ثم قال: أن الفقيه المجيب, رحمه الله تعالى وغفر له, حين ذكر العنانية ذكر معها في جوابه كما تقدم الجامعين الكائنين بتلمسان على حسب التبعية والانجرار, دون حصر له لذكرهن ولا اضطرار, فقال ما نصه: لا تصح الجمعة من طالة فاس, ولا لأهل الحلوية وجامع القصر من تلمسان إلا على قول عطاء وداوود. وأحد قولي محمد بن الحسن. هذا نصه انتهى.
أقول: ما نصصت هو الحق الذي ظهرت شمسه, ولا ينازع فيه إلا من جهلت قدره نفسه, وغالط الناس وقدر أنه يجوز عليهم لبسه.
قال: قلت كلامه هذا رحمه الله ليس بتحقيق, وإعطاؤه الجوامع الثلاثة حكما واحدا كلام فيه تلفيق, لأن الخلاف الذي ذكره في القرويين بنصه ووصفه هو الذي يتنزل على العنانية وحدها على ما تقرر.
أقول: قد قدمنا غير ما مرة التنبيه على إفساد ما سطره بالنص الواضح الجلي, الذي لا يكابر فيه إلا جاهل غبي, حائد عن الصراط السوي, مقتد
[271/1] بالغواة الضالين عن الطريق, العارين من الرشد والتوفيق, الذين لا يهتدون إلى مسالك التحقيق, ولا يتسع فهمهم القاصر إلى شيء من التدقيق, فأعني ذلك عن إعادته.
أقول: فصحة الجمعة فيها وأرجى للقبول من الحلوية, والحلوية دونها في المنزلة لتسليم المجيب أنها ثالثة.
أقول: لما قررنا من كلام القاضي أبي محمد عبد الوهاب في المعونة ما يقتضي عدم صحة الجمعة الثالثة باتفاق, قلنا: وعليه فلا جمعة لأهل العنانية من طالعة فاس ولا أهل الحلوية وجامع القصر من تلمسان إلا على تقليد عطاء وداوود وأحد قولي محمد بن الحسن. وما قصصت فيه قط على أن الحلوية ثالثة كما نسب هذا المعترض وحرف الكلام عن مواضعه.
*وسئل عن رجلين تشاجرا اسم أحدهما أبو الوليد، والثاني عبد الملك، فخرج أبو الوليد لعبد الملك بسكين كانت عنده، فاتبع أبو عبد الملك لأبي الوليد الذي جرحه فأدرك أخا له اسمه محمد، ومع عبد الملك قريب له اسمه عمر، فحبس له محمد أخا أبي الوليد، وقال له: اضرب اقتل، فجرحه ودمى كل واحد منهما على صاحبه: دمى عبد الملك على أبي الوليد، ودمى محمد أخو أبي الوليد على عبد الملك، وقريبه الذي حبسه، وثبتت التدميتان جميعا إلا أن السنة التي شهدت بتدمية محمد على عبد الملك وقريبه عمر لم تعاين الجرح الذي به، ومات محمد من جراحه، فأراد أبو الوليد أن يقوم بدم أخيه محمد على عبد الملك وعمر، وليس له بالحضرة من يقسم معه عليهما إلا أنه يدعي أن له بني عم ببلد آخر، فهل يقتل عبد الملك بالقسامة قبل أن تبرأ جراحه التي دمى بها على الوليد؟ أو يؤخر حتى يبرأ من جراحه ويسجن؟ وما الحكم في ذلك؟
=فأجاب: بأن تدمية محمد على عبد الملك، وقريبه عمر عاملة، وإن لم يعاين الشهود الجرح الذي به إن ثبت بغيرهم أنه كان مجروحا، ولا يقتل عبد الملك بالقسامة حتى يبرأ من جراحه التي دمى بها على أبي الوليد لأن في ذلك
[313/2]
[314/2]
إبطال ما يجب لأوليائه من القسامة على قاتله، والواجب في ذلك أن يسجن المدمى عليهم ثلاثتهم، أبو الوليد وعمر وعبد الملك، فإن صح عبد الملك من جراحه ووجد أبو الوليد من يقسم معه أقسموا على عمر وعبد الملك وقتلوهما جميعا بالقسامة لأن هذا مما يقتل فيه الاثنان بالقسامة، وإن مات عبد الملك من جراحه أقسم أبو الوليد مع من وجد من بني عمه على عمر وقتلوه بقسامتهم وبالله تعالى التوفيق.
