أقول قد بخثت عن أصله فألفيت لبعض المؤرخين المعنيين بتاريخ فاس أن الإمام ادريس شرع في تأسيس عدوة فاس الأندلس يوم الخميس مهل ربيع النبوي من عام اثنين وتسعين ومائة, فلما أكمل سورها بنى بها جامعا يعرف بجامع الأشياخ, وأنه شرع في تأسيس عدوة القرويين في مهل ربيع النبوي من العام بعده يليه, فلما أكمل سورهما بنى بها جامعا للخطبة وهو المعروف بجامع الشرفاء وأن الشروع في حفر أساس جامعي الأندلس والقرويين اللذين تقام فيهما اليوم الجمعة كان في عام خمسة وأربعين ومائتين. ثم لما جرى أمر زناتة بالمغرب سنة سبع وثلاثمائة أزيلت الخطبة من جامع الشرفاء لصغره. وأقيمت بجامع القرويين لاتساعه وكبره. وقيل إنما أقيمت فيه لسنة إحدي وعشرين وثلاثمائة, وهي السنة التي نقلت فيها الخطبة من جامع الأشياخ إلى جامع الأندلس, وأن ذلك كان على يد الأمير حامد بن حمدان الهمداني عامل عبيد الله الشيعي. فبان من هذا واتضح أن جامع الأشياخ هو السابق فتعين الحكم بصحة الجمعة له, ويجب على من بعدوة القرويين أن يسعوا لعدوة الأندلس لإقامة الجمعة بجامعها المذكور وقوفا مع المشهور. فلما نقلت الخطبتان من جامع الأشياخ لجامع الأندلس ومن جامع الشرفاء لجامع القرويين تعين صحة الجمعة لجامع الأندلس عملا بإعطاء البدل حكم المبدل منه, لكنهم أقاموها في كلا البلدتين قبل النقل تقليدا للشاذ المجيز التعدد بإطلاق, وأعني بالإطلاق سواء كان المصر ذا جانبين أو معناه مما فيه مشقة أو لا, أو لأحد شقي القول الثالث في المسألة واستصحبوا ذلك بعد النقل. وليس كون فاس اشتملت على جانبين بكل جانب منها مدينة بموجب استقلال كل من المدينة بخطبة, ولا بمصير كل من الجامعين عتيقا في نفسه باعتبار مدينته المنسوبة إليه, كما زعمه المعترض المذكور, لما ستقف عليه من الدليل الواضح الظهور. وبعد وقوفه على ذلك يعلم قطعا صواب ما اعتقدته, وصحة ما نزلته من الأقوال على
[
*وسئل الشيخ أبو محمد بن أبي زيد عمن وضع حجرا على حائط له ليصنع به شيئا من حبس شيئا يستره أو ما أشبه ذلك فقعد قوم تحت الحائط فهبت ريح فأسقطت الحجر على أحد القاعدين فمات.
=فأجاب: إن كان الحائط على الطريق وممر الناس فالدية على عاقلة واضع الحجر، وإن كان بعيدا نم الطريق والطريق فاسحة لا يمر الناس تحت الحائط لضيقه ولم يكن فاعل ذلك ما لا يجوز له فلا ضمان عليه ونحو
[301/2]
[302/2]
هذا لأبي العباس الأبياني، وحكى عن الأبياني أيضا أنه قال: الجناية في مال واضع الحجر.
[ تعزير المدعي عليه القتل لا يسقط حق الأولياء في القسامة ]
*وسئل ابن رشد عن رجل ادعي عليه بالقتل وقام عليه لوث أدى الاجتهاد فيه إلى التعزير المبرح، وبعد ذلك قام بعض الأولياء المقتول يطلبون القسامة باللوث ولم يكن يعلم بهم ما تراه؟ وهي مسائل عياض.
=فأجاب: لا يسقط حق الأولياء في القسامة باللوث الذي يوجبها لهم ما تقدم من تعزير المدعي عليه بالقتل.
*وسئل عن رجلين أتى أحدهما متعلقا بالثاني، وقد سقطت ثناياه، فادعى أنه ضربه بحجر، فسئل المطلوب فقال: رماني فرميته فوقع الحجر الذي رميته به بالأرض، ثم ارتفع إلى فمه ولم يزد على هذا، ثم قال بعد ذلك: وقد استفسر أن ذلك كله كان على وجه اللعب، وانكر المضروب، وقال: بل تعمدني بذلك وكيف أن ادعى المضروب أن بعض ثناياه سقطت في جوفه لمغافصة الضربة، وأنه يجد من ذلك ألما يخشى عقباه، وهي مسائل عياض أيضا.
