فإن قلت: لو فرضنا مدينتين بينهما من البعد مسافة بريد واستقلت كل واحدة منهما بخطبة لتوفر الشروط في كل منهما وانتفاء الموانع عنهما, ثم طرأ عليهما من العمارة ما صيرهما مدينة واحدة, فهل يجري الخلاف فيهما بعد صيرورتهما بما طرأ عليهما من العمران مصرا واحدا كما لو كانا كذلك ابتداء, فتبقى السابقة منهما وتلغى اللاحقة؟ أم يستمران على ما كانا عليه قبل الصيرورة المذكورة؟
قلت: هذه الصورة إن وقعت فلا مانع من صحة كل من الخطبتين لإقامتهما بوجه سائغ اتفاقا, ولو كان بينهما من البعد ثلاثة أميال أو ستة لجرى الخلاف والله اعلم. وأما قوله هل لاحظ الشرع في بناء المدينتين حالة التأسيس والابتداء؟ أو لاحظ فيهما حالة الكمال والانتهاء؟ فكلام خلف! وصواب العبارة وتحرير الاشارة, أن يقول على فساد معناه, حسبما قررناه: هل لاحظ الشرع في ايقاع الجمعة حالة تأسيس المدينتين وابتدائهما؟ أو لاحظ فيهما حالة صيرورتهما مدينة واحدة؟ وكتب هنا ظاء لاحظ بالضاد ذات الأعجام بخطه, في مسودته التي اعتنى فيها بتصحيحه وضبطه, وهذا وأمثاله في كلامه كما قيل قليل من كثير, وصبابة من غدير.
مثالب مثل الرمل لا تقل أنها ... تعد فتحويها ضروب حساب
قال: فاختار الفقيه المجيب رحمه الله تعالى الوجه الثاني, وهو حالة الكمال والانتهاء وبه أفتى, وراعى حالة مدينتنا الراهنة على ما هي عليه اليوم.
أقول: لا فرق في نظر الشرع بين ما هي عليه فاس اليوم وما كانت عليه قبل ذلك, وحكم الجامعين بعد أن صارت مدينة واحدة كحكمها قبل
[
*وسئل رحمه الله عن مسألة تدمية العمد النازلة بقرطبة سنة ست عشر وخمسمائة، فقال رضي الله عنه: سألني جماعة من طلبة العلم الباحثين عن معانيه مستفهمين لي عن وجه ما اتصل بهم من فتواي فيمن دمى على رجل بدم عمدا وله بنون صغار وعصبة كبار بأن ينتظر الصغار حتى يبلغوا ولا تمكن العصبة من القسامة والقود، إذ البنون الصغار أحق بالقيام بالدماء.
[303/2]
[304/2]
والقسامة والعفو عنه منهم، بخلاف الرواية المأثورة في ذلك عن مالك، وعن غيره من أصحابه، إذ خفي عليهم المعنى في ذلك وظنوا أنه لا يسوغ للمفتي العدول عن الرواية الموجودة في ذلك وليس ذلك على ما ظنوا.
[ لا يجوز للمفتي تقليد الرواية حتى يعلم صحتها ]
بل لا يسوغ للمفتي تقليد الرواية والفتوى بها إلا بعد المعرفة بصحتها هذا مما لا اختلاف فيه بين أحد من أهل العلم، لقول الله عز وجل: ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم، لمعاذ بن جبل، وقد بعثه إلى اليمن واليا معلما: « بم تقضي؟ قال: بكتاب الله. قال فإن لم تجد؟ قال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد برأي، فقال: الحمد الله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى رسوله ».
*وسئل حسان عمن له جدة للأم وله أب فطلبته الجدة في الكفالة وأجرة عليها ، وقال الأب : اشتريت له من يخدمه فإما أن تأخذيه بغير أجرة أو تدعيه .
=فأجاب : إن كانت الجدة لا بد لها من خدمة الولد غير الإيواء إليها أخذت من الأجر بقدر ذلك ، وإن استغنى الولد بالخادم عن خدمتها فليس لها من أجرة الكفالة شيء ، وذهب إليه بعض شيوخنا المتأخرين وفيه اختلاف .
