نسأله سبحانه أن يتم نعمة الإسلام علينا والإيمان, وأن لا يرفع ستره الجميل عنا ولا يؤاخذنا بما فعلته السفهاء منا, وأن يرزقنا حسن الخاتمة, ويثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة بمنه وطوله.
فإن قلت: لعله يعتي بالمجيب في كلامه غيرك ممن أجاب عن المسألة كالفقيه أبي عبد الله السنوسي المذكور, أو غيره ممن لا علم لك به ولا شعور, فيكون مقاله حقا وإخباره صدقا.
[255/1] قلت: جلبه لكلامي بعد وتوجهه بالاعتراض عليه يأبى من ذلك ويعفر في وجه من سلك في الاعتذار عنه هذه المسالك.
قال: فلنذكر أولا لفظ السؤال ثم جواب ذلك الفقيه رحمه الله تعالى عليه ثم نذكر دليلنا عليه إن شاء الله تعالى.
أقول إنه اورد هنا السؤال المذكور وجوابي عليه, ولكنه اختصرهما اختصارا سلك فيه بزعمه طريق التقوى والانصاف, واعتمد فيه وجازه اللفظ وعدم التكلف والاعتساف. ولا حاجة لنا نحن بايراد ذلك حرفا حرفا لما يؤدي إليه من الإطالة, الموجبة لحصول السآمة والملالة, ولأن القصد الأهم والغرض الأكيد إنما هو التنبيه على ما اشتمل عليه ذلك الرد من الإلباس والتمويه, ولكن لابد من ذكر ما تمس له الحاجة من ذلك وتدعو إليه الضرورة فنقول: إن الذي وقع عنه السؤال إيقاع الجمعة بجامع القرويين, هل يمكن على وجه. يكون مشهورا في المذهب أو راجحا أم لا؟ وذكر السائل في سؤاله أن فاس كانت ذات جانبين, بكل جانب منها مدينة مستقلة بسورها وامعها الأعطم, وبين المدينتين نهر حاجز, والفتن كانت تقع بينهما غالبا. ثم إن بعضض ماستولى على المدينتين صيرهما مدينة واحدة ونصب على النهر الحاجز قناطر تأليفا لقلوب أهل المدينتين ورفقا بهم.
فإن قيل: إن المسألة النازلة كالمسألة التي لم يدر القاتل منهم وأنبهم فعلى تقدير صحة ذلك فالخلاف في المسائل المتقدمة موجود، حكى أبو الوليد بن رشد رحمه الله في مسألة من قتل رجلا فهرب واقتحم بيتا فيه رجلان عن سحنون أن لا شيء عليهم من الدية،لا فالمستحسن من القولين أن لا دية عليهم، ذكر اللخمي حين تكلم على ما إذا اختلفت شهادة الصبيان قال: وقد اختلف في هذا الأصل في الرجال، فقال: فيمن قتل رجلا ثم اختلط بآخر فقال: كل واحد منهما لصاحبه أنت القاتل فقيل: لا شيء عليهما، وقيل: الدية على عاقلتهما والأول أحسن، لأن عاقله أحدهما بريئة، فإذا جعلت الدية على العاقلتين كانت إحداهما مظلومة قطعا، فانظروا حفظكم الله في ذلك كله وأشيروا علينا بما نعتمد عليه في ذلك من إشارتكم الراجحة وآرائكم الناجحة، والله سبحانه يبقيكم بقاء جميلا، ويكون لكم حافظا وكفيلا بمنه والسلام الأتم يعتمد جلالكم الأسمى وحرمكم الأحمى ورحمة الله تعالى وبركاته.
[299/2]
[300/2]
[ من أدخل أعوان ظالم على حبلى فأسقطت ]
*وسئل ابن عرفة عن رجل أدخل على امرأته خدمة ظالم فاختلعت فأسقطت.
=فأجاب: بأنه تلزمه الغرة انتهى، فعلى هذه الفتوى لا يكون الضرب شرطا في وجوب الغرة.
[ موت الصبي بين أبويه في الفراش ]
*وسئل ابن عبد السلام عمن نام مع امرأة في لحاف واحد فأصبح الولد بينهما ميتا لا يردي أيهما رقد عليه.