=فأجاب: الذي أراه في هذا وأقول به فيه أن يكون للذي أسقطت ثناياه القصاص من الذي أقر بالجناية عليه بعد يمينه في الحق أنه إنما رماه متعمدا على غير وجه اللعب.
[ كيفية يمين القسامة وصيغتها عند قضاة الأندلس ]
*وسئل : عمن شهد لها نحو العشرين أو الخمسة عشر أن زوجها فلانا قد غاب لناحية ، ويخاف ضياعها وليس لزوجها مال ولا يوجد من يشهد بنكاحهما إلا من تقدم ، ولم يوجد فيهم عدل ، وهي تحب الفراق ، فهل تثبت به الزوجية ويجب الفراق ؟ وهل يكون الحكم واحدا ولو كانت مدينة فيها من العدول كثير أو واحد خاصة أو لا يكون شيء ، وفي شهادة من تقدم أن المرأة ليس لها ولي ، وفي انتقال أملاك الرباع وبيعها على من يجب بيعها عليه بما تقدم .
=فأجاب : للمرأة القيام بالطلاق ممن ذكرته ولو عدمت البينة ومن يشهد لها بالزوجية وأقرت أن فلانا زوجها ، لكشف القاضي عنه بقولها وسأل عن هذا الاسم في البلد وما قرب منه ، فإن لم يجده حكم لها بالطلاق بعد تحليفها أنه لم يكن لها منه نفقة ، ويحكم بالطلاق عليه متى جاء وأقر بالزوجية لفلان ، فكشفت عنه فلم أجده ولا أحدا يعرفه ، فحلفتها وحكمت لها بالطلاق إن ثبت أو أقر أنه زوج ، والمدن والقرى في هذا سواء ، وشهادة من ذكرت بأنه لا ولي لها ماضية ، وللقاضي تزويجها ، والأمر فيه خفيف ؛ لأن القاضي وليها وإن كان هناك غيره إذا زوج الثيب مضى ، والبكر إن لم يكن لها ولي تزوج ، ومثله لا يخفى . وأما شهادة هؤلاء في الرباع فلا أتقلد فيها شيئا ، وقد سئلت عنها غير مرة فلم أجب بشيء والضرورة لها حكم ، وقول غير العدول كلا شيء .
[275/3][من أوجب لابنته في ذمته عددا من المال واعترف أنه صرفه في شوارها]
*وسئل عمن أوجب لابنته في ذمته عددا من المال واعترف أنه صرفه في شوارها ، فسألته أن يكون قبله فأوجبه على نفسه .
=فأجاب : إذا رضي الأب بالتزام الدنانير وبمضي القش ، فهو هبة لها ويمضي الاعتصار له ، وإذا ثبت الاعتصار لم تنفع الشهادة .
=وأجاب : السيوري يلزم ما أوجب على نفسه إن شهد الشاهدان بذلك في موطن واحد ، وإن كان في موطنين ففيه اختلاف وآخذ بما بدأنا به .
[
فأجاب: إن كان الأمر على نحو ما ذكر أعلاه فقد بر في يمينه لما فعل من القلبة، إذ هي المقصود من يمينه لا غيرها (¬1).
[من غضب على ولده فحلف بالحرام لا رمى له ذراعا أبدا]
وسئل من فقائهنا أيضا القاضي أبو محمد عبد الحق عن رجل سمع من ولده ما يكره، فحلف له بالحرام لا رميت له ذراعا طول الدنيا أبدا، فهل يكلمه كما يكلم سائر الناس ويدخل الولد الدار لأبيه لرؤية أمه أو لغير ذلك كما يدخلها الأجنبي إلا أنه لا يواصله مواصلة الأبناء؟ أو يحنث إن كلمه أو دخل داره؟
فأجاب: يرجع في مثل هذا إلى نيته إن كانت له نية، وإلا نظر في بساط يمينه إن كان له بساط، وهو سببها الذي انعقدت عليه، فإن لم يكن فلينظر عرف الناس في هذا الكلام باعتبار بلد الحالف، فإن تقرر فيه عرف عمل على مقتضاه، وإن لم يتقرر عرف، الظاهر من قوة اللفظ أنه لا يواليه ولا يركن إليه ولا ينفعه بشيء البتة، وهذا المقدار كاف في سلامته من الحنث إن ثار عليه، ولا يلزمه أن يتصرف معه تصرف العدو مع عدوه، فإن تلك المنزلة أخص مما يعطيه ظاهر اللفظ. وليس فيه أكثر من نفي الموالاة والمصادقة والنفع، ولا يلزم من نفي ذلك حصول العداوة، إذ بين العداوة والصداقة مرتبة متوسطة، وهي مرتبة الأجانب كما أشرت إليه، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم. لكنه يخشى عليه في تكراره لداره لأجل ما ذكر، وكلامه إياه الوقوع في الحنث لأجل ما ركز في الجبلات من محبة الولد والميل إليه، بحيث لا يجد لما يحسه من ذلك في قلبه من بعد، فيجر ذلك إلى مالا يخفى من الوقوع فيما حلف على عدمه.
