تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أقول: ويبقى البحث معه رحمه تعالى في جامع القصر, فيبحث فيه الناس المأذون فيه شرعا على خلاف فيه, وإنما كان بناؤه قاصرا على بانيه ومن معه في قصره بدليل شهرته بجامع القصر, وكأنه معد لأيام التشويش والفتن, فيغلقون تلك الأبواب المتعددة الفاصلة بين الجامع ودور المدينة ويصلون الجمعة وإن لم يبلغ النصاب, ولم يشعر الباني أن الجمعة تفتقر إلى شروط وربوط.

أقول: بالكلام على هذه المسألة انقطع كلامه, وتم ما سطرته من الهذيان أقلامه, وقد أحال البحث هنا أولا مع المجيب على البحث عن أصل بناء هذا الجامع, ثم أضرب عن هذه الإحالة صفحا وهجم تخرصا وإقداما على ما لم يحط به علما فقال: والظاهر الخ, فدل بمفهومه أن الجامع المذكور لو بني بقصد التوسعة على أهل البلد حتى يكون الباني وأتباعه داخلين في هذا الغرض لجاز على خلاف فيه, وليس كذلك, لأنه إن عنى بالخلاف المذهبي فلا يصح, لأن الجامع المذكور ثالث جوامع تلمسان باتفاق, فلا يسوغ إحداثه بوجه ولا بحال. وإن عنى به الخارجي فمن شرطه صحة النقل عنهم بأن علة التعدد لا إلى غاية التوسعة, ولعلهم أيضا أجازوا الثالثة فما فوقها

[272/1] بالقياس على سائر مساجد الخمس, ولا يعللونه بالتوسعة فيتطرق الاحتمال, وتطرقه مسقط للاستدلال.

*وسئل بعض القرويين عمن قال: دمي عند فلان ووصفه وحلاه، فتوجد تلك الصفة في البلد، هل يقسم عليه ويقتل كما قيل في الحقوق؟ أم تبطل لعظمها والاختلاف في إعمال التدمية من أصل؟

=فأجاب: بأنه لا يقبل قوله، ولم يعلم الأصحاب فيه قولا.

[ يقتص ممن بادر للقتل قبل القسامة ]

*وسئل عمن قال دمي عند فلان، فبادر بعض الأولياء فقتله قبل القسامة، هل يقتل؟ أم يكون لمن بقى أن يقسم ويسقط القود؟

=فأجاب بأن قال: نعم يقتل به لأن القسامة إنما تكون ليستحق الدم لا لينفيه ويحقنه.

[ المرأة تمنع من ارضاع طفلها حتى يموت ]

*وسئل سيدي أبو الحسن الصغير، عن امراة تركت ولدا رضيعا ابن شهرين أو نحوهما عند أبيه، فبقى عنده أياما يغذيه بلبن المعزة ثم خاف فأرسله إليهما فامتنعت من أخذه فرده فبقي يغذيه بلبن المعزة نحو عشرة أيام فمات، هل على أهل الزوجة فيه شيء أم لا؟

=فأجاب: إن كان لا يجد من يرضعه بأجرة أو بغير ولم يقبل لبن المعزة بحيث ينوب له عن لبن مرضعه وامتنعت أمه من إرضاعه صاحب المناهج تتخرج على مسألة حريم البير من المدونة إذا منع العطاش من الشراب حتى هلكوا فماتوا فديتهم على عواقل المانعين، قالوا: يريد إذا اعتقدوا أن لهم ذلك، وأما لو اعتقدوا أنه لا يجوز لهم ذلك وأنهم يموتون بالعطش

[314/2]

[315/2]

قطعا فالقصاص، فتأمله، فينظر في هذه إن كان لم يجد من يرضعه على الوجه المذكور، ولم يقبل لبن المعزة بحيث يغذيه فتتخرج عليها.