=فأجاب لم أر فيها نصا، وعندي أنه هدر، قيل لابن عرفة: فما رأيكم فيها؟ فقال: رأي فيها كرأي ابن عبد السلام، وتؤخذ من قوله في ديات المدونة ولا يدري من قتله.
[ من جعل سما في طعام فاحتال المجعول له فأكله الجاعل ومات ]
*وسئل ابن عرفة عمن قدم لرجل طعاما وجعل السم فيما يلي الرجل وقد علم الرجل بذلك فاستغفل صاحب الطعام وأدار موضعه لما بين يديه فأكل فمات.
=فأجاب: بأنه يقتل به.
رجل من أهل القرآن تزوج بكرا وأبوها وأخوها من أهل القرآن وطلب العلم ثم ظهر أن الزوج يشرب الخمر]
*وسئل الشيخ أبو الحسن اللخمي رحمه الله عن رجل من أهل القرآن تزوج بكرا وأبوها وأخوها من أهل القرآن وطلب العلم وأحدث الزوج شرب الخمر ومخالطة أهل السوء من لا يشاكله من أهل شرب الخمر ، وجاهر معهم بشربها ، وقد كان قبل تزوج هذه الطفلة يوسم بذلك ، لكنه لم يجاهر به ولم يصححه أبو الزوجة ولا ظنه به ، ولو علم بذلك ما أباحها له بالتزويج ؛ لأنه لا يأمن ما يدخل عليها في دينها وجسمها ومالها من أنواع المضرة عاجلا وآجلا ، وقد أراد أبو الزوجة الآن فراقها منه وأبى من قبض النقد ، وكيف لو أظهر التوبة ولا تؤمن منه العودة لما حصل فيه من مخالطة أهل السوء ، وما وطن عليه نفسه من الأفعال القبيحة ، فهل للأب في ذلك مقال أم لا ؟
=فأجاب : الأب وكيل الابنة ، فإذا علم أن تزويجه لذلك الرجل ليس بصواب ، ويخشي أن يفسد دينها ؛ ويدخلها فيما لا يجوز من الشرب وغيره ، ولا يرجى لمثله حسن عاقبتها معه ، فرق بينه وبينهما ، ومن زوج ابنته لمن يشرب الخمر فقد عرضها للفساد لكونها معه في الحنث ، وقلما يسلم من شرب الخمر من إيمان الطلاق والحنث في إيمانه .
[ابنة زوجها أخوها وأجاز النكاح عمها أخو أبيها الوصي ثم توفيت]
*وسئل عمن توفي وخلف زوجة وبنين صغارا ، وأوصى أخاه على ابنته فزوج ابنة منهم أخوها ، وأجاز النكاح عمها أخو أبيها الوصي عليها ، وبنى بها زوجها ثم توفيت فطولب الزوج بصداقها نقده ومؤجله ، فقال : دفعت النقد لعمها الوصي . فأنكر ذلك العم وأنكر الوصية أيضا ، فأخرج الصداق فوجدت فيه وصية العم ، فطلبه الزوج بمورثه من النقد وقال : إن زوجتي لم[273/3]تدخل بها ولا جهزتها به ؛ لأنك أنكرت الوصية ، فإن زعمت أنك جهزتها به بعد إنكارك فلا يقبل منك .
وسل عن رجل تشاجر مع زوجته فقالت له أعطني مالي في ذمتك، فحلف لها بالطلاق الثلاث لم يكن لك في ذمتي شيء. ثم اطلع بعد ذلك على رسم بأن لها في ذمته عشرين دينارا ذهبا، فهل يلزمه الثلاث ليكون الرسم المذكور الذي خرج عليه بالعشرين أم لا؟ وهل يعذر له فيه أم لا؟
فأجاب: لفظ لم يكن لك في ذمتي شيء ظاهر في إنكار المعاملة من أصل، فالظاهر حنثه لثبوت تقدم المعاملة له الموجبة لنقيض يمينه، ولو كانت يمينه على الخلاص لكان أسهل، وكذلك لو كانت على تكذيب الشهود والله أعلم.
وسئل عمن حلف بالطلاق ليرتحلن من موضع كذا، ولم يضرب أجلا ولا نية له، بل كانت يمينه مطلقة، واستمر على السكنى وعلى وطء زوجته نحو الشهر، ثم ارتحل، ثم ارتحل، هل يبر بذلك أم لا؟
فأجاب: إن لم تكن له نية في تعيين زمن الرحيل كما ذكر، لم يحنث ببقائه شهرا، ويبر بارتحاله بعده. هذا إن كانت يمينه ليرتحلن كما ذكر السائل.
