تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: إنما كلف باستعمال الماء لرفع الحدث كما ذكرنا, فإن كان استعماله له يوجب نقيض المقصود من استعماله سقط تكليفه باستعماله. قال ابن الحاجب في القياس حين تكلم على حصول المقصود من شرع الأحكام: أما لو كان فائتا قطعا كلحوق نسب المشرقي يتزوج مغربية, وكاستبراء جارية يشتريها بائعها في المجلس فلا يعتبر خلافا للحنيفة انتهى. والأمر ها هنا كذلك, إذ لو طلب بالوضوء, والحالة هذه, لما حصل المقصود من شرعه, سواء قلنا إنه متعبد به محضا أوله معنى معقول, فإن الحدث ينافيه على كل حال. وإلى هذا أشار ابن الحاجب في الفروع في قوله: أما إن لم يفارق فلا فائدة فيه. وقولكم كل ما كان هكذا فكيف ينقض الوضوء على أصل المذهب؟ قد يقال إن سلم أن هذا مما ذكرتم أنه(¬1) أصل مختلف فيه, لأنهم اختلفوا فيما يخرج من صاحب السلس من الأحداث هل له حكم الحدث كما في حق الصحيح, إلا أنه اغتفر لهذا الصلاة بغير طهارة لما يلحقه من مشقة تكرارها إن لازمه ذلك اكثر الأوقات, ولعدم فائدته إن لم يفارقه. وهذا القول هو الذي يظهر من كلام اللخمي في أول الفصل الذي ذكر فيه هذه المسألة حين ذكر أقسام السلس. قال: وهذا الصواب لأنه منتقض الطهارة في جميع هذه الوجوه انتهى. أو هذا ملغى لا عبرة به, وصاحبه في حكم الطاهر. وأشار ابن عبد السلام إلى هذا القول عند قول ابن الحاجب ولا يمسح على لبس بتيمم (كذا) في آخر المسألة. وعلى هذا المنهاج اختلف في طهارة ما يخرج منه أو نجاسته بالنسبة إليه, وكذلك ما يخرج من القروح الملازمة ونحو هذا. وربما انبنى على هذا الخلاف في تعدي حكمه إلى غيره وقصوره عليه, كإمامته للصحيح. وكما قالوا في غسل طين المطر الذي يصيب الثوب بعد جفاف الطين ونحو ذلك.

[تفسير الرخصة]

وبالجملة هي على الخلاف في تحقيق معنى الرخصة, وعلى ما اختار ابن

[

فاجاب نص المعلم على ما في الإكمال : قال الإمام "أبو الحسن

القابسى " فيه دلاله على ان ما ذبح قبل الإمام انه لا يباع وان كان لا يجزئه ,

لأنه سماه نسيكه , والنسك لا يباع انتهى . وبعده قال " القاضي " وفى هذا نظر

انتهى . وكلام ( القابسى ) محتمل لأن يكون قصد استنباط الحكم من دليله

المذكور , ويحتمل وهو أظهر الاحتمالين ان يكون نبه على ان هذا اللفظ من

دلائل الحكم المقرر من أن ما ذبح قبل الإمام وقصد به النسك جهلا لا يباع .

وانما كان هذا أظهر الاحتمالين لأن هذا الحكم مشهور من قول " ابن القاسم "

في ( العتبيه ) في هذه وفى نظائرها ومن قول غيره أيضا , فكيف يخفى مثله على

[38/2]

[39/2]

مثل (القابسى والمارزى ) ؟ ولو تيقن قصده بهذا الاستنباط الحكم لم يقل اخذ عليه

كما يوخذ على (المارزى ) ان كان قصده انفراد ( القابسى ) به . وأما " القاضي " فكلامه

يحتمل لما ذكرتم من كلا الأمرين على البدل , ولثالث وهو ان يكون نزاعه في

الأمرين حميعا إلا ان للراجح أيضا صرف نظره إلى الاستدلال , كما انه

الراجح عند "القابسى " ليتوارد على محل واحد . والظاهر ضعف النظر

لا بالنسبة إلى الحكم ولا بالنسبة إلى دليله .

