260/1] ذلك حسبما أوضحناه. فتوجه المجيب بالكلام عليهما بعد الصيرورة المذكورة يغني عن الكلام عليهما قبلها. وكذلك العكس, لاتحاد الحكم لا لما توهمه المعترض من الاستصحاب وعدم تأتي كلام العلماء عليهما قبلها, والاحتياج إلى إمعان النظر ومكابدة المشقة التي تبلغ فيها بزعمه حد الاعجاز, أو تعداه وجاز, وظن أن لا سبيل لأحد إلى ابطال ما استدل به ولا مجاز,
ومن ظن ممن يلاقي الحروب ... بأن لا يصاب فقد ظن عجزا
قال: ولنبين له أن أولئك السادات المتقدمين للإمامة بجامع القرويين إنما تقدموا على يقين منهم أن الصلاة في ذلك اليوم في غاية الصحة والفضل والكمال, لا إن عالما أوةعلماء يقولون بصحة تلك الصلاة, وآخرون يقولون ببطلانها على الشمهور كما صرح به المجيب, ومنصبهم الكامل يأبى ذلك.
أقول: جعل تتابع الأخيار المرضيين, على إقامة الجمعة بجامع القرويين, على مر الدهور والسنين, برهانا على صحة دعواه, ودليلا على ما قصده من ذلك وانتحاه, فسلب بذلك عن المسألة الخلاف, وارتكب فيها سوء التعصب والاعتساف. وتتابع من ذكر من العلماء والصلحاء الأعيان, على إقامتها بالجامع المذكور على مر الأعصار والزمان, من المبدأ المذكور إلى الآن, ليس بالذي يرفع الخلاف المنصوص لأيمة المذهب وبزيله, ولا ينازع في ذلك إلا من وضح في الحيرة والروغان سبيله. ويلزم على ذلك ارتفاع الخلاف وإماتته عن كل مسألة وجد فيها لأهل المذهب قولان أو أقوال, واتصل العمل من كثير من أيمة الهدى بأحد القولين أو الأقوال, وهذا شيء تمجه الأسماع, وتنفر عنه كرائم الطباع. وأما احتجاجه بأن منصبهم الكامل يأبى ذلك فليس بشيء إذ فعلهم صحيح في نظر كثير من الأعلام, وأيمة الهدى ومصابيح الاسلام, فلا يلحقهم في ذلك عيب عائب ولا مذمة ذام.
فكان أرضاه صلى الله عليه وسلم فيما لم يجده في الكتاب والسنة الاجتهاد لا الرجوع إلى قول عالم مثله، قال قولا باجتهاده ورأيه، وما أرضى رسوله فقد أرضى الله عز وجل، وما أرضى الله عز وجل فهو الحق عنده الذي لا تحل مخالفته ولا العدول عنه، والرواية بخلافها مخالفة للأصول عدل بها عن القياس للمعنى الذي ذكره استحسانا على ما سنبينه، فوجب العدول عنها بالنظر الصحيح إلى ما هو أولى منها، لا سيما بما ذكر من أن المدمي عليه كان سكرانا إذا جرح المدمي، ومن أهل العلم من يقول إنه لا يقاد من السكران لمن قتل في حال سكره، وإن كنا لا نقول بقوله فمراعاته واجبة على أصل مذهب مالك الذي نعتقد صحته في مراعاة الخلاف والوجه في بيان صحة ما قلناه في هذه المسألة بأن نذكر أصلها من الكتاب والسنة التي ترد إليه وينبغي الحكم فيها عليه.