[من هربت زوجته لدار أبيه فحلف بالحرام حتى تخرج وحلف أبوه بالحرام لا خرجت]
وسئل شيخنا القاضي أبو سالم سيدي إبراهيم العقباني عمن ضرب
[302/4]
[303/4]
صداقها كما قالت ثم كتب لها رسما بثلاثين دينارا من الذهب ودفع الرسم إليها وصار مسترسلا على وطء المملوكة المذكورة مدة وكان ينزل في أعكانها أو أعاليها حيث يأمن من الولد على ما نص عليه الفقهاء، ثم إنها دخلت على بعض من جاور دار سيدها وحملت منه وولدت بنتا فلما بلغت البنت سن المحيض طرقها فساد وتخليط فقالت له زوجه زوجها، فقال لها إني لا أزوجها حتى أجد من يخدمني ويقوم بأمري مثلها، وكانت البنت راغبة في الترويج وأسندت رغبتها في ذلك بموافقة الزوجة على ذلك وتآلفا معا عليه فلما رأوه امتنع من ذلك قالت له الزوجة وإن هذه البنت تشكت بك إنك تطلبها في نفسها، فقال لها كيف يكون هذا وأمها كانت جاريتي؟ وهذا لا يحل لي، ولكن لما منعتها من التزويج الذي تشوفت له بموافقتك إياها كذبت هذه الكذبة الشنعاء التي لا يحملها العوام وأرادت حيازتها عليه والتحكم عليه في ذلك وبين هذين الزوجين شنآن قديم، فقال هو هي خادمي وملكي ولا تخرج عني من داري ولي بيعها إن شئت أو تزويجها من حر أو عبد ولا يمنعني شرع من ذلك، بينوا لنا ما الحكم في ذلك وهل يحال بين الرجل وخادمه بدعوى باطلة يدعيها الخصم بغير بينة ولا إقامة برهان والبنت تدعي أنها بكر إلى الآن؟ فهل ينظر إليها النساء حتى يعلم براءة الزوج السيد من ذلك أم لا يحتاج إلى شيء من ذلك كله؟ بينوا لنا مأجورين.
فأجاب: -رضي الله عنه- الحمد لله كثيرا. أعاننا الله وإياك على طاعته قد علمت سناد الشرع وحثه على الوفاء بالعهد ودرايته علما يغنيك عن الإكثار من أدلته. وحسبك من أدلته قوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا﴾، ﴿وأوفوا بالعهد، إن العهد كان مسؤولا﴾. وقد بين الله سبحانه ما لديه على الوفاء ونقيضه. فقال جل وعلا: ﴿بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين﴾. وقال: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانكم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾. ﴿فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنؤتيه أجرا عظيما﴾. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوفاء بالعهد في المرتبة التي تليق بعلي منصبه. ولنقصر من الأحاديث الواردة عنه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بحديث واحد لأولوية دلالته من وجوه. حدثنا محمد، نا(¬1) إبراهيم بن عمر الواسطي، نا
[345/6]
فأجاب بأن قال: ذلك منفعة للحبس لا بأس به.
[من اوصى لرجل يسكنى دار, فهل له أن يأخذ غلتها؟]
وسئل قاضي الجماعة بفاس, سيدي إبراهيم اليزناسني عن امرأة حبست جميع الدار على رجل خير من أهل الدين والفضل برسم سكناه فيها
[287/7] طول حياته ومدى عمره, فإنه قدر الله بموته وبقيت زوجته وبنته فإنهما يسكنان في الدار ما دامتا دون زواج, فإذا مات الفقيه المحبس عليه وزوجه, فتكون حبسا على شخص يرضى حاله ودينه ممن يقارب الول لسكناه فيها بطول حياته وتنتقل كذلك من شخص إلى شخص إلى أبد الدهر, ثم إن بعض من كان حبس عليه مات ورجع بعض الطلبة ممن يعرف بالدين والفضل, ثم إنه أعطاها لرجل آخر أخ المحبسة او بعض قرابتها ممن لم يجعل له فيها نظر, وصار هذا الطالب يكريها وياخذ كراءها ويسكن في دار له, فقامت الآن أختان للمحبسة المذكورة, وهما ممن يشار إليهما بالدين, ويعرفان بذلك في بلدهما, وأرادتا إخراج الدار المذكورة من يد هذا الطالب وإعطاءها لغيره ممن هو من الطلبة من أهل الفضل والدين, وقالتا: حضرنا مع أختنا حين حبست الدار المذكورة وغنما من يسكنها ويقرأ بها القرآن ويصلي بالمسجد الجامع إذ (الدويرة) قريبة من المسجد المذكور ويكون لا يجد مسكنا, واما أنت فقد كسبت الدار وسكنتها وصرت تأخذ هذه تكريها وتنتفع بكرائها, ولم يكن ذلك قصد المحبسة المذكورة وامتنع هو من الخروج منها, وقال إن بعض الفقهاء ببلده قال: إنه وجد في البيان والتحصيل أنه إذا اوصى لرجل بسكنى دار فإن له يأخذ غلتها, فبينوا لنا الحكم في ذلك مأجورين والله تعالى يتولاكم.
