أقول: إذا تقرر بما تقدم من النصوص الواضحة أن البلدين إن لم يكن بينهما بعد أقله ثلاثة أميال, فلا يسوغ إقامة الجمعة بكل منهما, خلاف ما توهمه المعترض وحكي عليه اتفاق المذهب جرأة منه واقتحاما على ما لا خبرة له به وفتياتا, وجعله إسا حمل عليه بنيانه الوثيق بزعمه, وتبين له الآن, إن كان من أهل النصفة وآثر الحق ومال إليه, إنه إنما حمل على شفا جرف هار وأن ما حكمنا به للمدينتين بعد الخلط هو الذي كان لهما من الحكم قبله, وهو تفرد الجمعة بجامع واحد في الحالتين وهو العتيق, ولم يجعل هذا الوصف إلا لجامع الأندلس كما مر. وذلك لأن الشرع غرضا في تكثير الجماعات لعل عن يصلي خلف مغفور له على ما جاء في الحديث. ولأجل هذا الغرض شرع الله سبحانه الجمعة تفضلا وتكرما منه تعالى علينا, ثم شرع العيدين لأنه يجتمع فيهما من لا تلزمه الجمعة, ثم شرع الموقف الأعظم بعرفة الذي يجتمع الناس فيه من سائر الأقطار, فكيف يتأتى له التنظير بمسألة المدونة أو يستقيم له القياس عليها؟ ثم ما حكاه من اتفاق المذهب على جواز تعددها بتعدد البلد مطلقا جهلا أو عنادا يؤدي إلى تشتيت نظام المسلمين
[268/1] وتفريق جماعة المؤمنين, وفيه من مراغمة الشرع ومناقضة أغراضه الشريفة ما لا يخفى على من له أدنى مسكة من الحجا.
=فأجاب: تصفحت عافانا الله وإياك سؤالك هذا ووقفت عليه، والذي أقول به في هذه النازلة إذا كان المر فيها على ما وصفت أن لولاة المقتول أن يقسموا على من شاءوا من المتهمين المسجونين بما لحقهما وتعلق بهما من اللطخ والسبب الذي ذكرته، ويقتلوه على ما على ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تبدية الأنصار باليمين.
[310/2]
[311/2]
[ اللوث الذي يوجب القسامة هو الذي ليس بقوي ولا قاطع ]
*وقد سئل مالك رحمه الله في رواية أشهب عن اللوث الذي يوجب القسامة ما هو؟
=فقال: الأمر الذي بقوي ولا قاطع، فهذا من ذلك لأن الأصل في القسامة أن تجب بالشبهة التي يغلب على الظن بها صدق المدعي فيما ادعاه، بدليل الحديث المذكور، وبالقياس على الأصول في غير الدماء من الحيازة، وإرخاء الستر، ومعرفة العفاص والوكاء وما أشبه هذه الأشياء، وقد شدد ذلك ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة » فإن نكل ولاته عن القسامة أو عفوا عنهما بصلح أو غيره، ضرب كل واحد منهم مائة مائة وحبسوا عاما كاملا مستأنفا بعد الضرب لا يعتد فيه بما كان قبله، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
286/3]=فأجاب : هذا أهمل حقه بإهماله أم ولده حتى أضر بها ، وما تدوم متعة إلا بقيامه بها ، وإذا عدم ذلك ملكت أمر نفسها في النظر لمصلحتها من العتق والتزويج إن صلحت له ، ويرغب فيها تفعل أخف الأمرين ، فإن لم تصلح للنكاح وقويت على خدمة تكفيها من غير مشقة رجحت لعدم حادث يرفع منفعتها ، وأما ما يمنعها بعد هذه المدة وعدم اهتبال سيدها بها ، وبعد موضعه فضعيفة ، لكن فعله خير من تركه بحسب تطرق الاحتمال .
