257/1] جامع القرويين واعتمدته, ويستبين إليه أن ما نسب إلي من الغرور, قلة حياء منه ومحض باطل وزور.
قال: فلنذكر الآن ما ظهر لي في المسألة من دليل وبرهان, وما نتبعه من نصوص العلماء المشاهدة بالأعيان.
أقول: إنه لم يف بشيء مما وعد به من الاتيان بنصوص العلماء ولا عرج على شيء منها إلا الدعوى, والحيدة عن معاقد التقوى, فذهب انجاز وعده في كفالة عرقوب, وما مواعيده إلا الأباطيل.
قال: وأقيسه ظاهرة في النظر مدركة بالجنان.
أقول: لم يأت من الأقيسة التي ادعاها إلا بقياس واحد, وهو فيه بحمد الله عن الصواب حائد.
قال: مسلمة عند كل سيد حائز شرف الإنصاف.
أقول: معاذ الله أن يسلم ذلك من حاز شرف الإنصاف, وتحلى بجميل الأوصاف, بل لا يسلمه إلا جاهل مغرق, أو متجاهل مخرق.
قال: منزه بطبيعته عن التحريف والإنحراف.
أقول: التحريف والإنحراف, من بعض خلالك الذميمة الأوصاف. وكل إناء بالذي فيه يرشح.
قال: وقد كان من توفيق الله تعالى وهدايته, وإلهامه الميمون وعنايته أن شرح الصدر لتأمل هذا السؤال المذكور, وجواب ذلك الفقيه عليه فاقتضى النظر السديد بتوفيق الله تعالى أن أشفع ذلك الجواب بجواب ثان.
أقول لا خفاء بما اشتمل عليه هذا الكلام من فرحه بما عنده وطيشه به ونظر ما يصدر عنه من الخبال, بعين الرضى والكمال, وولهه برأيه, واعتماده على جودة قريحته. وستقف من كلامنا إن شاء الله تعالى على ما يكذب هذه الدعاوى العريضة, والحجج المريضة, ويوضح لك تعري نظره من السداد, وانسلاخه من التوفيق والرشاد. وكان من الواجب عليه أن يتهم
[258/1] نفسه ذات النظر السديد بزعمه والإدراك, ويتصفح المرة بعد الأخرى ما اشتملت من الرعونات المفضية به إلى ارتكاس في مهاوي الهلاك, لكن حمله الطيش والتهور, على الافتيات والتصور, من غير تأمل ولا تدبر.
وإن ألقاك فهمك في مهاو ... فليتك ثم ليتك ما فهمت
*وسئل عن رجل جرح جرحا مات منه فدمى على رجل، وقال في تدميته عليه: إن مصيبه بالجرح الذي به على سبيل العمد الذي فيه القصاص عبد الرحمن المعروف بابن عدي من ساكني قرية كانبش السفلى من قرى جيان وثبتت التدمية على نصها عند موت المدمي من جرحه المذكور ووراثته، وأن أحق الناس بالقيام بدمه أبوه وأخوه شيقه، وأقر المدعي عليه القتل أنه عبد الرحمن بن عدي، وأنكر القتل، وقال القاضي: إنه أعذر إليه في جميع ما ثبت فعجز عن المدفع في شيء منه وأنه وجه من وثق به إلى القرية المذكورة ليبحث ويكشف فهل بها من يسمى باسمه وينسب بنسبه فما وجد أحدا غيره.
[302/2]
[303/2]
من يقول يكون الصداق والمهر وقت الابتناء ، ولم يعين زمانه]
*وسئل : عمن يقول يكون الصداق والمهر وقت الابتناء ولم يعين زمنه ، هل يفسد أم لا ؟
=فأجاب قول مالك النكاح جائز ولا يفسد وهو القياس ؛ لأن الثمن يدفع عند قبض المبيع فلا يضر الاختلاف ، لأنه متى عجلت السلعة تعجل قبض الثمن ، ومتى تأخرت تأخر ، ووقع للسيوري إن لم يعرف له وقت ويختلف اختلافا كثيرا ، فالنكاح فاسد .
[من زوج ابنته وشرط عليه أن يجلبها من المهدية إلى قفصة]
*وسئل عمن زوج ابنته وشرط عليه أن يجلبها من المهدية إلى قفصة ، وعمن خالعت على إسقاط المؤجل .
=فأجاب : النكاح جائز والشرط لازم ، وعلى الأب الإتيان بها إلى قفصة والخلع جائز إذا وقع بما وصفت .
