تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

267/1] قال: ويشهد بهذا المعنى الذي قررناه المسألة المشهورة, وهي مسألة المدونة الواقعة في كتاب الزكاة الثاني منها وفي غيرها من الأمهات, وهي مسألة الخليطين أو الخلطاء إذا سلمت نيتهما من الجمع بين مفترق, أو الفرق بين مجتمع المنهى عنه, ولم ينويا خيانة في الصدقة ولا تلبيسا على الساعي, فيكون الخلط حينئذ مأذونا فيه شرعا, لأن فيه رفقا ومعونة على الدين والدنيا وتأليف القلوب. فلما راعى أمامنا مالك رحمه الله في المدونة حكم ماشية الخليطين قبل الخلطة وقبل مجيء الساعي, وحكم لأرباب المواشي بما كانا عليه قبل الخلطة ولم يراع حالتهما الراهنة كان مراعاته رحمه الله تعالى لفعل الأمير وخلطه المدينتين مدينة واحدة ونصبه قناطر بين المدن رفقا وتأليفا للقلوب كما تقدم في السؤال أيضا, كذلك لحصول المساواة, بتلك الصفات. وكما حكم لأرباب المواشي هناك بما كانت عليه ماشيتها قبل الخلط يجب أن يحكم لمنشىء القرويين بما كانت عليه المدينتان قبل خلطهما مدينة واحدة, فتكون القرويون عتيقة عند الإمام رحمه الله تعالى لا أنها ثانية.

كذا إلى الرجل، ولم يبقوا إلا ما لا قيمة له وثقل إخراجه، وخرج الجميع من جهة مؤخر الحجرة، فلما أصبح السكان والرجل لم يخرج إليهم على عادته في سائر الأيام من نزوله وإيقاظهم للصلاة ومشي من يمشي معه إلى الجامع ظنوا أن ذلك لغلبة النوم فقرعوا باب الحجرة فلم يجبهم أحد ولا سمعوا حسا، فأعادوا القرع حتى رابهم ذلك من انقطاع الحس فوجهوا إلى بعض قرابة الرجل فأتى وقرع قرعا عنيفا فلم يجبه أحد، فأيقن بالشر وسأل القوم من بات عنده فأعلموا بمبيت ذلك الفتى وأنه لم يخرج بعد دخوله وأنهم وجدوا باب الدار مغلقا كما تركوه أول الليل، فقلع باب الحجرة ومعه جماعة فدخلوا فألقوا الرجل مكتوفا مخنوقا عريانا مرميا على سريره في الأرض، وألفوا الخزانة وحجرته على حسب ما ذكر، فمشى من صحبه من الناس إلى دار هذا الفتى البائت معه في الحجرة ودخل إليها فألفيت قد خلاها مما كان له فيها من ثياب وغيرها وقد فر إلى قرية له، وألفى دار صهره المتهم بدخول الجحرة معه على نحو ذلك، وقبل الانتباه إلى أمر الرجل المقتول ذكرت امرأة من سكان الدار البرانية أن أخت ذلك الفتى زوج صهره المتهم بالدخول مع من دخل جاءتها قبل طلوع الشمس واشتهار الحال، وقالت لها: إن سئلت عمن بات في الحجرة البارحة فلا تقري بأخي وأنا أعطيك عشرة مثاقل، وهذا البائت مع الرجل وصهره في السجن، وقد ضربا قبل هذا ضرب أدب لكي يلوح منهما جلاء والأمر فيها من السجن باق إلا الآن، فما ترى وفقك الله أن يتوخى في أمرهما مع هذه الشبهات من سجن وأدب وحيث ينتهي من سجنهما؟ وما يتعين بعد ذلك كله عليهما إن عدم إقرار أو ارتفاع إشكال، فأمر يثبت ليعمل به وينتهي إليه موفقا إن شاء الله.