[ من دمى على شخص وصفه فأنكر الشخص الموصوف ]
=فأجاب : إن الأب إذا التزم دفع الصداق ، فالقصد إخلاء ذمة الزوج منه وعمارة ذمة الأب ، فيتبع في حياته وبعد مماته كسائر الديون اللازمة ؛ لأن عليه انعقد النكاح ولا إشكال في هذا ، والقسم الثاني أن يلتزمه عنه على سبيل الحمالة يلفظها فله حكم الحمالة . الثالث قوله أنا ضامن ، فهل فسروه به من أحد الوجهين صير إليه ، وإن لم يفسروا شيئا فهو على الحمل ؛ لأنه العرف في الصدقات ، ويجاب عن هذا السؤال أن حكمه حكم القسم الأول ، ولا شك أن الكاتب تجوز في الكتابة إذ ذكر في الوجه الأول أنه على وجه الحمل الذي انعقد عليه النكاح يقتضى إخلاء ذمة الولد ، ثم ذكر بعد ذلك أن الصداق في ذمة الزوج إلى آخره ، وهو يناقض حمل الصداق .
[من غاب عن زوجته فأثبتت أنه وكلها في حياته وجعلها وصيا بعد وفاته وأن تزوج ابنته قبل البلوغ وبعده]
*وسئل : أبو العباس المروزي عمن غاب عن زوجته فأثبتت عند القاضي أنه وكلها في حياته وجعلها وصيا بعد وفاته ، وأن تزوج ابنته قبل البلوغ وبعده ، وأمضي ذلك وأرسل يدها كما أثبتت ، ودامت غيبة الرجل نحو سنة ونصف ، ثم أقامت الزوجة من عقد نكاح البنت ولم يثبت في العقد هل هو حي فتزوج بالوكالة ، أو ميت فتزوج بالوصية ، ولم يشهد أحد فتمادى الأب على هذه الغيبة ، وقد أشاعت بموته إشاعة وكثرت ، فهل يستقل هذا العقد أم لا ؟
[290/3]=فأجاب : العقد مستقل لأنه ثابت على كل حال ، بسبب ما جعل بيدها على كلا التقديرين ، هكذا الرواية وفي النفس منه شيء ، لما ثبت في حديث : «اليتيمة تستأمر في نفسها» . وقد كتب تزويجها قبل البلوغ ، والذي يظهر أن العقد تام ؛ لأنها فعلت ما أطلق الأب يدها عليه في حياته ومماته .
[من زوج ابنته لرجل وكتب على أبيه الصداق نقده ومؤخره وتولى الوالد عقد النكاح]
وسئل عن رجل تحته امرأتان، إحداهما تزوجها بولاية أجنبي بعد الاستبراء من فساد تقدم بينهما، والأخرى إثر فساد أيضا جرى بينهما، وبنى بها إثر الترويج، وكان يحلف بالطلاق ويحنث ولا يبالي، ثم تاب ورجع إلى الله إلا أنه تحقق قبل أن تدخل الثانية يده أنه حلف بالطلاق وحنث ولم ينو ارتجاعها فضلا عن الإشهاد، هل يحل له نكاح هاتين المرأتين أو من أراد منهما بعد الاستبراء؟ أم لا تحل له إلا بعد زوج؟
فأجاب: أما الذي تزوجها بعد كمال الاستبراء فإن تكرر منه الحنث فيها حتى تكملت الثلاث فلا سبيل له إليها حتى تنكح زوجا غيره، وإن لم تكمل الثلاث لزمه بقدر ما تكرر حنثه فيها. وأما التي تزوجها قبل الاستبراء فنكاحها فاسد، وما حنث بالطلاق لا يلزم فيها لأنها أجنبية.