[من زوجها أبوها على صداق أخت لها قد زوجت قبلها وعلى قدر مهرها]
*وسئل : عمن زوجها أبوها على صداق أخت لها قد زوجت قبلها وعلى قدر مهرها وتوفي أبوها قبل الدخول بالثانية فوجد بعض الجهاز ، فهل يتم من متروك الأب أم لا ؟ وإذا لم يتم فهل يسقط من المهر بقدر ما بقي منه أم لا ؟
[276/3]=فأجاب : ما وجد من مال فهو للصبية ، وما لم يوجد فالقياس أن يؤخذ من التركة قدر ما تتجهز به ما يقابل المهر ؛ لأنها هبة قارنت العقد كالبياعات ، وأحب إلي تسديد الحال بينهما في الباقي ، ويبقى المهر على حاله ، ولا يصير للصبية من الرجل والميراث إلا قدر ما يقابل ما يدخلها أبوها به .
[سنية تزوجها خارجي جهلا منها ، فلما علمت طلبت فراقه]
*وسئل عن سنية تزوجها خارجي جهلا منها فلما علمت طلبت فراقه ، فقال : أرجع عن مذهبي ولم يرجع إلى الآن .
زوجته أو أراد ضربها، فهربت لبيت أبيه فتبعها ووقف على الباب فحلف بالحرام حتى تخرج، فسمعه أبوه وهو مريض لا يقدر على النهوض ولا على منعها منه إن دخل إليها، فحلف بالحرام لا خرجت، ثم بعث الأب لبعض قرابته ممن يقاوم ولده في الشر والممانعة فجاء وأمره أن يحمل المرأة لداره ولا يترك زوجها يحملها إن أراد ذلك، فحملها هذا القريب لداره، فقيل لكل من الحالفين إنكما حنثتما، فقال الأب قصدي في يميني لا خرجت أي معه تخوفا منه على ضربها! لما رأى في ولده من الحمق والغضب، وكونه مريضا لا يقدر على ممانعته لو قصد ولده حملها من بين يديه، ولذلك بعث لقريبه وأمره بحملها لداره لعلمه أن ولده لا يقدر على نزعها من يده، وقال الولد ما قصدي في يميني إلا أنها تخرج من بينت أبي، لا أنها تخرج معي لبيتي لأتمكن منها بالضرب وغيره، بل قصدي مجرد الخروج من بيت أبي، لأني كنت حلفت قبل هذا لا أدخل بيت أبي. فهل يحنثان معا؟ أو لا يحنثان لقرينة البساط الدالة على قبول نية كل منهما؟ أو يحنث الأب دون الابن أو العكس؟
فأجاب: اليمين الصادرة من الوالد والولد هي مما يقضى فيها، ودعوى كل واحد منهما إن كانت مما لا يخالف ظاهر اللفظ النية فيها. فإذا كانت ثم مراجعة وبينة أو إقرار لم تقبل نيته، وإن لم يكن ذلك قبلت نيته، وهذا يتضح بمن عرف بساط يمين الحالفين وقامت لديه القرائن المقر بها للاحتمال أو المؤدية له والله أعلم.
فأجاب: إذا ثبت أن الزوجة رضيت بالثلاثين دينارا الذهبية في الخام فهي للزوج حلال وما تزيد للخادم وقال السيد ليست مني فالقول قوله ولا يمين عليه على المشهور من المذهب والبنت عليه حرام على المشهور من المذهب في أن ولد الزنى كذلك إلى مدة لأنها ربيبة قد دخل بأمها وهي مع ذلك ملك له يفعل بها ما شاء غير الوطء وإن لم يثبت أن الزوجة صيرتها لزوجها في الثلاثين دينارا ذهبا فهو زان يجب عليه الحد وما تزيد له أو من غيره ولد زنى فهو ملك للزوجة تصنع به ما شاءت وبالله التوفيق، وكتب إبراهيم بن محمد بن إبراهيم اليزناسني لطف الله به، ونظر النساء للبنت لا معنى له ولا يجب على الزوجة الأخذ في هذا بوجه.
[277/5]
[إذا مات البائع الذي تطوع له المشتري بالثنيا]
وسئل عن رجل باع أرضا من رجل آخر واستثنى له أرضه أن متى أحضرت قيمة أرضك رددتها عليك، ثم إن البائع اشترى نصيب زوجة المشتري ثم اشترى أيضا نصيب أخي المشتري ثم اشترى من ابن المشتري قسمة الأرض ( )(¬1) في الأرض وقال لولد البائع الأرض أصلها لأبي واستثنى له التطوع فهل يثبت له التطوع كما كان لأبيه؟ أم تثبت له الشفعة بالشراء قبله؟ أو يبقى معه شريكا في الأرض؟ بينوا لنا ذلك.