[من غاب عن ابنة له غيبة بعيدة وسن ابنته نحو العشرين عاما ، فأرادت التزوج من ابن خالها]
*وسئل : عمن غاب عن ابنته من أفريقية إلي البلاد المشرقية منذ خمسة أعوام ، ثم ذكر أنه دخل اليمن ثم انقطع خبره ولم تدر حياته من موته ، وسن ابنته حين غيبته نحو العشرين عاما ، فطلبت الزواج فخطبها ابن خالها وهو كفء لها في المال والدين والحسب ، وكان الأب خلف دار سكناه وحجرة بإزائها كراؤها درهمان في الشهر ، والطفلة المذكورة تسكن مع أمها في الدار ، وتأكل من عند شقيقها حسبة في الأعوام الماضية ، وقد أرادت الأم والأخ الآن تزويج الابنة ، إما من ابن خالها أو غيره لفقدان الأب على الوجه المتقدم ، وقد كان الأب حلف حين خرج أن لا يأخذ من أولاد خال الصبية ولا يعطي ، فهل يجوز نكاح هذه الطفلة من ابن خالها أو من غيره أم لا ؟ وإذا زوجت من الأول فهل يحنث ألب في يمينه ، أم لا لأنه ليس بمعط .
فأجاب: إن كان الأمر كما ذرك وكان قوله وأن قاضي مازونة إلى آخره متصل بقوله ما ضربتها الذي حلف عليه بالحرام من غير فصل بينهما ولا صمات فهو حانث إن كان في يمينه مختارا غير مكره، ويشترط أن يثبت قوله ما ضربتها أنا ولا القاضي، كان فيه مختارا لا مكرها، لأن هذه المقالة هي سبب حنثه، ولا شك أن الجملة الثانية وهي قوله إن القاضي الخ داخله في حكم ما حلف عليه وهي مما يتعلق بها القسم. قال في الأيمان والنذور من المدونة: والله لا أدخل دار فلان، ولا أكلم فلانا ولا أضرب فلانا، ففعل ذلك كله أو بعضه أجزأته كفارة واحدة. ولا شيء عليه في فعل ما بقي. فهل يدل على أن الجمل الواقعة بعد اليمين داخلة في حكمه. وكذلك قوله وإنما ضربها القاضي داخل أيضا بشرط الاتصال وعدم الفصل، لأن معناه وما ضربها إلا القاضي. ولا يشترط في لزوم اليمين أن يكون اللفظ مما يستعمل في الجواب عند النحاة. بل ذلك أو ما أراد به من لغة أخرى. وهذا كله إذا ثبت أنه قال ما ضربتها لا أنا ولا القاضي، بشرط الاختيار كما ذكر، أو يوافق على مقالته الثانية الآن. وأما إن لم يثبت قوله ثانيا ولم يكن إلا قول القاضي.
[312/4]
[313/4]
ما رأيتها قط فلا يحنث، وذلك لأنه قال في النوادر: قال ابن القاسم فيمن حلف بالطلاق إن لم يكن فلان شهد بكذا وإن لم يكن أخذ مني كذا بشهادة فلان، فأنكر فلان الشهادة فلا حنث عليه، وعقبها بذكر مسائل من هذا المعنى والله تعالى أعلم.
[من حلف ألا يدخل بيت فلان طول حياته فباع تلك الدار]
وكمسألة اختلاف المتبايعين في موت العبد في عهدة الثلاث أو بعدها قال في الطرر وانظر لو تراد الثمن على القول بأن المصيبة من البائع ثم أتى العبد لكان للبائع ولم يرد إلى المبتاع، ولو أتى قبل أن يترادا الثمن لكان للمبتاع قاله محمد ابن المواز عن أشهب قال ابن رشد ومعنى ذلك عندي إذا تراضيا بغير حكم، وأما لو حكم عليهما بذلك لوجب أن يرد العبد إلى المبتاع لما تبين من الخطأ في ذلك لا اختلاف فيه انظر ذلك في رسم طلق المذكور، وكمسألة خارص الأربعة الأوسق لأنه انكشف خطأه فوجب الرجوع إلى ما ظهر قطعا وبهذا يتبين إشكال الخلاف في هذه المسائل كالرواية بعد رد نصف الصداق في مسألة المفقود وكقول ابن الماجشون بعدم الرجوع في نفقة المنفشة الحمل إن أخذت بالحكم، وقول من لم يوجب الزكاة في مسألة الخارص، وكقوله في المقرب في باب جامع القضاء في تضمين الصناع فإنه قال في كتاب الغصب قال مالك ومن دفع إلى غسال ثوبا فأضاع عنده وغرم قيمته ثم وجده الغسال فجاء ليرده له على صاحبه ويأخذ منه ما أعطاه أن ذلك ليس له.
