ثم قال السائل: فهل رضي الله عنكم تستصحب تلك الحالة التي كان الشرع لا حظها إذ ذاك, وكما انتفى الخلاف عن ايقاع الجمعة حينئذ بالمدينتين ينتفي الآن عملا بأصل التأسيس واستصحابه؟ أو العلة تدور مع معلولها وجودا وعدما؟ ثم أورد أسئلة على القول بأن الجمعة للأندلس لا حاجة لنا نحن بإيراد ذلك.
وكان حاصل جوابي عن ذلك أن مشهور الأقوال عدم صحتها في القرويين لكونها ثانية, وأن الجمعة لا تصح في المدرسة العنانية من فاس والحلوية وجامع القصر من تلمسان إلا على قول خارج المذهب.
وأما نقل المعترض المذكور ما ذكرناه من أن المشهور عدم صحتها في القرويين لكونها ثانية, قال ما نصه: وتبع يعني المجيب, في ذلك ما قاله
[256/1] العلماء وشيوخ المذهب المحققون قبله في الجمعة الثانية, ونزل هو رحمه الله ما قاله هؤلاء العلماء والشيوخ على جامع القرويين على أنها في اعتقاده ثانية, وأن العتيق هو جامع الأندلس. وكأنه اعتمد في ذلك على ما في السؤال, والاعتماد على ما في السؤال دون بحث على أصله غرور. انتهى.
*وسئل عمن ذهبت له حوائج وقرأ في دقيق وأخذ يطعمه ناسا اتهمهم وكانت فيهم
وكانت فيهم امرأة حامل، فقالت: إن أطعمتموني منه فأنا أموت، فطعمت منه فماتت.
=فأجاب: إنه ليس عليه إلا الأدب.
لأ من زلق في ماء الرش فمات.
*وسئل بعضهم عن حمال زهق بركية كتان في رش فسقطت عليه فمات.
=فأجاب لأن الضمان في ذلك على السقاء لا على الآمر.
[300/2]
[301/2]
[ من أمر بقتل آخر قتل به المباشر لا الآمر ]
ويقوم بذلك من كتاب الديات فيمن أمر رجلا بقتل آخر فإنه يقتل به المباشر لا الآمر، ويقوم أيضا من كتاب الجعل فيمن استؤجر على قتل، وإن رش فناءه تبردا أو تنظيفا فيزلق به أحد فيهلك به فلا ضمان، قاله في المجموعة، وفي هذه دلالة على منع الرش المؤذي في الأسواق والجواز بالحطب وغيره في محل الضيق وكثرة الناس، والمرشد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: « بنصالها خشية أن تخدش مسلما » وبه يتمسك في سد الذرائع.
[ من أوهم صاحبه أنه سارق فرماه فقتله ]
*وسئل وبعض القرويين عن مسألة نزلت بالقيروان وهي أن رجلين كانا يحرسان بالليل فقام أحدهما عن الآخر وأتاه لما رجع إليه في صورة السارق على وجه اللعب، وأشار إليه بالسيف فطعنه صاحبه لاعتقاده أنه سارق فقتله.
=فأجاب: بأنه دمه هدر.
=وأجاب أبو عمران بأنه على العاقلة كالخطا،
*وسئل عيسى بن مسكين عن رجل كان واقفا على جدار فرماه رجل بشيء فحاد عن الرمية فسقط فاعتل فمات.
=فأجاب: بأن لورثته القتل بعد أن يحلفوا بالله خمسين يمينا لمن رميته سقط، ومن سقطته مات، وذكر ابن عرفة رحمه الله أنه أجرى بتونس نحو هذا، وذلك أن الشيخ ابن علوان سئل عمن صاح برجل فالتفت إليه بأعلى الحائط فسقط فمات أنه دمه هدر، وليس مثل هذا من جناية الخطأ.
=فأجاب : الدخول يسقط عن الزوج الصداق ويحلف على ذلك ويبرأ ، أو يحلف العم أنه ليس عنده من النقد شيء ويبرأ ، والشأن أن النقد تشور به الزوجة ولا يحبسه وصي ولا غيره ، بل يرغب في الزيادة عليه ، ولو أمسكه الوصي أو غيره لم يخف ذلك على البنت ، وقد يشتري به الزوج ولا يصل إلى يد الوصي أو تجعل أخاها يشتري لها ذلك .