فأجاب: لا يثبت لولد البائع ما كان لأبيه من الثنيا باتفاق، ولا يدخل في ذلك من الخلاف ما في الثنيا هل تورث أم لا لعلل في بسطها طول، وإنما لولد البائع الشفعة لما تقدم شراؤه، وبالله التوفيق.
أبو الفتح منصور بن عبد المنعم، نا محمد بن الفضل، نا عبد الغفار، نا- أبو إسحاق -نا- أبو الحسن -نا- حذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدرا إلى أني خرجت أنا وأبي فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمدا. فقلنا: ما نريده. ما نريد إلا المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرناه الخبر، فقال: انصرفا نفي بعهدهم ونستعين الله عليهم، فألزم - صلى الله عليه وسلم - الوفاء بعهد مكره عليه لو قدر خروجه عنه لخرج عن عهد إكراه لنصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في اليوم الذي ما رأى الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه فيه وفي يوم عرفة. فما ظنك بعهد مختار متى خرج عنه خرج إلى الفتن والحروب التي تموج كموج البحر. وهذا جهة أولوية الدلالة التي قدمناها.
هذا وإن مصالحة المسلمين ومهادنتهم تبقى على أنفسه وحرمهم وأموالهم المقصد الأعظم الذي هو دينهم فما الدنيا للمؤمن إلا مطية، فهي دون عهد مصالح مستقلة في إيجاب ابتغائها والمبالغة في طلبها وتحصيلها على كل من ولي شيئا من أمورهم. والأمانة متى وجبت عند قوم شرعا وعند آخرين عقلا فالمناط إنما هو تحصيل المصالح ودرء المفاسد، وما حرم القيام على المتغلب(¬1) من بر وفاجر إلا لرجحان مصالح الترك ودعة الكافة وعافيتهم الذي هو ثمرة ولايته على مفسدة المنازعة والمقارعة والإمهال الذي تأتي فتنته على النفس والأهل والمال والدين. فإن أهون الشرين بالإضافة خير، والبعيد مع الأبعد قريب. وقد روينا بسندنا من طريق يوسف بن عبد الرحمن الزكي، وبسندنا المتقدم إلى أبي الحسين(¬2) عن حذيفة بن اليمان يجيء الله عز وجل بالخير بعد الشر، وبالشر بعد الخير، وسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: كيف أصن إن أدركت ذلك. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تسمع وتطيع وإن ضرب
[346/6]
ونص قول ابن رشد في تكلمه عليها هذا كما قال أنه إذا قال يسكنها فله أن يستغلها, وإذا قال يستغلها فله أن يسكنها لأنه قد أباح له منفعتها في الوجهين, فله أن يأخذ منفعتها في الوجهين إن شاء بسكناه فيها وإن شاء باستغلاله إلا أن يكون قال داري لفلان على أن يسكنها أو على أن يستغلها
[288/7] بشرط فلا يكون له أن يخالف ما شرطه عليه من السكنى أو الاستغلال, إذ قد يكون له غرض فيما اشترط من ذلك عليه فيلزمه الشرط لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا" انتهى نص ابن رشد.
ووجه ثان قد ثبت في وثيقة الحبس أن المحبس عليه إن توفي وبقيت زوجه زينب سكنت الدار إلى وفاتها وتسكنها ابنته رحمة إلى دخول الزوج بها, ومثل هذا يزيد إرادة المحبس خصوصية سكنى المحبس عليه. لا يقال إن الأختين قد شهدتا وهما عدلتان فلتقبل شهادتهما لأنهما شهدتا بمال, لأنا نقول نحن إن قبلنا شهادتهما في المال فلا نقبلها إلا مع اليمين, لأن النساء وإن كثرن كرجل واحد ولا خلاف أنه لا يستحق بشهادة الواحد مع اليمين شيء من الأحباس على موصوفين غير معينين ولا محصورين.
ووجه ثالث إنا لو فرضنا قبولهما لكنا قد عطلنا ما نص عليه المحبس من إسكان زوجه الأول وابنته, وذلك ممتنع, لأن سكنى الزوجه والبنت قد ثبت بعدلين ولا يعارضه ما شهدت به امرأتان ولا يحلف معهما باتفاق كما ذكرنا, ولعل متضلعا بالفقه يقول ما ذكرتم عن العتبية قد يعارض ما في سماع سحنون عن علي بن زياد عن مالك فيمن حبس غلاما له على رجل عشرين سنة فأراد المحبس عليه أن يقاطع العبد شيء ياخذه عن الخدمة أنه لا يكون له ذلك إلا بغذن السيد, ونص كلام ابن رشد عليها. وهذا كما قال لأنه إنما خبس عليه خدمة الغلام فلا حق له فيما لا يجز له مقاطعته على الخدمة شيء منه انتهى نصه.
