تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واستعماله هنا على ضد ذلك, لأنه محصل للحدث, فلا يؤمر به, ويكون حينئذ بمنزلة من لا يقدر على استعمال الماء لرفع الحدث بل هو هو, فيدخل في قوله تعالى: فتيمموا, لأن الفقه ان من لا يقدر على استعمال الماء للمعنى المقصود من استعمال منزل منزلة عادمة. وأيضا فإن الأسلاس التي يسقط بها الوضوء هي التي لا يكون لصاحبها تسبب في إخراجها. وأما إن تسبب صاحب السلس في خروج الحدث اختيارا منه, فإن وضوءه ينتقض قولا واحدا, وكان الذي تسبب فيه من جنس ما سلس أو غيره, كما لو أحدث بغير ما هو سلس به. وهذا المحدث في هذ المسألة

[34/1] متسبب في إخراج الحدث فلا يعفى عن حدثه. وأيضا يصير الحدث لهذه الحالة كالمعتاد في وقت معلوم, فهذه الحالة من أوقاته.

فإن قلت: هو مضطر إلى استعمال الماء لتكليفه بذلك فلا اختيار.

إلا والظن القوى انه ليس جلد الأضحية , وذلك مسوغ للبيع . فإذا أتمها

أخذ منها ثمن جلد , ثم ينوى أنه جلد الأضحية الذي كان اختلط عليه

وتصدق بذلك كما اختار ( ابن القاسم ) , أو اشترى ماعونا يستعمله في داره كما

كان يستعمل الجلد كما اختار (سحنون ) والله الموفق بفضله .

[37/2]

[38/2]

استشكال قول المازرى عن القابسى : لا يباع ما ذبح قبل صلاه العي

وسئل " أبو عبد الله محمد بن مرزوق " رحمه الله عن قول " المازرى " في المعلم

عن " القابسى " : لا يباع ما ذبح قبل صلاه العيد , لحديث " هي خير نسيكتك " . قال "عياض " : وفيه نظر , فانظر هل نظر إلى مجرد الاستدلال ؟ أو استشكال الحكم

وهو المنع من البيع ؟ وفى اقتصار(المازرى ) على نقل هذا عن " القابسى " فقط

مناقشه , ومن حقه ان ينقله عن "ابن القاسم " حسبما وقع له ذلك في ( العتبيه ) , إلا ان يريد (المازرى ) انفراد ( القابسى ) بالاستدلال بالحديث . ولعل محل

نظر (عياض ) انما هو استدلال( القابسى ) , والذي ينقدح لي في بسطه ان الفقه

جمع أحاديث الباب . وفى بعض طرق " مسلم " : فإنما هو لحم قدمه لاهله ليس من النسك في شئ ,فهذا ظاهر أو نص في جواز البيع لاقتران الجملة

الابتدائية بانما الحاصره , ثم لم يكتف بذلك حتى أردف ذلك بجمله أخرى

مؤكدة لمضمون السابقة , ودل عن ليس بنسك إلى قوله من النسك في شئ

لكمال التأكيد والمبالغة في نفى نسكه , فجاء على تركيب قوله تعالى ومن يفعل

ذلك فليس من الله في شئ ,ولا يخفى على من له ذوق ما في هذا من كمال

التبرى , وهذا الدليل الدال على انتفاء كونه نسكا , فيجوز حينئذ البيع لا

يقاومه ولا يقاربه حديث " هي خير نسيكتك " ,لأنه سماها نسيكه مجازا لاعتقاد

(أبى برده ) فيها ذلك . والقرينه لهذا المجاز حديث "فإنما هي لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شئ .وأما (ابن زرقون ) فقد اتفق له هنا قصور حيث غفل عن

كلام " القابسى " ونص العتيبه فانظروا.

وقد قال ابن القاسم : إن تزوجت المرأة بغير ولي ثم طلق الزوج قبل أن يجيز الولي وقع طلاقه عليها ، وهذا الكلام إنما ترتب هكذا على حسب استفتائكم ، وما يقتضيه وضع سؤالكم ، وإلا فالقاضي الذي حكيتم عنه أنه نظر في النازلة نظرا آخر لا أعرف ما عنده فيها ، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب ، والله ولي الجميع بفضله . قيل ترجيح الأستاذ رحمه الله إمضاء النكاح في هذه النازلة التي تكلم عليها في الوجه الثالث ، وهو رضى الولي وعلمه مما يسقط خياره ، هذا على القول بأن الخيار له ، حكى ذلك المتيطي بعد حكايته عن المغيرة الفسخ مطلقا عن عبد المالك في الثمانية ، معللا بقوله قبل البناء وفساده في العقد . قال ابن حبيب : ما لم يكن الأقرب حاضرا يعلم أن غيره عقد على وليته فلا يتكلم ولا يغير ، فإن ذلك منه ممول على الرضا والتسليم .