أما الحكم فلشهرته ولشهره أصوله وكثرتها في مذهبنا , قال في ( العتبيه ) في

نص هذه المسالة مع نظير لها سماع عيسى عن "ابن القاسم " في رسم باع

شاه من كتاب الضحايا : وسئل " ابن القاسم " عن الرجل يظن ان يوم التروية

من أيام النحر فينحر فيه , وهل له ان يبيع لحم تلك الأضحية ؟ قال لا يبيعه

ويضحى بأخرى , وهو مثل من نحر قبل الإمام يوم النحر انه يعيد أخرى ولا

يبيع من تلك الشاه شيئا انتهى .

ومن نظائرها أيضا ما ذكر قبلها في السماع المذكور من رسم أوصى ان

ينفق على أمهات أولاده , في الرجل يخطى فيذبح غير كبشه الذي أعده

للأضحية والمذبوح لغيره فان للذي ذبح كبشه أخذ لحمه لا غير ,

*وسئل : رحمه الله من قبل الشيخ الفقيه أبي العباس أحمد بن قاضي[33/3]الجماعة أبي القاسم الحسيني رحمه الله عن رجل تزوج بكرا وطلب أمها بالبناء عليها ، إذ هي بكر في حجرها فامتنعت له ، فلقي البنت فاحتملها لداره مكرهة وخلا بها ، ثم ادعى أنه ألقاها غير عذراء ، وأنكرته هي في ذلك وادعت أنه لم يمسها هو ولا غيره وأنها باقية عذراء ، فكتب القاضي بإنكارها رسما وقدم القاضي امرأتين من القوابل للنظر إليها فشهدت عنده أنها غير عذراء ، فأمر القاضي حينئذ أم الزوجة برد ما قبضت لابنتها من الصداق ، وكتب رسما بإشهاد الزوج على نفسه باستيفائه من أم الزوجة جميع ما كان دفعه لها غير خمسة وعشرين درهما تصلكم نسخته صحبة هذا نصه ، فلما وصلت إلى هنا أتتني أم الزوجة متظلمة ، واستظهرت بعقد يتضمن نظر امرأة من أهل أندرش من القوابل العارفات بما يطلع عليه من أحوال النساء إلى الزوجة وأنها ألفتها عذراء تحت خطاب قاضيها ، وقالت لي أم الزوجة : إن كانت مطلقة فثم من يتزوجها ، وإن كانت غير مطلقة فاحكم لي على زوجها بما يوجبه الحكم الشرعي ، فأحضرت الزوج بمحضر شاهدي عدل وسألته : فاعترف بأنه حمل زوجته المذكورة وخلا بها أياما ، وأنه اعترض دونها غير مدة ، وأنه زال عنه الاعتراض فوطئها فألفها ثيبا ، فأخبر أمها بذلك وقال لها ردي علي ما قبضتيه مني واستري علي ، وأنكرت البنت ما ذكر من الوطء ، فقالت له الأم ارجع إليها فإنها تقول : إنها باقية كما كانت ، فوطئها ثانيا فألفاها ثيبا كما ألفاها أول مرة ، فاشتكى للقاضي ، فأمر القاضي الأم بما تقدم وذكر أنه لم يطلقها ، وقد سألت القابلتين عما عندهما فثبتت إحداهما على شهادتها ، واعترفت الأخرى أنها لن تعاين شيئا ، وإنما شهدت على شهادة صاحبتها مع احتمال كون الثيوبة جاءت من قبل الزوج ؛ لاغترافه بالوطء وتماديه عليه بعد اطلاعه على العيب ، فتفضلوا بالجواب عن ذلك .

قلت: وكلام منذر هذا كافي في سقوط كلام المفارق لأنا نشده بكلام غيره، فنقول: قال بعض المفسرين، قال قتادة: كان الرضاع واجبا في الحولين وكان يحرم الفطام قبل ذلك، ثم خفف الله ذلك، وأباح الرضاع أقل من الحولين في قوله تعالى: ﴿فإن أرادا فصالا﴾ الآية، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: لو كان هذا حدا مؤقتا لا تجوز الزيادة عليه ولا تعتبر إن وجدت لما أوقفه الله تعالى على الإرادة كسائر الأعداد المؤقتة في الشرع، قال

[32/4]

[33/4]

والصحيح أنه لا حد لأقله، وأن أكثره محدود بالحولين مع التراضي، وقال أبو الحجاج يوسف بن عبد العزيز اللخمي في كتابه المسمى بأخذ الدلائل في عيون المسائل في مسألة بيع لبن الآدميات: جوز الشرع الفطام قبل الحولين عند الحاجة إلى ذلك.