285/3]=فأجاب : يمكن بعث الحكمين في زماننا هذا ، ولو لم يمكن ذلك لما أمكن تقديم شهود ولا قضاة في زماننا ، وقول مقصور على علي وابن عباس خطأ من القول وجهل عظيم من قائله ، فلا ينبغي لقائله أن يلتفت إليه ولا يعرج في شيء من الأمور الدينية عليه ، وإذا ثبت إضراره بها وتضيقه عليها بما مدفع له فيه زجر عنه وأدب عليه ، وإن لم ينزجر فبعث الحكمين إنما يكون عند الإشكال في أمرهما ، ولا بينة لأحدهما ، وقد أطال علماؤنا الكلام في ذلك وبينوه فليعتمد الحاكم في ذلك على كلامهم ومن أحسن ذلك عندي وأبينه أحكام ابن سهل ، ففيها الشفاء لذلك والله أعلم .

*وسئل : ابن البراء عما وقع لابن رشد من أنفق على أبيه المعدم ، فلا يرجع على إخوته بشيء ، ليس لأجل أنه تطوع ، بل لو أشهد برجوعه على إخوته فلا يرجع لأن نفقتهم بلم تكن واجبة حتى يطلبوا بها ، بخلاف نفقة الزوجة .

=فأجاب : بأن نفقة الابن على الأب العديم ، وانفراد أحد الأولاد بها بما ذكره فيها ظاهر ؛ لأن القضية تحتاج إلى ثبوت فصول عند الحاكم من فقرة وعجزه وغنى الأولاد ، فيوزع الحاكم حينئذ النفقة عليهم ، ولما لم تثبت هذه كان ما كتب في أمره لم ينبرم عقده فلا أثر له ، ونفقة الزوجة واجبة ولا نظر فيها ولا شرط ، وهي تجب بالعقد والتمكين ، ومسائله جارية على نهج الفقه وأصل المذهب .

[من سافر إلى المشرق وترك أم ولد لها بنت بدون نفقة ، فقامت أم الولد بحقها وأرادت العتق]

*وسئل عمن سافر من المهدية إلى بلاد المشرق فأقام بها خمسة أعوام ولم يقدم ، لأمر قريب ولا غيره لا بسلف ولا غيره ، فقامت أم الولد بحقها وأرادت العتق ، فهل يتلوم لها بشهر أم لا ؟ وهل يلزمها يمين كالزوجة أم لا ؟

[

لزوجها. فقيل في ذلك فقال ما ضربتها وإنما القاضي ضربها لوقاحتها علي، فقالت له أنت ضربتني، فقال الحرام يلزمني ما ضربتها وكرر ذلك وفي آخر قوله ما ضربتها وأن قاضي ما زونة ضربها، فسئل القاضي، فقال ما رأيتها قط، فأحضر الزوج عند عدول، فقيل له كيف جرى في قضية ضربك امرأتك ويمينك بالحرام علي كذا وكذا؟ فقال ما ضربتها أنا ولا القاضي ولا حلفت قط بالحرام ولا غيره على ذلك، فثبت ذل كله عند القاضي فأعذر إليه فيه كما يجب وأجله آجالا متفرقة، فانقضت ولم يأت بمخرج من ذلك، فقضى القاضي عليه بالحنث، وعزل المرأة عنه. فجاء المقضي عليه بفتيا بعض فضلاء أصحابنا أنه لا يقضي بحنثه، ويفسخ ما حكم به من ذلك، فأثار تشغيبا وجب من أجله إيقاف المرأة وعزلها عمن تزوجها بعد الحكم، فهل ما حكم به القاضي صواب فيمضي؟ أو خطأ فيرد حكمه وترجع المرأة لزوجها؟

لا يخلو حكم الحاكم في أمثال تلك المسائل أن يكون جلها مبنيا على موجب قطعي أو ظني فإن كان الأول فلا يخلو إما أن يعارضه قطعي أو ظني، فأما الأول فوجوده محال لأنه لا يمكن أن يقع التعارض بين قطعيين، وأما الثاني فلا ينهض أن ينقض بموجب ظني ما ثبت أولا بموجب قطعي، وليس في تلك المسائل المتقدمة مثال لواحد من هذين القسمين بوجه، وأما الثاني من القسم الأول وهو ما ثبت بموجب ظني فلا يخلو أن يعارضه قطعي أو ظني وأيا ما كان من هذين القسمين فلا يخلو أن يتعلق به حق للغير أو يرد على المحل طارئ الفوت أو يعتبر تفويت مصلحة نصب الحاكم أو لا فهذه أربعة أقسام.