[من تزوج امرأة وبنى بها ثم توفيت وورثها إخوتها وأمها وزوجها ثم توفيت الأم]
*وسئل : عمن تزوج امرأة وبنى بها ثم توفيت وورثها إخوتها وأمها وزوجها المذكور ، ثم توفيت الأم فقام الأخوة يطلبون الزوج بحظهم من الصداق ، فأثبت الزوج دينا على القائمين عليه وعلى أمهم ، ودعا إلى المقاصة ودعاهم إلى التحاصص .
=فأجاب : إذا كانت السكة من الجانبين فما طلبه الزوج حق من وجوب المقاصة ، وإن كانت التي عنده دون من الذي له ، فله المقاصة أيضا ، وإن كانت أعلى أخرجها ودفعها لعدل ، فيبيعها ويشتري منها ماله عندهم ولا يمكن الأخوة من تبعته .
[من تزوج صبية واستكتم الشهود في نكاحها ، ثم أوقع عليها طلقة]
*وسئل عمن له زوجة وولدان وأنثى وهو مليء فزوج الولدين ولم يدخلهما بيوتهما وتزوج هو صبية بمائة دينار فعقد نكاحها في داره والأبواب مغلقة واستكتم الشهود وأراد استكتامه حتى يدخل الولدان لئلا يشغل قلب أم ولده ، ثم بقي أياما كذلك ففشا وظهر فأوقع عليها طلقة ، فهل هذا النكاح صحيح فيلزم الطلاق ونصف الصداق ، أو فاسد فيلزم واحد منهما ؛ لأنه وقع على الاستسرار .
[274/3]=فأجاب : الصداق لازم للزوج ، واختلف في صحة هذا النكاح ، فقيل جائز ، وإن النكاح السري المنهي عنه ما عقد بشاهد واحد ، وإذا عقد بشاهدين فليس عليهم أن يخبروا الناس ، ولا يحضر أكثر من شاهدين .
[من شهد لها نحو العشرين بأن زوجها فلانا غائب ويخاف ضياعها ، وليس فيهم عدل]
وسئل عمن خطب امرأة من أخيها فأعطاه إياها واشترط عليه أخوها السكنى معه في داره، ثم اشترى الرجل دارا لنفسه وسكن بها في داره برضاها ورضى أخيها. ثم بعد ذلك بمدة وقعت بينهما مكالمة فأرادت السكنى في دار أخيها فحلف الزوج بالطلاق الثلاث لا سكنت مع أخيك إلا أن يسكنني معه شرع محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) وإن أسكنني الشرع معه تسكن أنت ولا أسكن أنا لأجل السكنى التي اشترطها أخوك علي. ثم سافر الزوج وتركها مقيمة في داره، فمرض أخوها فمضت إلى داره بقصد الزيارة ورفعت معها حوائجها خوفا من السرقة، فأتى الزوج من سفره فوجدها في دار أخيها وهو مريض، فمشى إلى دار أخيها فأتى إليها ثانية وأقام معها خمسة أيام، ثم طلبها في الرجوع إلى داره فامتنعت، فهل على الزوج المذكور حنث أم لا؟
فأجاب: إن كان بقاؤها عند أخيها على وجه السكنى لا على وجه الزيارة فقد حنث، وإن كان على وجه الزيارة ولم يزل عليها فلا حنث إن بادر في إخراجها قبل أن يصير مقامها سكنى. والله أعلم.