والأصل فيها بإجماع العلماء قول الله عز وجل: ﴿ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ﴾ أي حجة يقوم بها في أخذ حقه، واختلف أهل العلم هل من حقه أن يعفو عن الدم على الدية شاء القاتل أو أبى. أو ليس ذلك له؟ على اختلافهم في تأويل قول الله عز وجل: ﴿ فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بمعروف وأداء بإحسان ﴾ هل المعفو له ولي الدم أو القاتل؟ فمن ذهب من أهل العلم إلى أن لولي الدم أن يعفو عن القاتل على أن يأخذ الدية منه شاء أو أبى يوجب انتظار بني المقتول الصغار بالقسامة على كل حال إلى أن يبلغوا إذ
[304/2]
[305/2]
إذا أشهدت الحاضنة أن محضونتها في كفالة أبيها ، فلا رجوع لها في ذلك]
*وسئل ابن عرفة عن رسم يتضمن أن حاضنته أشهدت أن محضونتها في كفالة أبيها ، والمنفق عليها في جملة عياله وفي محله ومنزله وحوزه ، وذلك منذ شهرين تقدما عن تاريخه ، وذلك برضى الكافلة المذكورة ، فهل للجدة رجوع في حضانة المكفولة أم لا ؟
=فأجاب : لا حضانة لها في الابنة المذكورة ، إلا أن تقيم بينة أن ذلك لعذر مفسر من مرضها ونحوه .
[من تزوج ماشطة وشرطت عليه في عقد النكاح أن لا يمنعها من صنعتها]
*وسئل عمن تزوج ماشطة واشترطت عليه عند عقد النكاح أن لا يمنعها من صنعتها وقبل ذلك منها ، ثم أراد منعها من ذلك .
=فأجاب : لا يلزمه الوفاء بالشرط ، قيل إن كانت صنعتها لا تجوز[279/3]فواضح ، وإن كانت جائزة فتجري على مسألة إذا اشترطت أن لا يخرجها من بلدها ، وظاهر المدونة عدم اللزوم ، واستحب غير واحد الوفاء للحديث ، ومال اللخمي إلى الوجوب وحكاه عن ابن شهاب وقال به بعض الموثقين .
[إذا فرت المرأة من الجبل إلى المدينة تشكو زوجها لإضراره بها وتريد خصامه ، فهل تمكن من ذلك]
يحنث بالوطء بين الفخذين لحمل يمينه على قصد مباعدة المعصية لما استشعر من نفسه الخوف من الله وندم؟ أو لا يحنث بذلك لأنه لا يسمى زانيا؟ إذ لو كان زانيا للزم الحد وهو لا يلزمه اتفاقا. وإذا قلتم بالحنث فهل يحنث بالقبلة والمباشرة والمضاجعة بلا وطء؟ لحمل يمينه أيضا على قصد المباعدة، ولقوله عليه السلام العينان تزنيان،(¬1) أو لا يحنث بذلك؟ وهو ظاهر قوله في كتاب الإيلاء من المدونة: ولا يفيء بالوطء دون الفرج ولا بالقبلة والمباشرة واللمس إلا أن الكفارة تلزمه بالوطء دون الفرج. فتخصيصه للكفارة بالوطء يدل على أن لا كفارة فيما ذكر معه من القبلة وغيرها، وإلا فما فائدة التخصيص؟
فأجاب: يظهر في هذه المسألة أنه يحنث بهذه الأشياء لوجيهين: منها أنه قصد المباعدة عن المعصية ومفسدته فيما بينه وبين مولاه، وهذه الأشياء كلها معاصي بغير خلاف، ولا يصح الإقدام عليها بالإجماع، وإن كانت صغائر والوجه الثاني أنه في باب الأيمان والحنث يقع الحنث فيها بأقل الأفعال، لأن السالبة الكلية نقيضها موجبة جزئية، وإن قلت مع ما أضاف الشرع إليها من الاحترام والاحتياط، وليست هي في باب موجبات البر من الأفعال المحلوف عليها التي لا تكون إلا بأكمل الأشياء. ولهذا قطع الكفارة بأقل الأشياء إذا فعلها، ولا يسقط حكم الحنث إلا بأكمل الأشياء في باب ثبوت الطلب بالفعل، ولذا قال لا يخرجه من الإيلاء إلا الوطء. وكذا إذا حلف ليطأن فلا يخرجه من اليمين إلا الوطء في الفرج، لا مقدمات الوطء من مباشرة وقبلة ووطء في غير الفرج. واختلفت إذا فعل الحالف في وقت النهي عنه كوطئها حائضا ونحو ذلك أو أكل طعاما بعد أن فسد، وهذا دليل على طلب الكمال في باب البر، والتحنيث بالأقل في باب الحنث.