فأما القسم الأول الذي عارض فيه القطعي الظني ولم يتعلق حق الغير به ولا ورد طارئ الفوت فالظاهر في هذا نقض الحكم، مثال ذلك زوجة المفقود إذا قدم بعد الحكم بتمام الأجل واعتداد الزوجة وما لم تتزوج بعد نكاحها ما لم يدخل على إحدى الروايتين في ذلك عن مالك فإنه قد ظهر في هذه الصورة أن كل ما بني عليه الحكم من ظني لم يثبت، وظهر للعيان حياة الزوج المالك لعصمة هذه الزوجة قطعا، ولم يطرأ عليها فوت ولا تعلق للغير بها حق فوجب إطراح ذلك كله والرجوع إلى ما تبين القطع به، ومثل هذا هي الرواية التي استحسن أبو الحسن اللخمي رحمه الله عن كونها ترد نصف الصداق إذا قدم بعد العقد وفوتها بالدخول لكونها إنما أخذته على فرض كونه ميتا فقد بان قطعا خلاف ذلك، ومثل ذلك قوله في المغرب وإن أخذ بالحمالة والغريم غائب وحكم عليه بغرم المال ثم شهدت بينة أن الغريم كان ميتا قبل أن يحكم على الحميل له أن يرجع في ماله، ومثل ذلك إذا قضي عليه بالنفقة لمطلقته الحامل فانفش الحمل وبطل فإنه يرجع عليها قاله في كتاب ابن المواز عن مالك، قال ابن المواز لأنه انكشف أن ما قضي به غير حق.

[286/5]

وأيضا فقد قال ابن وهب لابن ثابت: إن أردت هذا الشأن يعني فقه مالك فعليك بابن القاسم، فإنه انفرد به واشغلنا عنه بغيره. وبهذا القول رجح القاضي أبو محمد رحمه الله مسائل المدونة لرواية سحنون لها عن ابن القاسم. وانفراد ابن القاسم بمالك وطول صحبته له وأنه لم يخلط به غيره. وهذا أيضا يدل على تقليده له وكونه خزانة لعلمه وأقواله وأخذه فإن المجتهد لا ينفرد بعلم شخص ولا يوصف بأنه لم يخلط به غيره، فإنه إنما ينظر إلى

[355/6]

الدليل المطلق، وأيضا فقد(¬1) حكى الحارث ابن أسد القفصي(¬2) وكان ثقة خيارا مستجابا يختم القرآن في كل ليلة من رمضان. وكان ممن أخذ عن مالك -رحمهم الله قال: لما أردنا وداع مالك دخلت عليه أنا وابن القاسم وابن وهب. فقال له ابن وهب: أوصني فقال له: اتق الله وانظر عمن تنقل.

وقال لابن القاسم: اتق الله وانشر ما سمعت. وقال لي: اتق الله وعليك بتلاوة القرآن قال الحارث -رحمه الله: لم يرني أهلا للعلم.

قال محمد بن حارث: فرأيت في بعض الروايات أنه كان يستفتي فلا يفتي ويقول لم يرني مالك أهلا للعلم. فهذا مالك -رحمه الله ينبوع إفادته يأمره بنشر ما سمع. والناشر لما سمع، بمعزل عن الاجتهاد المطلق. ومن المحال أو الأبعد أن يعلم من حاله منا يعلم منه شيخه وإمامه -رحمه الله. وقد عمل --رحمه الله ما أوصاه به ووثق الناس من عهده إلى هذا الزمان برواياته واختياراته ورضوا من أحواله ما لم يرضوه من أحد من نظرائه وحمهم الله.

قال النسائي -رحمه الله: ابن القاسم ثقة رجل صالح ما أحسن حديثه وأصحه عن مالك ليس يختلف في كلمة، ولم يرو أحد الموطأ عن مالك أثبت من ابن القاسم، وليس أحد من أصحاب مالك عندي مثله.