فأجاب: الجواب الذي قاله بعض الفقهاء بالبلد صحيح, إلا أنه قال في لفظ البيان أوصى وليست الرواية كذلك بل نصها.
وسئل ابن القاسم عن رجل قال: داري لفلان يسكنها أيستغلها؟ قال نعم هو يستغلها, إن شاء سكن, وإن شاء استغل انتهى نص الرواية.
فأجاب: أما الصناع فعن ابن الماجشون يقبل قولهم في الرد إن لم يأخذوه بشهادة إلا في الصبغ من أجل أنهم على الأمانة عنده، إلا ما ذكرته من شهادة العرف، وإنما لم يقبلوا في دعوى التلف للمصلحة العامة والمعلوم من قول مالك وأصحابه عدم قبول قولهم في دعوى الرد كالصناع. وأما السمسار يدعي بيع السلعة من رجل عينه فينكره فلا اختلاف أنه يضمن إذا دفعها ولم يتوثق منه بالإشهاد ولا يراعي هنا العرف إذ ليست من المسائل التي يراعى فيها ذلك لافتراق معانيها.
وسئل ابن زرب عمن دفع إلى خراز جلده ليعمل له خفين أو شقة ليقطع له قميصا ولم يبين له الصفة التي يعمل فيعمل صفة تشاكل مثله.
فأجاب: إن ذلك لازم له. ولو أعطى صباغا ثوبا ليصبغه ولم يعرفه باللون فصبغه لونا يشاكله إن ذلك لا يلزمه وكان ضامنا لشقته إذا لم يأمره باللون قيل له وأي فرق بين الصباغ والخراز؟ فقال بينهما فرق لأن الخفاف خرزها كلها متقارب وأما الألوان فمختلفة جدا والناس على اختلاف شديد في استحسان بعضها دون بعض وأما الخف فهو شيء واحد متقارب.
وسئل ابن لبابة عن الرجل يأتي بطعامه إلى الطحان يطحنه له فيجلس عليه يطحنه فيصفي الرحى هل على الرحوي شيء أم لا؟
فأجاب: إذا تعاهد الرحوي ولم يغفل عنه وصفى ولم يشعر بذلك
[323/8]
[324/8]فلا ضمان عليه، وإن بعد عند بناحية ولا ينظر إليه ولا يهمه أمره وصفى فعليه الضمان.
وسئل عن ضمان صاحب الفرن الخبز إذا ضاع أو احترق بتفريط منه.
فأجاب: إنما ينظر إلى كيل الدقيق الذي يعجن منه الخبز فذلك الذي يضمن صاحب الفرن. وكان يوسف بن مطروح الأعرج يعجبه تفسير هذا الضمان.
قلت: لا أدرى وجه الرد برد الجامع والفارق المجلوبين في هذا المحل ولا وجه المناسبة بين تعليل الشريف ورده على ما في هذا الكلام من عدم التحقيق، فإنه علل عدم الرجوع في الوصية بالعرف والعادة، وهذا لا يخفي على المتأمل ما فيه، وإن كان مسبوقا بهذا التعليل، والفرق بين الوصية والتدبير، من قسم العسير، ولا يكاد يظهر بينهما فرق معنوي سالم من الانتقاد ولا عن الاعتراض وليس إلا الفرق بالحكم والله أعلم.
غ: في قول الشريف هذا والوصية قد قارنها السلف جر نفعا إن ثبتت
[296/9] المقارنة أعذر فيها إلى من يجب له الإعذار، فإن لم يكن عنده مدفع فذلك قادح في الوصية.