وأما تعلقهما بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي المسألة الثالثة، فذلك قوله صلى الله عليه وسلم: « لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى تذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم »، وهو حديث صحيح، أخرجه مالك في موطئه عن عائشة عن جدامة بنت وهب الأسدية أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « لقد هممت.. » الحديث.

نصره الله وعزم على رفع الظلمات (كذا) وأخذ على أيدي الآخذين الأجعال ورفع ما أحدث في هذه الأزمان الفارطة القريبة مما لا خفاء بظلمه ولا ريب في جوره وسلك بالمأخود على الشروط التي ذكرناها حتى يعلم أنهم لا يطالبون إلا بما جرت به العوائد وسلك بهم مسلك العدل في الحكم ولا يزال أيده الله يتفقد رعيتته وولاته حتى يسيروا على نهج قويم فله أن يوزع من المال على النسبة المفسرة أو ما يراه صوابا ولا إجحاف فيه حسبما ذكرناه، أصلح الله أموره وكان له، وجعله من الأئمة الراشدين، قاله ابن منظور وفقه الله مسلما على من يقف عليه.

[هل تجوز منازعة الإمام الجائز؟]

وتقيد بمحوله ما نصه:

قال بعض العلماء لرجل: لست بمؤمن، فتشهد الرجل شهادة الحق، فقال له وإن تشهدت لأن الله قد قال: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ﴾ (¬1) وأنت قد وجدت في نفسك من الشرع ولم تسلم له تسليما، انتهى.

وسئل ابن لب عن بدل الدقيق بالقمح بالوزن بالرحى لأجل الزحام مع من يكون قد طحن ويأخذ صاحب الرحا أجرته من صاحب الحب هل يجوز أم لا؟.

فأجاب: الحكم في ذلك جواز الصورة التي صورتم بناء على صحة مبادلة الحب بالدقيق إذا كان ذلك بالوزن. والصحيح في المذهب جواز ذلك، ثم لما وجب لأحد المتبادلين ما صار في جهته من الدقيق، أخذ الطاحن منه أجرة طحنه، ولا حرج، وإنما وجبت الأجرة في الأصل على مستأجر الطاحن، وصار آخذ الدقيق إنما يدفعها في الحقيقة عن المستأجر أولا فيكون مآل الأمر إلى مبادلة القمح بالدقيق مع دراهم، وذلك مؤد إلى المفاضلة، فيقال: إن مواضع الخلاف الشهير، يكفي فيه الخروج عن صورة الممنوع بوجه ما. لما ذكره الباجي(¬1) في اقتضاء الطعام من ثمن الطعام أن للمشتري أن ينقد ثمن الطعام الذي اشتراه ثم يسترجع ما دفع يأخذ من ثمن طعامه الذي باع أولا. وإن كان استرجاعه إياه في المجلس، لأن أصل اقتضاء الطعام من ثمن الطعام قد أجازته الشافعية وغيرهم، وكذلك هنا قد رأى الطحن، ناقلا عبد العزيز بن أبي سلمة وغيره فأجازوا التفاضل بينه وبين حبه لأنهما جنسان، والمبادلة وقعت بين المتبادلين فيما يملكان حقيقة على المساواة الواجبة. وهذا على بحث ونظر في المذهب في مسألة المسافر يأتي دار الضرب.

[هل يعتبر ثوب الميت بالوباء عيبا في السلعة]

وسئل عن ثوب الميت بالوباء.

فأجاب: توهم كونه عيبا في السلعة في باب البيوع، إن كان قد اشتهر وأثر كراهية في النفوس، بحيث إذا ذكره البائع كان ذكره عائدا عليه بنقص

[36/6]

في الثمن أو بزهد في السلعة، فيظهر أنه عيب، لأن العيوب في السلع بحسب ما عند الناس، لا بحسب حكم الشرع والسلام.

[حكم الإقالة إلى أجل]

وسئل عن الإقالة إلى أجل.

33/7] الجبل عين, هي في وسط الجبل فربما غشيها المارة مرة فأراد هذا الرجل أن يغرس حول هذه العين أو يزرع بقلا.

فأجاب إن كان هذا المكان بعيدا من العمران عمل ما أراد مما يترفق به ولا يقطع حق المارة في الوقت الذي يريدون الماء وهذا عند أهل إفريقية, وأرجو سعته إن احتاج إليه إذا لمك يضر بأحد, ولم يقطع حق أحد تقدمه والله أعلم.

