ومسألة المدونة التي أشار إليها واعتمد في رده علينا عليها نقول: تصورها تحصيلا وتفصيلا أن يقال: أما إن يعلم الخليطان بحسن السيرة وعدم الفرار بالجمع والتفريق المقللين لحظ الأصناف, أو يعلما بالقصد إلى التقليل بالفرار عما كانا عليه جمعا وتفريقا, أو ينبهم حالهما. فإن علما بالسلامة من الفرار إلى الجمع والتفريق المقللين فإنهما لا يؤاخذان إلا بما هما عليه في الحال من جوع أو تفريق, ولا يختص ذلك بصورة الجمع كما خصه المعترض. ولا خلاف في هذا الوجه, وإن تقيضا فنقيض, فلا يؤاخذان إلا بما كانا عليه, لأن قصد الفرار منهما مناف لغرض الشرع في مواساة الأصناف, فتعتبر حالة الجمع والتفريق بلا اختلاف معاملة لهما بنقيض قصدهما الفاسد. وقد نظمنا في سلك هذه من النظائر والأشباه في كتابنا المترجم بإيضاح المسالك إلى قواعد الإمام أبي عبد الله مالك ما قل أن يوجد مجموعا في غيره. وإن جهل أمرها في الافتراق والاجتماع المقللين, فإن وجدت معهما قرينة حال في أحدهما حكمناها, وإن فقدت وأتهما فيهما ينقص فالمشهور اعتبار قرب الزمان. وفي حد القرب أقوال. وأنت بعد وقوفك على هذا التحصيل والتوجيه والتعليل لا تشك أن مناط مسألة غير مناط الأخرى, فتبقى أيها المعترض بعد بلجاجك, وكثرة إعوجاجك, كالوالهة الحيرى, تقدم رجلا وتؤخر أخرى. أسأل الله السلامة وحسن الخاتمة.
قال فخرج من هذا كله أن وجه الشبه والجمع بين المسألتين أن أساس كل مسألة منهما وأصله الذي بنيت عليه ابتداء إنما هو الرفق والمعونة والتأليف ومراعاة حق مخلوق في المسألتين جميعا. فبعد حصول ذلك وتقريره بزمان, لاحظ الشرع حالة الابتداء فيها ولم يلاحظ حالى الانتهاء.
=وأجاب الفقيه أبو عبد الله أحمد بن خلف التجيبي المعروف بابن الحاج ما نصه: تصفحت سؤالك الواقع بطي هذه الرقعة والذي يقتضيه الحكم عندي في أمر المتهمين بالدم بالشبهات التي ذكرت إطاله سجنهما في الحديد، قد روي عن مالك أن من لطخ بالدم ووقعت عليه التهمة ولم يتحقق عليه من ذلك ما تجب به القسامة فليس عليه ضرب مائة وسجن سنة، لكن عليه الحبس الطويل جدا، ولا يعجل إخراجه حتى تتبين براءته وتأتي عليه السنون الكثيرة، ولقد كان الرجل يحبس في الدم باللطخ والشبهة ويطال سجنه حتى إن أهله يتمنون له الموت من طول سجنه، ولعل من خلال سجنهما يثبت لأولياء الدم ما يوجب لهم القسامة إلا أن سجن من قويت عليه التهمة منهما وظهرت في جانبه يكون أطول من سجن الآخر.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: « ما كان الله ليغفر عن قاتل المؤمن ».
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: « من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله » وعنه عليه السلام أنه قال: « كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركا أو قتل مؤمنا متعمدا ».
فإن طال سجن هذين المتهمين الطول الذي نوعناه ووصفناه ولم يظهر في أمرهما أكثر الشبهات التي ذكرت وجب أن يحلف.