297/7] لورثته أموالا وأملاكا فطلبوا بمطلب من جهة المخزن وشدد على الناظر لهم, إذ هم محاجير في الطلب وحبس بسبب ذلك, فباع الأملاك المذكورة وأدى من ثمنها ما طلب به محاجيره, هل البيع صحيح أم لا؟ وإذا قلتم بالصحة, فهل في جميع أملاكه ما ملكه قبل الولاية أو بعدها أو يختص بما ملك بعد الولاية؟ وهل يعتبر قول من يدعي الإكراه أم لا؟ وهل ما عقده الوالي من التحبيس في بعض أملاكه نافذ أم لا؟

فأجاب الوالي المذكور إن كان مستغرق الذمة بالتباعات فبيع ما بيع من أملاكه على الوجه المذكور نافذ, كان مما اكتسبه قبل الولاية أو بعدها, ولا يعتبر الإكراه في مثل هؤلاء الولاة, وأما دعوى الإكراه في الولاية فليست بدعوى تنفع مدعيها وإن ثبت الإكراه, إذ لا يعذر أحد بالإكراه على أخذ مال غيره, ويجب عليه ما أخذه للناس واستتر به, أو على يده لمن أخذه إن أكره على ذلك. وما عقده من الحبس لأولاده بعد استغراق ذمته بالتباعات فعقده ذلك مردود, وحبسه مفسوخ, والله أعلم.

[أخذ المرتب من الحبس بدون مقابل حرام]

وسئل سيدي عبد الله العبدوسي عن مرتب القيسي الذي كان يأخذ من الحبس وهو لم يكتب ولم يحضر متجملا ولا حصيرا ولا زيتا ولا بناء وأخذا ولا إعطاء هل يسوغ له وهل يرد؟ وهل يجب طلبه؟

فأجاب: إنه إن جعل له المرتب المذكور على القيام بمصالح الحبس من نظر أو إشراف أو شهادة أو غير ذلك من مصالحها فلم يقم بها فأخذه لما أخذه باطل, ويجب عليه رده لأنه أخذه من غير عوض, ولا يجوز للناظر في الحبس السكوت عنه, بل يجب عليه طلبه واستخلاصه منه, فإنه مطلوب بضم أموال الأحباس واستخراجها من يد مغتصبيها أو آخذيها بغير حق, وقد كان الآخذ المذكور استفتانا في ذلك, فأفتيته بأنه لا يجوز أخذ المرتب المذكور إلا بشرطين حسب ما أداه اجتهاده في ذلك, وأن يقوم بالمصلحة التي جعل له

[

335/8]فإنما ذلك في أشياء ذكرها أهل العلم في احترق الخبز لغلبة النار وانكسار الفص عند النقش أو اللؤلؤة عند الثقب والرمح عند التقويم والقوس عند الغمز وأشباه ذلك ما لم به من استعماله فيما فيه هلاكه فلا ضمان عليهم فيه إلا أن يغروا من أنفسهم أو يتحروا في فعلهم وما سواهم من الصناع ضامنون إلا أن تقوم لهم البينة على هلاك ذلك من غير سببهم ولا تفريط منهم ولقد قال مالك في بيت الصانع يحترق فيرى متاع الرجل بعينه يحترق فيه أنه ضامن قال ابن المواز صواب حتى يعلم أن النار لم تكن من سبب الصانع وقول مالك في المدونة لا يضمن الطعام إذا غرقت السفينة لأنه أمر من السماء فإنما ذلك عندي إذا قامت البينة بغرق السفينة وأما ما يضمنه الأكرياء من الطعام فقول مالك في المدونة ويضمن الأكرياء الطعام والإدام دون تفسير وقال ابن حبيب يضمنون الأقوات من الطعام والإدام دون غير ذلك قال فإنما ذلك في الأقوات التي لا غنى للناس عنها والمصلحة فيها ففسر ما يضمنون وجعل في جملة ما يضمنون الكرسنة وقال لا يضمنون الأرز لأنه تفكه وهو قوت عند كثير من الناس ممن هو ببلده قال ولا يمنون الأشربة وقد حكى سحنون في الأشربة نحوه، ووقع في المدونة أنهم لا يضمنون شيئا خلا ما يؤكل ويشرب من الإدام التي ذكر أنهم يضمنونها أو الألبان التي هي قوت من كثير من الناس أو يكون ذلك اختلافا من القول فيرى بعضهم يضمنون من الشراب المباح المتخذ من الأقوات ما هو غذاء للأجسام ومصلحة لها، والله تعالى أعلم بما أراد من ذلك.

