33/1] أسئلته فيمن تعتريه نزلة إن غسل رأسه في الجنابة, وإن كان جوابه مشكلا.
لأنا نقول: ما تقتضيه القواعد الفقهية هذا المعنى. ألا ترى كيف أحال هذا المعنى على علته في المدونة في قوله: ومن اعتراه مذي أو بول المرة بعد المرة للبرد أو علة المسألة, فعمم في العلة وخصص, إلا أن الفقيه يحمل الكلام في مثل هذا على ما يقوله أهل المعرفة بالطب. ومن هذا المعنى الذي ذكر السائل ما ذكره غير واحد, منهم شيخا ابن عرفة رحمه الله في آخر مسألة من كتاب المختصر الفقهي في المرأة التي ادعت الحمل وبعثها القاضي ابن السليم إلى القاضي ابن زرب. فقال لها: لعل ما في بطنك هي العلة التي يسميها الأطباء الرجى, فقالت له إنما بعثنا ابن السليم على أنك فقيه لا طبيب إلى آخر الحكاية. وفي آخر الأمر ردها إلى إلى أهل المعرفة. هذا إن كان اللخمي سلك المسلك من أنه أمره بالتيمم لما يحدث به من المرض, ولعل تيممه وتركه الوضوء مما يكون سببا في برئه. وهذا هو اعتبار الضرر البدني. وإن بنينا على ما رأيتم من أن مثل هذا من الأسلاس فلا يؤثر في نقض الوضوء, فطهارته ثابتة فلا معنى للأمر بالتيمم كغيره من أصحاب الأسلاس فللخمي أن يقول ذلك إنما هو في حق من يلازمه الحدث أو يكون أكثر بحيث لا تحصل له طهارة لا بالماء ولا بالتيمم لأنه مع ملازمته لا فائدة بأمره بإحدى الطهارتين. ومع الأكثرية يشق عليه الأمر بها على نظر في تركه في التيمم, إذ لا كبير مشقة فيه. أما إذا كان يتمكن من تحصيل إحدى الطهارتين فأنى يجوز العدول عنها؟ وأيضا الأمر باستعمال الماء في قوله تعالى إذا قمءتم إلى الصلاة إنما هو لرفع الحدث, لأن معناه محدثين.
وظاهره أن من تصدق عليه بشيء من الأضحية أو وهب له فانه لا يجوز بيعه
لعدوله عن قوله ولا يباع كما قال في الرسالة إلى قوله ولا يبيع , فانه انما
خاطب المضحى , وهو قوله أصبغ قياسا على الزكاة إذا بلغت محلها . وقيل ان
بيعه لا يجوز , قاله " مالك " . وبالأول قال " ابن رشد " , واضطرب من كان معاصرا
(لابن عبد السلام ) فيها حتى ألف بعضهم على بعض . وزعم الشيخ ( أبو محمد
ابن عبد السلام بن غالب المسراتى القبيرانى ) في وجيزه أن الأول هو المشهور ,
وقبله حينئذ , وفيه نظر , لأن ادعاء المشهور في مخالفه من خالف إمام المذهب
لا يمكن إلا ان يكثر قائله وكانت أصوله تشهد له والله تعالى أعلم .
[36/2]
[37/2]
يجوز إطعام الضيف من الاضحيه
وسئل " أبو الحسن ابن الحديدي " عن الأضحية أيطعم منها ربها الضيف
وأجير خدمه البيت أو البناء أو الحفار أو الحصاد أو الخياط أو النفاض ؟
فاجاب : له ان يطعم منها الضيف ويصنع منها الطعام ويأكله كل
مسلم , بخلاف اليهودي وأجير الخدمه ومن ذكرت معه , فانه ليس له ان
يستعين في نفقه واحد منهم بشيء منها لا لحما ولا ودكا , ولا غيره , والله
أعلم .
إذا مرضت شاه الأضحية وذبحت قبل يوم العيد جاز بيع لحمها
وسئل سيدي " قاسم العقبانى " عن رجل اشترى شاه بنيه الضحية , في أيام
العيد , فلما كانت ليله العيد مرضت وخيف عليها فذبحت هل لربها بيع لحمها
أم لا ؟
فاجاب : له بيع لحمها في المشهور لما حدث بها من العيب ما لا يجزئ به ,
والله الموفق بفضله .