[من تزوج بكرا وطلب أمها بالبناء بها فامتنعت ، فاحتملها لداره مكرهة]

والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} الخ، وقوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرا﴾، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: المولود الذي يرضع حولين كاملين هو المولود لستة أشهر، وإن ولد سبعة أشهر فرضاعه ثلاثة وعشرون شهرا، وإن ولد لثمانية أشهر فرضاعه اثنان وعشرون شهرا، وإن ولد لتسعة أشهر فرضاعه واحد وعشرون شهرا.

قال القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله: ومن هاتين الآيتين أخذ علي رضي الله عنه أن أقل الحمل ستة أشهر، لأنك إذا نقصت ستة أشهر من ثلاثين شهرا بقيت أربعة وعشرون شهران قال: وهذا من بديع الاستنباط، فإذا بنينا على مقتضى قول علي، وهو تفسير ابن عباس، فقد زال عن المسألة الإشكال والالتباس، لأن غالب حمل النساء إنما هو تسعة أشهر، فكلام العلماء على أن أقل الحمل ستة أشهر إنما هو لدرء حد أو إلحاق نسب أو لضرورة تلجئ إلى ذلك.

وإن بنينا على تفسير غيرهما، وهي المسألة الثانية، نظرنا في تمام رضاع الحولين هل يجب أو يجوز الاقتصار على ما دونه، وبقوله قال القاضي منذر بن سعيد في تفسيره: إنما ذكر الله تعالى كمال الحولين في الرضاع من أجل إيجاب الخيار في الفصال، فكأنه قال تعالى والوالدات يرضعن بالخيار، إن شئن أن يكملن لأولادهن رضاع احولين، وإن شئن لم يكملن ذلك على الضرر منهن، فهذا معنى الكلام، فإرضاع الحولين لا يجب فرضا مقدارا إلا لمن أارد أن يتم الرضاعة باتفاق من الزوجين، فهما مخيران في إتمام الرضاع، ولكل واحد من الوالدين أن يفصل الرضاع قبل تمام الحولين ما لم يكن مضارا، فإذا كان مضارا لم يكن له ذلك.

فأجاب: الحمد لله تعالى، والصلاة والسلام على رسول الله، الجواب -وبالله التوفيق -أن الأصل ألا يطالب المسلمون بمغارم غير واجبة بالشرع، وإنما يطالبون بالزكاة، وما أوجبه القرآن والسنة كالفيء والركاز وارث من يرثه بيت المال، وهكذا ما أمكن به حمى الوطن، وما يحتاج له من جند ومصالح المسلمين وسد ثلم الإسلام، فإذا عجز بيت المال عن أرزاق الجند وما يحتاج إليه من آلة حرب وعدة فيوزع على الناس ما يحتاج إليه من ذلك، وعند ذلك يقال: يخرج هذا الحكم ويستنبط من قوله تعالى ﴿قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا... الآية﴾ (¬1). لكن لا يجوز هذا إلا بشروط:

الأول أن تتعين الحاجة، فلو كان في بيت المال ما يقوم به لم يجز أن يفرض عليهم شيء لقوله صلى الله عليه وسلم: « ليس على مسلم جزية ». وقال صلى الله عليه وسلم: « لا يدخل الجنة صاحب مكس » وهذا يرجع إلى إغرام المال ظلما.

الثاني أن يتصرف فيه بالعدل، ولا يجوز أن يستأثر به دون المسلمين، ولا أن ينفقه في سرف، ولا أن يعطي من لا يستحق، ولا يعطي أحدا أكثر مما يستحق.

الثالث أن يصرفه مصرفه بحسب الحاجة والمصلحة لا بحسب الغرض.

الرابع أن يكون الغرم على من أن قادرا من غير ضرر ولا إجحاف، ومن لا شيء له أو له شيء قليل فلا يغرم شيئا.

الخامس أن يتفقد هذا في كل وقت، فربما جاء وقت لا يفتقر فيه لزيادة على ما في بيت المال، فلا يوزع، وكما يتعين التوزيع في المال فكذلك إذا تعينت الضرورة للمعونة بالأبدان ولم يكف المال، فإن الناس يجبرون على التعاون وعلى الأمر الداعي للمعونة بشرط القدرة وتعين المصلحة والافتقار إلى ذلك.