[إذا نام الراعي فرعت الغنم الزرع وأفسدته]

وسئل عامر بن معاوية عن الراعي إذا نام ورعت غنمه في الزرع وآذت.

فأجاب: الراعي ضامن لما أفسدته الماشية.

وسئل أبوصالح عن رجل اكترى دابة إلى موضع مسمى فتعدى بها فخالف الموضع وقدم بها سالمة ثم ماتت الدابة.

[335/8]

[

والثاني: أنه يلزمه إذا التزم أن لا رجوع له فيها ثم استدان دينا ثم أفلس أن تباع عليه الدار للغرماء، لأنه جعل الوصية الملتزم فيها عدم الرجوع تدبيرا مقدما من جنس المدبر وفصله، وعندنا إجراء مذهبي، وهو أن المدبر لا يباع في الدين الحادث بعده في الفلس، فحينئذ ينظم من ذلك قياس يلزم ما ألزمناه، وهو أن نقول: هذه الدار لا تباع وذلك خلاف الإجماع، وفيه من البشاعة ما لا يخفي، فتأمله يا سيدنا الخطيب وتدبر معناه، وحرر كلامك ومبناه.

ثم إن هذا الكلام في سقوط هذا الفصل عنده قد سبق غير مرة ما فيه، وأن الدليل دل على اعتباره وثبوته.

ق: فبذلك الضرورات تبيح المحظورات، فإن كان هذا لم يؤمن أن يكون إسقاطه كإسقاط الفصل يوجب بطلان الحقيقة، فتبطل الوصية، ثم يصير أمرها إن صحت غير وصية، إلا أن تكون هبة لم تقبض، فلا يصح فتأمله، فإذا

[307/9] كانت هذه الوصية باطلة صحت وصية الفقراء والمساكين وحدها من غير مزاحم .

غ: وهذا أحسن من قوله: ثم يصير أمرها إن صحت غير وصية أن تكون هبة لم تقبض، لأن الهبة ليست موقوفة على الموت ولا على حمل الثلث، والوصية التي التزم أن لا رجوع فيها موقوفة على الموت وعلى حمل الثلث لها، وهو بمعنى التدبير حقيقة.

قلنا: فرق حكمي لا يضر المستدل لأنه إنما أراد بطلان هذه الهبة لعدم القبض على ما في هذا الفصل من النظر، وقد أحال فيه على التأمل لكونه محل نظر لم يثق بالاحتجاج به.

غ: وبقي عليه أيضا التعقب في قوله صحت وصية الفقراء وحدها من غير مزاحم فإنه حكم بالصحة على غير موجود إلى آخره.

قلت: قد قدمنا ما في إعادته عناء ومستقبح من التكرار في هذا الفصل، حيث كرر الاعتراض بمثله غير مرة على ش.

غ: فالمسألة لا يقعقع لها بالشنان، وليس بظاهر القول هدم وثيق البنيان.

وسئل عن رجل توفي عن زوجة وعصبة أولاد أخيه ، وكان قد أشهد على نفسه قبل وفاته بنحو خمسة أعوام أن لزوجه قبله جملة دنانير ذهبية مما باع لها من أسباب وغيرها عين لها بها أصل توت ودارا وأجنة ، وقامت الزوجة تطلب استغلال أملاكها من متروكه فادعى العصبة أن موروثهم كان ممتعا في الأملاك ، واستظهرت الزوجة بكتاب صداقها وطرته قد قطعت فوقعت الاسترابة فيه لكون العادة جرت بكتب المتعة في طرة الصداق ، فثبتت لها المتعة وحكم لها بها وبالدنانير التي أشهد لها بها المتوفى ، وفسخ ما صيره لها في ذلك من الأملاك ، فتفضلوا بالجواب على ما وقع في القضية وما هو الحق فيها .

