تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أقول: إن صح في نظرك الاتفاق الذي حكيته في استقلال كل من مدينتي فاس بخطبة لتوفر شرطه الذي عو تعدد البلد من غير شرط زائد عليه. وأي مانع عندك من استصحاب ذلك بعد صيرورة البلدين بلدا واحدا فقد عقدت فيهما بوجه سائغ باتفاق في نظرك, فلا ضرورة تدعوك إلى الاستظهار بمسألة المدونة على طرق الاستصحاب, إذ الأصل بقاء ما كان على ما كان وإن كان فاسدا, وهو الحق الواضح الأبلج الذي لا شك فيه, فلا يصح لك التنظير لفساد المتنظر, ويسقط الاستظهار بمسألة المدونة, فلا يبقى بيدك إن وفقت للحق واتبعت سبيل الهدى إلا أن العنانية ثالثة بالاضافة إلى خطبتي القرويين والأندلس, ورابعة بالاضافة إلى خطبة المدينة البيضاء حرسها

[270/1] الله تعالى, إذ هي سابقة للعناية, كما أن الحلوية رابعة بالاضافة لخطبة تلمسان, خامسة بالاضافة لخطبة المقام المديني أفاض الله علينا من بركاته. وبهذا التحقيق يسقط في مهب الريح جميع ما رتبه المعترض وخبط فيه خبط عشواء, وسود الأوراق زملأها هذيانا وحشوا.

وأما قوله ومسألة السبق التي اختلف فيها العلماء رضي الله عنهم, هنا هو محل ذكرها, وهي إما أن تكون القرويون سابقة بالصلاة والعنانية تأخرت عنها إلى قوله وليس ذلك محلها لأن القرويين وجامع الأندلس لا يعتبر السابق منهما من اللاحق, كما لا يعتبر من سبق بالصلاة بين جامع فاس الجديد وفاس القديم ولا في غيرهما من سائر البلاد.

فأقول: المحل الذي ذكرتها فيه هو محلها, ولكن استحوذ عليك الجهل وسكرت باتباع الهوى حتى عمي عنك أمرها.

ما ضر شمس الضحى في الجو طالعه ... ألا يرى ضوءها من ليس بصر

=فأجاب: إذا كان اللوث شهودا غير عدول تعرف جرحتهم أو تتوهم فيهم الجرحة، فلا اختلاف في أنه لا يجب على المشهود عليه بشهادتهم ضرب مائة وسجن سنة، وإنما يجب عليه بشهادتهم السجن الطويل رجاء أن توجد عليه بينة عدلة، وأما إن كانوا مجهولين لا يعرفون بجرحة ولا عدالة، فيجب عليه الضرب والسجن إن عفي عنه قبل القسامة أو بعدها على القول بوجوب القسامة في ذلك، ولا يجب عليه ضرب مائة وسجن سنة على القول بسقوط القسيامة مع ذلك، وقد اختلف في ذلك قول مالك، وأما إذا شهد شاهد عدل على

[312/2]

[313/2]

معاينة القتل فلا اختلاف في المذهب في وجوب القسامة بذلك، ولا في وجوب ضرب مائة وسجن سنة إن عفي عنه قبل القسامة أو بعدها، والقاضي الذي لا يرى القسامة بذلك قد خرج في اختياره عن المذهب جملة، فإن ضربه مائة وسجنه سنة وافق في ذلك قول مالك وجميع أصحابه، ولا يجوز أن يضرب المدعى عليه بالدم بالتهمة، وإنما يحبس بما إذا كان ممن تليق به التهمة الشهر ونحوه رجاء أن توجد عليه بينة، وإن قويت عليه التهمة بما يشبه عليه مما لم يتحقق تحققا يوجب القسامة حبس الحبس الطويل، قال ابن حبيب في الواضحة: حتى يتبين براءته أو تأتي عليه السنون الكثيرة.

قال مالك: ولقد كان الرجل يحبس في الدم باللطخ والتهمة حتى إن أهله ليتمنون له الموت من طول سجنه، فإن لم يهتم وكان مجهول الحال حبس اليوم واليومين والثلاثة، وإن لم يتهم وكان معروفا بالصلاح لم يحبس ولو يوما واحدا وبالله التوفيق.