وسئل بعض الشيوخ عن رجل دفع لصانع ذهبا عينا برسم أن يصنع له فرنا، وكان قبل ذلك الحصار، فبقي مدة ثم طلبه فقال له نعم نعمل، فماطله به إلى أن حصرت البلد، ثم طلبه به أول الحصار فأدخله لداره فأراه بدنا غير متموم وقال له ذلك هذا ينسج فانصرف عنه وبقي أياما ثم طلبه له وهو يقول نعم فماطله فيه إلى الآن ثم طلبه له فقال له ضاع يوم الكائنة، فهل عليه ضمان أم لا؟
فأجاب: الحمد لله، الجواب أنه ضامن ما لم تقم ببينة على معاينة انتهائه في اليوم الذي زعم ضياعه فيه. هذا هو المنصوص في المدونة وغيرها في هذا الأصل. ولا خلاف أعلمه في المذهب في الضمان عند قيام البينة على التلف في عين الشيء الممنوع إذا كان مما لا يغاب عليه(¬1) إذا لم يكن التلف قد ثبت استيلاؤه على جميع أموال أهل ذلك البلد وإنما اختلف عند قيام البينة على تلف ما يغاب عليه عند الصانع من غير سبب دون تفريط ولا تضييع فالمشهور سقوط الضمان وهو اختيار غير واحد من متأخري أيمتنا لانتفاء سبب الضمان وهو التهمة وأثبته أشهب نصا في الصناع والرهن والعارية قال لأن أصل ما قبضوه على الضمان واستدل له القاضي أبوالوليد بن رشد بأن الغالب فيما يغاب عليه خفاء الهلاك وغيره نادر فأجرى الجميع مجرى واحدا حسا للباب. وذكر محمد بن المواز عن مالك القولين في الرهن وقد قال مالك في كتاب محمد إذا سرق ببينة وعلم بذلك وقال الصانع ذهب المتاع مع ما ذهب لم يصدق وكذلك لو احترق ببينة ورئي ثوب الرجل في النار يحترق
[324/8]
[
قلت: الذي أراد الشريف مما هو ظاهر من كلامه ومراده أن الموصى إذا أوصى بوصية واشترط في تنفيذ ما اشتملت عليه أن يخرج من رأس ماله فالوصية صحيحة والشرط باطل، ونظم القياس أن هذه وصية قارنها شرط مناف فوجب إبطالها بالقياس على من أوصى واشترط أن تخرج الوصية من
[297/9] رأس ماله، وإنما قلت إن الشرط مناف لأن من لوازم الوصية خروجها من الثلث كما أن من لوازمها في صورة النزاع صحة الرجوع فيها، فالملازمة ظاهرة والقياس صحيح والصورة صحيحة لا تردد في فهمها وتصورها على هذا الوجه، والصورة الذي ذكر الغبريني راجعة إلى مراد الشريف لأنها مشروطة بأن تكون مقدار الثلث، وقوله ليس على ما ادعاه من هذا الكلام دليل سوى هذا القياس لا يخفي ما فيه، وأين تمضى أدلته السابقة واللاحقة.
غ: وإن أراد بقياسه ما إذا جاوز الثلث وزاد عليه على بعده من كلامه إلا بإضمار كثير فلنا عنه أجوبة: الأول أنا لا نسلم حكم الأصل فمن العلماء من أجاز الوصية من رأس المال.
قلت: ليس كلام الشريف مما يقتضى بعد مراده لهذه الصورة ولا يحتاج إلى إضمار كما زعم والاستبعاد لا يسمع والإضمار الكثير لا يضطر إليه، ومراد الشريف ما سبق، وقول الغبريني لا نسلم حكم الأصل لا يخفي ما فيه الحمل على خصمه فالمعتد في الفروع المذهبية البناء على المشهور من أقوال علماء المذهب، فعليها يقاس، وبها يحتج، وأما الشاذ والخارج عن المذهب فلا تقع المباحثة عليه، فكيف يمنع له هذا الذي عليه مدار فتواه واعتماد قوله، وأيضا فإن الموصى هنا اشترط خروج الوصية من رأس المال، وسيدنا الخطيب بنى على مطلق الوصية فلهذا ردد النظر فيما يجاوز الثلث إن حمله، ولا يخفي ما فيه.