إلى مذهب أشهب، وأما الفصل الثالث وهو وجود العيب بأحد ثلاثة الأشياء فذكر الشيخ رضي الله عنه أنه وقع في بعض التعاليق لبعض المتأخرين عن جواب له في ذلك وهو أن الأمر
[279/5]
في ذلك لا يخلو من أحد أمرين إما أن يبايعه على شرط الرد أو يبايعه من غير اشتراط الرد، قال فإن بايعه على اشتراط الرد فلا بد من فسخ الصفقة ويرد للبائع درهمه إن كان قائما أو مثله إن كان فائتا، ويرد إليه هو أيضا قيمة السلعة أو مثلها إن كانت من ذوات الأمثال، وأما إن باعه من غير اشتراط الرد فإنه يرد إليه المردود أو الدرهم أيهما وجد زائفا وينقض الصرف خاصة ويتبعه البائع بما بايعه به السلعة ولا يجوز البدل في ذلك على مذهب ابن القاسم، وإنما اختلف هل يجوز على مذهب ابن شهاب الذي أجازه في صرف الذهب بالفضة أم لا؟ فكان شيخنا رضي الله عنه يقول: سألنا عن ذلك أبا القاسم ابن زوانف فذهب إلى أنه يدخل فيه ويجوز على مذهب البدل، قال ثم سألت عنه أبا موسى المومناني فقال لا يدخل فيه لأن مسألة ابن شهاب فيما بين الذهب والفضة ليس فيها إلا علة التأخير فاغتفرها، وهذه فيما بين الفضتين تلقانا فيها علتان؛ التفاضل والتأخير، والمسألة إذا كثرت فيها العلل كانت أفسد مما إذا قلت فيها، إذ قد يغتفر، وهذا موجود لابن القاسم في مسائله، قال ثم رجعت إلى أبي القاسم فسألته ثانية عن ذلك وأخبرته بما قال أبو موسى فقال لي: علة التفاضل قد اغتفرت فصارت كأنها لم تكن فلم يبق إلا التأخير، فصارت كمسألة ابن شهاب قال ثم رجعت إلى أبي موسى فأخبرته بما قال أبو القاسم فقال لي إنما اغتفرت علة التفاضل إن سلمت المسألة من الفساد، وأما إن لم تسلم من الفساد فلا تغتفر، فرأيت الشيخ يميل إلى مذهب أبي موسى فيها، وأما الفصل الرابع وهو اصطرافه من غير دخول سلعة ففي العتبية جواز ذلك في الدينار، وذكر ابن رشد في البيان أنه كرهه مالك وأجازه ابن القاسم، فإذا جوز ابن القاسم ذلك في الدينار
ولقد سلك الناس في أدب المخاطبة مع ملوكهم ومعلميهم سبيلا من التوقير والتحرز وتحري العبارة ما أدركه الخاص والعام. فلو قال سلطان لوزيره: لقد قلت لي كذا وكذا في أمر لا يعلمه الوزير، لعدل عن عبارة ما قلت لك ذلك قط إلى عبارة: لا أذكر أني قلته، ولا أعلم أني قلته، وشبه ذلك. وكلا الأمرين إنكار، وبينهما من الفرق ما لا يخفى على من له أدنى ذوق، فإن الأول تصريح بالتكذيب، والثاني تلطف. وإذا سلك هذا السبيل من التحرز مع من ذكر، فما ظنك بالواجب من ذلك في حق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذكره أو ذكر حال من أحواله.
