فاستعنت بالله على إملاء ينبه على ما اشتملت عليه تلك الوريقات من الهذيان والألباس, والغرور الذي لا يجوز بهرجه إلا على ضعفة العقول من الناس. وسميته بتنبيه الحاذق الندس, على خطإ من سوى بين جامع
[254/1] القرويين والأندلس, ومن الله أسأل تيسير ما قصدت, فإياه رجوت وعليه اعتمدت, لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب.
قال المعترض المذكور بعد الحمدلة والتصلية ما حاصله أنه وقع في هذه الأيام خوض فيمن أراد أن يوقع الجمعة بفاس أين يكون إيقاعها أفضل, هل بجامع الأندلس أو القرويين؟ فقال بعض الأصحاب بالأندلس, وقال شخص هما سواء, وربما تفضل جامع القرويين, فأنكر ذلك عليه وطلب بالدليل فوقعت العدة منه أن يأتي بصحة الدعوى, فلما راجع كلاما لبعض الفقهاء المتأخرين في عين النازلة وقد كان سئل عنها في عشرة الثمانين من القرن التاسع, وجد جوابه موافقا لما قاله أصحابه, فرأى أن ما يبريه من العهدة إلا الإنصاف من نفسه فذكر المسألة. وجواب الفقيه المذكور عليها رحمه الله تعالى وغفر له, ودليله الذي التزمه, وينظر في ذلك من له نظر بقواعد المذهب وأصوله, فإن قوي دليله وسلمه من نظره فقد برئت ذمته مما التزم, ولكونه أتى بما وعد به أو أتم, وإلا فهو باق رهين فيما ادعى, مطلوب بصحة ذلك المدعى.
أقول المراد ببعض المتأخرين المراجع كلامه في هذه المسألة صاحب هذا الإملاء وفقه الله وأعانه. وقد حدثني ثقة ممن لا يعرف حاله ممن لامه على ما سظره من الهذيان أنه سأله عن المجيب المذكور من هو, فأجابه بأنه ميت. فانظر إلى كذبه وافترائه, وعدم مبالاته وقلة حيائه, كف سلب عني الحياة, وعدني في جملة الأموات, ما ذاك إلا لمضرات.
تمنى أناس أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
المدمي ضرباني في فور واحد، ويكون مثل ما في العتبية فيمن قتل رجلا في وسط النهار فهرب فطولب حتى اقتحم بيتا فيه رجلان فلا يعرف من الثلاثة: قال: يحلف كل واحد من الثلاثة يمينا ويغرموا الدية بلا قسامة من الأولياء، ولما في العتبية أيضا من قوم وقعت بينهم منازعة فدخل رجل يحجز بينهم فأصابه جرح لا يدري من جرحه، وكيف إن قتل؟ فقال: على الفريقين في القتل الدية على العاقلة، وفي الجراح في أموالهم إلى أن يبلغ الثلث فيكون على العاقلة، قال أبو الوليد بن رشد لأنه لبا يدري أنه لم يفعله غيرهم، ولما في العتبية أيضا فيمن أوضح عبد رجل وأن رجلا آخر أوضح العبد ومات ولم يدر من أي الموضحتين مات، قال: يحلف سيده على أيهما شاء منهما وتكون له قيمته، فظهر لنا أن هذه المسائل ليست كالنازلة لأن هذه المسائل ثبت الضرب فيها بالبينة، وثبت القتل على أحدهم من غير تعيين، ومسألة المدمي في النازلة لم يكن فيها إلا قول المدمي كالشاهد، والشاهد إذا اضطرب في شهادته سقطت وإذا لم يتحققها وشك فيها لم توجب غرما
[ إذا دخل القاتل في قوم فلم يعرف ]
=فأجاب : يسألون عن عادة بلدهم في النفقة على أولادهم ، فإن كان[271/3]شأنهم الرجوع فعل ذلك ، وإن كانت عادة أمثالهم غالبا عدم الرجوع فعل ذلك ، وإن كان يختلف وهو مساو أو متقارب ، فيرجع بعد يمين من الطالب أنهم لا يعلمون أنه أنفق على أن لا يرجع وكانوا ممن يشبه أن يعلموا .
[محجور لوصي في كفالة أمه ، ادعى الوصي أنه أنفق عليه وادعت الأم أنه أنفق عليه عمه]
*وسئل عن محجور لوصي وهو في كفالة أمه ، فادعى أنه كان ينفق عليه عند أمه ، وقالت الأم بل المنفق عليه عمه وادعى ذلك العم ، القول قول من ؟
=فأجاب : القول قول الأم مع يمينها .
[يتامى في حضانة أخوالهم بقفصة ولهم عم في قرية على قدر خمسة عشر ميلا]
*وسئل عن يتامى في حضانة أخوالهم في قفصة فيرتفقون بهم في الكراء وغيره ، وليس لهم ما يفضل عن قوتهم وهم في حرز وأمان ، ولهم عم في قرية على قدر خمسة عشر ميلا من القرية ، وتارة عند الخوف إلى تلك القرية ، وأما الحصار فلا يحصرون إلا بقفصة ويلجئون إليها بأهليهم فهل يخرج هؤلاء اليتامى إلى عمهم إذا طلبهم ، أو يبقون مع أخوالهم ؟
=فأجاب : يكونون مع أخوالهم .