[ إذا أدمى كل من مجروحين على صاحبه ومات أحدهما ]

وأجاب : البرجيني بأن الولد إذا رضي بالقرب ، فالنكاح جائز وبعد طول الزمان لا يصح النكاح ، هذا هو المعروف في المذهب ، وعن سحنون القرب اليوم ونحوه ، وإن علم رضى الزوج ولم يعرف الشهود قرب رضاه أو بعده فلا يصح النكاح ، إذ شرط الصحة رضاه بالقرب ، فإذا لم يثبت فلا يصح ، ويجري مجرى الرضى حضور الزوج لإطعام الطعام وتفرقته على الأهلين والمعارف ، وهو غير منكر وهو رضى مسلم ، وهذا إذا كان الطعام بقرب العقد ودعوى الأب من ترك الزوجة ؛ لأن الابن لم يوكله غير قادح ؛ لأن انحلال العصمة بعد ثبوتها لا يكون إلا من الزوج أو بوكالته ولا واحدة منهما ، وعدوى الرضى عليه بذلك دون إشهاد لا يؤثر في فسخ النكاح إذا ثبت رضاه قرب العقد بشهادة كما مر ، وفيه فروع وتفصيل يطول ذكرها . وفي المدونة من زوج ابنه وهو حاضر ساكت إلى آخره ، قال شيخنا : لا يتخرج فيه الخلاف من السكوت هل هو كالأقدار أم لا ؟ لأن النكاح هنا لم تحصل أركانه ، بخلاف إذا زوج وهو ساكت ومضى عليه زمان يمكن أن ينكر فلم يفعل ، فهذا يجري فيه لخلاف المذكور .

[289/3][من زوج ابنه وذكر في الصداق أنه تحمله عن ولده حملا لا حمالة]

*وسئل : البرجيني عمن زوج ابنه وذكر في الصداق أنه تحمل عن ولده الصداق حملا لا حمالة ، وتقرر في ذمته وعليه انعقد النكاح ، ثم ذكر في الصداق نفسه أن الزوج دفع النقد عند البناء وبقي في ذمته المهر وهو كذا وكذا دينارا ، واجبا وحقا لازما على الحلول عليه ، وحمله والده كما ذكر ، سبيله سبيل الديون الواجبة والحقوق اللازمة .

وسئل عن رجل تشارر مع زوجته فقال لها سلمت لك بمالك، فقالت له ما تخرج من يدي ولا تجد طريقا لذلك، فقال أما أن نتزوجك بالسيف إنما سلمت لك في الدنيا والآخر، هل يكون قوله هذا كالقائل زوجه أنت طالق أبدا؟

فأجاب: أما الذي قال لزوجه أنت طالق أبدا أو سلمت لك في الدنيا والآخرة فهما متقاربان، والراجح في طالق أبدا الثلاث عند بعض القرويين، وقال أبو يونس ظاهر المدونة واحدة.

[من خالع زوجته وطلقها واحدة ثم حرمها بمحضر العدول]

وسئل عمن حرم زوجته بمحضر عدول ثم إنه ادعى أنه كان خالعها بطلقة واحدة قبل وصولهم للعدول، فهل إن ثبت ما قاله من وقوع الخلع قبل التحريم تحل له الزوجة إذا أراد استيناف نكاح عليها قبل أن تتزوج أم لا؟

فأجاب: إن قامت بينة عادلة بأنه أوقع عليها طلقة الخلع قبل التحريم لم يلزمه التحريم لكونه لم يصادف محلا، إذ قد بانت بطلقة الخلع.