وسئل عن رجل جرى بينه وبين امرأته فساد ثم تزوجها قبل استبرائه إياها فطلقها بعد مدة طويلة طلقة خلعية، ثم تراجعا فبقي أيضا مدة طويلة فطلقها طلقة رجعية فراجعها، فبعد زمان طلقها طلقة ثالثة خلعية، فهل صادفت هذه الطلقات أو بعضها محلا أم لا؟
فأجاب: إن كان مأسورا بالبينة في طلاقه بالثلاث أو أقر أنه أوقع الثلاث أو طلقة صادفت آخر الثلاث فلا سيبل إليها حتى تنكح زوجا غيره، وإن لم يك مأسورا بالبينة وإنما هو مستفت فيما بينه وبين ربه تعالى، والأمر كما.
[316/4]
[317/4]
ذكر، فالنكاح الأول فاسد، وطلاقه لم يصادف محلا، وأما الرجعة بعده فإن كانت في العدة فكذا هي فاسدة والطلاق بعده لم يصادف محلا، وإن كانت بعد كمال العدة فصحيحة وطلاقها لازم.
[خلع الأب على ابنته الباقية تحت نظره]
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد إذا قضى على الغائب بطلاق زوجته فلا يكون على حجته إذا تزوجت ودخل بها ولا يفسخ النكاح له إلا أن الطلاق لا يلزمه منه شيء متى تزوجها ولا تكون عنده على جميع عدد الطلاق إذا ثبت ما يوجب حل ذلك (انتهى)، فهذا عنده مما راعى فيه تعلق حق الغير، قال ومثله قول أصحابنا إذا قامت على الغائب بينة فبيعت داره في ديونه فإن قدم فهو على حجته، فإن ثبتت حجته رجع فيه على آخذيه، ولا ينقض بيع الدار انتهى، وهو أيضا مما يتعلق به حق الغير واعتبر فيه خوف تفويت مصلحة نصب الحاكم، وإنما أردت من المسألة المنقولة آنفا قبل هذه ما تممها به ابن أبي زيد، وأما ما قبل ذلك إذ قال به ابن المواز ومن قال به وأن الزوجة في هذه الصورة ترد وإن دخل بها الزوج فأحرى أن يقول ذلك في مسألة المفقود إذا دخل بها الثاني لأن القطع هنالك بكون الزوجة في عصمة زوج لكونه قد قدم من فقده حيا يرزق، وليس كذلك في مسألة عائشة طالق لاحتمال كونه طلق عائشة هذه الحاضرة ثم قدم فبدأ له بعد فلا يكون في المسألة أبدا ما يرفع هذا الاحتمال، والعجب من ابن أبي زيد في الغائه حكم زوجية الغائب وفي إلغائه حكم الطلاق المبيح زوجته لغيره فلا يعتد به الغائب إن عاد لزوجيه مطلقته بالأعسار يوما ما، وكان الجمع بين صورتي الإلغاء جمع
[289/5]
ذكر أبو إسحاق الشيرازي(¬1) رحمه الله قال: لما قدم أسد بن الفرات مصر أتى إلى ابن وهب وقال: هذه كتب أبي حنيفة وسأله أن يجيب فيها على مذهب مالك، فتورع ابن وهب فذهب إلى ابن القاسم، فأجابه إلى ما طلب.
فأجاب بما حفظه عن مالك بقوله. وفيما شك قال:
إخال وأحسب وأظن. ومنها ما قال فيه سمعته يقول في مسألة كذا وكذا ومسألتك مثله. ومنها ما قال فيه باجتهاده على أصول قول مالك كيف يحقق ما قررناه ويشهد بصحته. فهذه الأسدية أصل المدونة التي استدركت فيها أشياء وأصلحت على يد سحنون رحم لله جميعهم.