[بدوي قلب ولده جديا فحلف بالأيمان أن يفعل بالولد ما فعله بالجدي]
وسئل سيدي علي بركات المازوني (¬1) من فقهاء الجزائر عن رجل له ولد صغير لم يبلغ الحلم وجديان معه صغار يرعاها، فضرب الولد جديا من تلك الجديان فقلبه وذلك على عين أبيه، فغضب لذلك وحلف بالأيمان تلزمه ليفعلن بولده مثل ما فعل بالجدي، فضرب ولده وقلبه، فلبث الولد في تلك القلبة ساعة من النهار وأفاق من قلبته. ولم يفق الجدي من قلبته بل مات، وكانت نية الحالف إنما هي أن يقلب الولد مثل ما قلب الجدي، ولم ينو أن
[301/4]
[302/4]
يقتله إذا مات الجدي، لأنه لا يعلم أن الجدي يموت من ذلك. فهل تنفعه نيته تلك أم يقع عليه الحنث في الزوجة وغيرها؟
قدر قوة التهمة أو ضعفها، فإن أقر على دعواه استحلف أنه خرج من يده بالبيع، فإن حلف خير ربه بين إمضاء بيعه وأخذ ثمنه أو اغرامه القيمة وترك الثمن، وإن لم يثبت عليه تعديه وإنما زعم أنه ضاع له فلا يؤدب بل يستحلف ويغرم قيمته لأنه مما يغاب عليه، وأما قوله لمن قال لا يقول هذا مسلم فإن كان قاله في أمر يجب عليه فيه الأدب فإنه يزاد في أدبه لتبديله الشرع ولحق المقول له ذلك، والأدب فيه على قدر القول والمقول له ذلك، وإن قاله في أمر لا يحب عليه في أدب كان أدبه أخف أو يتجافى عن أدبه، والمفهوم من مقاصد الناس في هذه المبالغة في التجهيل والتجري على الدين لا الحقيقة، وبالله سبحانه التوفيق.
[مسألة في الحيازة]
وسئل الفقيه أبو عبد الله بن عبد المؤمن عن رجل اشترى ملكا وهو عرصة من ثلاثة إخوة وبقيت في يده مدة من نحو ثلاثين سنة إلى أن مات وبقيت بيد وارثه مدة أخرى نحو المدة المذكورة إلى الآن فقامت امرأة وهي أخت البائعين المذكورين فطلبت ميراثها من العرصة المذكورة مع الغلة والأخوة البائعون رفعوا مرجع الدرك من كل قائم يقوم والمرأة المذكورة حاضرة مالها بعد ولا سمع منها أحد كلاما حتى لهذه الساعة أفتنا يرحكم الله ماذا يلزم في الغلة وغيرها؟
فأجاب: أكرمكم الله تعالى لا مقال له ولا يلتفت إليها حتى يبع (كذا) ولم تتكلم هذه المدة.
[من اشترى أمة فطلبت منه زوجه أن يكتبها لها في صداقها ثم يفعل بها ما أحب]
وسئل القاضي أبو سالم سيدي إبراهيم البزناسني عن رجل اشترى مملوكة وأدخلها داره، فلما رأتها زوجة قالت له أنا لا أبقي مع هذه بدار واحدة ولا في عصمتك إلا إن كتبتها في صداقي وشهد بها العدول أنها لي من جملة الخدام التي لي عليك فإني أردها إليك تفعل بها ما أردت وكتبها في
[276/5]
أدام الله لكم الإمتاع كما جعل بكم ومنكم الانتفاع. جوابكم عن شأن سلطانين من سلاطين المسلمين، وقعت بنيهما موافقة ومصالحة، على شروط اقتضتها الآراء الراجحة، وأكدتها العدول والأيمان، والمواثيق التي أحكم أحكامها الإيمان. ومن جملة الشروط المذكورة، والربوط المقصورة على الوفاء بحكم العهود المأثورة، أن كل من اختص بأحد الجانبين، وانضاف إلى السلطانين، لا يعرض له الآخر باستمالة، ولا يستدعيه إلى جانبه بكتب منه ولا رسالة، وأنه لا يقلبه ولا يخدمه إن وصل إليه، ولا يبيح له رسالة قبل الوصول إليه والقدوم عليه. ثم إن أحد السلطانين المذكورين كتب إليه أحد خواص السلطان الآخر، وأحد قواده وعماله، على طائفة من بلاده، يعرفه بإرادة القدوم عليه، وإيثاره الانخراط في سلك من انطوى
[344/6]
إليه. ورغب منه الإذن له في جوابه عن كتابه بوصوله هو ومن يختص به من أحبائه وحاشيته وأوليائه إلى بابه.