[من طلق امرأته طلقة بائنة وله منها رضيع وليس له ما يكفي للأجرة الرضاع ، وهناك قريبة ترضعه بالمجان]
*وسئل عمن طلق امرأته طلقة بائنة ، وله منها رضيع ولا يملك إلا نصيبا من دار قيمته مائة دينار ، وكراؤه رباعي ونصف ، ولا يقوم بأجرة الرضاعة ، وله قريبة ترضعه مجانا ، فهل يباع عليه نصيب الدار لكون فائدته لا تقوم بأجر الرضاع ، أو ترضعه قريبته بغير شيء .
=فأجاب : الأم لها حق في الحضانة ، فإذا وجد الأب من يرضعه مجانا ، أو بأقل من أجر الأم ، ولا بحال بينها وبين كفالتها فاللأب ذلك ، وإن لم يجد من يرضعه عندها ، قدم حق الأم وأخذت أجرة الرضاع ، هذا المستحسن من القول عندي وعند بعض المتأخرين .
[278/3][إن كانت المحضونة تخدم الحاضنة خدمة لها بال ، فترجع على الحاضنة بأجرة خدمتها]
*وسئل الرماح عن أجرة المحضونة .
=فأجاب : إن كانت تخدم نفسها فلا مقال لأبيها وإن كانت تخدم الحاضنة خدمة لها بال فترجع على الحاضنة بأجرة خدمتها .
[إذا كانت الجدة لا تؤمن على كفالة أولاد ابنها لفقرها وقلة ذات يدها]
*وسئل : أبو محمد الزواوي عن كافلة لأولاد ابنها وهي لا تؤمن على رزقهم لفقرها وقلة ذات يدها وكانت غائبة سبعة أشهر وقدمت وأخذتهم من أبيهم ، وظهر أن حالهم عند أبيهم خير من حالهم عند جدتهم الآن ، فهل ذلك قادح في كفالتها أم لا ؟
=فأجاب : إن ثبت ما ذكر من والضرر ، أكلوا عند أبيهم ويرقدون عند جدتهم إن لم يتضرر والدهم برقادهم عندها .
[
وسئل سيدي إبراهيم الثغري عمن ترافع مع زوجة له لبعض عدول موضعه قاصدا فراقها، فنهاهما العدل المذكور عن ذلك وطردهما عنه توقعا، فصارا يتقاولان القبيح. فلما أحرجته قال لها: باليمين الكبير حتى تجوزي قدامي للدار يريد بذلك ضربها في الدار، بل زاد أحد من شهد عليه ما ذكر: ونعمل فيك برأيي، ثم رمى بيده في رأسها، وصار يجرها ويضربها، فلما رأى العدل المذكور ذلك قام إليه بعصى وضربه بها ضربات تباعا، فوالى عليه الضرب إلى أن أزال يده من رأسها، لاتقائه الضرب، فهربت لغيره، وكان فكاكها من يده بغير اختياره، فهل تلزمه هذه اليمين أم لا تلزمه؟ لما ذكر من توالي الضرب عليها حتى أفلتت منه قهرا.
فأجاب: إن كان نوى بيمينه تنجيز الضرب فقد حنث، إلا إن لم يقدر على دفع ذلك الذي أزالها من يده فلا يحنث،وإن كان لم ينو تنجيز الضرب فله أن يضربها بعد ذلك ضربا يجوز له، وذلك ما اعتاده الناس في ضرب نسائهم إن كان نواه. وإن كان نوى الضرب الفاحش المبرح لم يمكن منه ويحنثه القاضي، ولا يمكنه منها والله تعالى أعلم.
[من حلف بالثلاث لا زنى فإنه يحنث بالمضاجعة دون وطء]
وسئل سيدي أبو القاسم البرزلي عن رجل كان ليلة على غير استقامة مع مولاه فندم على ذلك، فحلف بالطلاق الثلاث لازنيت بعد هذا. هل.