أما إن كانت يمينه لا سكنت بموضع كذا، فإنه إن لم يبادر بالرحيل في حينه وبقي المدة المذكورة حنث. والله اعلم.
[الحلف بالبربرية]
وسئل الإمام أبو عبد الله ابن عرفة رحمه الله عمن حلف بيمين أعجمية، وهي قوله بلسان البربر «أو كم يمين سنة» على فعل وحنث فيه، فعلى ماذا تحمل يمينه هذه إن لم تكن له نية على الواحدة أو أكثر، وهل مع عدم النية تحمل على عرف إن تحققه من نظره هذا، وما جوابكم إن لم يتحقق فيه عرف، والعرف المعتبر فيه هل لا بد من جماعة معتبرة تفهم هذا وتحققه أو يبنى الإنسان فيه على أقل ما يظهر له، ولو كان من اثنين أو ثلاثة؟ وكيف إن كانوا جهلة هل يعتبرون أم لا؟
[300/4]
[301/4]
فأجاب: الواجب حمل اللفظ على ما نواه به، فإن لم تكن له نية فعلى العرف عند المتكلم الحالف لا عند غيره، فإن لم يكن عرف فعلى أقل مسمى ذلك اللفظ فيما وضع له من لغته الأعجمية، والله تعالى أعلم.
[من حلف لزوجته لا سكنت مع أخيك إلا إذا أسكنني معه الشرع]
فأجاب: الشراء صحيح ولا يحتاج فيه إلى حيازة، ولا يضر المشتري ولا وارثه سكوته طول المدة المذكورة وإن علا، وإنما تنفع الحيازة في دعوى الملك لمن ادعى الملك أو انتقاله عن المدعي إليه بشروط كما في كريم علمكم وهو إذا قال وارث البائع إن الأرض المذكورة صارت إلينا ميراثا من قبل موروثنا فيقال لهم موروثكم مقر بانتقالها عنه إلى مشتريها منه وأما إن قالوا مالنا وملكنا لم تصر إلينا من قبل موروثنا فهنا تكون لهم الحيازة شاهدة بالملك ويكلف وارث المشتري إثبات ملك موروثهم لها حتى باعها من موروثهم إلى غير ذلك من الموجبات، وبالله سبحانه التوفيق.
[مسألة فيمن استعار كتابا فلما طولب به ادعى أنه فوتة]
وسئل عن رجل استعار من رجل كتابا وبقي عنده مدة ثم إن رب الكتاب طلب كتابه فادعى الرجل أنه خرج من يده بالبيع على وجه التعدي، ولم يصدقه ربه في ذلك، واتهمه في حبسه، وقد فعل مثل هذا مع أناس جملة استعار منهم كتبا وادعى ضياعها وحلفوه على ذلك، فهل سيدي فعله هذا مع هذا الرجل ومع من قبله يدل على خيانته وإن الكتب لم تبع وإنما يريد إمساكها فيلزمه الحبس والضرب إن رآه القاضي حتى يستبرأ أمره أم لا يلزمه إلا اليمين والغرم ولو اعتيد منه هذا الفعل؟ وقد قال له بعض الناس الأدب يلزمه على مثل هذا حتى يرد الكتاب إلى أربابه، فقال له الرجل المذكور لا يقول هذا مسلم، فهل سيدي يلزمه شيء على قوله: لا يقول هذا مسلم أم لا؟ وهل يلزمه شيء أيضا على إقراره بالتعدي على أموال الناس؟ بينوا لنا ذلك مأجورين مشكورين.