[311/2]
[312/2]
=فأجاب : مذهب مالك إذا بعدت غيبة الأب وحياته ومكانه معروف ، ولكن يتعذر استعلامه ، والبنت بالغ فالإمام يزوجها ، وقاله الشافعي ، قال عبد الوهاب لأن بعد الغيبة يضر بها فأشبه العضل ، ولو عضلها بالحضرة لزوجت عليه فكذلك غيبته ، فعلى هذا تزويجها عليه ليس بالنيابة عنه ، بل للضرر الداخل على البنت ، فإذا زوجها الحاكم فلا حنث عليه ، فإذا كان ابن خال كفئا لها لا يوجد مثله لها في كل ما ذكر ، زوجها منه أخوها للضرر اللاحق ببقائها وبعد خبر أبيها .
[287/3][من التزمت زوجته أن لا تطالبه بنفقة ما دام غائبا عنها ولم يخرجها من بلدها]
*وسئل : أبو زكريا البرقي عمن التزمت له زوجته أن لا تطالبه بنفقة ما دام غائبا عناه ، ولم يخرجها من بلدها وهي سفاقس ، فغاب عنها ومستقرة بتونس فطول الغيبة ولم يعلم أين هو بتونس أو غيرها من حيث لا يعلم ، وقد رفعت الآن أمرها إلى القاضي واشتكت الضرر لعدم النفقة وطول الغيبة وعدم معرفة أين هو حتى يعذر إليه ، أو يكون ببلد بعيد كبجاية وقسطنطينية بحيث يتعذر الإعذار إليه ، هل لها قيام للضرورة وتطلق عليه أم لا ؟
=فأجاب : إسقاط النفقة بشرط عدم الخروج بها من بلدها ، لها الرجوع في الإسقاط ، وله إخراجها ، هذا ظاهر المذهب .
وأجاب : البرجيني بأن يسأل الشهود بينهما ، فإن فهموا الغيبة طالت أو قصرت ، أو يعلموا الغيبة المعتادة إلى الموضوع المعتاد وإقامته فيه أو موضع قريب منه لا سيما إذا كانت غيبته معتادة مستمرة معروفة ، فهذه قرينة تدل على قول المرأة ، ويعضد فهم الشهود لذلك ، فما يفهم بينهما يعمل عليه .
[من أنفق على والدته مدة ، وأشهد أن يرجع على من يجب عليه الرجوع من بقية إخوته]
وسئل عن رجل حلف ألا يدخل بيت فلان طول حياته ولم يقيد يمينه بتلك الدار ولا غيرها، ثم إن المحلوف عليه باع تلك الدار التي وقع الحلف عليها، فهل للحالف أن يدخل الدار لانتقال ملكها لغير المحلوف عليه؟ أم لا يجوز له أن يدخل ذلك البيت الذي كان معروفا به طول حياته؟ فإن قلتم بحنثه في تلك الدار المبيعة، فهل تتناول يمينه كل بيت يسكنه إلى أن يموت أم لا؟ لأنه أجمل في يمينه.
فأجاب: لا يحنث بدخوله البيت بعد بيع فلان إياه، إلا أن ينوي حين اليمين غير ذلك البيت، ولم ينو ما دام في ملكه فإنه يحنث، ويحنث بدخول بيت يسكنه فلان إلى موته، والله تعالى أعلم.
[من قال إن تزوجت فلانة فهي علي حرام، ثم تزوجها وطلقها]
وسئل سيدي قاسم العقباني عن رجل خطب ابنة عمه لأبيها وتكرر ذلك منه ثم سمع عن عمتها ما أحرجه. فقال إن تزوجتها فهي عليه حرام، فتزوجها بعد ذلك وبنى بها ثم طلقها طلقتين في مرتين، ثم كلمها مرة على شيء فوقع بينهما بسببه حرج، فقال أمرك بيدك فقالت مجيبة له امش. ثم سئلت بعد ذلك عن مرادها بقولها له امش هل كانت بقصد الطلاق منها أم لا؟ فقالت ما قصدت الطلاق به قط، ولا كان قولي ذلك إلا غيظة، فبقي الرجل متوقفا في تصديقها، ثم تكلم الرجل في ذلك مع بعض الطلبة، فقال له قلد قول من قال إن التحريم طلقة بائنة وراجعها، ففعل ما شاء الله إن طلقها بعد هذا طلقة واحدة، فما الحكم في هذا؟.