فأجاب ذلك السلطان برسالة بخط أخص كتابه، تتضمن الإسعاف بمقتضى مطالبه، وتفصح بأن لديه له ولمن يصل معه من قبله من القبول والإحسان والأفضال أضعاف ما في حسابه، وبالغ في استدعاء ذلك الخديم إلى بابه، وحضه على المبادرة إلى الاتصال بجانبه.ثم بعد ذلك وقعت من سكان أطراف بلاد هذا السلطان الآخر المستدعي بكتابه الخديم المذكور، غارات على سكان أطراف بلاد السلطان الآخر الموالين لهم فاستولوا فيها على الأموال وتجريد النساء والرجال. فهل يعد أعزكم الله ما ذكر آنفا في جانب من فعله من السلطانين المذكورين خروجا عن مقتضى العهد، ودفعا في صدر الحب الخالص والود؟ وهل يناله الحنث بسبب ذلك أم لا؟ فالغرض الجواب بما يوضح لنا سبيلا والسلام علكم ورحمة الله وبركاته.
وسئل عمن توفي وخلف أرضا وعقارا وادعى عليه بدين فبيع ذلك واشترى وقضى عنه دينه, ثم حبس فقام قائم وادعى أن ما بيع وحبس على قوم معينين وعلى أعقابهم ماله وملك له, وليس للمالك فيه شيء, فترافع القائم والمحبس عليهم إلى من له النظر في الأحكام الشرعية, فطال خصامهم, ثم صولح بينهما بأن أخذ القائم مما ادعاه مالا وملكا له مقدار ثلاثة أرباع الحبس المذكور, وسلم للمحبس عليهم مقدار الربع من ذلك, فهل ياسيدي ما سلم فيه القائم يبقى على حكم الحبس وحرمته من عدم
[286/7] التصرف فيه بالبيع والهبة وغير ذلك أم لا؟ ويبطل حكم الحبس فيما بقي, بينوا لنا ذلك بينا شافيا.
فأجاب: الجواب ان ما أخذه القائم بملكية الأملاك المحبسة في الصلح على دعواه يكون مطلقا وملكا للقائم على حسب دعواه. وأما ما أخذه المعترفون بالحبس في الأملاك المذكورة المقوم عليهم في صلحهم المذكور فإنه يكون حبسا لا مطلقا حسبما اقتضت ذلك دعواهم, واوجبه اعترافهم فلا يرفع ما اوجبه اعترفهم وحكم به إقرارهم قيام القائم المذكور, والله سبحانه أعلم وقد نبه الموثقون على الحكم في المسألة حيث تكلموا على وثيقة الصلح في الحبس من كتاب الأحباس والله تعالى أعلم.
وسئل سيدي عيسى بن علال عن رجل له خمسة أسداس في جنان بتازى, وسدس الجنان المذكور حبس على المساجد وغلة الجنان المذكور لا تفي بما يلزم في خدمته فصار السدس المحبس منه لا ينتفع به, فهل يجوز بيعه وتعويضه بما هو أغبط للحبس وتصير له منه فائدة وغلة أم لا؟
فأجاب بأن ذلك جائز وعليه العمل, والمسألة منصوصة في طرر ابن عات وحكى عن الواضحة.
[لا بأس بصنع الرفاف في المسجد]
وسئل عن المرافع تعمل في المساجد ليعمل عليها الناس أحفافهم ونعالهم, هل يعمل ذلك من مال الحبس أم لا؟ وكان السائل عن هذه الجزيئية(¬1) الأستاذ أبو زيد الجادري.
فأجاب: بأنه يغرم لوح العجين ما دام العجين فيه، فإذا زال العجين فلا ضمان عليه فيه فإن قالت الحمالة التي تذهب بالعجين إلى الخباز ردته وقال أربابه لم ترد إلينا شيئا فالقول قول أرباب العجين وهم ضامنون لأنهم حملة الطعام وإن كانت العادة أنها ترد بالإشهاد وكذا لو قالوا وصلناه إلى الفران وقال الفران لم يصل إلي شيء فعليهم الضمان فإن كانت العادة أنهم يشهدون لأن كل ضامن أبدا إذا ادعى الرد لم يقبل قوله كالصانع والمستعير والمرتهن، وعكسه المودع والمقارض والمستأجر يقبل قولهم كما إذا ادعوا الضياع وكالمرأة تكون حاملا ولها زوج فتقول هذا الحمل من فلان غصبني أنه يقبل قولها كما تصدق لو قالت هو من الزوج ولو كانت لا زوج لها إذا ظهر بها حمل تقول غصبت لا يقبل قولها وهذا أبين.