قيل فأشهب قال: ولا أشهب ولا غيره، هو عجب من العجب: الفضل والزهد والرواية، حسن الحديث حديثه يشهد له. على أن في تفضيله على أشهب أو العكس خلافا يخرج عن الغرض. وأيضا فهذه جزيرة الأندلس في سجلات قرطبة قطب مدائنها علما وإمرة أن لا يخرج القاضي عن قول ابن القاسم ما وجده احتياطا ورغبة في صحة الطريق الموصلة إلى مذهب من قلدوه لثقة المذكور وصحة روايته وكثرة ملازمته، وطول صحبته. وإنه لم يخلط بمذهب مقلدهم شيئا كما قدمناه ولو خرج عن تقليده لمالك باجتهاد لكان تقليدهم له دون مالك نبذا لمذهب مالك ورغبة عنه. وهو خلاف المعلوم من أئمتهم.
[356/6]
[ما شنع به ابن حزم على أهل الأندلس من الغلو في تقليد مالك]
كيف وقد بلغوا من التوغل في تقليد مالك، بحيث منع عليهم الأمر صعب حتى قال ابن حزم وهو أحد حفاظها في كتاب أحكام الأحكام حيث أخذ في القدح في التقليد. قال:
وأما أهل بلادنا يعني بلاد الأندلس فليسوا ممن يتعنى بطلب دليل على مسائلهم وطالبها منهم في القدرة إنما يطلبها كما ذكرناه آنفا فيعرضون كلام الله وكلام الرسول عليه السلام على قول صاحبهم وهو مخلوق مذنب، ويخطئ ويصيب فإن وافق قول الله تعالى وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذوا به، وإن خالفاه تركوا قول الله تعالى جانبا وقوله عليه السلام ظهريا وثبتوا على قول صاحبهم. ولا نعلم في المعاصي ولا في الكبائر بعد الشرك المجرد أعظم من هذا فانظر ما وصفهم به من الغلو في التقليد لمالك وما انتهى إليه بسببه من الذم وإن كان على كلامه هذا حديث في تمييز الصحيح منه والسقيم له بسط ومحل آخر.
298/7] المرتب عليها, وإلا فلا يجوز له أخذه وبالله سبحانه التوفيق.
وأجاب سيدي محمد بن آملال: إن الواجب أن يرد ما تحصل بيده من مال الحبس, لأنه أخذ بغير حق, ولا وجه شبهة. وهو متعد في أخذ ما أخذ من ذلك لم يغن عن الحبس شيءا, وعلى من تعين للنظر في النظر أن يقوم لذلك ويطلبه بذلك, ولا يسعه ترك آخذه من غير شك في ذلك ولا ارتياب, والله سبحانه الموفق للصواب.
وسئل العبدوسي عن مرتب الفقيه أبي عبد الله العكرمي من غاب عن مواضعه دون عذر.
فأجاب: قال علماؤنا كل من جعل له مرتب على قراءة او غيرها, ثم لم يقم بذلك لعذر من مرض أو خوف أو لغير عذر فإنه لا يستحق ذلك المرتب, كالأجير على شيء لا يقوم بخق المنفعة المستأجر عليها, فإنه لا يستحق الأجرة إلا أن يكون ما عطل مدة يسيرة, كخروجه إلى ضيعته وتفقد شئونه أو يمرض المدة اليسيرة, فإنه لا يحرم الأجرة وبالله سبحانه التوفيق.
[من عادة الملوك عندهم تسلف مال الأحباس]
وسئل سيدي أبو القاسم بن موسى بن محمد بن معطي العبدوسي عمن عادة الملوك عندهم تسلف مال الأحباس والتوسع فيه, فمات السلطان وعزل الناظر وادعى أن السلطان تسلف على العادة.
فأجاب: إذا ثبت أن العادة كما ذكرتم فالقول قوله, وقد وقعت الرواية بهذا منصوصة بنحو ما ذكرتم, وممن نص عليه المازري وغيره, وهو كالاجماع إذ ذاك في أمانته, ولا يقول يلزمه ذلك إلا من له غرض باطل, أو مداهنة في الشرع, والأمر أشهر من ذلك.
وأجاب ابن أخيه السيد أبو محمد عبد الله العبدوسي بما نصه: إذا ثبت بالعادة المستمرة أن السلطان ياخذ جباية الأحباس, فالقول قول الناظر مع
[299/7] يمينه, ولا ضمان عليه, ويترجح وجوب اليمين عليه, ولقد دفع ما زعم أن السلطان أخذه منه.