ولو سلم أيضا اجتهاده في المسائل المشار إليها لكان اجتهادا عارضا للتقليد المطلق، وأنه غير مخرج له عن تقليده المطلق، كما أن تقليده المجتهد المطلق، العارض لا يخرجه عن اجتهاده المطلق، حسبما قررناه أول المسألة. وقد تبين بهذا أن مخالفته رأيه، لا تستلزم الاجتهاد المطلق ولا تخرج عن التقليد وأن رأيه حينئذ إنما هو ترجيح أحد أقوال إمامه واستمداد
[360/6]
من قواعد مقول بحسب القدر المشترك وهو المرتضى عنده. هذا وفي إشعار الرأي بعدم الاتباع لغير ما فيه.
[اصطلاحات مالك في الموطأ]
فأجاب: المحاسبة أن يجلس الناظر والقباض والشهود وتنسخ الحوالة كلها من أول رجوع الناظر إلى آخر المحاسبة, وتقابل وتحقق ويرفع كل مشاهرة أو مسانهة أو كراء أو صيف أو خريف, وجميع مستفادات الحبس حتى يصير ذلك كله نقطة واحدة, ثم يقسم على المواضع, لكل حقه, ويعتبر المرتبات وما قبض ومن تخلص ومن لا, وينظر في المصير ولا يقبل ذلك إلا جميع شهود الأحباس, وكذلك جميع الإجارات من لقط زيتون وآلة ونفض, ويطلب كل واحد بخطته ومن أفسد شيئا لزمه غرمه, ومن تعدى على غير خطته أو ضيع منها شيئا وأخذ عليها مرتبا غرمه, ومن ضيع شيئا من ذلك من شهود الأحباس وجب القيام به عليهم وتعجيل ذلك, وكذلك يجب على الناظر وهو المطلوب به, وإلا فلا يجوز تركه فإن تركه كان مضيعا.
[عادة الأئمة في إقامة الصلوات ببعض جوامع فاس ومدارسهم]
وسئل عن مسألة عبد العزيز بن موسى الورغيلي حين كان إماما بمدرسة الخصة, وكان لا يصلي فيها مغربا ولا عشاء ولا صبحا, فهل يحط له من المرتب بقدر ما عطل من هذه الصلوات أم لا؟
فأجاب: إن المدرسة التي يؤم فيها عبد العزيز المذكور ثبت عندنا من الثقات الأثبات أن عادة إقامة الإمام فيها غنما هي في الظهر والعصر خاصة, وكذلك جرت العادة في الجامع العليا من مدرسة الحلفاويين, وكذلك أدركت العادة فيها منذ عقلت والأحباس تقر على ما وجدت عليه فلا يحط للإمام المذكور شيء من المرتب بسبب عطلته مما جرت العادة بعطلته, وأما الظهر والعصر الملزوم بهما فما عطله فيهما من الأيام: الجمعة ونحوها لمرض أو لخروجه لضيعته, فلا يحط من مرتبه شيء بسبب ذلك, وما عطله من الكثير من ذلك فإنه يحط له بقدره, وهو محمول على أن يوفي بخطته حتى يثبت عليه خلاف ذلك انتهى.
[303/7] [استيفاء عمن عليه بناء ما تهدم من سور مدينة فاس]
فأجاب: لا ضمان عليه ووجهه أنه لما قال له دعه فكأنه صدقه أنه في الحانوت وتركه عنده وديعة؟.
وسئل أبوعمر بن المنتاب عن دعوى السمسار أنه رد الثوب إلى صاحبه وقد طلبه منه ليفرضه ورب الثوب منكر.
