إلا أن يأتي من الزمان مع العلم بالإخلال والسكوت عليه ما يسقط الحق أو يوجب يمينا فيصار إلى ذلك ، وتفصيل هذا موكول إلى علمكم .
[من سلم في حظه لشريكه الذي هدده بالقتل وهو من أهل الشر]
وسئل عمن سلم لأخيه في حظه من متروك أمه وقام بعد ثمانية أعوام من موت أخيه وبعد أن كان أخوه المسلم إليه قد باع جميع المتروك برسم يتضمن أنه إنما سلم خوفا منه لما كان قد هدده بالقتل وأنه كان من أهل الشر والحرابة والقتل .
فأجاب بأن قال: لأن الشمع للملوك والأغنياء ولا سبيل للفقراء إليه في غالب الحال، فقال سراجا حتى يقتبس منه الفقير بلا خشية، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن في حسن ثنائه وبذل جوده وأفضاله مقصورا على قوم دون قوم. قيل له: ولم قال: سراجا ولم يقل قمرا؟ فقال: لأن القمر لا يقتبس من نوره نجم ولا كوكب، والسراج يقتبس من نوره ألف سراج، وهو باق على حاله لا ينقص من نوره شيء وكذلك كان صلى الله عليه وسلم، استحق التسمية
[292/11] بالشمس من جميع الأحوال قال أبو هريرة: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس يجري في وجهه، وما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنما الأرض تطوى له إنا لنجهد أنفسنا وهو غير مكترث انتهى.