[304/4]
[305/4]
الفصل الثالث في وجود العيب في أحد ثلاثة أشياء التي هي السلعة أو الدرهم أو المردود، الفصل الرابع في اصطرافه ابتداء ببعض الأجزاء من غير دخول سلعة، الفصل الخامس في ترك بعضه عند البياع حتى يأخذه به سلعة، فأما الفصل الأول وهو جواز الرد فيه فذهب ابن القاسم إلى جوازه وهو مذهبه في المدونة، وذهب سحنون إلى منعه وهو ظاهر ما وقع في المدونة في باب البيع والصرف، وهو قوله وأصل قول مالك أن الفضة بالفضة مع أحد الفضتين أو مع كل واحد منهما سلعة لا يجوز كانت السلعة يسيرة أو كثيرة إلا أن يقال إن معنى ذلك فيها فوق الدرهم، وذهب أشهب إلى جوازه في بلد ليس فيها فلوس حتى يضطر الناس إلى ذلك، أما بلد فيه فلوس فلا ضرورة تلجئ إلى ذلك، فوجه إجازة ابن القاسم ذلك مع أن التفاضل فيه ظاهر على أصل مذهبه أنه راعى خلاف أهل العراق في بيع فضة وسلعة بفضة، وقالوا تقطع للفضة من الفضة قدرها ويبقى للسلعة الباقي، فلما رأى خلافهم في الكثير من ذلك سمح في القليل لضرورة الناس وقاله ابن رشد في البيان والتحصيل، وأما الفصل الثاني وهو شرط جواز الرد فيه فأما على مذهب ابن القاسم على ما حكاه الشيوخ فلا يجوز إلا بستة شروط: أحدها أن يكون في الدرهم الواحد فأقل، الثاني أن يكون ذلك يدا بيد خوفا من التأخير بين الفضتين، الثالث أن يكون المردود النصف فأقل، وأما أكثر من النصف فمكروه، وروي عن أشهب جوازه وإن كان أكثر من النصف، الرابع أن يكون في البيع لا في القرض، واختلف هل يجوز في القضاء من ثمن بيع أم لا؟ الخامس أن يكون المردود مسكوكا لأنه إن لم يكن مسكوكا صار بيع فضة بفضة من غير مراطلة، السادسة ذكره ابن الكاتب وهو أن يكون الدرهم معروف الوزن وكذلك المردود، فعلى هذا لا يجوز الرد، فعلى هذا لا يجوز الرد في المقاريض الجارية اليوم بفاس، قال ابن يونس وهذا في بلد ليس فيه فلوس ولا خراريب وأما بلد فيه الخراريب فأي ضرورة تلجي إلى ذلك، وهذا بنحو
347/6]
أشهر، فهل يكفيه ذلك أم يلزمه أشد من ذلك؟
فأجاب: لاشك أن الذي دلت عليه حكاية الواقع تنزيه نفسه، ونفي ما نسب إليه من السواد والنتن. ففرض وقدر بجهله وسوء أدبه واجترائه في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قدر، وأن ذلك منفي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيكون منفيا عنه لأنه من فروعه. وهذا استدلال جاهل بصحة طرق إنتاج الأقسية، فإن نفي الملزوم لا ينتج نفي لازمه، لجواز كونه أعم. وهذا القدر لا شعور له به، وإنما النظر إلى ما يدل على قصده وقد يقصد استثناء ضد الملزوم كأنه يقول: لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الطيب الطاهر فأنا طيب وأبعد عن النتن، لكوني من ذريته. وهذا مما لاشك فيه عاقل. أعني أنه لا يريد إلا نفي النتن عن نفسه، وأن ينفي ذلك عنه بما فرض وقدر في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما قررناه. ومع هذا القدر الذي قررناه من الدلالة على إرادة نفي النتن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لينتفي عن نفسه. فإنه قد أساء الأدب واجترأ وتعجرف في قوله. ولو سلك سبل التحرز وتحرى العبارة على هذا القصد لقال: وأنى لي بالنتن وأنا فرع من فروع الطيب الذي لا طيب يلحقه؟