336/8]فأجاب: إن كان تعديه تعديا يسيرا فلا شيء له، وإن كان تعديا كثيرا خير رب الدابة بين أخذ دابته وكرائها فيما زاد وقيمتها يوم تعدى بها.
وأجاب غيره: إذا زاد المتكاري في الحمولة فعطبت الدابة نظر في الزيادة هل تعطب من مثلها فإن كانت تعطب من مثلها ضمن قيمة الدابة يوم تعدى بها وحمل عليها الزيادة وإذا اكترى الدابة إلى مكان يجاوره فعطبت الدابة فهو ضامن جاوزه بقليل أو كثير ولم ينظر إن كان يعطب من مثل ما زادوا إنما فرق بين هذا لأنه إذا زاد في الحمولة ما لا تعطب من مثله فعطبت الدابة لم يدر هل من الحمولة التي كان عليها عطبت أم من الزيادة التي تعدى بها وإذا جاوز الأمد فعطبت الدابة فكل ما جاوز به الأمد فهو تعد كله لم يجتمع فيه تعد وغيره كما اجتمع في الحمولة.
وسئل أيضا عمن اكترى دواب بغرائر لنقلان الطعام فما جاء في بعض الطريق ضلت دابته بحملها في السحر فوكل بسائر الدواب وخرج يطلب الدابة الضالة التي ضلت فلم يجدها ورجع إلى الذي وكل عليها فوجد قد ضلت منها دابة أخرى بحملها فكيف ترى أيضمن أم لا يضمن الغرائر والأحلاس التي على ظهرها؟
فأجاب: أما الدابة المكتراة فلا ضمان عليه فيها إذا كان مع قوم وشهدوا له أنها ضلت منه وإن كان وحده وادعى بذهابها فالقول قوله مع يمينه على التلف وإن كان وقع الكراء على الغرائر مع الدابة فلا ضمان عليه في الغرائر أيضا إلا بيمينه بالله أنها ضاعت وكذلك في الأكاف وأما الدابة التي ضلت بعد زواله في طلب الدابة التي ضاعت فلا ضمان عليه إذا خلفها عند ثقة مأمون وعلم ذلك وإن خلفها عند غير ثقة فهو ضامن وكذلك عليه ضمان الغرائر والأحلاس.
وسئل عن رجل استأجر أجيرا ودفع إليه دابته وغرائر يطحن عليها للناس بالكراء لا يسأله أحد عن الدابة لمن هي له ولا يعلم إن كان أجيرا فهرب
[336/8]
[
قلت: الدعوى ليست من شأن أمثال هذا الإمام، وجفاء القول لا يليق بالفضلاء الأعلام، هلا اعتمد على ما حكاه الشيخ الفقيه المفتي المتفنن القاضي العدل أبوالعباس الغبريني في كتابه المسمى بعنوان الدراية من كلام سيدنا وشيخ أشياخنا أبي مدين رضي الله عنه ونفع به: الدعوى من رعونة النفس، ويرحم الله من قال:
وما حسن أن يمدح المرء نفسه
ولكن أخلاقا تذم وتمدح
نسب الخطيب لنفسه وثيق البنيان، وغيره لا يقعقع له بالشنان، كان الأليق به أن يتأول أحسن التأويلات ويحمل المحتمل على أحسن الوجوه المحتملات، فكيف والأبحاث الصادرة عن خصميه المشاركين له في خطته،
[308/9] المشهورين في إقليمهما مثل بل أكثر من شهرته، ظاهرة الصواب، بعيدة عن التدافع والاضطراب، ومن قال سمع:
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته
على طرف الهجران إن كان يعقل
ليت شعري أي بنيان هو الوثيق، أم أي الفريقين أهدى إلى الطريق، كل مدع في نفس الأمر غائب، وغير المنصف من الخصمين ذام لصاحبه وعائب، ولعله هو المخطئ غير الصائب، ولكن مسالك الأبحاث معروفة، وطريق الاستحسان لسالكها مألوفة.
غ: فأين فيما أجابوا به تعيين أقوال علمائنا وأئمتنا في المسأل على الخصوص، وأين ذكر محال مالهم فيه من التخريجات والنصوص.