[ لا يزاد في أيمان القسامة أن شهادة التدمية حق ]

*وسئل عمن زوج ابنته لرجل وكتب على أبيه الصداق نقده ومؤخره وتولى الوالد عقد النكاح ، ثم أراد الزوج الدخول بزوجته ، فقال أبوها : كنت اشترطت على الزوج وأبيه أن تدخل ابنتي عندي حتى تستأنس بزوجها . وأنكر ذلك الأب والزوج من قوله ، فزعم أبو البنت أن له بينة على ذلك أنه شرط على الأب قبل العقد ، وأنه شاور الولد وأخبره فرضي ابنه بذلك ، وعمر البنت بقول أبيها عشر سنين ، وبقول الزوج ثلاث عشرة سنة ، فهل يلزم الزوج عقد الأب عليه إن ثبت ؟ وهل يلزم الولد يمين بما ادعاه عليه ؟ وهل العقد على هذا جائز أم لا ؟

=فأجاب : أما عقد الأب على ابنته الشرط بما ذكر فغير لازم ، وأما ما اشترطه على الولد ، فإن كان فيه نفعة للصبية من التأنس وحسن الأدب حتى تعرف ملاقاة الرجال وتحسن أخلاقها ، فهو لازم للزوج ، فإن أنكره لزمه اليمين على ذلك ، أو يرد اليمين على أبي الزوجة ويثبت الشرط .

[من زوج ابنته من ابن أخيه بمائة دينار ذهبا كبارا تميمية ، نقد منها خمسين ودخل بالبنت]

*وسئل : عمن زوج ابنته من ابن أخيه بمائة دينار ذهبا كبارا تميمية ، فدفع منها خمسين نقدا ودخل بالبنت ، وأقام أكثر من نصف سنة ثم توفيت ، وقد كان أبوها أدخلها بحلي وآنية من فضة ورحل كثير ، فنقل الأب أكثر من ذلك وقال : كنت أعرتها ذلك ولم أملكها إياه . ثم أحصيت التركة فجاءت نحو الخمسمائة دينارا ، فعند القسمة جرى بين الأب وبين ابن أخيه خصام كثير ،[291/3]فشهد عليه أنه قال : أدخلت ابنتي بألف دينار . فقال ابن الأخ : إنما صح خمسمائة دينار . والعادة أن يرد منها ، وما رددت إلي شيئا ، وأخذت أكثر الجهاز ، وعادة أمثالك أن يجهزونها بهذا وأكثر منه بحسب كثرة الصداق ، ولا تكون عارية وقد ادعيتها أنت . فهل يقبل قوله من ادعاء العارية وقد أقر أنه أدخلها بألف دينار .

وسئل: عن رجل زوج ابنته البكر ثم وقع بين الزوجين شر بعد البناء عليها، فقال له أبوها أنا رددت عليك مالها فطلقها، فطلقها الزوج على ذلك، فهل يلزم البنت ذلك لكونها محكوما لها بالسفه ما لم يظهر رشدها أو تمضي عليها السنون المعمول بها عليها عند بعض العلماء؟ أو يكون للبنت في ذلك كلام؟ وما وجه رجوعها إن رجعت؟ وما وجه إمضاء ذلك عليها إن أمضى؟ وما وجه الاتفاق على إمضاء ذلك إن أذنت لأبيها في الأمر مع أنها سفيهة؟

فأجاب: الذي مضى عليه العمل أن خلع الأب على ابنته المدخول بها الباقية تحت نظره لا يمضي عليها إلا أن يكون إسقاط لصداقها بموافقتها، وإن كان بغير إذنها كان بها مطالبة الزوج بصداقها. ولا يشكل بهذا الجواب اشتراطهم موافقة السفيهة وهي لا نظر لها في المال، لأنهم إنما لاحظوا في هذا الضرر البدني لأن من حجتها على الأب أن تقول إن كان إسقاطك صداقي لما تتقيه علي من سوء العشرة فقد كنت أرضي بالبقاء على تلك الحال، فلم أسقطت صداقي؟ فمن ها هنا اشترط أكثرهم إذنها. والله تعالى أعلم.