فإذا تقرر هذا فنقول في المسألة المسؤول عنها: إذا جزم أمير المؤمنين

[34/5]

ثم أقول النازلة التي كتبتم فيها أتيتم فيها بارك الله فيكم للمسلمين، بالعجب علما وفهما. وقد تصفحته فاطلعت به على أنقال مفيدة، وأنظار حسنة سديدة. ولا يرتاب أن ما أوصى به العاهد من ثلث ما تخلف عنه من المال، إنما يخرج من ثلث ما يبقي بعد إسقاط المائة والخمسين، المقر بها على الوجه الموصوف. ووقع في جواب آخر بعد قول المجيب فيكون المال المقر به للوارث ما نصه.

وقد قيل في المسألة غير هذا الذي ترجح لي عند النظر في النازلة، ولا أقول إني أصبت وأخطأ غيري، وكيف يصح مني؟ والذي سلكتموه ليس ببعيد من مأخذ الشرع ورعاية أحكامه، وقد اتسع استطلاعكم في المسألة، واستنجزتم فيها عقلا ونقلا، وكل منا يتطلب في هذه المسألة وغيرها من المسائل النازلة عن رب الأرباب، الكريم الوهاب، الإرشاد إلى الحق والهداية إلى الصواب. ولا نرى قط مجتهدا منصفا يجزم بخطأ صاحبه، بل يقر بتجويز خطأ نفسه، ولكنه مع ذلك يرغب من مولاه، التقرب إليه بإصابة الحق. جعلنا الله ممن قال فأصاب، وعمل فأطاب، بكرمه وامتنانه، وإنعامه وإحسانه. وصلي الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما والحمد لله رب العالمين.

أما هؤلاء(¬1) الذين يملكون بالقهر فحكم الناس معهم حكم من لا إمام لهم، يقتدون بأقرب الأئمة إليهم بالتحري. ورجح بعض الشيوخ طريقة ابن رشد، لأن التضحية من توابع الصلاة، وهي معتبرة معها، فيظهر اعتبار إمامها. ألا ترى أن الحنفية وجماعة، يعتبرون الصلاة وقوعا، والشافعية فيما ذكر عبد الوهاب(¬2) وغيره، يعتبرون الصلاة وقتا، أي قدر ما تفعل فيه من الوقت.؟

[35/6]

[ حكم مبادلة القمح بالدقيق وزنا ]

32/7] تكلم أبو محمد معي في ذلك ووصفته وعرفته أني لم أسمع في هذا المعنى إلا حكاية ذكرت عن ابن اللباد أنه حضر في مسجدكم في زرجونة وهي في جواره وقد هدم وأخذ في بناءه فأراد أن يبدلوا السواري فزعموا أن ابن اللباد أبى عليهم منذلك, وقال لهم: إن الذي أنشأ المسجد جعل للسواري أمكنه, وللمصلين(¬1) أمكنة على هذا حبس قاعة المسجد فلا ينبغي أن ترد العمل في مكان المصلين, ولعله رحمه الله قال وقف على صحة من علم هذا المسجد كيف كان مبتدأ تصييره مسجدا فعرف أن هذا عمل محبسه, والجوامع لا أحسبها تبني المدائن إلا من أوائل خططها فقاعتها ليست من تطوع مالك لها بالتحبيس فيها ووضع البناء فيما حبس, وإنما تبني في فناء المسلمين فليس يضيق فيها ما يضيق في عمل محبس مالك بنى بماله في حبس نفسه, هذا الذي ظهر لي, ومثل ما يبنى في الأفنية قاعة يحبسها لبناء مسجد غير بانيه, فبنى فيها غير محبسها مسجدا فليس يكون ما حازه من عمود أو عرصة بناء أو حائط موجب لتحبيس بقعته التي حل فيها عليه أو على نظيره, وإنما يكون ذلك لما نزل وقد زيد في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - , وبدلت أنقاضه, فما نقل الينا انهم تحرروا, فردوا في كل بقعة ما كان فيها ولا يمكن فيه هذا لأنه أوسع مما كان, وأحسن تعديلا وأقوم من الاختلاف والميل, بل هو في غاية كمال الجمال وهو على بناء عثمان أمير المؤمنين رضي الله عنه. وإنما زادت الملوك نقوشا وصنائع ورخاما, وكذلك المسجد الحرام والجوامع التي في سائر الأمصار والتي دخلنا أو سمعنا عنها, وذكر أبو محمد ما زيد : من الزيادة في الصحن, قال له أبو محمد من السقف, فقال الشيخ: الزيادة في السقف أنفع, لأن الصحن قليل ما يحتاج إليه.