إذا اختلط جلد أضحية بغيره عند دباغ تصدق بثمن جلد
وسئل عن دباغ عنده نحو الستين جلدا في الدباغ , وفيها جلد أضحية
فاختلط بها وجهل وأراد بيعها , هل يبيعها كلها ويتصدق واحد منها ؟ أو
يختار منها واحدا وتجرى فيه أحكام الضحايا ؟ أو يحرم بيعها كلها كاختلاط
الميتة بالذكية ؟
فاجاب يسوغ له بيعها واحدا واحدا , إذ ما من واحد يقصد إلى بيعه
وهذا الكلام في هذه النازلة إنما هو بعد الوقوع ، نعم يصح فيها النكاح بعد الوقوع ، وهي أولى بالصحة وأحق من مسألة نوازل ابن الحاج المشار إليها ؛ وهي تزويج الخال بنت أخته قبل البلوغ وهي غير محتاجة وهو ليس بوصي ولا حاضن ، ثم توفي الزوج . قال فأفتيت بأنها ترثه كما لو ردها ولي ، وقلت في نفسي : إن هذا النكاح عقدته المرأة وهو من النكاح المختلف فيه ، ثم تجاوبت فيها مع ابن رشد فرأى ذلك انتهى . فإذا ثبت هذا فيما سماه الزوج لزوجه في عقد النكاح لازم له بكل حال ، والطلاق الذي أوقعه عليها في عقد هذا النكاح لا سبيل إلى إلغائه بوجه من الوجوه ، هذا هو الحق الذي لا شك فيه ؛ لأن غاية أمره إن كان الفسخ بطلاق على بعض الأقوال ولذا أوقفه[32/3]الزوج ابتداء قبل العثور عليه ، وذلك أن النكاح المختلف في فساده فسخه إذا فسخ بطلاق على المشهور ، وهذا مختلف فيه ، والنكاح الذي للولي أو لأحد الزوجين فيه الخيار فسخه أيضا بطلاق ، وهذا فيه للولي الخيار في بعض الأقوال ، وبحيث كتب ذلك الطلاق في كتاب نكاحها ثانيا ، لتحسب به مع ما عسى أن يكون بعد من طلاق آخر ، فإذا كملت الثلاث حرمت عليه إلا بعد زوج ، وإلغاؤه يؤدي إلى جواز أن يوقع عليها طلقتين دونه ثم يراجعها من دون زوج ، وفي ذلك استحلال المطلقة بالثلاث من غير أن تنكح زوجا آخر ، إلا على قول ضعيف جدا في نازلتنا لا ينبغي أن يلتفت إليه ولا أن يعول عليه ، ولا سيما إذا جر إلى الوقوع في مثل هذا ، وهو مذهب من يرى أن الدنية كذات المنصب ، وأن الفسخ واجب لحق الله تعالى ، وإن وقع الدخول من غير أن يكون فيه خيارا الأحد ، وأن ما ليس فيه خيار للولي ولا لأحد الزوجين يجب فسخه بغير طلاق ، وهذا كله تركب شذوذ على شذوذ .
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد فإن مسألة وقعت بين رجل ومفارقة له فارقها على أن تحملت بنفقة ابنها منه الرضيع وكسوته وسائر مؤنه إلى سقوط ذلك عنه شرعا، على أن لا ينتزعه منها سواء تزوجت أو تأيمت أو سافرت أو أقامت سافر هو أو أقام، فبقي الولد عند أمه في حضانتها ثلاثة وعشرين شهرا من حين وضعه، وفطمته أمه واستغنى بالطعام، فتزوجت وقد بقي أقل من شهر لتمام الحولين من حين الوضع، فقام مفارقها عليها بطلب فسخ النكاح وتمام رضاع ولده لبقية الحولين، فوقع الحكم بإمضاء النكاح وصحة الفطام بعد موافقة (¬1) بهم فيهما وبقي شيء في نفوس الناشئين من الطلبة، الذين لم يبلغوا في العلم تلك المرتبة، فحملني ذلك مع سؤالهم على إملاء يزيح عنهم الإشكال، ويزيل كل وهم واحتمال، وسميته: رفع الحرج والجناح، عمن أرادت من المراضع النكاح، فقلت مستعينا بالله وهو المستعان، وعليه في كل الأمور التكلان: هذا النازلة له تعلق بكتاب الله عز وجل، وتعلق بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وجبت البداية بهما ثم نتبع ذلك بكلام الأئمة الأعلام، ومشاهير علماء الإسلام، وحصرنا الكلام فيها في عشر مسائل، منها مقاصد ومنها وسائل، وبالاطلاع على مجموعها يتحصل مقصد السائل:
المسألة الأولى: في تعلقها بكتاب الله عز وجل، وذلك قوله تعالى:
[31/4]
[32/4]
{
وسئل سيدي أبو عبد الله السرقسطي عمن يعطي حاجة لدلال يسوقها ثم أن الدلال بعد بيعها يغيب على المغرم ويقسمه مع التاجر وبائع السلعة، فهل يسوغ ذلك لهم أم لا؟ وهل يجوز لأحد أن يغيب على شيء من المغارم، بينوا لنا ذلك.