وأجاب فقيه وهران أبو زيد عبد الرحمان بن مغلاش: ظاهر المدونة إن فعل ذلك بابنته التي دخل بها زوجها إذا خرجت من الحجر، وهو الذي في إرخاء الستور، وبه أخذ ابن الهندي وابن العطار. وذهب بعض شيوخ قرطبة إلى أنه لا مقال بعد خروجها من الحجر واستحسنه اللخمي في تبصرته، وابن أبي زمنين. وإذ وقع بإذنها ورضاها من الأب فلا قيام لها عند الجميع.

فإن قلت: وأي رضى لها وهي محجورة؟

[317/4]

[318/4]

قلت: إنما اعتبر رضاها لذهاب التهمة عن الأب، لأن رضاها قرينة على أن الترك لم يكن من تلقاء نفسه، وإنما حركه طلب البنت له، فحملته بالجناية على تتميم غرضها فاتتفت التهمة. والأخذ بمذهب الكتاب أحوط، وإن قال الأكثر بما يخالف ظاهره والله أعلم.

[من طلق زوجته بدعوى أنها أسقطت عنه صداقها فأنكرت]

بين متناقضين ولا يعترض على هذا القسم بمسألة من زعم أن أمة غرته بحريتها فتزوجها فولدت له أولادا قتلوا فأخذ ديتهم على ما قال فيها أصبغ، قال أصبغ ولو قتلوا فأخذ الأب الدية فاستهلكها ثم جاء السيد وهو عديم ثم اتبعه بالقيمة لم يكن له على غارم الدية اتباع لأن الأب أخذها بوجه مما يجوز بحكم حكم له به يوم أخذها، وهذا رأيي انتهى لأنا نجيب بأن قيمة الولد ليست لسيد الأمة الغارة إنما وجب قبل زوجها الناكح لها قبل تعدي غارم الدية بقتلهم على أنه رقيق وجب على أبيهم الحر افتكاكهم من الرق بقيمتهم والدية بقتلهم وإنما وجبت بعد تقرير كونهم أحرارا، ولو كانت قبل هذا لكانت قيمتهم على أنهم رقيق، أو يجاب بأنه لما كان الأب عديما تعلق لغارم الدية حق فلا يجب الرجوع عليه لأنه دفع بحكم لم يكن له رده، فلو كان يدفع بالحكم ويتوجه عليه بعد ذلك موجب الغرم ولا يجد هو على من يرجع لعدم الأب لكان في ذلك حيفا عليه، فمنع سيد الأمة الغارة من اتباعه، فقد صار غارم الدية متعلق الحق بما صار عليه من الحكم فأشبه مسألة الدار في تعلق حق المشتري بها فتصير المسألة على هذا الجواب الأخير من مسألة هذا القسم.

[سؤال في أربع مسائل مختلفة]

وسئل الشيخ أبو عبد الله سيدي محمد بن مرزوق رحمه الله عن أربع مسائل: الأولى مسألة الأرض والحمام في الشفعة ما الذي عليه العمل هل هو مذهب ابن القاسم أو مذهب مالك؟

فأجاب: مذهب ابن القاسم لا شفعة.

الثانية مسألة قالب معد لتخليص الجلد باعته امرأة حاضنة على ابنتها وبقي نصيب للعصبة العم وأختيه لغيبتهما، وباعت هي للحاجة بستة دراهم وحلف العاصب حين قدم أنه يرد البيع إن لم يجزه الشرع، وطلب الزيادة فهل له ذلك أم لا؟ وإن ادعى فيه غبنا فهل له كلام أم لا؟ والمشتري حلف أيضا ما يعمل إلا ما يعمل له الشرع، بينوا لنا الحكم في ذلك.