[من زنى بامرأة ثم تزوجها من غير اسبتراء ثم طلقها ثلاثا]

وسئل عن رجل قال إنه كان تقدم له مع امرأته فساد وتمادى معها عليه إلى أن تزوجها من غير استبراء، وما زالت معه على هذه الحال إلى أن طلقها ثلاثا في مرات. هل تسمع في ذلك دعواه أو تقبل فيه بينة أم لا.؟

[315/4]

[316/4]

فأجاب: دعواه بعد أن طلقها ثلاثا أن نكاحه كان فاسدا وفي أيام استبراء لا تقبل ولا تسمع منه بينة على ذلك. إلا أن يكون لهم عذر في ترك الرفع فليعمل على شهادتهم. فإن عمل على شهادتهم وكان ارتجاعها من الطلقة الأولى والثانية قبل كماله العدة لم يلزمه شيء من الطلقات، وإن كانت المراجعة بعد كمال العدة من الأولى لزمته الثانية والثالثة، وإن كان الرجوع قبل تمام العدة من الأولى وبعد كمالها من الثانية لزمته الثالثة فقط.

[من تزوج امرأتين بعد أن زنى بهما دون استبراء، وهو يحلف بالطلاق ويحنث]

البائع أن يقوم به عليه لم أحكم له بذلك إلا أن يتمادي البائع على مقالته وإلا فلا، ويثبت له ذلك العيب، فإن ثبت العيب والعبد مريض أو قد كاتبه فحكم للمبتاع على البائع بقيمة العيب فأخذ القيمة ثم صح العبد من مرضه أو عجز عن أداء الكتابة وذهب عنه العيب فلا رجوع للبائع على المبتاع لأنه حكم قد نفذ، قاله غير واحد من شيوخنا الحافظ وغيره من وثائق ابن مغيث، وتأمل في نكت عبد الحق في عيوب المدونة، انتهى ما في الطرر، وهو ما لحقه طارئ الفوت لأن مرض العبد وكتابته الموجبة لعوده في الرق فوت.

وكمسألة من قال زوجتي عائشة طالق وقال أردت زوجة لي غائبة اسمها عائشة طلقت عليها الحاضرة إذا لم يعرف صدقة ثم إن ظهر صدقة فيما زعمه أن التي طلقت عليه ترد إليه وإن تزوجت ودخل بها الزوج.

قيل: مخالفته إنما تحقق إذا لم يكن لمالكك رحمه الله قول في المسألة إلا الذي خولف فلعل له قولا آخر رجحه ابن القاسم واختاره. لا يقال: لما قال أرى أو هو رأيي علم أن أناط الحكم برأيه فحمل قوله إتباع قول آخر لمالك تأويل وخلاف الظاهر، لأنا نقول: ترجيح القول الذي صار إليه واختياره إياه حقيقة فلا تأويل. والذي يؤيد ذلك ويحققه ما ذكر الباجي في فرق الفقهاء. قال: وقد جمع أبو عمر الإشبيلي(¬1) أقوال مالك خاصة، دون أقوال أصحابه في كتاب كبير زاد على مائة كتاب قرأت بعضه. وكان شيوخنا يقولون: إنه لا يكاد أن توجد قولة لأصحابه إلا وهي في ذلك الكتاب لمالك. وذلك أن أبا عمر نقلها من الأسمعة أخرجها الحكم بن عبد الرحمن من خزانته، وأمره بجمع أقوال مالك حيث كانت. فأنت ترى قول الشيوخ لا يكاد أن توجد قولة لأصحابه، إلا وهي في ذلك الكتاب لمالك فإنه تحقيق لما قلناه. وفي هذا الكلام أيضا بيان لما قدمناه من صرفهم الهمة إلى مالك وأقواله وتقليده. وإن الحديث على أصحابه وأخياره بعضهم إنما هو لأجل

[359/6]

صحة التوصل إلى مذهبه والتبعية لإمامته ومن نمطها قاله الشيوخ في حكاية الباجي ما ذكره بعض الأئمة أن ابن القاسم وأشهب اختلفا في قول مالك في مسألة، وحلف كل واحد على نفي قول فسألا ابن وهب فأخبرهما أن مالكا قال القولين جميعا فحجا جميعا قضاء لليمين التي حنث فيها. على أن في سبب مشيهما حاجين خلافا. فانظر إلى من قد علمت إمامان أخذا عنه مباشرة لهما الملازمة وطول الصحبة وإن تفاوتا في ذلك غاب عن كل واحد منهما قول إمامه، فكيف بمن أتى بعد قرون؟ ولو سلم الأقوال لمالك، إلا القول الذي خولف فلا يقتضي ذلك اجتهاده ولا عدم تقليده، لجواز سهو إمامه وغلطه وخروجه عن أصوله وقواعده في المسألة واستمرار المقلد إذا كان أهلا للاجتهاد المذهبي كما حققناه في ابن القاسم من قواعد إمامه وأصوله ولا يكون مخالفا له بذلك ولا خارجا عن تقليده.