[من دفع طعاما لرحوي على أن لا يطحنه إلا بمحضره فضاع]
وسئل ابن زرب عمن دفع طعاما إلى طحان فقال لا تطحنه حتى نشاهد طحنه ثم ذهب عنه.
فأجاب: لا ضمان عليه في الذهاب لأنه لم يسلمه إليه لهذا الشرط. قيل هذا مخالف لما حكى عن ابن يونس عن بعض القرويين إذا حمل الطعام في السفينة ثم انقلب عليه حتى يقلع المركب فيركب مع طعامه فضاع فيما بين ذلك فإنه يضمنه وكذا فيمن أعطى طعامه لحمال على أن يلحقه فلم يلحقه فادعى ضياعه يضمنه الحمال.
[322/8]
[323/8][الصناع يدعون رد المتاع إلى أربابه]
وسئل ابن رشد عن الصناع يدعون رد المتاع على أربابه والسماسرة يدعون بيع المتاع من تاجر وينكر المدعى عليهم ذلك، والعادة جارية في هذا الزمان بعدم الشهادة على رد المتاع للتاجر هل يرتفع الضمان لشهادة العادة لهم بالرد كقبول قول المشتري للطعام في دفع ثمنه إذا شهد له العرف بذلك وكدعوى أرباب المتاع دفع الكراء إلى المكترين بعد طول يشهد لصدقهم وشبهه مما يصدقه العرف والضمان لازم له بكل حال؟
قلت: إن من أعجب الأمور أن يأتي الخصم بما يقوم به الدليل عليه، وتلزم به الحجة عليه، ويقر خصمه بما يرفع عنه نزاعه فلو جلب الشريف هذه الصورة وما بعدها من الفروع المشاكلة لها لكان جاء بفروع جارية على مقتضى دعواه شاهدة له وأصول محكمة لقياسه تدل على بطلان الشروط التي تنافي الأحكام ومقتضاها، فإن مقتضى الكتابة أن يحرر المكاتب نفسه وماله، وهذه الشروط تنافي هذا الحكم، ولعل هذا من سيدنا الفقيه غفلة أخرى.
[295/9] غ: الرابع أن قوله لإمكان صرف لفظ الوصية إلى معنى التدبير على طريق الاستعارة لقرينة الالتزام فإن العتق يقبل الأمرين قول من لم يحقق ما قال أئمتنا، فإنهم رأوا أن التدبير عتق موقوف على الموت لخروجه من الثلث، والوصية بالعتق موقوفة تخرج من الثلث، والتدبير لا رجوع له فيه، والوصية بالعتق يجوز له فيها الرجوع، فلزمهم الفرق بينهما فقالوا التدبير وصية التزم فيها الموصى أن لا رجوع لعادة عندهم في ذلك وعرف ولزمه ما ألزم نفسه من ذلك، فلزمه أن يقول ذلك في جميع الوصايا التي التزم فيها عدم الرجوع، وسوى بينهما في الحكم فليس الوصية الملتزم فيها عدم الرجوع محمولة على التدبير بطريق الاستعارة كما ظن بل هما من باب واحد، علتهما واحدة كما بيناه.
قلت: تقرر أن كلام الشريف فيما أورده عليه الغبريني مقبول لما استدل على صحة الرجوع في الوصية وبطلان الشرط المنافي لها والمغير لحكمها، استشعر ورود ما أورد على نفسه، فأراد أن يبدى فارقا وقال هذا بخلاف ما لو أوصى إلى آخره، وتقرير الفارق أن هاتين الصورتين الموردتين منع من حملهما على حقائقهما الشرعية اقتران صورتهما بالتزام المخرج لهما عن معناهما الحقيقي بخلاف صور النزاع، فإن العتق يقبل الأمرين الوصية والتدبير، وهذا كلام صحيح جار على الاصطلاح، فاندفع ما أورده عليه.