[290/5]

فقد قال ابن أبي أويس(¬1): قيل لمالك: قولك في كتاب الموطأ: الأمر المجتمع عليه. والأمر عندنا. وببلدنا. وأدركت أهل العلم وسمعت بعض أهل العلم فقال: أما أكثر ما في الكتاب فبرأي فلعمري ما هو رأيي ولكن سماعي من غير واحد من أهل العلم والفضل، والأيمة المقتدي بهم الذين أخذت عنهم وهم الذين كانوا يتقون الله عز وجل فكثروا علي فقلت رأيي وذلك رأيي إذا كان رأيهم مثل رأي الصحابة أدركوهم عليه وأدركتهم على ذلك، فذلك وراثة توارثها قرنا عن قرن إلى زماننا وما كان رأي فهو رأي جماعة من أهل العلم. وما كان فيه الأمر المجتمع عليه فهو ما اجتمع عليه قول أهل الفقه والعلم، لم يختلفوا فيه. وما قلت فيه: الأمر فيه عندنا فهو ما عمل به الناس عندنا وجرت به الأحكام وعرفه العالم والجاهل. وكذلك ما قلت فيه ببلدنا. وما قلت فيه بعض أهل العلم فهو شيء استحسنته من قول العلماء. وما لم أسمع منهم فاجتهدت ونظرت على مذهب من لقيت حتى وقع ذلك موقع الحق لا قريبا منه حتى لا يخرج عن مذهب أهل المدينة وآرائهم. وإن لم أسمع ذلك بعينه نسبت الرأي إلي بعد الاجتهاد مع السنة. وما مضى عليه أهل العلم المقتدى بهم. والأمر المعمول به عندنا من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأئمة الراشدين مع من لقيت فذلك رأيهم ما خرجت إلى غيرهم. فانظر إلى تفسير مالك رحمه الله الرأي وتأمل كلامه في هذا الجواب. وإنما أوردناه لتعلم أن جوابنا على رأي ابن القاسم إنما هو على تسليم عدم إتباعه فيه لأحد.

فإن قيل فعلي هذا يلزم أحد أمرين: إما كون مالك مقلدا لإتباعه غيره في رأيه، وإما كون ابن القاسم غير مقلد لتفسيركم رأيه بإتباعه لقواعد مالك أو لترجيحه من أصول أحد أقواله على ما قررتم لأن الإتباع في الرأي إما أن

[361/6]

يوجبه التقليد فيلزم الأول، أو لا يوجبه فيلزم الثاني.

قلنا كل واحد من الأمرين منتف.

وسئل بعضهم بما نصه: سيدي رضي الله عنكم, وعرف الاسلام وأهله وجوه المصالح الدينية والدنيوية منكم, ماترون بنور العلم وبصيرة الهدى فيما وقع إلينا من أمر سور هذه المدينة فاس المحروسة بالله تعالى من تهدم بعض أرجائه, وهل ينبغي أن يقوم عليه من جبره وبناءه وأن الذي يحتاج إلى ذلك من المال كثير وأن على أرباب الأملاك وظيف ذلك كله عليهم, كما أشرت إليه, عبء ثقيل وحمل كبير, لاسيما في حق من هو منهم ضعيف أو يتيم أو صغير, ولن تقع الإعانة لهم في ذلك بوفر أحباس الزوايا التي أسسها بعض بنات الملوك السالفة رضي الله عنهم لدفنهن بها, أو ما يعرف منها ومن يجري مجراهن ممن له تعلق بالسلطنة وتمول منها, وحتى من أحباس مكة العظمى التي توفر لعدم من يصل منها لقبضه بموجب يقتضيه, والاحتياط في عدم صرفه لتعذر السبيل, وما يراكب من خطر فيه نظرنا (في هذا)(¬1) بين شفقته على ضعفاء أهل هذه البلدة تحمل على إيثار التخفيف عنهم بكل ممكن من الوجوه وبين تقية تصل عن أحداث رأي في الأحباس مخافة أكثر مما نرجوه, اللهم إلا إن كانت فتيا منكم, فذلك تطلع في أدبار ليل البرود شمس اليقين, وتصدع بالحق الواضح القسام المشرق الجبين, فنعم ما ينبلج به الرشد ويتضح, ويثلج له الصدر وينشرح, فإذا نعتمدها عمدة وذخيرة, ونأمر بالعمل بمقتضاها على بصيرة. فاكتبوا لنا بما عنكم في ذلك كتبكم الله عنده من هداة المهتدين, وأعلام العلم والدين, بمنه وكرمه والسلام عليكم أولا وآخرا ورحمة الله تعالى وبركاته.