فأجاب : ما صير الزوج لزوجه من أصل التوت والجنة والدار إذا ثبت بقاؤه تحت يد الزوج إلى وفاته فالتصيير به باطل لفقد القبض الناجز الواجب في التصيير ، ويصير ذلك المصير ميراثا بين الورثة ، ويبقى النظر في العدد الذي وقع التصيير فيه باعتراف الزوج به ، وفيه اختلاف إذا لم يثبت إلا باعتراف الزوج خاصة ، فقيل يجب لها ذلك العدد في التركة لأجل الاعتراف به في الصحة ، وذلك بعد أن تحلف يمينا بالله تعالى على صحة ذلك العدد من أصله وعلى بقائه في ذمة المتوفى وفي تركته بعد وفاته مع إكمال فصول يمين القضاء المتعارفة ، وقيل لا حق لها في ذلك العدد حتى [287/10] يثبت بغير اعتراف الزوج لأن محمله على التوليج وعلى الفرار من العاصبين ، وهو قول لابن القاسم في العتبية ، ومذهب أصبغ وجماعة من أصحاب مالك ، وبه أفتى ابن الحاج في نوازله ، وهو الأظهر إذا ظهرت مخايل قصد التوليج ، كان يثبت أن الزوجة لم يظهر لها مال يكون ذلك القدر ولا أسباب تساويه كانت لها بيد الزوج .

285/11] فالحاصل في ليلة القدر حاصل فيها مع مزية عدم الاختلاف الموجود في ليلة القدر. وهذا أدل دليل على ما ذهبت إليه والمنة لله عز وجل.

فإن قلت: ليلة القدر اختصت بأعمال لم توجد في ليلة المولد، وذلك يدل على كونها أفضل وأشرف.

قلت: الأعمال التي اختصت بها ليلة القدر وإن كانت شريفة مشرفة إلا أن ما اختصت به ليلة المولد المشرف أعم نفعا فإن ثمرة العمل في ليلة القدر إنما يعود بالنفع على العامل فقط دون غيره وليلة المولد عاد نفعها على كل الخلائق بما سبق.

فإن قلت: ليلة القدر أنزل فيها القرآن إلى سماء الدنيا ونجم نزوله بعد على النبي صلى الله عليه وسلم بحسب الوقائع وتقرير الأحكام وهو معنى قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ فوجب تفضيلها على غيرها.

قلت: أما كلام الله تعالى القديم فلا يوصف بالنزول، ولا يوصف بالاستقرار وإنما المستقر الألواح المشتملة على الألفاظ الدالة على المعنى القديم الذي نزل به الروح على سيد المرسلين صلوات الله عليه وعليهم. وقد نزلت مفصلة على النبي صلى الله عليه وسلم واستقرت بين دفتي المصحف متلوة لنا. ولله الفضل والمنة، فكانت ليلة المولد المكرم أشرف، فالموهبة فيها كانت لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من حيث إنها من جملة ما أنعم به عليه السلام لأجل الليلة بعينها فكانت ليلة المولد المكرم أشرف بهذا الاعتبار.

فإن قلت: ليلة شرفت باعتبارات: منها أنها في رمضان ومنها نزول القرآن إلى سماء الدنيا كما تقرر، ومنها تنزل الملائكة عليهم السلام إلى الأرض للسلام على أهل الإيمان.

قلت: وكلها من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم فهو أصل المواهب وسبب بعض الخيرات والرغائب.

[286/11] فإن قلت: ليلة القدر تتنزل الملائكة فيها للسلام على كل مومن ومومنة حسبما جاء في بعض الأخبار، وهذه مزية عظيمة لا خفاء بها، وخصوصية كبيرة لمن تحصل في ليلة المولد فكانت أشرف.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٣٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٣٤٤