[ليس للمسافرين الذين سبقوا إلى بئر الاستبداد]

وسئل عن مسافرين سافروا فسبق أحدهم إلى الماء فيأخذ بئرا والأبار يتسايق الناس إليها, هل تكون البئر لمن سبق إليها دون عامة الناس, وهل يحكم بها بعد ربه يعطيها لبعض الناس دون بعض.

فأجاب عن كانت هذه الآبار قد هيئت في هذه الأحساب(¬1) الذي يديم بقاؤها وحولها من المياه ما يظهره البحث القريب كما يصنع سائر الأحباس لم يقصد من هيا هذه المصانع إلا رفق من يضعف عن البحث فكيف يسارع إليها أهل الطاقة فيستبدون ويتركون ضعفاء الناس إلى البحث هذا مما لا يجب, وإن كان ليس في المواضع ما يبحث وليست إلا هذه الآبار وبناؤها قليل فوجه الصواب فيها أن لا تمس حتى يصل الناس فيتساوون في مائها بشرب أنفسهم, فإن كان فيه فضلة عن تزودهم منه لأنفسهم سقوا بالفضلة عن تزودهم لبلوغهم ما أخذ(¬2) إبلهم من الفاضل عن ذلك ويتساووا بين الإبل كما يتساووا بين الناس, وهذا المعنى مأخوذ من السنة الواردة عن عين تبوك؛ قال عليه السلام لمن وصل إليها ليمس من مائها شيئا إذا كانت معروفة بالغلة والله تعالى أعلم.

[تحجير مقبرة المسلمين لا يوجب اختصاص المحجر فيها]

وسئل رحمه الله تعالى عن الرجل يحجر في مقبرة المسلمين بالبناء على

[

وأما إن علم أنه ليس بمملوك لإحدى القريتين وأنه ينبع في أرض غير ممتلكة فهذا مثل مهزور الذي حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يسقي به الأعلى فالأعلى ويمسك الماء حتى يصل إلى الكعبين ثم يرسل إلى الأسفل، فإن غرس أحد على هذا الماء وهو على هذه الصفة فليس لأحد ممن فوقه أن يحدث فوقه ما يضر به في سقيه ولا ممن يحدث عنه لمسجد ولا غيره إلا أن يكون جلبه إلى المسجد لا يضر به هو في الانتفاع به في ذلك، وإن لم يتعلق لأحد به حق حتى قام بعض أهل القرية أو كلهم وجلبوه للمسجد فذلك لهم جائز، وإن كان المشهور من المذهب أنه لا يجوز إحياء ما خرب من العمران إلا بإذن الإمام، لكن قال أصبغ في العتبية: لا يجوز استيذان الإمام في إنشاء الأرحى على الأنهار والمياه التي ليست مملوكة إن كانت بقرب العمران، وقال أنهارهم إنما هي لهذا ولمثله من المنافع، وهذا الذي أشار إليه أصبغ العمل به في وقتنا هذا واضح، لأن الأمراء لم تجر عادتهم بالتحجير على الناس بالانتفاع بماء العيون والأنهار التي تكون في بور الأرض وما ليس بمملوك منها فكأنه مأذون فيه بالعادة المستمرة والله سبحانه أعلم، مع أنه على القول بالاحتياج إلى الإذن قد قيل إنه إذا أحيى بغير إذن فلا ينتزع منه إذا اختص المحيي به لنفسه فكيف بهؤلاء وهم إنما جلبوه لمنفعة عامة؟ وإن كان القاضي ابن رشد استبعد ما قال أصبغ فليس عندي ببعيد لما أشرنا إليه، لكنه إن كان على هذا الوجه فإذا عجزوا واعترفوا بالعجز عنه فلا يمنع ذلك غيرهم من الانتفاع به وليس كماء مملوك لأن المملوك إذا حبسه مالكه تم في

[34/8]

[35/8]الحبس، وهذا الذي ليس بمملوك إنما جلبهم له إحياء، فإن عجزوا عنه بقي كما كان قبل جلبهم، وقد نص العلماء على أنه من أحيا مواتا وعجز عنه فإن ذلك يوجب إخراجه من يده، ولا يمنع منه عامة المسلمين ويبقى عاطلا، وليس كملكه، فإن عجزه على الانتفاع بملكه لا يخرجه عن ملكه أبدا.