فأجاب: الجواب أن مصالح المسلمين التي لا تسكن ثغورهم ولا ينكف عنهم عدوهم -دمره الله -ولا تأمن طرقهم إلا بها إن كانت لا تقوم إلا بمغارم الأسواق وكان أصل وضعها عن اتفاق من أهل الحل والعقد قديما لذلك لكون بيت المال عاجزا قاصرا عنها فإن تلك المغارم يجب حفظها، وأن يولي لقبضها وتصريفها في مواضعها الثقات الأمناء، فإن أخذوها من محلها، ووضعوها في المصالح التي جعلت لها، كان سعيهم مشكورا، ومن ضيعها ووضعها في غير موضعها كان غاشا ظالما، وكذلك من لزمته من أهل الأسواق فحبسها ولم يخرجها.
[مسألة في الوظائف المجهولة على الأرضين والكسب قديما بالأندلس]
وسئل: القاضي أبو عمر بن منظور عن الوظائف الموظفة على الأرضين بجزيرة الأندلس المسماة بالمعونة كانت موضوعة في القديم على نسبة الدراهم السبعينية بل على الستينية وظفت عليها لتقويم بها مصالح الوطن، ووظف أيضا على الكسب في ذلك العهد بنسبة درهم ونصف للرأس من الغنم، ثم إن السكة تبدلت ونقضت على ما في علمكم، ثم ظهر الآن المعيار الحق، وهي السكة الجديدة، فهل يؤخذون بها إذا ظهر ما كان قد لزمهم في قديم الأزمان بعد أن تحط عنهم الأجعال وما لزمهم من الملازم الثقال وما أحدث بعد تلك الأعصار؟ أو يتركون على ما هم عليه من أخذ الدرهم باسمه دون معناه وحقيقته؟ بينوا لنا ما الحكم في ذلك مأجورين مثابين بفضل الله.
[33/5]
الحمد لله. الإقرار والوصية بابان مختلفان على القطع. وأحكامهما لذلك متباينة. فالإقرار يؤخذ به المقر. والوصية صاحبها في مندوحة ما دامت حياته. إن شاء أن يستمر عليها، وإن شاء أن يرجع عنها إلى بذل أو غير بذل ومبنى الخلاف في المسألة على ذلك فمن رآها من الإقرار قضى بخروجها من رأس المال. ومن رآها من الوصية قضى بها من الثلث، أو قضى بسقوطها لما رأى من قصد المضارة والتحيل على إبطال حق الوارث. وأكثر مسائل الخلاف هكذا تجدها عند التأمل، فترى الدليل عند المختلفين متحدا، ويختلفون في المسألة فيحكم تارة بشيء ثم يرجع عنه إلى غيره.