وروينا في الصحيح عن أنس -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أزهر اللون كان عرقه اللؤلؤ إذا مشى تكفا وما مسست ديباجة ولا حريرا ألين من كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وسئل(¬1) رحمه الله عن أرض محبسة على مدرسة إلى نظر رجل يكريها بعد النداء عليها والاشادة إياها على العادة في الأحباس, ينادي على هذه الأرض وغيرها ووقعت فيها المزايدة إلى أن وقفت بستين دينارا فأمضى له الناظر الكراء فيها, وشهد على إمضاء الناظر أحد الشاهدين المعينين للشهادة في الأخباس, وشرع المكتري في الحراثة, ثم بعد أيام قام رجل ذكر أنه كان له غرض في الزيادة في تلك الأرض ولم يعلم بإمضاء الكراء فيها, وزاد فيها الثلث على العادة في قبول زيادة الثلث في الأحباس, وشهد على الذي زاد شاهدان بالزيادة المذكورة, ثم إن الرجلين المذكورين حرثا الأرض المذكورة, فلما آن وقت دفع الكراء طلب المكتري الأول بتسعين دينارا التي التزم بها المكتري الأخير, فامتنع من أدائها, وقال إنما اكتريت بتسعين دينارا وشهد عليه شاهد واحد عدل أحد الشاهدين المذكورين بأنه التزم تلك الزيادة وحرث مع صاحبه من حساب تسعين دينارا, وأنكر ما شهد به عليه ولم يشهد عليه بذلك غيره, فهل يحلف على نفس شهادته ويعطي من حساب ستين
[290/7] دينارا, إذ ليس ثم من يحلف مع هذا الشاهد أو يقضي بشهادة هذا الشاهد وحده أو يعطي كراء المثل؟ وهل يعطي هذا الذي زاد التسعين دينارا كاملة إلا ما ينوب ما حرث صاحبه في تلك الأيام من هذه الزيادة لأجل ما شهد به عليه من تسعين دينارا؟ أو إنما بعطي من التسعين دينارا ما ينوب ما حرثه من الأرض المذكورة؟ وهل يجوز هذا الذي سعقد اليوم في أكرية ربع الأحباس, وذلك ان ينادى على الربع ويكرى مشافهة على قبول زيادة الثلث يسكن المكتري مدة, ثم يزاد عليه الثلث, فإن زاد هو وإلا أخرج؟ أو لا يجوز ذلك لما في هذا الكراء من الغرر؟ إذ لا يدري ما يقدم عليه؟ بينوا لنا ذلك مأجورين مشكورين والسلام عليكم ورحمة الله.
وسئل عامر بن معاوية عن الخطار بين الرجلين مثل أن يقول أحدهما هذا فلان ويقول الآخر ما هو فلان فيقول أحدهما إن لم يكن فلانا فلك عندي من مالي كذا وكذا.
فأجاب: هذا لا يجوز ويرد كل واحد منهما ما أخذ من صاحبه لأنه لا يحل ولا يجوز لأحد قال أبومحمد قال جدي رحمه الله إن أكل الخطار مضى يريد إذا كان للجماعة.
قلت: وقد رأيتها رواية عن بعض العلماء.
وسئل ابن لبابة عن رجل وجد في زرعه دابة فضمها إلى داره فجاء صاحب الدابة فقال له أخرج دابتي من دارك فقال له الذي أدخلها داره حتى تضمن ما أفسدت دابتك فماتت الدابة في دار من قد أبى أن يخرجها أو أصبحت الدابة قد زجرت(¬1) وقال صاحب الدابة من ضربك زجرت وقال الذي هي في داره ما ضربت كيف ترى في هذا أيضمن أم لا؟ وكيف إن رأيت أن يضمن أيضمن قيمة الجنين أو قيمة أمه؟
فأجاب: يضمن قيمة الجنين لأنه تعدى في إدخالها في داره فما أصابها فهو له ضامن وإن كانت الدابة عطبت أو نالها في ذلك عيب في حبسها ضمن
[326/8]
[
قلت: لا نسلم أنها عطية محضة إذ لو كانت كذلك لما كانت متوقفة على إجازة ورد، وهي متوقفة، قوله: ونحن نجيب عنه بوجهين إلى آخره، نمنع أن العلة التي ذكرها هي التي علل بها الشريف في قياسه، والذي علل به ظاهر في كلامه، وهو اقتران العقد بشرط مناف، وما عارض به الغبريني قياس في مقابلة النص، فالذي يثبت به الرجوع في الوصية من الأثر هو الذي يثبت به عدم الرجوع في التدبير، فهو فاسد الاعتبار.