301/7] فأجاب: لايجوز للمعلم احتطابها ولا أن ينتفع منها بشيء بغجماع, بل تباع ويغرس بثمنها شجرة أخرى مكانها إن أمكن, وإلا صرف في مصالح ذلك الحائط.

وسئل عن حبس مسجد لنظر إمامه زاد ريعه على ما كان عليه وعجز الإمام عن النظر, وأريد تقديم ناظر ليقوم به ويتفقد أحواله على مرتب من فائد الحبس.

فأجاب: يجوز له أخذ المرتب على ذلك, وإن لم يكن مرتب في أصل الحبس, هذا المختار من القول, وبه مضى العمل.

وسئل عن إصلاح دار الإمامة من غلة المسجد هل يجوز أم لا؟

فأجاب: المشهور المنع من إصلاح دار الإمامة المحبسة على الإمامة بنص وتصريح من غلات المسجد الذي يؤم به ذلك الإمام, كما أن المشهور أيضا المعلوم من المذهب منع إحداث مرتب من حبس مسجد لم يحبس على ذلك المحدث, سواء كان إماما أو مؤذنا أو قيما أو مدرسا أو غير ذلك, لكن الذي اختاره كثير من الشيوخ المقتدى بهم التفصيل في ذلك, وقالوا إن كان الحبس من أحباس المساكين وظهر وفر واسع على ما سموا جاز أن يصرف ذلك الوفر في مصالح لغيره.

[الواجب على الناظر أن يتفقد الحبس على الدوام]

وسئل عن ناظر الأحباس هل يجب عليه تفقدها أم لا؟

فأجاب: تطوف ناظر الحبس وشهوده وكتابة وقباضه على ريع الأحباس أكيد ضروري لابد منه وهو واجب على الناظر فيها, ولا يحل له تركه إذ لا يتبين مقدار غلاتها ولا عامرها ولا غامرها إلا بذلك, وما ضاع كثير من الأحباس إلا بإهمال ذلك, فيأخذ الناظر وفقكم الله بالكد والجد والاجتهاد.

[302/7] [كيفية المحاسبة في الأحباس]

وسئل عن كيفية المحاسبة في الأحباس.

وسئل أصبغ عن الزرع إذا كان محيطا بالقرية متصلا بها لا يسلم من الماشية إذا أخرجها صاحبها وخلاها من غير راع يحرسها.

فأجاب بأن قال: يؤمر أن يخرج معها راعيا أو رعاة يحرسونها ويمنعونها أن يؤذي أحدا ويمر بها على الطريق الذي يتحفظ أهلها من أداء الزرع الذي يليها فإذا أخرجوها من مزارع القرية إلى فحوصها ولا زرع فيه تركت الماشية هنالك بغير راع فإن نزع منها شيء إلى الزرع أثناء ذلك كانت مثل الضواري في الماشية تقرب إلى أرض لا زرع فيها قال وأما لو فتح رجل بابه وسرح دابته بلا حارس فالضمان على مثل هذا والغرم له لازم ولو أدب لكان لذلك أهلا.

[القول قول الوكلاء في دعوى الضياع]

وسئل أبومحمد عمن يدفع إلى الصراف الدينار ليصرفه له أو الحلي أو الثياب أو الرقيق إلى النخاس أو الدواب بأجر أو بغير أجر فيقول الصراف سقط مني ويقول النخاس ذهب مني أو يقولان بعنا وسقط الثمن أو يقولان بعنا من هذا الرجل والرجل يجحد ما قالا.