هذا إمام المذهب على جلالته وسعة علمه، ووفور نظره، قلت مسائله التي لا يختلف جوابه فيه بالقوانين فأكثر. وهذا الشافعي يرى رواة مذهبه يقولون: هذا قوله القديم، وهذا قوله الجديد وكم لغيرهما من مثله. وإذا استحضر هذا في الذهن، علمنا أن الرأي غير معصوم، إلا من عصمهم الله. وإذا علم الإنسان أن رأيه لنفسه متهم، ويقرب كثيرا رجوعه. وكم يتفق في مجالس درس الأعلام، أن الشيخ يمر به القول فيستحسنه، ويجزم بذلك. فإذا بطالب ضعيف الشأن في العلم يفتح عليه، فيبحث في ذلك فيلقيه إلى الشيخ فيتوقف الشيخ من أجله، بل ويرجع ويطرح ما كان جزم به وعول عليه. وكيف يصح لأحد المتناظرين مع هذا أن يخطي مناظره، ؟ بل وقد يضحك منه ويستضحك غيره. هذا كله لا يرضاه ذو والألباب فإن مواقعه مأثوم مأزور غير مأجور. والذي يجب على المناظر أن يقصد إرشاد مناظره إلى ما ظهر له من الحق لا ظهوره عليه، وتغلبه على كل حال ولو كان الحق مع غيره. فإن القصد إلى مثل هذا يجر إلى العناد، والبعد من السداد. فالذي ينبغي لأهل الفضل كهؤلاء الأعلام أعانهم الله على العلم والعمل به، أن تكون مناظرتهم على قصد كل منهم، الإرشاد لنفسه.
[34/6]
كتبت ما انتهى إلى آخر الوثيقة, قال ما تقول وفقك الله في هذه المرأة المحبس عليها توفيت وتركت ولد ابنها وإبنتين, وللبنتين بنون, فهل يرث ولد الابن مع البنتين وإن كان لابن الابن موروث فهل يدخل أولاد البنين مع ابن الابن ؟ وهل لهم موروث ؟ فأملي الشيخ الجواب بما تقدم وصح فيه قوله.
[31/7] [يمنع تغيير الحصون عن حالها تلبية لحاجة شخص معين.]
وسئل رحمه الله عن حصن أراد بعض الناس أن يغير بعض مساكنه عن حالها. فأجاب بأن الحصون لا يصلح أن تغير عن حالها ولا تحول عن بنيانها من أجل إنسان بعينه لحاجة تصيبه أو ضرورة تعرض له, إنما يصلح أن يحدث فيها ما هو صلاح لها من اتغار(¬1) ماء وزيادة مرافق يتسع مريدو الرباط بقية الدهر وهذا البيت الذي يخرج ( )(¬2) ويحدث فيه سلم يزول عن المسكن ويصير إلى النظر(¬3) فلا يغير الحبس عن حاله إلا على ما وصفت لكم حصول الرباط والمساجد الحدث فيها لا يصلح إلا للمنافع الجامعة, وأما سكنى النساء فليس من شأن حصون الرباط المنفردة عن السواحل أصل الحصون تفرد لما بنيت له. وهذا من المعنى الذي قال الله تعالى: ﴿ فمن بدله بعدما سمعه ﴾ الآية وإنما تصلح الزيادة في الحصون والمساجد, ولعل ذلك يغير بعض بنائها (من قبل)(¬4)
[
وسئل سيدي إبراهيم اليزناسي عن ماء عين هي بين قريتين لا ملك لأحدهم معين عليها وهي إلى إحدى القريتين أقرب من الأخرى، وأهل القريتين جميعا ينتفعون بها الانتفاع العام، إلا أن أهل القرية البعيدة أكثر انتفاعا لموالاتها أكثر أرضهم. ثم إن أهل القرية البعيدة أرادوا جلب ماء العين المذكورة إلى مسجد قريتهم وبنوا لهم مجرى إلى بعض الطريق ووقفوا على إتمامه، فمن قائل يقول لعجزهم عن ذلك من أنفسهم، ومن قائل يقول بمنع أهل القرية القربى لهم من ذلك، وخوفا من إثارة الفتنة بينهم من أجل ذلك هل ترى ما فعل أهل القرية البعيدة من جلب الماء المذكور وقصره الانتفاع به على مسجدهم دون أهل القرية الأخرى جائز أم لا؟ ولو اجتمع أهل القريتين معا إلا بإذن من له النظر في المصالح العامة.
فإن قيل بعدم الجواز إلا باجتماع أهل القريتين معا، أو بعدمه إلا بإذن الإمام فلا سؤال.
وإن قيل بجواز ما فعل أهل القرية البعيدة وأنه لا يجوز لأحد منعهم من ذلك ومنعوا من إتمام ما أرادوه، فهل يجوز لأحد الانتفاع بذلك الماء في مضرة وغير مضرة الانتفاع العام أم لا؟ وما حكم ذلك الماء إن لم يمنعوا وعجزوا عن تبليغه حيث أرادوا.