ش: وأما من طلق التزم أن لا رجعة له فالقول ملزوم ما التزم مما عهد في الشرع من أنواع الطلاق التي يمنع فيها الرجعة كالطلاق البت والخلع والطلاق البائن عند من أنفذه بصفته، فأمكن صرف اللفظ إلى ما عهد في الشرع نظير.
غ: قلت كلامه مردود من وجوه: الأول أن الأصل في الطلاق الحقيقة وصرف اللفظ إلى الطلاق الثاني مجاز.
قلت: قول الشريف فالقول بلزوم ما التزم مما عهد في الشرع ولم يقل
[299/9] بلزوم الطلاق، ومن المعهود في الشرع لزوم الكنايات التي لا يقع فيها ذكر مادة الطلاق بوجه فكيف يلزم مثل هذا أو يعترض عليه به؟
غ: فإن المطلق لم يدع ذلك ولا قال إنه أراد به المجاز، والقرينة تكون معينة لمجاز إذا لم تحمل الحقيقة القرينة، كقولك رأيت أسدا يرمى بالنشاب، واللفظ في مسألتنا محتمل للحقيقة والمجاز مع اقتران ما ذكرتموه أنه قرينة في المجاز إلى آخره.
قلت: استعمال المجاز في باب الكنايات في الطلاق معروف، وسبيله في الشرع عند العلماء مألوف.
وقوله: والقرينة إنما تكون معينة.
قلنا: كلامك في الكناية وهي تفارق المجاز من جهة إدارة المعنى مع لازمه، وهي لفظ أريد به لازم معناه.
فأجاب : الذي يظهر أن انتقال الملك في الدار مع إهمال ذلك الشرط في السقيفة حيث لم يذكر للمبتاع أنه من حقه على صاحب الغرفة ودخل على أنها شارعة إلى الغرفة مبطل لحقه في ذلك الشرط وموجب لبقاء السقيفة على حالها من غير هدم ، لأن البائع للدار حين باع ولم يذكر ذلك الحق قد رضي بسقوطه ، ولم يشترط للمبتاع إلا بدونه .
ولابن رشد نحو هذا في رجل كان له باب شارع إلى سكة غير نافذة فطمسه ثم وهب الدار ، فأراد الموهوب له فتحه بدون رضى أهل تلك السكة ، فمنعه ابن رشد من ذلك لأنه لما طمسه انتقل الملك بعد طمسه سقط الحق في فتحه . والسلام من كاتبه فرج . ولم أتأمل الرسوم المذكورة كل التأمل ، وإنما بنيت الجواب على مكتوبكم لعجلة الحامل وكثرة اشتغالي ، فإن كان في العقود وفي النازلة شيء يقتضي غير ما ذكرته فعرفوني .
فراجعه السائل بما نصه : سيدي ومولاي ، أبقاكم الله وأدام الانتفاع بكم . أعرفكم أني وقفت على مكتوبكم المعظم المقيد أسفل مقلوبة يشكر الله إفادتكم وبقي علي في المسألة أن بائع الغرفة وهو الوارث اعترف أنه لم يبع السقيفة من مبتاع الغرفة ،كما ذكرت لكم بمحوله ، بل قال حين انعقد البيع بينهما : تلك السقيفة لا أبيعها منك لأني أخاف أن تهدم عليكم ، بهذا شهد عليه الآن . وهذا أبقاكم الله يدل على بقاء الشرط ، وقد قال غير ابن رشد في مسألة الباب بعد أن حكى ما حكيتم بالمقلوب من أن ابن رشد منع الموهوب لها من فتح الباب ما نصه : ويحتمل أن يقال إن ذلك لها ، وكانت على هذا حلت محل الواهب ، وهو لو أراد فتح الباب بعد طمسه وقبل هبة الدار لكان له ذلك ، فتدبر هذا كله ! انتهى .
[
كتب جمال الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الأنصاري من أهل المرية(¬1) استفتاء كان أنشأه لسبب عرض له وأمل أعرض عنه بما بلغ منه ما أجمله، وذلك أنه خاطب بعض الفضلاء شاكيا بحاله، وشارحا مما ألح
[