فأجاب بأن قال: الوكلاء على ما ذكرت، القول قولهم في جميع ما ذكرت مع أيمانهم، إلا في قولهم بعنا من هذا الرجل والرجل يجحد الشراء فهم ضامنون إن لم يقوموا ببينة بالبيع منه وقبض السلعة إلا أن يكون هؤلاء الوكلاء من السماسرة الطوافين في الأسواق الذين يبيعون للناس وشأنهم لا يشهدون على ذلك فالقول قولهم مع أيمانهم ولا ضمان عليهم وبالله التوفيق. ابن الحاج القضاء بتضمين الصناع من باب القضاء للعامة بالمنفعة الخاصة

[339/8]

[340/8]وله نظير من ذلك منع الجزار من ابتياع البقر القوية على الحرث لما فيه من منفعة العامة، وكذلك يمنعون من ابتياع البقرات التي هي للنسل للذبح وأضن ابن حبيب قد ذكر مثل هذا فتدبره.

وسئل أصبغ بن خليل عن رجل يدفع إلى الصانع أجرته وقام الصانع ليخرج إليه ثوبه فقال ربه دعه الساعة ثم ادعى الصانع تلفه بعد ذلك.

قلت: وقد وقع فيها البحث بين علماء الديار المصرية أيام مقامي بها كقاضي القضاة جلال الدين القزويني، وشمس الدين الأصبهاني الدمشقي، وتاج الدين التبريزي، وأضرابهم من فحول العلماء وكبار الأئمة، وحفاظ المحدثين، فاتفق رأيهم على أن هذه الأزمان القريبة وهذا القرن لم يخل من مجتهد، ولا نقطع بنفيه لاتساع أقطار الأرض واختلاف أنظار العلماء وما يصدر عنهم من التصانيف والاختيارات الدالة على ذلك ولم يتوصل إلى الوقوف عليه والقطع إلا بالتتبع والاستقراء، واتفقوا على الإمام عزالدين بن عبدالسلام وتلميذه تقي الدين بن دقيق العيد أنهما بلغا هذه الدرجة، وذكر بعضهم أن ابن الزملكاني الدمشقي المحترم ربما بلغ هذه الدرجة من أهل هذه المائة الثامنة، وذكروا من أهل العراق جماعة وقد ذكر والده سيدنا الفقيه أبوالعباس في عنوان الدراية ما يرد على سيدنا الخطيب وهو أنه أثبت هذه الدرجة لمن كان في المائة السابعة، وهو شيخه الفقيه الإمام أبوالقاسم بن زيتون على ما يقتضى ظاهر كلامه، وأثبتها بعض أشياخنا عن علماء هذه المائة للفقيه أبي عبدالله بن شعيب الهسكوري وللإمام أبي محمد زين الدنيا من علماء أفريقية وأثبتها جماعة من شيوخنا المتأخرين لشيخنا وشيخهم الإمام أبي على ناصر الدين منصور بن أحمد بن عبدالحق المندالي، هكذا سمعت منهم كالفقيه أبي عبدالله بن المسفر والفقيه أبي محمد بن الكاتب وأبي موسى عمران بن موسى المشدالي وغيرهم، من سمع كلام شيخنا أبي على واطلع من العلوم بما يدرك به تفننه في تواليفه وما كتب وكتب عليه من أجوبة في نوازل مختلفة وآراء في فنون متباينة لم يبعد عنه إدراك هذه الرتبة وبلوغ هذه الدرجة، ويرحم الله بعض أئمتنا فلقد قال في المسألة قولا أراه سديدا، ولا إخاله بعيدا، إنا في زمان ثبت بالدليل الواضح فساده، ومن فسد جحد أهله الأفاضل لغلبة الحسد وعدم الإشراف، فلا يعترف لصاحب هذه المرتبة بها وإن كانت حليته، ولا يوصف