[313/4]
[314/4]
فأجاب: أن كان هذا السائل مستفتيا غير مأسور ببينة كما هو ظاهر من حاله في هذا السؤال، فإن كانت مراجعته صحيحة وبعد كمال الاستبراء فالطلقة بعدها لازمة، وهي ثانية لطلقة التحريم التي وقعت عليه حين العقد على ذلك القول الذي قلده.
[من زوجته أمه بكرا فأنكر ذلك وحرمها ثم دخل بها]
وأما القسم الثاني وهو ما إذا عارض القطعي الظني وتعلق به حق الغير أو ورد طارئ الفوت فكما إذا وقع النكاح في الزوجة على القول بأن الثاني أحق بها، وكما إذا وقع الدخول على كلا القولين وقدم الغائب فالظاهر هنا أن الحكم المبني على المذهب الظني قد قوي هنا بما عضده بما هو كالفوت من دخول الثاني على كلا القولين أو نكاحه على القول بأن الثاني أحق فوجب أن لا ينقض، وقد كان القياس النقض، وهو المنقول شهيرا عن علي رضي الله عنه، إلا أن عدم النقض في هذا استحسان، وحكم به الخليفتان عمر ومعاوية، ومما يدل على أن القياس النقض كونهم لم يختلفوا أنه عن ثبت موته بواجب الثبوت في الوقت الذي عقد عليها الثاني ودخل بها فيه فإن النكاح يفسخ بينهما وتحرم عليه أبدا، ولو لم يدخل الفسخ النكاح وكان الثاني خاطبا، ومما يدل على ذلك قوله في الذخيرة ولو تزوجت في عدة الوفاة يعني بالحكم فسخ لأنه نكاح في عدة فإن تبين انقضاء العدة قبل ذلك بتقدم موت المفقود
[287/5]
بطل الفسخ وردت، ولو تزوجت ثالثا، وإن قيل إن الفسخ في مسألة العدة لحق الله وهو أهم من حق العبد وهو في مسألة الذخيرة لحق العبد فلا فرق بين هاتين المسألتين، وإن أمكن التفريق بين مسألة العدة ومسألة المفقود بعدم تساوي الجهتين كما وقع البحث به.
هذا مع أنهم لم يعلم لهم تقليد ظاهر والتزام مشتهر لمذهب، إلا ما كانوا عليه من مذهب الأوزاعي(¬1) منذ فتحت إلى أن جاء المرتحلون منها إلى مالك والآخذون عنه ممن عد في الطبقة الأولى من أصحابه مثل زياد بن عبد الرحمن(¬2) والغازي بن قيس(¬3) وقرعوس بن العباس(¬4) وأضرابهم فنشروا علمه وأشاعوا أمانته وفضله. فعرف حقه، ودرس مذهبه.
[في أواخر حياة مالك حمل أمير الأندلس هشام بن عبد الرحمن الناس على العمل بمذهب مالك والفتيا به]
فأخذ هشام بن عبد الرحمن بن معاوية أمير الأندلس حينئذ جميع الناس بإلزامهم مذهب مالك وصير القضاة والفتيا عليه. وذلك في عشرة السبعين ومائة من الهجرة حياة مالك وقريب من موته -رحمه الله. وشيخ المفتين حينئذ صعصعة ابن سلام(¬5) إمام الأوزاعية وراويتهم، فالتزم بهذا
[357/6]
المذهب من يومئذ وحموا بالسيف عن غيره جملة، وما تدين بغيره أحد من حينئذ إلا من لا يوبه به، فمضى أمر الأندلس على ذلك.
وبحسب هذا المعتقد كتب الحكم المنتصر بالله إلى الفقيه أبي إبراهيم. وكان الحكم -رحمه الله ممن بحث عن أحوال الرجال ونقر عن أخبارهم تنقيرا لم يبلغ فيه شأوه كثير من أهل العلم ولم أر قط تأليفا قوبل بأصل من أصول خزانته أو بما قوبل بأصل منها ولو بوسائط إلا اطلعت منه على العجب في الصحة. وفي كتبي بعض منها. فقال في كتابه المذكور: وكل من زاغ عن مذهب مالك، فإنه ممن رين على قلبه وزين له سوء عمله. وقد نظرنا طويلا في أخبار الفقهاء، وقرأنا ما صنف من أخبارهم إلى يومنا هذا، فلم نر مذهبا من المذاهب غيره أسلم منه. فأن فيهم الجهمية والرافضة والخوارج والمرجئة والشيعة، إلا مذهب مالك، فإنا ما سمعنا أن أحدا ممن تقلد مذهبه قال بشيء من هذه البدع فالاستمساك به نجاة إن شاء الله تعالى.
وبالجملة فهو أمين فلا ضمان عليه, والأصل براءة ذمته فلا تعمر إلا بيقين من تعد أو تفريط. والروايات بذلك متظافرة متعاضدة متواترة في المدوتة وغيرها من الدواوين المذهبية, وشهرتها تغني عن تنظيرها كتبا وتقريرا. وبسقوط اليمين عنه رأسا أفتى بعض المتأخرين من الأشياخ المحققين, بناء على أن العادة المستمرة تتنزل منزلة شاهدين. وانه لحسن من القول, لاسيما والعادة فيمن كان في مدة هذا الناظر أنهم لا يؤخرون قبض ما حل من كراء مشاهرة ومناجمة, بل ربما أخروه بقبض ذلك قبل حلوله وبالله التوفيق.
وسئل سيدي قاسم العقباني عن ناظر أحباس عرف عادة أن مقدمه لم يأذن له في التصرف في أموال الأحباس إلا بعد مطالعته في قليل ذلك وكثيرة, وكان يأخذ غلات الجنات صيفا وخريفا ويعطي ريعا للأحباس عوضا عن ذلك, فحيز عنه واستغل واخذ منه كل حبس بقدر ما اخذ له من غلاته, فطالب بعض من له مرتب في الأحباس هذا الناظر ببقية من مرتبه, وأراد أن يلزمها ذمة الناظر لتصرفه في ذلك هل يلزمه أم لا؟
فأجاب: إن علم من عادة سلطانه على ناظر الأحباس أنه كان يأخذ من يده جبايتها, ما أخذ منه وما أعطاه, وأخذ الجباية من الريع عوضا لأرباب المرتبات أن يبيعوا منه ما يستوفون منه مرتباتهم. إذ ليس الريع يوقف وهو مأخوذ عن جراياتهم, فلهم ذلك أن يقبضوا حقوقهم من ثمنه والله الموفق بفضله.
[تعيين المساكين المستحقين موكول إلى اجتهاد الناظر]
وسئل سيدي عبد الله العبدوسي عن مسألة تظهر من جوابه.
[
337/8]الأجير بالحمل الذي كان يحمله فطلب صاحب الطعام الأجير فلم يجد فقيل له إنه أجير فلان فأتاه فسأله فقال نعم كان أجيري فهرب بدابتي وغرائري وطعامي على من يجب غرم الطعام على الأجير أم على صاحب الدابة؟
فأجاب: إن كان الأجير هو العامل للناس في طحينهم والقابض لطعامهم وصاحب الغرائر والدابة لا يتولى من ذلك شيئا فلا شيء عليه والتعدي قبل الأجير وإن كان صاحب الدابة المتولي للمعاملة والقابض للطعام فعليه ضمانه إلا أن تقوم بينة على هلاك الطعام فيبرأ.
وأجاب ابن لبابة لا شيء على المستأجر، وإنما الطلبة قبل الأجير إن ظفر به ولا تحمل جناية الأجير على من استأجر.
وسئل ابن لبابة عن رجل اكترى دابة من رجل أو استعارها فضلت منه فجعل المكتري والمستعير جعلا لمن جاء بها على من ترى الجعل؟
فأجاب: الجعل على الجاعل وليس على رب الدابة شيء.
وسئل أبوصالح عن رجل اكترى منه رجل بيتا في داره فجعل فيه طعامه أو في بيته حيث يمكن فضاع الطعام كله أو بعضه هل يكون للطعام ضامنا أم لا؟
فأجاب: لا شيء على صاحب البيت من الطعام إلا أن يكون متهما فيحلف وإن كان رجلا صالحا فلا يمين عليه.
وسئل ابن أبي زمنين عن الغنم المؤلفة تجمع في شبكة التزبيل يمسكها كل واحد في أرضه على قدر غنمه فتفتق الشبكة ليلة من الليالي وترعى ما حولها من الزرع على من يجب أعلى صاحب الغنم أو على الذي زالت الغنم من شبكته في أرضه؟
فأجاب: الضمان على صاحب الأرض لأنه كأنه استأجره وثبتها في أرضه فما جنت في تلك الليلة فعليه الضمان.
[337/8]
[338/8][من سرح ماشيته فأفسدت زروع الناس]
وسئل عن الحديث الذي جاء : ((ما أفسدت المواشي بالليل فالضمان على أصحابها، وما أفسدت بالنهار فلا ضمان عليهم))، لأن على أصحاب الزرع حفظ زروعهم بالنهار، أرأيت من سرح ماشيته وسيبها فأفسدت زروع الناس هل عليه ضمان؟
قلت: لا يخفي على من أخذ من الأدب بطرف ما في هاتين الفقرتين مما يجب أن يتجافي عن المؤاخذة بها ، فلا يخفاك ما في حاسب من الاشتراك المخل وعدم الموازنة والمشاكلة وما في قوله أو اعتقاد أمى أو كاتب واختصاص الأمى مع الكاتب بالذكر غ إن أقوالهم بالصحة والفساد والرد والحزم المحترم معلوم به متلقى بالقبول من غير أن يوافق قولا لأحد من علماء المتقدمين رضي الله عنهم.
قلت: أما أقوالهم بالصحة والفساد نظرا أو ترجيحا بما ثبت في مذهبنا
[309/9] فهذا شأنه وشأنهما، وما عول في هذه المسألة على وفاق مذهبي بل غايته اختار ورجح أحد أقوال أئمتنا في المسألة والإلزام مشترك والطريقة واحدة، وقوله: من غير أن يوافق قولا لأحد من علماء المتقدمين ممنوع بل معولهما على ما نص عليه أئمتنا واختاره من يعول على اختياره من فضلاء علمائنا المتأخرين وفقهاء مذهبنا، وسنبين ذلك إن شاء الله بيانا شافيا وقوله: هيهات لذلك وكلا، لم يكن في مغربنا كله في القرن الخامس فضلا عن الثامن مجتهد في الأحكام الشرعية مستقل فيها برأيه.
قلت: أما الاجتهاد في الفروع المذهبية فما خلت منه البلاد، ولا عدمته هذه الأمة، هذا سبيلك يا سيدنا الخطيب ومن أجله تصدرت، وبه اشتهرت، ولولا النظر في ترجيح الأقوال والتنبيه على مسالك التعليل ومدارك الأدلة وبيان بناء الفروع على الأصول وإيضاح المشكل وتقييد المهمل، وبيان المجمل، ومقابلة بعض الأقوال ببعض والنظر في تقوية قويها وتضعيف ضعيفها لتعطلت الدروس، وغلقت المدارس، أفللمدارس فائدة غير هذا وتعليمه وإيضاحه للطلبة وتفهيمه، ولو لم يكن له وظيف إلا سرد الأحكام ونقل الأقوال لما افتقر إلى المدرس مفتقر أترى يجرى على لسانك في تدريسك غير هذا صباحا ومساء وبحثا وإلقاء وهما إنما سلكا هذه السبيل ولم يستقل أحدهما في النازلة برأيه بل عول على قول غيره ورجح لغاية وسعه ونظره.
وهذا القول هو الصحيح في هذه الأزمنة للعادة الجارية ، وبه كان يعمل بعض القضاة بغرناطة ، لأن الكراء لم يعقده قط ، ولو تعاقدا عليه إلى منتهى الزوجية بما يسدد له زمان مستقبل لكان كراء ممنوعا وقت العقد ، فكيف يحمل الآن على كراء لا يجوز ؟ فالمرأة فرطت على نفسها في ذلك إن كانت أرادت الرجوع ولم يكن منها في ذلك ما يوجب حقا ، لاسيما وهي في العادة لا تطالب الزوج بذلك في حياته وبقاء زوجيته ، حتى إذا مات قامت طالبة ما قد صار للورثة . وفي هذه النازلة ضميمة توجب المصير إلى هذا القول ، وهو ما ذكر في السؤال من تقطيع جزء من كتاب الصداق مع ما تقيد فيه من أن العادة في تلك الجهة كتب المتع في الصدقات ، فينبغي إذا ظهر هذا أن يحلف الورثة أنهم لا يعملون وجوب حق للزوجة في التركة بسبب الاستغلال [288/10] المذكور ليلا يكون قد اعترف لهم في حياته بالتزام شيء لها في ذمته بسبب ذلك ، وهذه التهمة في تقطيع شيء من كتاب الصداق ترجح الأخذ بذلك القول ، ويقويه مع ذلك أن الورثة قد ادعوا أنه إنما قطع منه موضع المتعة . وأما إن كان الزوج قد سكن دار الزوجة في حياته فالصحيح من القولين أن لا حق لها قبله بسبب ذلك ، وبه أفتى ابن رشد في نوازله . انتهى الجواب .
وسئل عمن باع لبناته في مصالحه وفي ديونه ، وهو بيع ما تبقى لهن .
الثالث أنه العيد الذي اختصت به هذه الأمة من أيام الجمعة، كاختصاص اليهود بالسبت، والنصارى بالأحد، فهو من المواهب والرغائب التي منحها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيعود من القول فيه ما قدمناه في ليلة القدر، واندفع السؤال وإن كان غير وارد.
فإن قلت: ويرد عليك أيضا يوم عرفة فقد جاء فيه ما رويناه في الصحيح عنه عليه السلام من قوله: "ما ريء الشيطان يوما هو فيه أحقر ولا أدحر(¬1) ولا أغيظ منه يوم عرفة وذلك بما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عز وجل عن الذنوب العظام" الحديث بكماله. فدل على أنه أفضل الأزمان فيكون أفضل من ليلة المولد.
قلت: الجواب عنه من وجهين: الأول ما تقدم جوابا أن الكلام في الليلة لا في اليوم. الثاني أنه من المواهب والرغائب المنعم بها عليه وعلي أمته صلوات الله وسلامه عليه كما تقدم قبله.
فإن قلت: وهي هدية أهديها إليك أيها المنازع، لكني لما لزمني من الصدع بالحق والنصح ولقصدي علم الله لظهور فائدة وأداء ما تحملت مما علمت وتعلمت أنهما عليك ويغلب على ظني أنك لا تعثر عليها إلا من كلامي، وهي ان الشيخ محيي الدين النوري الشافعي شيخ أشياخي قال ما نصه: مما كتبه على طرة على كتاب رياض الصالحين من تأليفه ونقلته إلى أصلي من هذا الكتاب من خطه: ليلة القدر أفضل ليالي السنة، خص الله بها هذه الأمة وهي باقية إلى يوم القيامة وهي طرة كما قدمناه والأصل بطرره
[288/11] مروي فتقول هذا نص أو قريب منه يدل على أفضلية ليلة القدر على ليلة المولد لكونه قال فيها: أفضل ليالي السنة وليلة المولد منها.