فأجاب: أما إن ثبت تعديه على أموال الناس بالبيع إما ببينة لا مطعن فيها أو بإقرار منه فيلزمه الأدب الوجيع على ما يؤديه اجتهاد القاضي ويشدد عليه في استخراج ما غاب عليه مما استعاره بالتهديد بالضرب أو السجن على
[275/5]
ولقد حكى بعض أئمة التاريخ عن قتيبة بن مسلم زمان ولايته خراسان، أن امرأة أتته بثوب ثمنه سبعمائة درهم، وكان من شأنها فعل ذلك مع أمراء خراسان فرده عليها ولم يأخذه فحملته إلى أخيه عبد الله بن مسلم فأخذه منها بالثمن المذكور فبلغه ذلك فأمهله حتى أخذت وجوه العرب وأمراء الأجناد مجالسها وعليه ثوب قد اشتراه بأربعين درهما. فقال للحاضرين وعبد الله في جملتهم أي الثوبين أفضل ثوبي هذا أو ثوب عبد الله؟ قالوا فإذن لنا أن نقرب حتى نميز بينهما، فأذن لهم فقالوا ثوب عبد الله أفضل فالتقت إليه وقال له: ليت شعري أي شيء دعاك إلى شراء ثوب بسبعمائة درهم لا يفرق بينه وبين ثوب بأربعين درهما إلا بعد القيام إليه والقرب وتحقيق النظر فيه؟ فعجب الحاضرون من قتيبة وحاله، فكان الواجب على هذا أن لا يباح من ذلك إلا قدر المبيح، لكن مضى العمل على ذلك. ولعلهم رأوا أن ذلك
[343/6]
ربما انكشف عن قريب، فيحتاج إلى إعادة التمويه وفي ذلك إتلاف للمال، مع أن حليته لما انضافت إلى النصل صارت تبعا بالنظر إلى القصد الأول. حتى إن سحنون، لا يوجب رجوعا بها عند استحقاقها. وليس الركاب كذلك، فإنه مستقل، فلا وجه لإباحة ضربه منهما خالصان ويلحق بمنع الآنية منهما وجواز الحلية أو منعها من فروع الزكاة والصرف وجواز اقتناء ما منع من استعماله أو منعه، ووجوب كسره وجواز استبضاعه والاستجار عليه وشبه ذلك مما يعسر إحصاؤه ولا يمكن بسطه.
وربما ظن الخروج عن المقصد ببعض ما بسطنا ولكنا أشرنا إلى ذلك لطلب السائل، ولأنه أصل وتحقيق للمسؤول عنه والله عز وجل المرشد.
قلت: وتقدم جواب الفقيه الإمام المدرس العالم الحافظ المفتي أبي موسى عمران بن موسى المشدالي عن هذه المسألة بالجواز فانظره وطالعه تطلع.
[العهود المنبرمة بين الملوك وحكم نقضها]
وسئل أيضا أبو موسى ابن الإمام غفر الله له ورحمه الله بما نصه:
وأما قول الموثق بعد تاريخ الوثيقة ومستركا إلا من مات الخ فكلام مبهم غير واضح الدلالة يفتقر إلى بيان وتفسير, فينبغي أن يستفسر شهود الرسم عما أجملوه في شهادتهم فإن فات استفسارهم لموتهم, أو مغيبهم
[285/7] وجب حمله على أرجح محتملاته, لأن ألفاظ المحبس كألفاظ الشارع يجب متابعة مدلولاتها باعتبار نصوصها, وظواهرها, والظاهر من سياق هذه الجملة المستدركة وقوته أن الموثق قصد بها رفع حكم سابق ونسخه, بدليل قولها هذا هو الصحيح, فتركيب مفيد للحصر, وقصر المسند على المسند إليه يشهرة ضمير الفصل على ما قرر في علم المعاني, فأفاد قصر الصحة على ما تضمنته الجملة المشار إليها بقوله هذا, والقصر فيه قلب ما يعتقده الناظر أن الحكم المنسوخ بها صحيح, وقوله فإن ذريته تأخذ حظ الميت ميراثا لأنفسهم عبارة ظاهرة الدلالة على إرادة التملك, ولو أراد نقله لهم على وجه الحبس لقال, تأخذ حظ الميت حبسا فعدوله عنه دليل على القصر لما تفيده مادة ميراث من التمليك, لأنه أحد نواقل الملك, ولم يرد حقيقة الميراث لتعذرها في المحل, لكن تجاوز بها لمعنى التمليك. وقوله لأنفسهم مؤكد لما أفاده لفظ الميراث من الملكية, فترجع المسألة النازلة على هذا المحل لبلب العمري, ثم تصير الأملاك بعد موت العمرين بمقتضى هذا التقرير ملكا لذرياتهم على وجه الهبة لهم حسبما رسمه المجبس وأنفذه, فتجب متابعة شرطه والعمل به, هذا هو الظاهر عندي في محل هذه الجملة, ولا أقطع بأنه المراد في نفس الأمر, ولعل غيري ممن يمعن النظر يستظهر غير ما استظهرته والله سبحانه أعلم.