قلت: الأجوبة إنما تجرى على ظاهر الألفاظ فالمعمول عليه ما اقتضاه ظاهر السؤال، ودعوى خلافه دعوى، ونص السؤال كما ترى وذلك السلف أسلفه إياه، فلا شك أن ظاهر هذا التعليل الاقتران، وهو صريح في تعليل الفساد.
ش: فإن قيل اشتراط أن لا رجوع لا ينافي الوصية، إذ هو تأكيد للقصد منها، وأما الرجوع فالمشروع لا بالقصد بل بالعرض، تلافيا عند الندم.
قلت: جواز الرجوع جعل شرعا من لوازم الوصية حتى لم يعهد في الشرع وصية لا تقبل الرجوع، وكونها تأكيدا لغرض الموصى لا ينفي كونه منافيا لحكم الشرع في الوصية كما لو أوصى واشترط إخراج الوصية من رأس المال.
غ: قوله جواز الرجوع جعل شرعا من لوازم الوصية دعوى ممنوعة وبتقدير صحتها لم قلتم إن هذا اللازم لا يجوز تغييره لا بد له من دليل، حقه أن يقال هذا اللازم المؤكد للقيد والدليل الذي طالبه المعترض سبق للشريف ويأتي.
ش: كما لو أوصى إخراج الوصية من رأس ماله.
غ: ليس ما ادعاه من هذا الكلام من دليل سوى هذا القياس وفي تصور كلامه نظر، لأن الموصى إذا قال أوصيت لفلان بكذا من رأس مالي فهذا نقول بصحته ونفوذه إذا كان مقدار الثلث فأقل، لأنه لا يكون متروك متمول إلا وله ثلث تلك الوصية فيه ما كان بقياسه فنقول بموجبه.
فأجاب : وقفت على السؤال قبل هذا ، والواجب بقاء ما ثبت من السقي في الثلاثين سنة على حاله ، وأن لا مقال للقائم في تغييره ولا في نقله . وما ذكره من أن السقي فيها إنما كان من جوانب البخت دعوى منه تفتقر إلى الثبوت ، ورسم الاتفاق مؤذن بالشركة واعتراف بها . والشهادة على خطوط الاسترعاء لا عبرة بها إذ لا شهادة بخطوطهم ، ولأن الثبوت والقبول لم ينحصر في جهتهم ، ولأن الحكم بشهود الاسترعاء لا يحصل ولا يستقيم إلا بالاعذار فيهم . وقد اشتهر الخلاف في الشهادة على خطوط العدول المنتصبين [277/10] المبرزين ، فكيف بخطوط عوام المسلمين ! والحكم ببقاء الأمر في ذلك على سننه خلي مما حكاه السائل في سؤاله . ولم يسعني نظر العقود التي أحال عليها في السؤال لكثرتها ومشقة تأملها . والذي حكاه السائل هو الذي اعتمدت عليه في حكمها ، والسلام على من يقف عليه من كاتبه فرح .
[المرافق التي لا ضرر فيها لا يمنع منها من أراد إحداثها]
وسئل عن شخصين لهما مدخل لملكين لهما مشترك بينهما ليس بمحجة للناس ، أراد أحدهما أن يصنع فيه سربا لسقي موضعه مغطى بالحجر بحيث لا يضر ، فنازعه الآخر .
فأجاب : وقفت على السؤال المكتتب ، والحكم في ذلك جواز ما أراده أحد المالكين المذكورين من إحداث ساقية مغطاة بالحجر بحيث يؤمن ضرر الطريق جملة بإحكام بنائها وتغطيتها ، إذ قد وقع في كتاب ابن حبيب ما نصه : قلت لمطرف وابن الماجشون : الكنف التي تتخذ في الطريق يحفرها الرجل بلصق جداره ، ثم يواريها هل يمنع من ذلك ؟ قال لا إذا واراها وغطاها وسواها بالطريق حتى لا يضر مكانها بأحد . انتهى .
275/11] وإذا صح أنه غير متحيز ولا مفتقر، دل أنه ليس له جهة تلاصقة وتتصف به حتى تضاف إليه تلك الجهة، بل هو قائم بنفسه غير مفتقر إلى محل من مكان أو زمان وهو خالق المكان والزمان، فكيف يكون مفتقرا أو محتاجا إلى ما خلق بعده، بل جميع الخلق محتاجون، إليه راغبون في فضله وخائفون من عذابه وانتقامه. ولم أقدر أعزكم الله على بيان تلك المسألة بأقل مما رسمته لكم فعسى أن يشفي به ما في أنفسكم بمنه وكرمه وعسى أن يكون في ذلك ذكر لغيركم. وموعظة بفضل الله وجلاله انتهى.