وسئل سيدي أبوالحسن الصغير عن راعي الدولة إذا خرجت له المواشي ولم يتبعها على الفور حتى ظهر من استينائه عنها يعض تفريط ثم خرج فرعاها بقية يومه فجاء بها آخر النهار وقد ضاعت منها بقرة وأنكر أن تكون خرجت معه ذلك اليوم وقال ربها بل خرجت معه.

فأجاب: إن الراعي ضامن لإمكان أن يكون خرجت وضلت عن البقر في الساعة التي كان فيها مفرطا أول النهار وكان يجب عليه حينئذ أن يتفقد ما قدامه حتى يعرف ما قدمه ويتقوى عليه الضمان إن كان يعرف البقر بأعيانها وما غاب عنها منها فجيب أن يسأل عنها حين يخرج إليه وإلا فهو مفرط والعادة جارية أن رب الماشية لا يعدها أول النهار ولا آخره هذا في البوادي وأما في الحاضرة فيجب ذلك على الراعي وإلا فهو ضامن.

وأجاب سيدي إبراهيم الغازي: القول قول الراعي فيما ادعى عليه أنه قبضه من المواشي وتلف أنه لم يقبضه، وعلى المدعي البينة أنه أقبضه ذلك ولا فرق بين راعي البادية والحاضرة والله أعلم.

[أهل قرية يرعون بقرهم بالدولة ضاع منها ثور في نوبة أحدهم]

وسئلت: في عام أربعة وسبعين وثمانمائة إثر ورودي مدينة فاس، حاطها الله من كل بأس، عن أهل قرية لهم بقر يرعونها بالدولة ضاع منها ثور في دولة أحدهم

[341/8]

[342/8]فقال رب الثور للذي رعى الدولة اغرم لي ثوري فقال له الراعي لا يلزمني شيء.

فأجبت بما نصه: الجواب والله سبحانه ولي التوفيق بفضله، أن الراعي لبقر أهل القرية بالدولة لا ضمان عليه فيما تلف منها أو عرض له شيء وكذلك الراعي بالإجارة لا ضمان عليه إن لم يكن مشتركا وفي المشترك خلاف، مذهب المدونة لا ضمان وضمنه ابن حبيب واليه ركن ابن حارث في بعض كتبه هذا إذا لم يثبت عليه تفريط ولا تضييع نعم أن اتهم بالإضاعة والتفريط استحلف في مقطع الحق بالله الذي لا إله إلا هو ما فرط ولا ضيع ثم يبرأ انتهى.

[اعتراض بعض الفاسيين على فتوى الونشريسي]

312/9] صحة نقله، وهو قد نقله، وقال فيما قبل معترضا على خصميه إنهما لم يجلبا ما في المسألة لأئمتنا من تخريج ومنصوص. فبالله أي الأقوال في هذه الثلاثة المنصوص وأيها المخرج؟ وأين تعيين القائلين، وعزو الأقوال إلى الأئمة المعتمدين، والتواليف المعتبرة عند المفتيين؟ اشترك لعمري جميعهم في هذا اللازم المفترض أظن أن الذي انتقده على غيره لا تنقد عليه؟ أو أمن أن ينظر أحد بعين النقد إليه؟ كلا والله، كما تدين تدان! أين التلطف المألوف بين العلماء؟ وتحسين العبارة المتداول بين الفضلاء؟ رأيت بخط والده الإمام أبي العباس أحمد رحمه الله:

الرفق يمن والأناة سعادة

فاستأن في رفق تلاق نجاحا

وصلوات الله على سيد الخلائق، المرشد إلى أرشد الطرائق القائل: ((ما كان الرفق في شىء إلا زانه))، وأن المؤاخذة عليه.

فقوله: لا رجوع للموصى عنها كأنها قاعدة متفق عليها، وهي محل النزاع، وقوله: فالوصية الأولى من مسألتنا صحيحة.