فأجاب: لا ضمان على السمسار ولا شيء عليه في دعوى ضياعه ولا فيما حدث فيه في يديه من عيب ويحلف إن اتهم إلا أن يأخذه ببينة فلا يبرأ إلا بها، وكذلك الذي يعقد على بيع الثياب للناس في السوق قال بعض الشيوخ ولو وضع المنادي الثوب عند التاجر ليشاور صاحبه فضاع ضمن قيمته ما لم تقم بينة، ولو أنكر التاجر ضمنه السمسار إذا لم يشهد وفي الطرر إن ألقى الدلال الثوب عند رجل فجحده إياه لم يضمن وإن لم يشهد عليه لأن عرف الناس جرى بغير الإشهاد بذلك فصار الشرط. وهو خلاف ما تقدم. وكذلك يضمن إذا نسي من أقر له عنده، ولو ضاع الثوب عنده قبل النداء لم يضمن ما لم يفرط ولو أخذ الثمن من التاجر ليدفعه إلى البائع إن رضي بالبيع فضل ضمنه إذا لم يؤمر بالبيع بعد، وكذلك إذا سأله السمسار ذلك بأن قال دفعه له التاجر وقال له خذه فإن باع ما دفعه له لم يضمنه لأنه أمينه قاله الأبياني.
[الأجير في البيت يكسر آنية]
وسئل بعضهم عمن استأجر رجلا يخدمه في بيته شهرا فكسر آنية من أواني البيت أو قد استأجره أن يخيط له ثوبا فأفسده.
[340/8]
[341/8]فأجاب: لا ضمان عليه إلا أن يتعدى لأنه لم يسلم إليه شيئا بعينه يغيب عليه ولا ائتمنه عليه وكذلك أجير الخدمة لا يضمن ما أفسد من طحن أو أراق من لبن أو وطئ عليه فكسره من قصاع.
وسئل سحنون عن الراعي يرعى للجزارين لهذا شاة ولهذا شاتان فهربت من الغنم شاة فطلبها قليلا ثم رجع إلى الغنم هل هو تفريط أم لا؟
فأجاب بأن قال: ليس هذا بتفريط ولا ضمان عليه.
بصفتها وإن كانت صفته، ويرحم الله ناصر الدين بن المنير
[311/9] فقد قال في هذا الفصل وفضل الله واسع، فمن زعم أنه محصور في بعض العصور فقد حجر واسعا ورمى بالتكذيب، وما أفلح من أصبح قانعا، وربما أعقب النجيب.
والليالى كما علمت حبالى
مقربات يلدن كل غريب
غ: وها نحن بحمد الله نبين أن جوابهم لن يوافق قول قائل من العلماء وإن كنا قدمناه مجملا لكن نورده مفصلا فنقول إلى آخر الخطبة.
قلت: بعد ترك النظر في المطالب الواردة على هذه الخطبة معاني وبيانا لو استغنى هذا السيد عن هذه التكملة واجتزأ بما قدم في المسألة لكان أسلم له من النقد أبعد من الاعتراض فنقول بعد التجافي عما اشتملت عليه هذه الخطبة من المناقشات اللفظية والمؤاخذة الأدبية لا بد أن يظهر لك بطلان قوله: لم يوافق جوابهم قول قائل.
قال: أما بعد فقد تقدم فيما قبل أنه قد قيل : إن في مسألة الوصية التي التزم الموصى فيها عدم الرجوع ثلاثة أقوال.
قلت: لعل هذا الذي أشار إليه تقدم له في غير هذا التقييد، وإلا فأنت ترى هذا الكلام الذي تقدم له فيها ليس فيه ما يدل عليه، قال، قال إن الأول منها أن المسألة صحيحة ولا رجوع للموصى عنها بوجه فالوصية الأولى في مسألتنا صحيحة والثانية على تسليم كونها وصية باطلة، وجوابهم على هذا القول ساقط، للقول الثاني منها أن الوصية صحيحة، ورجوعه إن رجع عنها صحيح قال قلت والوصية المسؤول عنها لم يقع فيها رجوع روجه، لجعل الموصى رجوعه عنها دالا على تأكيدها وتجديدها، القول الثالث منها على ضعفه وتسليم صحة نقله أن الوصية باطلة قال والمسألة المسؤول عنها ليس فيها رجوع، وليس ثم وصية أخرى، انتهى.