[348/6]
وعلى الجملة إن كان المذكور ممن تعد هذه فلتة منه ففي سجنه هذه المدة كفاية فيسرح بعد القول له بما يجب، لمجاوزة حد ما دلت القرائن عليه من العقوبة. والإفراط خروج عن سنة من انتصرنا لتوقيره وعظيمه - صلى الله عليه وسلم - . وإن كان معروفا بالاجتراء والتساهل والتعجرف في أقواله، فهو أهل لأن يضاف إلى ما تقدم من سجن المدة المذكورة ضربه بالسوط مقدار ما اقتضاه حاله في ذلك ليكون ذلك زجرا له عن العودة وزجرا لغيره أن يسلك سبيل عدم التحرز ويسرح والله الموفق لا رب غيره وكتب عبد الله عيسى بن محمد بن الإمام خار الله له.
[من قال لرجل معروف بالصلاح بعد موته إنه غير سني لكونه ترك تحية المسجد]
فأجاب: الرواية أن لا يفسخ كراء الوقات لزيادة, والوجه في قبول الزيادة أن يثبت الغبن مع تساوي احوال المتكاريين في الملإ والانصاف أو يرجح حال الأمر منهما والكراء على قبول زيادة الثلث باطل, لأنه من الغرر وذريعة إلى بيع وسلف في قول ابن القاسم, أو إلى سلف جر منفعة في قول سحنون على اختلاف قولهما فيما تردد بين تمام البيع أو فسخه, وأما حكم صاحب الأحباس فحكمه حكم الوصي هكذا تواترت نصوص الموثقين والوصي يحف فيما ولي من المعاملات باتفاق, فهذا دستور ضابط لحكم كراء الأحباس, وصاحب الأحباس الآن الواقع في السؤال فيه تخليط فليرد فاسده لما ذكرنا, وذلك غير خاف وفي بسطنا إياه كفاية لنفاذ الكاغد وبالله التوفيق, وكتب إبراهيم بن محمد ين إبراهيم اليزناسني لطف الله به والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
[الحبس المبهم]
وسئل بعضهم عن مسألتين ظاهرتين من جوابه.
فأجاب: أما المسألة الأولى فالمعتبر فيها نص المحبس عن وجد أو وجدت قرينة لفظية أو حالية, فهي كالنص على مراده, فإن لم يوجد شيء من ذلك نظر إلى المقصد العرفي فعليه يحمل, فإن وقع خلاف في الحمل
[
327/8]أيضا. قال ابن القاسم فيمن تعدى على شيء فأفسده فسادا يسيرا إن عليه ما نقصه سمعت الفقيه أبا علي رحمه الله يقول لم يختلف في هذا. وأما الفساد الكثير فخيره مالك بين أخذه وما نقصه أو يضمنه قيمته والى هذا رجع ابن القاسم بعد أن قال بقول أشهب إنه مخير بين أخذه ولا شيء له أو تضمينه القيمة وبهذا قال سحنون. قال محمد وهو أحب إلينا لأنه لما لزمته القيمة بإتلاف أكثره لم يكن له أن يأخذ في القيمة غير العين ولا يأخذ سلعة وبعض القيمة إلا باجتماعهما، واحتجوا لهذا القول بإجماعهم على ذابح الشاة لم يجيزوا له أخذها وما بين الحياة والموت ويؤكد ذلك قولهم في أحد الشريكين يطأ الأمة ولا تحمل فقالوا ليس له حبسها والرجوع بما نقصها وإنما يقومها على الواطئ فلأن وطئه نقص كثيرا من قيمتها والله أعلم، لأني رأيت لمالك فيمن تعدى فوطئ أمة رجل وقيمتها مائة دينار فحملت أو لم تحمل ثم قام صاحبها وقيمتها خمسون أن عليه قيمتها يوم الوطء هي في ضمانه يومئذ.
وسئل ابن أبي زمنين عن الرحى إذا هطلت فأفسدت على الناس طعامهم هل على صاحبها ضمان.
فأجاب: نعم عليه الضمان لأنه صانع.