الغبرينى: هذا قول من لم يحقق قول من قال من أئمتنا إلى آخره.
وسئل عن قرية تأجلة أرحبة بعل ، وكان فيما سلف لرجل واحد فتوفي وأحاط بميراثه أولاده ، وانتقل من قوم إلى قوم وجهلت قسمة البعل ، وكان من له موضع في القرية يدعى بينهما من البعل .
فأجاب : الحكم في ذلك أن ما ثبت عليه من ذلك البعل ملك ببينة فهو لمن ثبت له ، وما لم يثبت عليه ملك وهو تحت يد الانتفاع والاستغلال فهو تحت تلك اليد لا ترفع عنه بدعوى غيره فيه ، وما لم يثبت عليه ملك ولا هو تحت يد أحد وادعاه قوم قسم بينهم بعد أيمانهم ، وإن لم يدعه أحد فهو مرفق مشترك بين أهل تلك القرية يرتفقون به . ومن سبق منهم إلى منفعة فيه كانت له حتى يستوفيها ، قاله فرج .
وسئل عن أرباب أملاك ادعوا أن سقي أملاكهم ( ) (¬1) منذ أزيد من ثلاثين سنة وهي الآن تحت ملاك ، زعم خصمهم أنها ماله وملكه لا حق فيه لغيره وأن سقي الأملاك المذكورة في المدة المحدودة كان مما يفيض على جانب البخت المذكور من الماء الداخل عليه لا يفتح فيه لسيقها ، واستظهر على سقيه للبخت المذكور برسم يتضمن ذلك توفي شهوده قبل إثباته عند الحاكم وشهد على خطوطهم فيه .
274/11] الحوادث وأما الوسوسة بحلوله في المكان فباطل، لقيام الدليل على أنه خالق المكان وأن ما سواه من الموجودات محدث، فإذا قال لك الشيطان إنه في مكان من الأماكن، فرد عليه بأن المكان لا بد أن يكون صانع الأشياء هو خالقه أو غيره، فإن جوز أنه خلق لغيره فقد أشرك، وإن قال إنه من خلق الله فلا بد أن يكون الصانع مستغنيا عنه ثم صار بعد ذلك مستقرا في ذلك المكان، فقد جوز عليه الحركة والانتقال والحلول في الأماكن المحدثة، وذلك عليه محال كما قدمنا.
وإن قال إنه لم يكن مستغنيا عنه في الأزل فهذا أيضا باطل قطعا وأقبح من ذلك كله، لأنه يلزم منه أن يكون المحل متقدما على من يستقر فيه، والمكان شرط وجود صانع المكان، فهذا أنزل من أن يتكلم به لأنه من حيث إن المكان مصنوع فلا بد أن يكون الصانع متقدما عليه وإذا كان المكان محلا للصانع فلا بد أن يكون المكان متقدما عليه مهيئا لمن يحل به ويستقر فيؤدي ذلك إلى نفي وجود الصانع والمصنوع رأسا ومعلوم ان المصنوعات موجودة، ولا بد لها من صانع يتقدم غير مفتقر إلى محل يستقر عليه أو فيه. وإذا بطل افتقاره إلى محل صح أنه غير متحيز، لأن المتحيز لا بد أن يشغل ساحته من الأماكن، ولا بد أن يكون قدر المكان أو أزيد منه فيؤدي إلى أن يتحيز أو ينقسم، لأن كل ما يقبل الزيادة والنقصان جاز انقسامه، وهو يتجلى أن تجوز عليه ما يجوز على سائر الأجسام من الانقسام، وهو أحد التأويلات في معنى قول الله أحد، قيل إنه أخبر عن ذاته بأنه لا يتجزى ولا ينقسم. ويتجلى أن يجوز عليه صفات النقص وصفات الزيادة إذ لو جاز ذلك لم يعر عنها وهي حادثة، وإذا صح أنه لا يجوز عليه التحيز علمت أنه لا يجوز لك أن تعتقد أنه في جهة، لأن الجهات إنما تتسبب لمن افتقر إلى محل. فإذا استقر في محل وصفته، فإن لك جهات شتى. وإذا لم يستقر فيه أحد، فتضاف إليه جهة من الجهات، وكذلك القول في جواز التحيز.
[