[من قام بدعوى ملك في حبس فصولح ببعضه]
وأجاب ابن زرب إنه تقوم صحيحة بغير زجر ثم تقوم بعد أن زجرها فيغرم ما بين القيمتين وأخطأ ابن الطلاع في فتياه واعترف بذلك وإن كانت الرمكة قد قومت بأربعين فأفتى أن يغرم لصاحبها أربعة وأفتى ابن زرب بما بين القيمتين وهو أصح.
وسئل عن مسألة نزلت بقرطبة وذلك متعلم جزار كان يسوق ثورا مع جملين فاجتاز على الجامع صانه الله فضرب الثور بقرنه بغلة لرجل من التجار موقفة عند الجامع فعطبت فشاور القاضي ابن حمدين وكان صاحب البغلة يطلب صاحب الثور وصاحب الثور يقول لم أرسل أنا معه وإنما البقار دفعه إلى سائقه دون رأي وسائقه يقر أنه لم يرسله عنه.
فأجاب بأنه لا ضمان على صاحب الثور، ثم قال تتبعت المسألة بعد ذلك وقلت في نفسي ومع غيري لو وليه سياقة الثور برجله أو بيده شيئا لتعلق الضمان على سائقه كالدابة أيضا وإذا تعلق الضمان ووجب فإنما يكون على من ولي سياقة الدابة أو الثور كان صاحبه أو أمره صاحبها بالسياقة له ولو كان
[321/8]
[322/8]الفحل صعبا وأدخله المدينة وقتل بقرنه دابة أو شيئا لوجب أن يجري القول فيه مجرى الكلب العقور.
وسئل عن صبي مر على شقة لقصار فأفسدها أو أفسد بعضها.
فأجاب بأنه يلزمه ضمان ما أفسد لأن الصبي يلزمه ما أفسد.
[هل يغرم الفران لوح العجين]
وسئل أبوحفص العطار عن الفران هل يغرم لوح العجين أم لا؟
294/9] الثاني قوله: ما علمت أحدا قاله، وقد حكى بعض الثقات من فقهائنا عن الفقيه المحصل العلامة أبي علي بن علوان أحد من لقيه شيخاي الفقيهان الأوحدان أبوزيد وأبوموسى ابنا الإمام من أعلام التونسيين أنه كان يذكر قولا في الوصية الملتزم عدم الرجوع عنها بالفرق بين الوصية بالعتق فيلزم فيها الشرط، والوصية لغيره لا يلزم فيها الشرط حسبما ننبه عليه بعد إن شاء الله تعالى.
غ: الثالث قوله: وكما لو دبر عبده بشرط أن له الرجوع، فإنه مكن صرف لفظ التدبير إلى معنى الوصية، فيقتضى أن الحكم عنده فيمن قال لعبده أنت حر على دبر منى ولى الرجوع فيك متى أردت أن ذلك له، ويكون حكمه حكم الوصية، ونحن من وراء المنع وعدم التسليم فيه.
قلت: قوله فيقتضى إلى آخره هو مراد الشريف، هو صحيح عنده، وعليه بناه وعلى أن التدبير المقي بالرجوع حكمه حكم الوصية، وهو الذي رواه أصبغ عن ابن القاسم وقال به، وهو الذي رواه ابن نافع عن مالك على ما حكاه القاضي أبوالوليد الباجي وغيره من أئمة مذهبنا، فالشريف يقول بموجبه.
غ: فقد قال مالك فيمن قال لعبده في عقد كتابته إنه لا يسافر ولا ينكح ولا يخرج من أرض إلا بإذني، فإن فعلت شيئا من ذلك بغير إذني فمحو كتابتك بيدي، قال مالك ليس محو كتابته بيده إن فعل شيئا من ذلك بغير إذنه، وليرفع ذلك إلى السلطان، قال الباجي لأن مقتضى الكتابة اللزوم، فإذا اشترط فيها ضد ذلك من الخيار المسند لعبده لم يصح الشرط، وثبتت الكتابة على مقتضاها إلى آخر الوجه الثالث وأول الرابع.