[الصباغ يعطي صاحب ثوب غير ثوبه]
وسئل ابن المكوي عن رجل أعطى ثوبا للصباغ فأتى صاحب الثوب فأعطاه الصباغ ثوبا غير ثوبه فقال له ليس هذا ثوبي وإنما كان ثوبي صفته كذا فقال له الصباغ هذا الذي أعطيتني فسأل صاحب الثوب بعض أهل العلم فأوجب على الصباغ غرم قيمة الثوب وإلا حلف فرافعه إلى الحكم فحلف أنك ما أعطيتني غير هذا الثوب وصاحب الثوب قد تبين له وصح عنده أنه غير ثوبه أتراه له حلالا؟
فأجاب: هو حلال إلا أن يعلم أنه لغير الصباغ.
وسئل أبوصالح عن رجل ألقي عليه مغرم السلطان فاختفى عنه فدله
[327/8]
[328/8]رجل على ماله وأوقفه على داره أو أشار إليه هل يرجع صاحب الدار والمال على الباغي بشيء؟
غ: على أن هذا عندي فيه نظر، وإنما حملناه على هذا لأن الطلاق مأخوذ فيه بالاحتياط صونا للفروج، فإذا قال طلقت ولا رجعة فكأنه قال طلقت طلاقا بائنا فحيث يمكن حمل اللفظ على ما يتوقع من تحريم الفروج مع ظهور القصد إليه حمل عليه، فإنه التزم أن لا رجعة له فيها فكأنه حرمها على نفسه.
غ: القائل بلزوم ذلك قائل به إذا كان في العدة بعد وقوع الطلاق.
قلت: المسألة مفروضة فيمن طلق والتزم أن لا رجعة له فيها فيلزمه ما التزم.
غ: أيضا يلزمه أن يكون في طلاقه ثلاثة أقوال الجارية فيمن طلق طلاق الخلع من غير عوض، لأنه عنده مصروف إلى الطلاق الثاني بالقرينة التي زعم أنها قرينة وليس النقل كذلك عن أئمتنا.
قلت: من دين يلزمه هذا وأن القرينة التي في الفرع الأول هي القرينة التي في هذا الفرع، وإنما جاء الخلاف في هذا الفرع من أجل ما فيه من التدافع، فلا يخفاك ما في هذا من الحمل.
[300/9] غ: الرابع أنه على تقدير تسليم بطلان هذه المسألة بخصوصها بما زعم من القرينة، فلا يلزم من بطلانها بطلان المسائل المشاركة لها في الانتقال من حكم إلى حكم كما بينا قبل.
قلت: قد أبدى الشريف الفارق فيما قبل، وظهر أن ما جلبه الغبريني حجة عليه لا له وبالله التوفيق.
غ: وهذا الكلام أعرض فيه عن النكتة العظمى في المسألة وهي أن هذه الوصية ليس فيها رجوع بوجه، وليس ثم وصية للفقراء حتى يحتاج إلى النظر فيها، لأن الموصى جعل عدم رجوعه تأكيدا للوصية، فقد سلب رجوعه عن الوصية مدلوله اللغوي، وجعل مدلوله تأكيدا للوصية وتجديدا لها.
280/10] وتزيد هذه النازلة بإقرار بائع الغرفة أنه لم يبع السقيفة كما ذكرت لكم ، فالمرغوب من سيادتكم أن تعرفوا بما عندكم في المسألة تعريفا شافيا، وقد أمرت حامل هذا أن يحمل الرسمين المنبه عليهما بالمحول لتقفوا عليهما ، والله يعين على القيام بحقكم ، ويحملني على واضحات طرقكم ، والسلام عليكم .
فأجاب : وقفت على مكتوبكم بالأعلى فرأيته لا يعارض الجواب المكتتب بأسفل المحول ، لأن مضمن ذلك الجواب سقوط حق المشتري للدار في هدم السقيفة من حيث إنه حين ذكر ذلك الشرط وقت العقد فقد سقط ذلك الحق ، فكلامي إذا في جهة صاحب الشرط من البائع للدار والمشتري منه ، وبذلك تنتظم النازلة مع مسألة ابن رشد . وعارضتم أنتم هذا النظر بالالتفات إلى جهة من عليه الشرط ، وذلك فيما بين بائع الغرفة ومشتريها . وإذا سقط الحق في جهة صاحبه فلا مبالاة بجهة من عليه الحق أن يقام عليه ، ولا تعارض أيضا فتوى ابن رشد بكلام ابن الحاج الذي وقفتم عليه وجلبتموه فإنه لم يجزم بشيء ولا أفتى بحكم ، وإنما أجرى(¬1) احتمالا فلم يذكر شيئا يصح تعلقه فيه ، وهذا هو الذي منعني من جلب كلامه في الجواب المذكور .