فأجاب بما نصه: الحمد لله. الجواب في هذا الماء متوقف على تعريف هل هو متملك أم لا؟ وهو لا يخلو أن يكون ملكا معلوما لأهل القرية الذين جلبوه، أو معلوما أنه للقرية الأخرى، أو يعلم أنه ليس بمملوك، أو
[33/8]
[
فأجاب ابن عتاب: الأرض البراح مخالفة لما قد حظر عليه وصرف إلى موضع يدخل منه، فإن كان لأهل البلد سنة فد الفدادين والأحقال حملوا عليها، وإلا فإن كان صاحب الأرض المجهولة يعلم أن مثله يجهل ذلك بمغيب أو صغر يكون ورث الأرض وهو صغير أو غائب يجهل أمرها فيلزم كل من جاوره اليمين أنه لا مدخل له على أرضه، فمن حلف برئ ومن نكل كان عليه المدخل. وإن كان صاحب الأرض ممن يعلم أنه لا يخفي عليه ذلك ولا يجهله، قيل له لا يمين لك على من يجاورك بهذه الدعوى التي تحققها، فإن حققت دعواك على أحد لزمته اليمين أو يصرفها عليك فتحق بذلك ما تطلبه، وإلا فلا شيء لك. فلما ورد على جوابه هذا أعدت سؤاله عن الحكم كيف يكون إن حلفوا أجمعون أو نكلوا أجمعون، فكتب إلى ليس عندي من الجواب إلا ما جاوبتك به، إلا أنه أظهر إلى بعض أصحابنا مسألة كتب بها فيها إلى يحيى بن يحيى في رجل كانت له أرض وقد أحاط بها أرض قوم فغرسها.
فأجاب فيها بشبه مسألتك في اللفظ وتخالفها في المعنى، وهي كتب عثمان بن غازي إلى يحيى بن يحيى في رجل كانت له أرض وقد أحاط
[34/9] بها أرض قوم فغرسها فكان يختلف أحد الشركاء إليها على أرض من جاوره فسد القوم أرضهم شيئا فشيئا فكلما سد قوم ناحية سلك على الناحية التي بقيت حتى استوعب القوم أرضهم بالسد ومنعوه الممر فيما سدوا عليه، فوقف لا يجد ممرا إلى كرمه، فكتب إليه أن يؤمروا أن يجعلوا له طريقا إلى كرمه على غير مضرة بهم ولا به، ثم يتراد القوم ذلك الممر بينهم حتى يكون على جميع من يختلف عليه.
وسئل من فقهاء طنجة عن جماعة ممن ينتسب إلى العلوم ، ويتميز عن العوام بالمحفوظ والمفهوم ، تذاكروا شأن الفتوى والمفتي وكلهم يشير إلى نفسه بالاستحقاق وإلى أبناء جنسه بالاستخفاف وأكثروا الخوض في الاجتهاد والتقليد ، والفرق بين الذكي والبليد ، وفيمن التفت عليه أطراف تلك الساعة ، ممن لا يسلم لواحد من تلك الجماعة ، فقال : الفتوى على الإطلاق محصورة وغير محصورة ، فالتي هي غير محصورة إظهار الأحكام الشرعية بالانتزاع من الكتاب والسنة والاجماع والقياس ، والفائز بهذه الرتبة هو الفقيه النظار . وليست الفتوى بالفقه المشهور ، ولكنها ثمرة ومعرفة الفقه . فأما الحافظ الذاكر لما في أمهات مسائل مذهبه من الأحكام الشرعية فهو الفقيه المقلد ، وقد اختلف العلماء في جواز فتياه ، وذلك بشرط أن يكون له من الذكاء والفطنة وسلامة القريحة ما يميز به فيها ما هو من المذهب وما ليس من المذهب وما هو مجمل وما هو مفسر ، ويميز في الروايات بين ما هو خلاف قول وبين ما هو خلاف حال ، وما هو خلاف لفظ وبين ما لا ينبني(¬1) من الروايات وما ينبني(¬2) .
[31/10] وبالجملة فالمقصود أن يحصل عنده اما المذهب منقولا بوجه صحيح وأن يحصل في كل ما له أن يفتي به من المذهب يقين أو ظن غالب . فإذا نزلت نازلة وأفتى من هذه صفته بما وجده في كتاب من كتب مذهبه بالفتوى التي هو عالم بأنها هي المشتملة على حكم تلك النازلة بعلم قاطع أو ظن قاطع لم ينتزع ذلك من الكتاب ولا من السنة ولا من الاجماع ولا من الاعتبار ، فتلك الفتوى فتوى تقليد ، وذلك المفتي هو الفقيه المقلد .