[

قلت: فإن أراد كل رجل منهم أن يغلق على أرضه من الذي حوله ببنيان أو يحظر لبستان، كيف يصنع(¬1) صاحب الأرض المتوسطة؟ قال يمنعون مما ذكرت حتى يجمعوا له على ممر يتركونه له من أرض من شاء، وعلى كل من كان هذا المتوسط يختلف على أرضه إلى أرض نفسه.

قلت: فإن اختلفوا في هذا الممر فقال لهم المتوسط اتركوا لي ممرا واسعا يحملني وماشيتي وجميع حوائجي وأبي القوم من ذلك، فقال في يحكم له عليهم بمثل الممر الذي كان له في أرضهم من قبل البنيان منهم ومنه على حال ما كان يختلف إليها بماشيته، وإن لم يكن يختلف إليها قبل بماشيته لم يكن عليهم أن يتركوا له ممر ماشيته. وكذلك إذا أراد هو البنيان وحده ولم يريدوا هم بنيان أرضهم وتركوها للحرث كما كانت فاحتاج من المنافع في دخوله إلى أرضه وخروجه منها إلى أكثر مما كان يحتاج أولا إذ كان يختلف إليها للحرث فقط فإنه يمنع من البنيان لأنه استحقاق لأكثر من حقه قال: وسأل ابن القاسم عن ذلك فقال مثله. وفي حريم البير من المدونة فيمن له بئر تحول بينها وبين أرضه أرض جاره، فمنعه الجار من الممر إلى العين، قال ابن القاسم سمعت مالكا يقول فيمن له أرض حولها أراض للناس مزروعة، فأراد أن يمر بماشيته إلى أرضه في زروعهم إن كان ذلك يفسد زروعهم فلهم أن يمنعوه. وفي المجموعة: سئل سحنون عن طريق الفدادين فقال إن كان لهم أمر معروف حملوا عليه، وإلا نظر فإن كان أهل الفدادين من سبق منهم إلى حرث فدانه لم يقدر أحد أن يشقه وجاز أصحابه وراء ذلك فليس لأحد على أحد طريق؛ وإن كان إذا حرث أحدهم شقوا أرضه وسلكوا في حرثه طريقا قد عرف ذلك فهو على ما عرفوا ليس

[

فالحاصل من ذلك أن أقطار مذهب مالك رحمه الله قد عمها ما لا ينبغي واستولى عليها الباطل لعلمنا أن ليس فيها إمام نظار . قال صاحب الكلام الأول : هذه مغالطة بعد ظهور الحق إن الله سبحانه لا يدع الخلق عبثا ، ولا يجعل الحق خبثا . وما دامت الشريعة لازمة للخطاب للأمة فلا بد لها من [32/10] إمام ، وفي عصرنا جماعة منهم الفقيه الأجل أبو الوليد ابن رشد أدام الله توفيقه في أقطارنا هذه ، فهو إمام الوقت والحجة على المستفتين ، وتفرق المجلس بالرغبة إليه أعلى الله كلمة الحق بلسانه ، وميز رجحانها في ميزانه ، أن يبين لنا ما في المجلس المذكور من الغلط إن كان ، وهل هو جار على أصل مذهب مالك رحمه الله أم لا ؟ وتمام ذلك أن تذكر لنا صفة المفتي الذي ينبغي أن يكون عليها في عصرنا هذا أو على طريقة أصول المذهب . وبالجملة بين لنا ما هو اللازم في مذهب مالك لمن أراد في وقتنا أن يكون مفتيا بمذهب مالك ؟ وكيف الحكم في القاضي إذا كان ملتزما للمذهب المالكي وليس في قطره من نال درجة الفتوى ولا هو في نفسه أهل الفتوى ، هل تمضي أحكامهم وفتاويهم على الإطلاق ؟ أو ترد على الإطلاق ؟ أو يختلف الجواب وينقسم ؟ وكيف الحكم إن رفع رافع إلى الوالي الأعلى في قطر من الأقطار الصغار التي لا تشتمل على مبرز في الفتوى أو من فيه من الفقهاء والحكام بالصفة المذكورة ، هل يقبل قوله وينظر في كشف ما قال ؟ أو يرد ما قاله ولا ينظر إليه ؟ بين لنا بطولك مأجورا مشكورا إن شاء الله .