قلت: هذا مشترك الإلزام وغاية ما ذكر هو في كلامه الذي أفرده بعد هذا مما تكلم عليه بعد في المسألة ثلاثة أقوال غير معزوة ولا معينة، وهي التي أشار إليها الشريف، وصرح بقولين منها المقري، ومرادهما معا ترجيح أحد الأقوال وهذا هو الخلاف الذي تنازعه المتأخرون في المسألة بعينها، وكل رجح منها ما ظهر له حسبما ننبه عليه إن شاء الله بعد كلامنا في التفصيل على حكم المسألة على الخصوص، ومن كلامه يظهر ما جلبه هو من منصوص وتخريج مما تقف عليه إن شاء الله، وبه التوفيق.
غ: بحسب حاسب، أو اعتقاد أمى أو كاتب.
وأما استغلال الزوج أملاك زوجه إلى وفاته فاختلف المذهب في وجوب الكراء لها بعد وفاته في التركة على قولين ، أحدهما وجوبه بعد التقويم بالسداد وبعد يمينها على أنها لم تكن محتسبة به ، وأنها كانت على طلبها إياه بالواجب لها بسبب ذلك ، وأنها لم تقبض منه قليلا ولا كثيرا إلى إكمال يمين القضاء المعلومة . والقول الثاني أن لا حق لها في شيء من ذلك لأن محمله على التبرع لأجل العادة الجارية بالصلة في مثل ذلك بين الزوجين . وقد ذكر ابن عات في الطرر أنه وجد لابن تليد أن ما أخذه الزوج لزوجه مما هو معين كالطعام أو العين أو غير ذلك من الأشياء فلها أن تأخذه به ، وإنما يرفع عن الزوج ما كان من كراء أرض لها زرعها أو دار سكنها ، سواء شكت منه سؤ صحبة أو ثبت من جهته حسن الصحبة ، وهو قول علمائنا في الاستغناء . انتهى .
قلت: الثابت من ذلك كله ما نص عليه الكتاب في محكم الذكر وهو نزول الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي وما جاء من الاختلاف في السلام هل هو معنى التحية أو السلام أو غير ذلك؟ مما أوردناه في فضله عن أيمة التفسير فيما تقدم موضحا. وأما ما ذكر من غير ذلك مما أورده المفسرون وغيرهم من تنزلهم على صور مختلفة، وبألوية مختلفة مذكورة في مواضع تحية مخصوصة فليست أحاديثها بالمعتمد الصحيح في الاستدلال كما سبق، لم يبق إلا نزولها عليه عليه السلام ليلة القدر، وذلك مما لا ينبغي نزول الملائكة ليلة المولد لمثل ذلك والله أعلم. وأيضا فإن اختصاص ليلة القدر بتنزل الملائكة عليهم السلام هو لسلامهم على القائمين بها العاملين عليها كما جاء ذلك صريحا في الأخبار المشار إليها، وذلك لا يوجب أفضلية ليلة القدر على ليلة المولد، إذ لا يمتنع اختصاص مفضول بخاصية لا توجد في الأفضل كما في كثير في الأزمنة والأمكنة والأعمال.
فإن قلت: قد جاء: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة" وهو ثابت في الصحيح، يدل على أن يوم الجمعة أفضل الأزمان فيفضل ليلة المولد.
قلت: هذا السؤال مشترك الإلزم بيني وبين من ادعى غير ما ادعيته، ثم لي أن أتبرع فأقول: الجواب عنه من أوجه:
الأول أن الكلام في الليلة لا في اليوم، ولا يلزم من كونه أفضل الأيام أن يكون أفضل الليالي.
الثاني أن موجب أفضلية يوم الجمعة هي ولادة آدم عليه السلام فيه وقبول توبته وهبوطه إلى الأرض، وقيام الساعة فيه، فالمراد بالخيرية وجود هذه الأشياء ووقوعها فيها وأنها لم توجد فيه. وأنت إذا نظرت إلى هذه الأمور
[287/11] وخبرتها، وجدت نور رسول الله صلى الله عليه وسلم فائضا عليها فهو سر وجود آدم وبالتوسل به إلى ربه، قبلت توبته، وقيام الساعة رحمة لهم ليلا يطول مقامهم ولبثهم تحت الأرض حسبما جاءت به الأخبار الثابتة المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم.