فأجاب جواب الشيخ صحيح لا ينبغي أن يتعقب كما درج عليه الأشياخ, ووجه ما رأى- رحمه الله- أن هذا المصلي لم تمكنه الطهارة المائية مع وجود الماء, وأمكنته الترابية فتتعين في حقه. أصله الذي يعلم عادته أنه يحصل له مرض عند مس الماء, والمريض الذي لا يقدر على مس الماء, أو غيرهما ممن تيمم مع وجود الماء لحصول حالة له يتنزل وجود الماء في حقه منزلة عدمه, كالحاضر الصحيح يخشى فوات الوقت على المشهور. وغيره وإن كان قياسه على الأول انسب بجامع أن هذا ضرر بين ينشأ عن مس الماء, إلا أن الأول ضرر بدني, وهذا ديني, إن لم يكن دينيا وبدنيا معا. وعلى كل تقدير فهو من قياس أحوري, لأنه إن كان محصلا للضررين فواضح, وغن لم يكن فيه إلا الديني فدفع ضرره مقدم على البدني لما علم من ترتيب الضروريات الخمس. ومعنى الضرر الديني صلاة بغير طهارة مع غمكان تحصيلها بالتراب. والتحقيق أن ما يحصل للمتوضيء في هذه المسألة إنما هو مرض, لأن تلك الحالة ليست حالة الأصحاء قطعا. وإذا انتفت الصحة فليس إلا المرض لأنهما من الضدين اللذين بينهما على ما أشار إليه البيضاوي في البحث الرابع من الفصل الخامس في الوحدة والكثرة من كتاب الطوالع. وصرح به في البحث الخامس من أبخاث النفسانية, ونص عليه غيره أيضا, وهو الصحيح من فهم كلام ابن سينا في الرجز حيث قال:
والناهقون هم صحاح ضعفت جسومهم مثل رسوم قد عفت
وأيضا فإن هذه الحالة دليل على استحكام شدة البرد لهذا السائل, بحيث إذا أحس بالبارد استطلقت قوته الماسكة من ريح أو بول أو غيره, كبعض الأمراض الحادثة على البرد القديم. فإذا تبين أن السائل يحصل له المرض بمس الماء, فأي حكم يكون في حقه غير التيمم؟.
لا يقال: هذا المنحني من النظر طبي, والفقه لا يراعي مثله في الفتيا, لأنه إنما تكلم على ما تقتضيه القواعد الفقهية لا غير, كجواب ابن رشد في
[
الذي تؤدى اليه الطاعة ان يكون المعتبر ذبح السلطان , وفى غير بلد السلطان
المعتبر إمام الصلاة , لقول " ابن المناصف " وغيره : يجوز عند مالك كتب القضاة
إلى القضاة من غير اذن الإمام الذي ولاهم عليه , لأنه في ضمن ما ولاهم عليه ,
إلا إذا صرح بالنهى عن ذلك فلا يتعدوا ما ولاهم عليه . وهو مفهوم قول " ابن رشد " إذا كان
مستخلفا على ذلك , لأن مفهومه ان لم يكن مستخلفا على ذلك فالمعتبر
السلطان , وهو الموجود ببلاد السلطان بافريقيه لأن العادة جرت بذبحه , فهو
كالمستثنى لهذا النوع من عموم ما ولى عليه قاضى بلده , والله تعالى اعلم .
وسئل سيدي " عبد الرحمان الواغليسى " عن شاه الأضحية إذا اشتريت
بالدراهم ثم عدمت الدراهم , هل يجوز أن تعطى قيمتها طعاما أم لا ؟
فاجاب : يجوز ذلك والله اعلم .
لا يجوز بيع الكساء المنسوج من صوف الأضحية
وسئل عن صوف الأضحية إذا نسجها الفقير في كساء وألجأته الضرورة
[35/2]
[36/2]
إلى بيعها كضرورة الدين أو مثله إذ لا يجد إلا هي , أو نفقه الزوجة , هل
يجوز ذلك أم لا ؟
فاجاب لا يجوز ذلك والله أعلم .
إطعام الأجير من الأضحية جائز
وسئل " ابن برجان " عمن يستأجر أجيرا سنه بأجره معلومة , وعلى أن عوله
الأجير ومئونته على المستأجر في بيته ومع عياله , فهل يجوز أن يطعمه من لحم
اضحيته أم لا ؟
فاجاب إطعامه على وجه المعروف جائز والله أعلم .
وسئل سيدي " أبو القاسم الغبرينى " عن الخرزة التي توجد في البقره
المضحى بها هل يجوز بيعها أم لا ؟
فاجاب أنه لا يجوز بيعها , وهى كغيرها من أجزائها . والله أعلم .
يجوز للفقير ان يبيع ما تصدق به عليه من الأضحية
وسئل سيدي"عمران المشدالى " عمن تصدق بشيء من أضحيته على
فقير ,هل يسوغ للفقير بيع ما تصدق به عليه من ذلك ؟
فاجاب ذكر الشيخ (أبو الحسن اللخمى ) في ذلك قولين واستحسن القول
بالبيع .
وأجاب غيره بأن قال : قال في المدونة : ولا يبيع من أضحيته لحما الخ ,
وقال إسماعيل القاضي يشبه على قول مالك أن يصير الدخول فوتا ، وقول سحنون في السليمانية يفسخ أبدا . قال اللخمي : يريد وإن تطاول وولدت الأولاد ، والتفرقة بين الدنية وذات القدر ، فيصح النكاح في الدنية ، وينظر الولي في ذات القدر . واختار الشيخ أبو الحسن اللخمي أنه نكاح صحيح إن عقد بولاية صحيحة ، لكن تعلق به حق لولي آخر . ومما يؤيد ذلك تفرقة مالك على المشهور من قوله بين الدنية وغيرها ، فيثبت بهذا أن ذلك في ذات المنصب من حق الولي لأمر حق الله تعالى ، فإن وضعت نفسها في كفاءة ومن هو كفء بمثلها مضى نكاحها ، وتقوى صحة النكاح في هذه النازلة بثلاثة أوجه :
أحدها : أن المرأة دنية .
والثاني : أن الخال قد قيل : إنه ولي من أولياء النسب ، وكذلك الأخ للأم ، ذكر أنها رواية لعلي بن زياد .
والثالث : أن رضا الولي الأقرب وعلمه مما يسقط خياره على القول بأن له الخيار ، فلا يبقى له في النكاح مقال بعد أن علمه ورضيه ، ذكره في الوثائق المجموعة وغيرها .
قلت: فإن لم يكن لها لبن وهي موسرة تقدر على أن تستأجر له فقد اختلف في ذلك، فذهب إسماعيل القاضي إلى أن ذلك لا يلزمها كالنفقة، وذهب غيره إلى نذلك يلزمها في مالها كما يلزمها في مال ابنها، قال أبو القاسم ابن الكاتب: إنما يلزم الأم أن ترضع ولدها عند عدم الأب أو موته، لأن الرضاع قائم في بدنها، وهو من در من درها، فإن انقطع درها لمرض أو غيره لم يكن عليها سبيل إلا أن تكون قادرة على أن تسترضع له من غير الباب الذي وجب على الأب، ولكن من باب تجب على كل أحد من إعانة من يخاف عليه الموت، إذ لا يمكنه معونته، مثل من رأى رجلا جائعا أو عطشانا وهو يخاف عليه إن لم يطعمه أو يسقه أن يموتن فعليه أن يطعمه أو يسقيه إن أمكنه ذلك، وكذلك كل مضطر فإن إعانته واجبة، وقد كان
[30/4]
[31/4]
النبي صلى الله عليه وسلم شرط على الأنصار ليلة العقبة المواساة لمن يقدم عليه من المهاجرين، وبالله التوفيق لا رب غيره ولا معبود سواه، والصلاة والتامة على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
رفع الحرج والجناح، عمن أرادات من المراضع النكاح
لأبي علي الونشريسي
وللشيخ أبي علي المذكور مقالة أيضا مفيدة حسنة نصها:
ومنها أداء الشاهد المذكور في رسم الاشتراء لابن القواس بموجبه بسجلماسة، وقد كان قبل ذلك أشهده ابن القواس بأن اشتراءه المذكور إنما كان لابن وشن المذكور، وذلك على ما لا يخفي قادح في شهادته على مذهب ابن القاسم وغيره رحمه الله تعالى، لأنه شهد لابن القواس بما يعلم بأنه ملك لابن وشن إن كان ذلك في حين أدائه الشهادة لابن القواس اعترافه بأن الاشتراء المذكور كان لابن وشن فإنها شهادة زور كمن شهد لزيد بما يعلم أنه ملك لعمرو.
ومنها أداء الشاهد المذكور لابن وشن المذكور باعتراف ابن القواس المذكور بعد أدائه الشهادة لابن القواس بأن الاشتراء له، إذ ذلك رجوع من الشاهد المذكور عن شهادته لابن القواس المذكور بأن الاشتراء له لا أنه لابن وشن المذكور، وذلك على ما لا يخفي يبطل الشهادتين، إنما يقع النظر فيما يأتي له من الشهادات بأن ادعى وهما وجاء يشهد جازت شهادته في المستقبل، وإن تبين كذبه ردت في المستقبل، وإن لم يتبين له كذب ولا عذر فإن كان مبرزا في العدالة قبلت شهادته في الاستقبال، وإن لم يكن مبرزا في العدالة كان في رد شهادته وجازتها في المستقبل قولان منصوصان في غير المدونة قائمان منها من كتاب الأقضية وكتاب القطع في السرقة، وأما سكوت ابن وشن المذكور عن طلب الثمن في المستشفع وعن الثلث المفروز فليس بظائر له لو لم يكن لابن القواس المذكور متعلق إلا هو.
ويتلخص من هذا المجموع أن قيام ابن وشن المذكور على ابن القواس المذكور وتعلقه بما شهد له به الشاهد المذكور باطل حسبما تقدم، وبالله
[32/5]
التوفيق لا شريك له، وكتب علي بن عبد الحق الزرويلي، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
[مسألة في حكم الغيبة عن مغارم الأسواق]
دامت حية حتى تموت فشهدنا على ذلك وكتبنا شهادتنا على أنها أمانة، فاحتاجت إلى تلك الشهادة ابنتها التي كانت الصدقة عليها أتري لنا أن نقوم بها؟ فقال أراها قد قالت لكم: لا تشهدوا بها حتى أموت، وهذه الشهادة لا تنفع ابنتها فقيل لا تنفع ابنتها فقال: لا.
قال الشيخ ابن رشد رحمه الله تعالى: المعني في بطلان هذه الشهادة بين لأنها لما تصدقت بالرقيق على ابنتها وأبت من الإشهاد لها إلا على هذا الشرط، دل على أنها لم ترد أن تبتلها لها في حياتها، وإنما أرادات أن تصيرها إليها بعد موتها من رأس مالها. وذلك لا يحل لها ولا لابنتها إذ ليس لها بعد موت أمها من مالها إلا ما فرض الله لها من ميراثها، فلا يحل للشاهد أن يشهد بها في حياتها ولا بعد وفاتها. انتهي.
فتأمل هذه المسألة وجوابها كيف ألغيت الصدقة فيها من أصلها، لما علم سوء القصد من المتصدقة. وأن الثمرة المتصدقة عليها في صدقة أمها عليها إنما تحصل بعد الموت. فمسألة السائل أحرى بها. إذ المقر بهذا لا يخاف المطالبة في هذا بوجه. والتي تصدقت تخشى الشهادة عليها. ألا ترى الشافعية الذين يبنون في الخبر على صدقه ولو أقر لوارث أقرب؟ لا يتوقفون في إمضاء شيء من هذه الاعترافات. وإذا كانت النازلة أقرب في التهمة في مسألة الصدقة والوارث فيها عاصب غير ولد تزداد التهمة بعده قوة، حصل المانع من إقراره، فيكون المال المقر به للوارث من الثلث. قال ابن رشد فالقول إنه لا يمضي منه قليل ولا كثير هو أحسن الأقوال. وما اختاره المقدم لتنفيذ الوصية من إخراج ما اعترف به لمن لا يعرف من الثلث قوي وقائم من المدونة. وعضده بموافقة الحكم وحكمه به، فلا متكلم فيه.
هذا الذي تيسر لي من الكلام في المسألة وفي كلامكم والحمد لله بركة وسداد، وفوائد كثيرة ورشاد. والله أسأل أن يوفق للصواب بفضله. وكتب قاسم بن سعيد ابن محمد العقباني لطف الله به.
[33/6]
ونص جوابه رضي الله عنه عن الثاني:
وكتب عبد النور بن محمد العمراني وفقه الله تعالى وقرىء على الشيخ أبي الحسن ابن القابسي(¬1) رحمه الله عقد حبس نصه: تصدقت عليك يا فاطمة بجميع
[30/7] هذه الدار المذكورة وحدودها كذا بجميع حدودها صدقة بتة بتلة لا ثنوية ولا رجعة, وجعلتها عليك صدقة محرمة وحبسا موقوفا خالصة لك ما حييت وجميع ولدك الذكران منهم, والإناث وعلى عقبك أجمعين أولا فأولا للذكر مثل حظ الأنثيين متساويين في ميراث استحقاقهم من هذه الصدقة ودرجة انتفاعهم بها, كل ذكر منهم له حظ الأنثى من جميعهم ووقفت عليك هذا الصدقة بحسب هذا التحبيس المذكور وجعلتها محرمة موقوفة مؤيدة عليك وعلى ولدك وولد ولدك وعلى عقبك أولا فأولا, ثم ساق العقد الخ فأوقفها قريبا من شهر, ثم أملى فيها قد تأملت شروط هذا المحبس فوجدت فيه إشكالا, فطرحت الإشكال, فكان مفهوم ما وضع عليه هذا الحبس عندي أنه على ابنتها ما حييت خالصا لا يشركها فيه ولدها. فإذا ماتت صار لولدها, ولا ينتقل إلى ولد ولدها ما دام من ولد بطنها أحد حاضر وإذا انقرض ولدها دخل فيه عقبها الأول. فجواب مسألتكم هذه عندي أن الحبس صائر إلى ابنتيها إذا قد ماتت, فإذا انقرضت إحداهما صار للأخرى فإذا انقرضت صار إلى عقبها المحبس عليه اولادهم: بنو بنيها الذكور كانو ذكرانا أو إناثا او ذكرشانا وإناثا وهكذا إذا انقرض أهل هذه الرتبة كان أيضا هذا الحبس إلى الذكور ثم لا يكون لبني البنات في ذلك شيء هكذا في كل رتبة إذ بنو البنات ليس هم عقب للمحبس عليها كما ليس هم لها بعقب في ميراثها, وهذا الذي وصفت لكم هو الشيء الذي لا إشكال فيه, وما فيه الإشكال اسقطته, وهكذا الحكم في الأحباس من يشك فيه أن يكون من أهله لم يحكم له بشيء ولا يدخل في الحبس إلا بيقين وبالله التوفيق.
ومنها ما ذكره ابن يونس في كتابه بإثر مسألة المدونة المذكورة، وهو أن سواقي بئر السقي والطواحن إذا انسدت أولهما وخربت وكنسوا على جميعهم، فإذا بلغ الكنس إلى الأول فيقدر الانتفاع من غير ضرر يلحقه لو لم يكنس لقلتها، ارتفع الكنس عنه وأمر الباقون. فإذا تم الانتفاع الثاني ارتفع الكنس عنه أيضا، وكذلك الثالث والرابع إلى آخرهم. فقد تضمنت هذه المسألة أن من حصلت له منفعته الخاصة فلا كنس عليه. وأرباب الدور في مسألة النزاع حصلت لهم منافعهم قبل الكنس فيكون ذلك على من لم يحصل له أو حصل له بعضها وأراد الكنس لحصولها من أرباب الجنات خاصة وبالله التوفيق.
ومنها ما ذكره ابن أبي زيد في نوادره عن ابن القاسم عن مالك في قوم بينهم ماء فقل الماء ولأحدهم نخل يسيرة فقال صاحب النخل في مائي ما يكفيني ولا أعمل معكم، قال لا يجبر على العمل معهم ويقال للآخرين اكنسوا إن شئتم ولكم ما زاد الماء على القدر الأول. وكذلك أرباب الدور في النازلة المذكورة لا كنس عليهم مع أرباب الجنات لأنهم محتجون عليهم بمثل ما احتج به صاحب النخل اليسيرة وبالله التوفيق.
وسئل بعض الشيوخ عن جماعة لهم سد فانخرق فاجتمعوا على إقامته بأن بنى كل واحد منهم مسافة ثم تهدم ما بناه احدهم. فهل تكون إعادته على جميعهم أو على بانيه؟
فأجاب: هذه المسألة المؤلفة في الطرر، وصورتها كسد الفاسيين مثله، وهو الموضع المحتاج إلى إصلاح وبناء ومرمة مخافة أن يهبط منه الماء فلا ينتفع به. فإذا كان المنتفعون بالماء مثلا خمسة وأرادوا أن يبنوه بعد أن
[32/8]
[33/8]يقتسموه لم يجز إلا بعد أن يكون العمل معتدلا، فإذا كان وبنوه ثم انخرق بناء أحدهم كان إصلاحه على جميعهم لا على الذي حصل في قسمته، لأن هذه ليست قسمة استبداد بل قيمة عمل في الوقت، وقد استوى عملهم في الوقت فإذا انخرق منه شيء وجب أن يستوي عملهم فيه أيضا، فتأمل فإنه حسن.
قلت: فإن كان قد باعها فقام المشتري فطلب كنس الكنيف وعمارته قال: له من ذلك ما كان للبائع صاحب الدار ويقوم مقامه. وهذا مثل ما في الوثائق. وقال فضل على مسألة حبيب: انظر هل يجوز هذا البيع على قول غير ابن القاسم على أن يكون على خصومة. وحصل ابن رشد رحمه الله في رسم الأقضية لابن غانم في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها أن بيعه بعد العلم منه رضي بترك القيام؛ الثاني أن ذلك ليس برضي ويقوم المشتري بما للبائع من ذلك؛ الثالث أن ذلك ليس برضي من البائع ولا قيام للمشترى وله الرد على البائع بذلك العيب إن لم يعلم به، فإن رد عليه فللبائع القيام عليه
[33/9] بذلك. وكذا إن باع السيد العبد الذي تزوج بغير إذنه بعد علمه بتزويجه تدخل فيه إن شاء الله الثلاثة الأقوال.
[نازلة نزلت ببياسة]
فكتب بها القاضي أبو الأصبغ ابن سهل إلى شيوخه بقرطبة قبل سنة أربع وأربعين وأربعمائة، وهي أن رجلا كان له كرم بين كروم لأناس شتى متلاصقة وكانت قد تبورت، فكان صاحب الكرم يسير إلى كرمه من حيث شاء لا يمنع، ثم عمر أصحاب الكرم كرومهم فمنعوه من الدخول عليها، وكان قبل عمارتهم لها بالغرس قد سلك على الأرض إلى كرمه نحو ستة أعوام، فلما غرس الأرض ربها وأدرك الغرس منعه السلوك عليها أو سكت الأربعة الأعوام ونحوها بعد الغرس.
وسئل عن رجل سب رجلا في مجلس حاكم . ونص السؤال في رجلين تنازعا بين يدي حاكم في دين لأحدهما علي الآخر ، فيبلغ بينهما [30/10] الكلام بحيث سب الرجل المديان صاحب الدين ورماه برق ، فطلب حقه في ذلك وأراد أخذ شهادة من حضرهما ، فرغب إليه بعض الحاضرين في العفو عنه وذكره ودادا كان بينهما ، فقال المسبوب للراغبين له في العفو اعقدوا عقدا وتشهدون فيه بما عندكم ولكم عندي كل ما تريدونه ، ففعل ذلك وشهدوا له ، ثم اقتضوا ما وعدهم به من العفو فأنكر ذلك وقال إنما أردت بقولي لكم عندي كل ما تريدون من وجه الصلح في الدين الذي وقع فيه الطلب لا في إسقاط ما وجب لي عليه في سبي . فبين لنا ذلك رضي الله عنك ماذا يلزم هذا الساب ؟ وهل يسقط عن المسبوب ما قاله للراغبين في العفو ؟ متفضلا إن شاء الله تعالى(¬1) .
[حوار بين فقهاء طنجة في القرن السادس حول جواز فتوى المقلد]
31/11] الاحتجاج لأنهم أول أصل أصلوه في مذهبهم، بغض العلماء والتنفير عنهم، ويزعمون أنهم عندهم قطاع الطريق المحجوبون بعلمهم عن رتبة التحقيق، فمن كانت هذه حالته، سقطت مكالمته. وبعدت معالجته، فليس للكلام معه فائدة، والمتكلم معه يضرب في حديد بارد. وإنما كلامنا مع من لم ينغمس في خابيتهم، ولم يسقط في مهواتهم، لعله يسلم من عاديتهم، وينجو من غاويتهم.
واعلموا أن هذه البدعة في فساد عقائد العوام، أسرع من سريان السم في الأجسام وأنها أضر في الدين من الزني والسرقة وسائر المعاصي والآثام، فإن هذه المعاصي كلها معلوم قبحها، عند من يرتكبها ويجتلبها، فلا يلبس مرتكبها على أحد، وترجي له التوبة منها والإقلاع عنها. وصاحب هذه البدعة يرى أنها أفضل الطاعات، وأعلى القربات، فباب التوبة عنده مسدود، وهو عنه شرود مطرود. فكيف ترجى له منها التوبة وهو يعتقد أنها طاعة وقربة، بل هو ممن قال الله فيهم: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾، وممن قال فيهم: ﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا﴾.
الفعل ثم لا يلزمك إلا واحدة ولك مراجعتها بعد الفعل، فهذا وأمثاله لا بأس به، وهو من الترخيص والحيل التي لم تخالف قانون الشرع وقاعدته. وقال رحمه الله: لا نيبغي إذا كان في المسألة قولان أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تخفيف أن يفتي العامة بالتشديد والخواص من ولاة الأمر بالتخفيف فذلك قريب من الفسق والخيانة في الدين، والتلاعب بالمسلمين. وذلك دليل على فراغ القلب من تعظيم الله تعالى وإجلاله وتقواه، وعمارته باللعب وحب الرياسة والتقرب إلى الخلق دون الخالق، فنعود بالله من صفات الغافلين. انتهى.
لا يقال: الإجماع الذي حكيته عن ابن حزم وأبي عمر ينتقض ويرد بقول عز الدين ابن عبد السلام الشافعي- رحمه الله - في بعض فتاويه.
وللعامي أن يعمل برخص المذاهب، وإنكار ذلك جهل ممن أنكره ، لأن الأخذ بالرخص محبوب ودين الله يسر وما جعل علينا في الدين من حرج. فإن قلنا بتصويب المجتهدين فكل الرخص صواب، ولا يجوز إنكار الصواب، وإن لم نقل بذلك فالصواب غير منحصر في العزيمة، وإن كان الأفضل الأخذ بالعزيمة تورعا واحتياطا واجتنابا لمظان الريب والتهم انتهي. لاسيما والشيخ عز الدين هذا ممن لا يتقرر اتفاق مع مخالفته، باعتبار رأيه وروايته، كما شهد له به الثقة العدل الضابط المحقق أبو عبد الله ابن عرفة رحمه الله.
لأنا نقول: ابن حزم وأبو عمر قد حكيا الإجماع، ومستنده النقل؛ وعز الدين لم يبين لفتواه مستندا فيحتمل أن يكون رأيا رآه فتفرد به، أو لازم قول وهو الظاهر من قوة كلامه، وأيا ما كان فهو إحداث قول بعد تقدم(¬1) الإجماع فيكون باطلا لتضمنه تخطئة الأمة، وتخطئتها ممتنع على ما تقرر في أصول الفقه. وسواء قلنا انقراض العصر شرط أم لا.
لا يقال: إجماعات أبي عمر مدخولة، وقد حذر الناصحون منها ومن اتفاقات ابن رشد واحتمالات الباجي واختلاف اللخمي.
[31/12]
[32/12]