فأجاب : وقفت على السؤال المكتتب ، والحكم في ذلك أن ينظر إلى حال الرجل وقت إقراره لزوجه بالدنانير ولم يعلم أصلها وصير لها فيها جميع [289/10] أملاكه ، فإن كان في ذلك التاريخ مديانا وليس له من غير أملاكه المصيرة ما يسع ديونه لاستغراق الديون لماله وأملاكه ، فإن تصييره باطل لبطلان الإقرار في تلك الحال ، إذ إقرار المديان الذي أحاط الدين بماله لمن يتهم عليه من زوجة أو غيرها حتى الصديق الملاطف مردود غير نافذ ، إلا أن يثبت الدين ببينة ويحلف صاحبه يمين القضاء ، نص على هذا الحكم ابن رشد في مقدماته ، وابن حارث وغيرهما . فعلى هذا يبطل الإقرار والتصيير في النازلة إذا لم يعلم أصل الدين المقر به ، فيصح بيع الأب لما باع ويتبع بما عليه من الحقوق ، إذا حضر ، ولا مقال له ولا للأم ولا لغيرهما في فسخ البيع الذي عقده الأب لأنه قد ظهر أنه إنما باع ملك نفسه لانفساخ التصيير ببطلان الإقرار . وإن ثبت الدين للزوجة ببينة وكان الزوج متسع الذمة وقت الإقرار بحيث يصح إقراره صح التصيير وصحت الهبة للأولاد ، وهكذا إن جهلت حال الزوج وقت الإقرار في كونه مستغرق الذمة أو متسعها فحمله على الاتساع حتى يثبت خلافه ، ولكن يبقى النظر في بيع الأب ما هو ملكه لولده على أنه مال نفسه ، وفي المذهب في ذلك اختلاف على ثلاثة أقوال ، أحدها قول ابن القاسم أن البيع يفسخ ويرد الملك إلى الولد ويتبع المشتري الأب بالثمن الذي دفعه إليه والثاني قول أصبغ أن فعل الأب في ذلك نافذ على ابنه على كل في يسر الأب وعسره ، للحديث الذي جاء أنت ومالك لأبيك فعلى هذا يمضي البيع ويتبع الولد ووالده بالثمن إن كان قبضه ؛ والثالث قول أشهب أن ينظر إلى حال الأب وقت باع ، فإن كان حينئذ موسرا نفذ البيع واتبع الولد بالثمن ، وإن كان معسرا لا شيء له وقت البيع لم يجز بيعه ورد وأخذ الابن ماله .

289/11] وكما فضل الله تعالى أجر الفرائض على ما يساويها من النوافل طولا عن من شاء من عباده، وكما أن قيام ليلة القدر موجب لغفران الذنوب، مع مساوتها لقيام ليلتين من رمضان وكذلك العمل ليلة القدر خير من العمل فى ألف شهر مع التساوي، وكذلك الصلاة فى المسجدين أفضل منها فى سائر المساجد مع تساويها فى جميع ما شرع فيها. فإذا كانت الحسنة فى ليلة القدر أفضل من ثلاثين ألف حسنة فى غيرها مع أن تسبيحها كتسبيح غيرها، وصلاتها كصلاة غيرها، وقراءتها كقراءة غيرها، على أن الله يتفضل على عباده فى بعض الأزمان ما لا يتفضل به على غيره، مع القطع بالتساوي، ليس ذلك إلا تفضلا من الله، إذ لا فرق بين وقت ووقت، وكذلك تفضله عز وجل في الأماكن. ثم ذكر أفضلية المساجد الثلاثة.

قلت: جميع ما جلبت هو حجة لنا من حيث أن الازمنة إنما تتفضل بحسب مايصحبها من العمل، ولا فضيلة لها بأنفسها. ونحن نقول بموجبه. وإذا كان ذلك كذلك، وفضلت ليلة القدر بما اختصت به من العمل، وفضلت ليلة المولد بما حصل فيها من الولادة الشريفة، مع استدامة الفضل بدليل الحديث الصيحيح والله أعلم.

[هل الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم أفضل من الفرض]

وسئل بعض العلماء بجامع دمشق عن صلاة العبد على نبيه عليه السلام هل هو أفضل من الفرض أم الفرض أفضل؟

فأجاب: الصلاة على النبى عليه السلام أفضل من صدقة الفرض الواجب، فقال السائل: كيف يقال: إن الصلاة أفضل من الفرض الواجب فى المال. قال له الشيخ نعم ليس الفرض الذى ذكره الله وصلى فيه بنفسه، وثنى فيه بملائكته، وأمر به عبيده، كالفرض الذى أوجبه على عبده وحده.

قال بعض الشيوخ: وقفت على حديث خرجه عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: حضرت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع

[

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٣٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٣٤٨