والقاعدة أن المرافق التي لا ضرر فيها لا يمنع منها من أراد إحداثها لأنه ينتفع هو وغيره لا يستضر . وقد اختلف العلماء في المرافق التي فيها يسير ضرر على الجار هل يقض بها عليه أو يندب من غير قضاء على قولين ، كغرز الرجل خشبة حائطه في جدار جاره . فإذا كان هذا في مال الجار مع شيء من ضرر فكيف ما لا ضرر فيه بوجه ؟ أما إن أحدث الرجل في طريق ما فيه ضرر على من يمر فيه فلا يسوغ له ذلك إلا بإذن شريكه في الطريق المتملكة كما في النازلة ، ولا يسوغ ذلك في المحجات ولا في الطريق غير المتملكة بإذن ولا بغير إذن ، لأن المنفعة غير خاصة بالاذن ، فلا إذن له على غيره .
وسئل بما نصه : جوابكم رضي الله عنكم وأعلى في العلماء درجاتكم ، وأفاض علينا من بركاتكم ، عن رجل له مسكن نازعه جاره في [278/10] مرحاض به ، فأوقف عليه أهل البصر فعاينوا بالمسكن المذكور كرسي مرحاض مبنيا قديم البناء تتصل به مجرى مبنية كذلك قديمة البناء تشق تحت الأرض إلى خندق هنالك ، وعاينوا أيضا جسرا مبينا قديما يفصل بين المجرى المذكور وبين حائط جاره المنازع فيه ، وضمن أهل البصر في شهادتهم أن ذلك كله قديم غير محدث ، إلى أن قام الآن ينازعه في ذلك ، وأثبت رسما يتضمن أن فلانة ملكت المسكن المذكور منذ سنين عشر ، وأحدثت الكرسي المذكور إذ ذاك ونوزعت فيه وأزيل ذلك بالأحكام ، ثم أثبت المنازع رسما آخر يتضمن أن مالك المسكن المذكور قبل مالكته المذكورة قبل أراد أن يحدث سربا على المجرى المذكور فنوزع في ذلك ومنع منه ، ثم قرر مالك المسكن شهيدي العقد الثاني فأتيا بغير ما شهدا به في العقد تفضلوا بالجواب مثابين مأجورين .
قلت: قال ابن الصلاح: ليس للمفتي أن يفتي في شيء من المسائل الكلامية، بل يمنع مستفتيه وسائر العامة من الخوض في ذلك أصلا، ويأمرهم بأن يقتصروا فيها على الإيمان جملة من غير تفصيل، ويقولوا فيها وفيما ورد من الآيات والأخبار المتشابهة أن الثابت فيها من نفس الأمر لما هو اللائق بجلال الله تعالى وكماله وتقديسه المطلقين، وذلك هو معتقدنا فيها، وليس علينا تفصيله وتعيينه، وليس البحث عنه من شأننا بل نكل علم تفصيلة إلى الله تبارك وتعالى ونصرف عن الخوض فيه قلوبنا وألسنتنا فهذا ونحوه عند أيمة الفتوى هو الصواب في ذلك وهو سبيل سلف الأمة وأيمة المذاهب المعتبرة وأكابر الفقهاء والصالحين، وهو أصون وأسلم للعامة وأشباههم ممن تشاغل قلبه بالخوض في ذلك، ومن كان معهم اعتقد اعتقادا باطلا تفصيلا ففي إلزامه بهذا صرف له عن ذلك الاعتقاد الباطل بما هو أهون وأيسر وأسلم. وإذا عزر ولى الأمر من حاد منهم عن هذه الطريقة، فقد تأسى بعمر بن الخطاب رضي الله عنه في تعزير صبيغ بن عسل، الذي كان يسأل عن المتشابهات على ذلك. والمتكلمون من أصحابنا مقرون بصحة هذه الطريقة وبأنها أسلم لمن سلمت له. وكان الغزالي منهم في آخر أمره شديد المبالغة في الدعاء إليه، والبرهنه عليها. وذكر شيخه الشيخ أبو المعالي في كتابه الغياثي أن الإمام يحرض ما أمكنه جميع عامة الخلق على سلوك سبيل السلف في ذلك. واستفتى الغزالي في كلام الله تبارك وتعالى فكان من جوابه:
وأما الخوض في أن كلامه تبارك وتعالى حرف وصوت أو ليس كذلك،
[