275/10] وسئل عن ساقية مملكة ، فإذا ارتفعت من الوادي ارتفع منها في أعلى البسيط ساقية يزعم أهل الأعلى أنها قديمة غير متملكة ، وإنما هي العادة فيها أن تأخذ من الماء ما حملت متى احتيج إليه ، وقوم من أهلها يزعمون أنها قد تملكت بالعادة فيكثرون رفعها ويقل ماء الساقية الكبرى بسبب ذلك ، والساقية الكبرى متملكة بنوب معلومة ، وأهل النوب يدعون الفساد عليهم برفع الساقية التي هي غير متملكة .
فأجاب : السواقي القديمة تتعلق بها حقوق المنتفعين بمائها ، وتصير تلك الحقوق مملكة لهم بطول الحيازة وقدم المنفعة ، لكن إذا شح الماء وتعارضت الحقوق فلا يستوفي أهل كل ساقية ما كان يستوفيه عند كثرة الماء ، بل يكون النقص مقسما بينهم فيقتسمون الماء على قدر الحاجة .
وسئل عن نهر قديم هابط من جبل على قرية إلى بساط قرية أخرى أسفل من القرية العليا ترتفع من النهر متملكة لهم قديما ، وماء الساقية موقت لهم بساعات وأيام معلومة ، وأملاكها عظيمة الأثمان ، وأهل القرية العليا لم يكن لهم ساقية قط ترتفع من النهر إلى أن قام الآن عند شدة الحاجة إلى الماء أهل القرية العليا يطلبون رفع ساقية من النهر .
فأجاب : العادة القديمة يجب الحكم بها ، ولا يجوز أن تخالف بإحداث شيء عليها لم يكن له أصل في القديم إلا برضى من أصحابه .
وسئل عن أهل الشق الغربي من أهل قرية حارة المورة من بسيط أرحبة ساقية في شقهم تجتاز على أرضهم ، وقام الآن أهل الشق الشرقي يدعون فيها المشاركة معهم .
فأجاب : الأصل في الساقية التي تكون تشق في ( )(¬1) أنها لأهلها دون غيرهم حتى يثبت لغيرهم فيها حق بملك أو بعادة قديمة ، وتبقى [276/10] عند النزاع والخصام بأيدي أهل تلك القرية وفي انتفاعهم طول ما يروم غيرهم إثبات حق فيها إلا أن يكون يوجب الملك .
وإذا ثبت ذلك فارجع إلى ما لا بد لك منه. وهو أن العجز لدرك كل هذا هو عين الإدراك، ولأنك إذا شبهته إنما شبهته ببعض الأجناس التي عهدت، وهو سبحانه فرد وليس بذي جنس فليتبس الأمر عليك فاعتمد يا أخي على ما قاله البوسنجي من المتصوفة أن كل ما تمثل في وهمك فهو محدث مثلك. وقال آخر: كلما تمثل في الأوهام صفاته فالله سبحانه وتعالي بخلافه وهذه نكثة المسألة فاعتمد عليها. وأن الخوض في مثل هذا لا يحل ولا يجوز، فاطرد الشيطان بهذا. وهو استدلال مانع قاطع شرعا. وأما الصفات فلا طريق له إلى الوسوسة إليك بها مع ما ذكرته لكم لأن محصوره ألوان وأكوان ومعان فالوصف له بأنه ذو أكوان محال عليه عقلا وشرعا، لأن الأكوان من صفات الأجسام في سائر الأجناس موالية كانت أو جهة وقد قام الدليل على أنه فرد صمد. وليس بذي جنس وحتى لو وسوس لك الشيطان حتى مثل لك صفة من الصفات فرد عليه، بأن هذا الذات المتصفة بتلك الصفة غير مدركة في الحال قطعا فكيف يتعلق العلم بالصفة دون الموصوف هذا من المستحيل قطعا لأنه يؤدي إلى أن الصفة تقوم بنفسها فهذا باطل قطعا عقلا ومن طريق الشرع أبين وإن كان إنما يوسوسك بأنه تتعاقب عليه الحركة والسكون فباطل أيضا، إذ لو تعاقبت عليه لم يعد عنها وما لم يعدى عن الحادث فهو حادث وإن كان إنما يوسوسك في صفات المعاني فقد بينا وجوب اتصافه بها وأنها لا بد أن تكون قديمة لم يسبقها عدم. وليست محدثة، فكان تقوم به
[