[جواز غرس وحرث حول العين البعيدة عن العمران, شريطة عدم الإضرار بالمارة]

وسئل رحمه الله عمن بنى مسجدا في جبل وعر وكان إلى جانب

[

34/8]يجهل أمره. فإن علم أنه ملك للذين جلبوه واتفقوا وكلهم رشداء على جلبه للمسجد وتمليكه له فقد تم التحبيس كذلك، وعجزهم عن الإنفاق فيه لا يخرجه عن التحبيس، ويبقى كذلك أبدا، وإن كان الذي فعل ذلك بعض المالكين خاصة تم ذلك في نصيبهم وقسم الماء بالقلد (كذا) واختص التحبيس بنصيب الجالبين له، وإن كان معلوما أنه ملك لأهل القرية الأخرى فهو باق على ملكهم فمن أباحوا له التصرف فيه والانتفاع به، ومن لا فلا.

وأجاب ابن القطان عن مسألة ابن سهل: إذا لم يثبت لصاحب الكرم الداخل طريق على واحد من المانعين له فلا طريق له عليهم. وإنما يقول له الحاكم إن أثبت عندي شيئا حكمت لك به، إلا أنه إن ادعى أن له طريقا على أحدهم وحقق دعواه حلف له المدعى عليه، فإن نكل حلف المدعى وقضى له بما يدعى من الطريق. وأما سلوكه المدة التي ذكرت فلا حجة له في ذلك إن لم يحتج إلا بسلوك المدة وسكوت المسلوك عليه. وإن قال هو ملكي ومالي وطريقي إلى كرمي فعلى رب الكرم أن يبين أن له الأصل وأن مروره هذا محدث، فإن أثبته قضى له به ودفع محدث الطريق عليه إن شاء الله. وكان في جوابه إصلاح اعتذر منه كما يعتذر في الوثائق. ابن سهل ورأيت بعد ذلك في هذا المعنى كتب إلى أبوبكر بن واحد فيمن له أرض فغرسها كرما وحولها أرض جيرانه وقرابته غير محظور عليها، فكان يختلف إلى كرمه من حيث أمكنه عشرين سنة أو نحوها، ثم غرس جيرانه وقرابته أرضهم من كل ناحية وأغلقوا عليها فمنعوه الاختلاف إلى كرمه من كل ناحية.

فأجاب: ليس لهم أن يغلقوا ما يقطعون بإغلاقه السلوك إلى كرمه إن شاء الله تعالى. وفي كتاب البنيان والأشجار لابن حبيب: وسألت أصبغ عن أرض لرجل في وسط أرضين لقوم وكان ينتجها بالحرث والحصاد على فدان من لم يحرث فدانه تلك السنة، فأراد أن يتخذ بنيانا في أرضه تلك فمنعه أصحاب الفدادين المحيطة به وقالوا له تطرق علينا وتضر بنا في فداديننا إذا زرعناها. هل يمنع مما أراد من البنيان في أرضه؟ فقال لي لا يمنع من

[35/9] ذلك، وهو يمر إلى أرضه من حيث كان يمر مدة من هذه الأرض إذا لم تزرع، ومدة على هذه الأخرى إذا زرعت تلك، ويمنع من أن يضر بالقوم في زرعهم.

والذي في حفظي من مذهب مالك رحمه الله أنه لا تجوز فتواه على الإطلاق ، وبه قال جمهور العلماء خلافا لأحمد بن حنبل ومن أخذه بقوله . ولابد للرجلين ، يعني الناظر والمقلد ، من الورع في فتواه حتى لا يفتي واحد منهما في حق جميع الخلق إلا بما هو الحكم عنده . فأما الفقيه المقلد إذا لم يكن له من الذكاء والفطنة وكمال القريحة والفطرة ما يميز به ما ذكرناه من الوجوه فليس للفتوى إليه طريق ، ولا له في أربابها فريق . فإذا تعرض للفتوى فقد تعرض لما لا ينبغي ، ولعله من الجهال المشار إليهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم : « أن الله لا يقبض العلم من الناس انتزاعا ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا » (¬1). هذا معنى ما وقر في المجلس المذكور وفيه زيادة تكميل وبيان . فلما سمعته الجماعة المذكورة أنكرته إنكارا ، واعتقدت صاحبه حمارا ، وزعم بعضهم أن هذا المذهب محال ، لأن الأحكام ضرورية الوجود في كل مرة ، والإمام النظار لا يوجد البتة ، أو يوجد قليلا جدا لا يمكن أن يعم بفتواه جميع أقطار المذهب قال وقد زعمت أن فتوى المقلد لا تجوز في مذهب مالك ، وأن فتوى الثالث لا تجوز في مذهب أحد .