ثم ضرر المعاصي إنما هي في أعمال الجوارح الظاهرة، وضرر هذه البدع إنما هي في الأصول التي هي العقائد الباطنة، فإذا أفسد الأصل ذهب الفرع والأصل، وإذا فسد الفرع بقي الأصل يرجى أن ينجبر الفرع وإن لم ينجبر الفرع لم تذهب منفعة الأصل ثم إن الذي يغوي الناس ويدعوهم إلى بدعته، يكون عليه وزره ووزر من استن بسنته. قال الله العظيم: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون﴾ وقال تعالى: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون﴾ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن
[32/11] سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)). ولا تنشأ هذه العلل إلا من مرض في القلب خفي، أو حمق جلي، فاحذروها واحذروا أهلها. ولا تغتروا بهم ولو أنهم يطيرون في الهواء، ويمشون على الماء. فإن ذلك فتنة لمن أراد الله فتنته، وعلم شقوقته. قال الله تعالى: ﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا﴾. فلا يغتر أحدكم بما يظهر من الأوهام والخيالات من أهل البدع والضلالات، ويعتقد بأنها كرامات، بل هي شرك وحبالات، نصبها الشيطان ليقتنص بها معتقد البدع ومرتكب الشهوات، وإنما تكون من الله الكرامة لمن ظهرت منه الاستقامة، وإنما تكون الاستقامة باتباع الكتاب والسنة، والعمل بما كان عليه سلف هذه الأمة، فمن لم يسلك طريقهم، ولم يتبع سبيلهم، فهو ممن قال الله فيهم: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى﴾ . الآية.
لأنا نقول: غاية هذا نسبة الوهم إلى أبي عمر من غير دليل. ولئن سلم على سبيل التنزل فما الذي حرم إجماع ابن حزم لاسيما والشيوخ يقولون: أصح الإجماعات إجماعاته.
لا يقال: قد قال ابن عرفة من أوعب كتب الإجماع ومن جملتها إجماع ابن حزم هذا، فأين أنت مما نقلت عن الأشياخ؟
لأنا نقول: إنما أثبت ابن عرفة لإجماع ابن القطان مزية الإيعاب والإستقصاء، ولا يلزم من حصول المزية له على غيره من كتب الإجماع من هذا الوجه حصولها له من كل وجه حتى تندرج الأصحية فيه، والله أعلم.
وأيضا فإن ابن عرفة إنما قال من أوعبها ولم يقل أوعبها. نعم، لو نقل عز الدين ما به أفتي رواية عن متقدم لصح نقض الإجماع وخرقه بها لأنه ثقة ضابط راسخ القدم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. ثم المفهوم من قوة كلام هؤلاء الأيمة- رضوان الله عليهم- أن الممتنع إنما هو تتبع رخص كل المذاهب لا المذهب الواحد. والتحقيق أن لا فرق إلا أن ما عللوا به المنع من أنه يؤدي إلى إسقاط التكليف في مسألة مختلف فيها إنما يظهر كل الظهور في الأول لا الثاني، لأن المسألة قد تكون ممنوعة في مذهب من المذاهب باتفاق وجائزة في غيره باتفاق أو باختلاف، فلو جوزنا تتبع رخص المذهب لأفضي إلى ما قالوا، لأن ما تتفق به المذاهب قليل من كثير، ولا كذلك تتبع رخص المذهب الواحد، فإنه أخف مفسدة من الأول. والحق أن يقال المقلد إما أن لا يطلع على أرجحية الأشد والأخف من القولين أو يطلع، فإن لم يطلع فالحكم ما مر من التخيير أو الترجيح بالأعلم أو بالأكثر أو بالأشد والأثقل، وإن اطلع على أرجحية أحد القولين أو الأقوال، فلا يخلو إما أن تكون في جانب الأخف أو في جانب الأثقل، فإن كانت في جانب الأشد والأثقل وجب عليه العمل به لوجوب العمل بالراجح إلا لعارض معتبر شرعا خلافا لعز الدين، وإن كان في جهة الأخف جاز له العمل به، والأولى ارتكاب
[32/12]
[33/12]