وبالجملة ، فلا يظهر لي هدم السقيفة المذكورة لمرور السنين الكثيرة عليها وانتقال الأملاك في الدار والسقيفة بحالها ، مع احتمال أن يكون ذلك الشرط غير موروث عن مشترطه بتقدير أن يريد بقوله في الشرط على أن يهدمها المشترط متى شاء ، أي إن شاء هو هدمها ، وله إن شاء إبقاؤها . فإن كان أراد هذا فبموته يعلم أنه أراد تخليدها ، ولا يجوز في الشرع الإقدام على نقل الأشياء وتغييرها مع قيام ، الاحتمال في السبب الموجب ، لاسيما مع طول الأمد وقدم العهد .
[281/10] [اقتسام أخوين دارين إحداهما أجود من الأخرى بعد إضافة غرفة إلى ا لدنية]
277/11] عليه من فقره وإقلاله، فلم يواسه بشيء من جاهه ولا ماله، فكتب هذا الاستفتاء، مستعديا عليه في القضية وشاكيا به إلى فضلاء الديار المصرية ونصه وهو غاية في الحسن: ما يقول السادة الأمجاد، والقادة الأنجاد، كنوز المفاخر، ومعادن المآثر، أهل المجد السامي والرفد الهامي، والحسب التليد، والأدب العتيد، في متعفف متكفف، في خمول الخمول مختف، وإلى كسر الانكسار منكف، لا تمتد إليه راحة براحة، ولا يجد من المواسات ما يواسي به جراحه، ما يفي به من خصامة الإفلاس، لا يرى مادة الحياة إلا في الأحكام أو في أيدي الناس، يمشي وأساود الهموم تسار سويداء قلبه، ويصبح وغمام الغموم يكف بما يزيد في كربه، ولا ينكف يعالج بالمنى، قلبا بجمرات الحسرات اكتوى، ويصون على التبدل وجها بماء الحياة قد ارتوى، آوى إلى عزيز مصره، وفريد عصره، ومن زكت عنه الأواصر، وعقدت عليه الخناصر، وازدانت به صدور المحافل، ودانت له صدور المجافل وألقت إليه الرئاسة عصى تسيارها، وابتسمت له ثغور السعود وضمته عواصم أسوارها، ليفتح له من الإسعاف بابا مرتجا، وليسبغ عليه من الأسماد ظلا مسجى، وليبوئه من الإكرام جنة دانية القطاف، وليورده من الإنعام موارد عذبة النصاف، وليقوم مناد حاله بتشفيف نظره، وليدني منه على طال عليه مطال منتظره، ثقة أنه يميز بجوده النمير، وأن السؤال يثير إحسانه الكثير، وإن دفع العسير عليه يسيرا، فيجور لهذا المكمل المؤمل أن يلفت وجهه عن هذا المذلل والمعلل، وأنه إذا اشتكى إليه ضنك حالة عيشة لا يشتكيه، وإذا رآه لقي بين أيدي الجوائح لا يندبه ولا يبكيه، ويتركه والأيام تعاديه، وتراوحه لنحوسها، وتفضي عليه من الضرورة لبوس بوسها، وتقطع طرق المناجح على وارد قصوده، وتحكم اليأس على رجائه فتديل مقصوره على ممدوده، ولم يرقب فيه إلا ولا ذمة، انتماء افترى بمقتضى الفتوة، ومر والمرتضى المروة، مفضلين محسنين على مر الأعصار والسنين.