قلنا: لا نسلم للأدلة الدالة على بطلانها، وهي المتقدمة والآتية بعد بحول الله.

وقوله: والثانية على تسليم كونها وصية باطلة.

قلنا: لا نزاع في أنها وصية واقعة بلفظ الوصية، والواقع لا يرتفع.

وقوله: باطلة.

قلنا: لا نسلم لما سنورده إن شاء الله.

وقوله: وجوابهم على هذا القول ساقط.

قلنا: نعم هذا القول عندهم مرجوح، وهو صحة الوصية الأولى وبطلان الثانية.

وقوله: القول الثاني أن الوصية صحيحة ورجوعه إن رجع عنها

[313/9] صحيح، قال: قلت: الوصية المسؤول عنها لم يقع عنها رجوع بوجه، لجعل الموصى رجوعه عنها دالا على تأكيدها وتجديدها.

قلت: إنما يتعبد بالظاهر، وسيدنا يجل أن ينازع في المحسوس والمشاهد، نص السؤال الذي ينبني هو وغيره عليه الجواب يقول فيه: ثم أشهد على نفسه بالرجوع عنها وإبطال حكمها، نعم له أن يقول، إن الرجوع لا يفيد.

وسئل عن رحيين أحدثتا منذ سنين كثيرة واحدة بعد أخرى ، وكان هنالك رحى أخرى قديمة قد خربت وكان صاحب أقدم المحدثتين يطحن بماء الرحى القديمة ، ثم خربت المحدثتان وبقيت مدة ثم جدد صاحب المحدثة أخيرا رحاه وطحن بذلك مدة ، ثم جدد صاحب المحدثة أولا رحاه وأراد أخذ ذلك الماء واحتج بأن رحاه أقدم من المحدثة آخرا ، فهل لأرباب القديمة حق في ذلك الماء مع عدم إعادتها أم لا ؟ وكذلك رحى أخرى تحت الرحى الأخيرة محدثة رفع سدها في غير موضعه وهو يضر بالأخرى .

291/11] صلى الله عليه وسلم حتى لا يبقى من صلاتك شيء صل على محمد جميع ما صليت وأبرزته لأهل عنايتك وأنبيائك ورسلك وملائكتك وجميع ما أبرزه سبحانه من الرحمة لمن رحمه، من نبي مرسل أو ملك مقرب، هو قد انتهى وانحصر ودخل في الوجود فكأن المصلي طلب من ربنا سبحانه أن جميع ما رحم الله به عباده وأولياءه وأصفياءه وخاصته، وأحسن به إلى جميع أهل مودته من أهل سمائه وأرضه، لمثله أعط لنبيك وحبيبك ومعدن سرك، فقد كان كذلك، فإن الله سبحانه أنعم عليه عليه الصلاة والسلام ورحمه الله بما لم يعطه لمجموع أحبته وأهل وده وخاصته، بل أعطاه أكثر وأجمل، وسيعطيه بعد ما لا يحيط به عقل، ولا يحويه نقل، فغاية ما في هذا الحديث تخصيص لفظ العموم فيه في الصلاة عليه والبركات، وهذا ليس فيه شيء، والتخصيص إما بالعقل وإما بالنقل والعادة ويحتمل أن يكون الحديث وقعت فيه المبالغة في كثرة إعطاء الرحمة وإبراز النعمة كما تقول: أعطى لفلان كل شيء والمبالغة جائزة في كلام العرب والشرع، ولا يؤدي ذلك إلى إحالة وإنما احتجنا إلى هذا التأويل لأن تحسين الظن بالأخيار وأهل المحبة من النقلة واجب، لا سيما والتأويل بابه مفتوح، مع قرب التأويل في ذلك وهو سبحانه يحفظنا من الخطأ والزلل في الاعتقاد والقول والعمل.

[ما سر التعبير بقوله تعالى: ﴿وسراجا منيرا﴾؟]

وسئل بعض العلماء عن معنى قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾ فقيل له لم قال وسراجا ولم يقل شمعا؟

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٣٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٣٥٠