[ابن رشد إمام الغرب الإسلامي وفقيهه المجتهد في القرن السادس]

فمن حرف كتاب الله أو ترك العمل به أو عطله، فقد افترى على الله كذبا واتخذ آيات الله هزؤا ولعبا، فإذا رأيتم من يعظم القرآن فعظموه، وإذا رأيتهم من يكرم العلماء وأهل الدين فأكرموه. قال الله العظيم: ﴿ومن يعظم حرمات الله﴾ الآية ومن رأيتموه خالف القرآن فارفضوه واهجروه في الله وأبغضوه. ومن رأيتموه يجانب العلماء فجانبوه فإنه لا يجانبهم إلا ضال مبتدع، غير مقتد بالشرع ولا متبع، فإن الشرائع لا تؤخذ إلا عن العلماء، الذين هم ورثة الأنبياء، كيف وقد جعل الله شهادته وشهادة ملائكته كشهادة أولى العلم. قال الله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ الآية لست أعني بالعلماء المشتغلين في زماننا هذا بعلوم الجدال والممارات، ولا المعتنين بدرس مسائل الأقضية والشهادات، فيتقربون بذلك إلى جمع الحطام، والتقرب من الولات والحكام، ونيل الرياسة عند العوام، وإنما نعني بالعلماء الذين يعملون بعلمهم وقال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: ((يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين)) وقال فيهم: ((علماء كادوا يكونون من ربهم أنبياء)) وفاؤلئك ورثة النبيئين وأيمة المتقين الذين يجب أن يقتدي بهم ويتأدب بآدابهم، ويقتفى آثارهم، وتحفظ

[

الأشد لأنه أحوط وأبرأ للخروج من الخلاف، وإن اختلف الرجحان وتفاضل المرجحون أو تكافؤوا فعلى ما مر هنالك وهنا.

وأما قولكم فإن قلتم لهذا المقلد أن يقلد من شاء من علماء مذهب إمامه فبينوا لنا كيفية التقليد، هل ذلك على سبيل التخيير والتشهي بما يوافق غرضه، ولا حرج على المكلف إذا وافق غرضه العلم.

فجوابه أن تعلم أن الفقهاء- رضوان الله عليهم- اختلفوا في هذا الباب على قولين، أحدهما أن اختلاف العلماء من أصحابة ومن بعدهم من الأيمة رحمة واسعة، وجائز لمن نظر في اختلاف اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بقول من شاء منهم، وكذلك الناظر في أقاويل غيرهم من الأيمة مالم يعلم أنه خطأ، فإذا بان أنه خطأ لمخالفته نص كتاب أو سنة أو إجماع العلماء لم يسعه اتباعه، فإن لم يتبين له ذلك من هذه الوجوه جاز له استعمال قوله، وإن لم يعلم صوابه من خطئه صار في حيز العامة التي يجوز لها أن تقلد العالم إذا سألته عن شيء وإن لم تعلم وجهه. قال أبو عمر ابن عبد البر: وهذا قول يروى معناه عن عمر بن العزيز والقاسم بن محمد وسفيان الثوري.

قال أسامة بن زيد: سألت القاسم بن محمد عن القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر فيه، قال إن قرأت فلك في رجال من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أسوة. وعن يحيى بن سعيد: ما برح المفتون يستفتون فيحل هذا ويحرم هذا فلا يرى المحرم أن المحلل هلك لتحليله ولا يرى المحلل أن المحرم هلك تحريمه. وعن الشعبي: اجتمعنا عند ابن هبيرة في جملة من قراء الكوفة والبصرة، فجعل يسألهم حتى انتهى إلى محمد ابن سيرين فجعل يسأله ويقول له: قال فلان كذا وقال فلان كذا، فقال له ابن هبيرة قد سمع الشيخ علما لو أعين برأي. والحجة لهؤلاء قوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم﴾. قال أبو عمر: وهذا

[33/12]

[34/12]

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٣٥