33/11] أخبارهم، ولكنهم ضمهم لحودهم، وقل على بسيط الأرض وجوده فما يورد من آثارهم أثر، فهم الكبريت الأحمر، وإن كان عجز عن بلوغ رتبتهم وقصر، لكنه يعرف الحق فلا يغلط في نفسه ولا يغتر، فهذه النصيحة لمن وقف عليها من الإخوان الصادقين والمريدين، والعامة المسلمين المصححين، ليميزوا بها بين المحقين والمبطلين من المنتمين إلى الدين ولا يغتروا بالملبس من أجل حسن الظن ومحبتهم للصالحين، ويدخل عليهم الخلل في عقائدهم، ويميلون بها إلى عوائدهم .واما ما ذكرنموه من أفعالهم واشتغالهم بالرقص والغنا والنوح فممنوع غير جائز، قال الله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ الآية قال ابن مسعود هو الغنا والذي لا إله إلا هو يرددها ثلاث مرات وهو مجاهد وعطاء: من كانت له جارية مغنية فمات لم يصل عليه لقول الله عز وجل: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ الآية.

قال مالك في المدونة: وأكره الإجارة على تعليم الشعر والنوح وعلي كتابة ذلك. قال عياض: معناه نوح المتصوفة وإنشادهم على طريق النوح والبكاء، فمن اعتقد في ذلك أنه قربة لله تعالى فهو ضال مضل، ولا يعلم مسكين أن الجنة حفت بالمكاره، وأن النار حفت بالشهوات، والله تعالى لم يبعث أحدا من الأنبياء باللهو والراحة والغنا، وإنما بعثوا بالبر والتقوى وما يخالف الهوى. قال تعالى: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾. فالباطل خفيف على النفوس، ولذلك خف في الميزان. والحق ثقيل، ولذلك ثقل في الميزان قال تعالى: ﴿إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا﴾.

وقال عبد الوهاب: ومن البدع الكبري ما نشاهده ممن يدعي لنفسه العبادة والتقدم. أنظر تمامه ولعله في شرح الرسالة لعبد الوهاب.

مذهب ضعيف قد رفضه أكثر العلماء وأهل النظر، على أن جماعة من أهل الحديث متقدمين ومتأخرين يميلون إليه واختلف قول أبي حنيفة-رحمه الله- في الباب، فمرة قال: أما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فآخذ بقول من شئت منهم ولا أخرج عن قول جميعهم، وإنما يلزمني النظر في أقاويل من بعدهم من التابعين فمن دونهم. قال أبو عمر: جعل للصحابة في ذلك مالم يجعل لغيرهم، وأظنه مال إلى ظاهر حديث أصحابي كالنجوم، والله أعلم. وإلى نحو هذا كان أحمد بن حنبل يذهب.

قال محمد بن عبد الرحمان الصير في: قلت لأحمد ابن حنبل إذا اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة هل يجوز لنا أن ننظر في أقوالهم لنعلم مع من الصواب منهم فنتبعه؟ فقال لا يجوز النظر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت فكيف الوجه في ذلك؟ فقال: تقلد أيهم أحببت. قال أبو عمر لم ير النظر فيما اختلفوا فيه خوفا من التطرق إلى النظر فيما شجر بينهم وحارب فيه بعضهم بعضا. وعن يحيى بن سعيد إذا جاء الاختلاف أخذت فيه بالأحوط.

وأما قولكم: ويشهد لهذا المعنى ظاهر الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم ﴿أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم﴾.

فجوابه أن الحديث إنما يحسن استدلالكم به بعد تسليم صحته، وهو مذهب أبي عمر بن عبد البر، وأما على مذهب البزار فلأن الحديث عنده ضعيف، قال لأنه روي من قبل عبد الرحمان بن زيد، وأهل العلم قد سكتوا عن الرواية بحديثه وعلى صحته، فقد قال المزني معناه عندي فيما نقلوا عنه صلى الله عليه وسلم وشهدوا به عليه، فكلهم ثقة مؤتمن على ما جاء به لا يجوز عندي غير هذا، وأما ما قالوا فيه برأيهم فلو كانوا عند أنفسهم كذلك ما خطأ بعضهم بعضا ولا أنكر بعضهم على بعض ولا رجع أحد منهم إلى قول صاحبه. قال أبو عمر وليس هذا بصحيح على كل حال، لأن الاقتداء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منفردين إنما هو لمن جهل ما يسأل

[34/12]

[35/12]

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٣٦