قلت: هذا الكلام لا يخفي ما فيه من التدافع والمؤاخذة، أما التدافع فإنه قال تقدم أن له في المسألة ثلاثة أقوال ثم قال في الثالث على ضعفه وتسليم
[
والصواب في مثل هذه النازلة أن يؤخذ فيها بالقول بإمضاء البيع ونفوذه ، لا يخسر المشتري لما فيه من الريبة الظاهرة والتحيل على إتلاف مال الأجنبي بغير حق ، والخصوص النوازل أحكام تخصها قد لا يجري فيها من الخلاف ماله متسع في غيرها ، وقد لا يتيقن جريانه فيها لخصوص نفيها .
وسئل عمن طلب وكيله بما قبضه له من ثمن ملف قبضه الوكيل وباعه لموكله بإذنه ثم طلبه بباقي ثمن الملف بعد مدة .
[290/10] فأجاب : وقفت على السؤال المكتتب فوق هذا ، والحكم في الوكيل براءته مما ادعى دفعه إلى موكله ، قيل مطلقا مع يمينه وهو قول ابن الماجشون وابن عبد الحكم ، وقيل إلا أن يكون ذلك بحدثان القبض فيمادون الشهر فيكون حينئذ القول قول الموكل مع يمينه ، لأن الأيام اليسيرة قد لا تسع الدفع ، فأما إذا كان بين القبض والدفع شهر فأكثر فإن القول قول الوكيل مع يمينه ، قيل مطلقا ، وقيل إلا أن يطول جدا كالسنة ونحوها فيكون القول قوله بلا يمين . فعلى هذا لا شيء على الوكيل في هذه النازلة إلا اليمين على خلاف فيها مع طول المدة ، وإن كان بين قبض الوكيل ودفعه إلى موكله الأيام اليسيرة ما دون الشهر فيختلف هل القول قوله أو قول الموكل ؟ وبعض الفقهاء يرى أن المشهور تصديق الوكيل لأنه قد ائتمنه الموكل ، وهذا هو الظاهر من إطلاقات كثير من الروايات ، وسواء في هذا الحكم أن تكون الوكالة بأجر أو بغير أجر ، ولأن الأجير أيضا أمين كالوكيل ، والسلام على من يقف عليه من كاتبه فرج .
[اختلاف أصحاب أرحية قديمة ومحدثة ، متلاشية ومجددة]
290/11] فقال: "أيها الناس اسمعوا قولي فإني خفت أن لا تروني بعد اليوم، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أني محمدا عبده ورسوله بعثني الله عز وجل بشيرا ونذيرا بشيرا لمن أطاعني ونذيرا لمن عصاني حجوا حجة الفريضة فإنها أعظم من غزوة في سبيل الله، وإن غزوة بعدها أعظم من عشرين حجة وإن الصلاة علي أهون من ذلك كله". صلي الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
[استشكال حديث: اللهم صل على محمد حتى لا يبقى من صلاتك شيء]
وسئل القاضي أبو عبد الله الرصاع عن حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وذكر حديث الناقة المسروقة وأن الرجل قال: اللهم صل على محمد حتى لا يبقى من صلاتك شيء وارحم محمدا حتى لا يبقى من رحمتك شيء وبارك على محمد حتى لا يبقى من بركتك شيء وسلم على محمد حتى لا يبقى من السلام شيء فلما نظمت الناقة وانصرف. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يأتي بالرجل فابتدره نحو السبعين من أهل بدر، فأتوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ما قلت وأنت مول فأخبره بالصلاة فقال عليه الصلاة والسلام: لذلك نظرت الملائكة يخترقون سكك المدينة. ثم قال عليه السلام لتردن على الصراط وجهك أضوأ من القمر ليلة البدر".
فحاصله أنه يستشكل ظاهر هذا الحديث أنه غير صحيح، لما يقتضي بظاهره من أن رحمة الله سبحانه ترجع إلى إنعامه، وكذلك صلاته وبركاته وإنعامه كيف يتصور في العقل أن يتناهى؟ فإنه يؤدي إلى عجزه، ومتعلق قدرته سبحانه لا يتناهى فإن كان ممكن(¬1) فمن متعلقات القدرة والتقدير العقلي.
فأجاب بأن قال: الأليق بذكره مما يفهم به الحديث أن تقول: معنى قوله
[