[من تزوج امرأة بصداق معلوم نصفه مؤجل ونصفه حال فطلق قبل البناء]
*وسئل عمن تزوج امرأة بصداق معلوم نصفه مؤجل ونصفه حال ، فطلق قبل البناء ، وعادة أهل الموضع أن من طلق قبل البناء فإنه يؤدي نصف الصداق كله حالا ولا يصبر حتى يحل ، فهل يلزم نصف الحال ويبقى نصف المؤجل إلى أجله أم لا ؟ وهل هذا النكاح مع هذه العادة فاسد أم لا ؟
=فأجاب : إذا كانت هذه العادة ، فالنكاح فاسد بسبب هذه العادة ، ولا يكون قبل الدخول فيه صداق ، قيل هذا جار على فتوى ابن رشد فيما يكتب على الطوع ، والعادة تشهد بشرطيته فالحكم للعادة ، ويلغى الكتب ،[272/3]وعلى فتوى ابن الحاج أن الحكم للمكتوب يصح هذا هنا ، ويكون له نصف المؤجل إلي أجله ولا يفسد النكاح .
[
فأجاب: إن كان كما ذكرتم لم يحكم على الحالف بلزوم الطلاق، ولا بأس أن يستظهر عليه باليمين فيحلف على ما ادعى. والله أعلم.
وسئل عن رجل اعترف عند شهود أنه حلف بالأيمان اللازمة أنه لا يطلق إحدى نسائه ثم طلقها، وبادر بعض الشهود الذين اعترف عندهم باليمين فرفعوا الأمر للقاضي، وعزل عنه زوجته وأتى بشهود آخرين أن يمينه كانت مقيدة إني لا أطلقها ما دام هذا القلب على، وشهد له شاهد بحضور اليمين لكن فيما يعول عليه، فهل ينتفع بهذا أم لا ينتفع به؟ لاعترافه باليمين المذكورة عند هذه البينة العادلة إذ هي أعدل من الأخرى.
فأجاب: العمل على ما شهدت به البينة التي اعترف عندها، والله تعالى أعلم.
[سجين يحلف بالأيمان اللازمة ألا يمشي إلى أهله إلا بإذن القاضي ثم يخالف]
وسئل عن رجل سجنه قاض فحلف للقاضي بالأيمان اللازمة إن مشيت عن سجنك إلا برضاكن ثم يكرر أيضا بالحرام يلزمه إن مشيت عن سجنك إلا برضاك، وأمر له القاضي وتركه إلى نفسه غير أنه مثقف. فلما كان قرب المصباح مشى لأهله من غير إذن القاضي، وادعى أن يمينه ما كانت إلا خوفا منه على نفسه وعلى ماله، وقد كان يخاف من ولاة الوطن وحكامه.
فأجاب: إن كان السجن المذكور إنما كان في حق شرعي لا في ظلم ولم يكن لغير القاضي عليه سبيل، والقاضي لا يخشى منه ظلم فهو حانث، والله أعلم.
[من قال لزوجته: صوم عام يلزمني لا عملتك عبد امرأة]
وسئل عن رجل تشاجر مع زوجته فقال لها صوم عامي يلزمني لا عملتك بعد امرأة ما يلزمه في زوجته؟
[299/4]
[300/4]
فأجاب: يخير بين صوم عام، وبين طلاق زوجته، إذ هو فائدة ذلك اللفظ، وإلا فظاهره عبث، إذ في امرأة ولا قدرة لأحد أن يجعل المرأة امرأة، وإنما معناه زوجة له، فمهما جعلها زوجة حنث بالعام.
[من حلف بالثلاث أن ليس في ذمته شيء لزوجته، ثم ظهر رسم يكذبه]
مسألة فيمن اقر أنه اشترى من غيره ما لا يملكه]
وسئل عن رجل باع نصيبه في موضع للحراثة كان مشتركا بينه وبين أناس شتى، وباع نصيب ابن عمه بغير إذنه وهو غائب عن الموضع المذكور ببلد سجلماسة، والنصيب المبيع بحوز تازا فحاز المشتري مشتراه من البائع المذكور في الموضع المذكور وصار يغتله وينتفع به مدة من أربعين سنة أو تزيد عليها، فمات البائع المذكور ولم يزل الغائب المذكور غائبا عن الموضع المبيع عليه أن مات البائع للنصيبين المذكورين فورثه من ورثة وأخذوا يطلبونه في نصيب الغائب الذي بيع عليه مدة من عشرين سنة أخرى وأزيد، فامتنع من ذلك المشتري وطال الخصام بينهم في ذلك، فهل لهم كلام أو حق يطلبونه أم بعد الموجبات؟ بين لنا ذلك بيانا شافيا.
فأجاب: الجواب عن السؤال بمحوله أنه إذا أقر المشتري المذكور بتعدي البائع على نصيب الغائب المذكور فإنه ينزع من يده نصيب الغائب ويوقف بيد ثقة حتى يثبت موته يقينا أو يموت تعميرا فيكون لمن يجب له ميراثه يوم يحكم بموته، وكذلك الغلة تؤخذ منه وتقر بيد أمين، فإن كان منكرا لتعديه وزعم إنه إنما اشترى ملكه في جميعه فلا ينزع منه نصيب الغائب ولا عليه بل يترك بيده حتى يقدم الغائب فيكون له التكلم في ذلك أو لوارثه من بعد.
[مسألة مما لا ينتفع فيه بالحيازة]
وسئل عن رجل اشترى أرضا وتوفي المشتري بعد انقضاء عامين وبقي بعض الأرض بورا وبعضها محروثا بعد مدة من ثلاثين عاما أو أربعين، ثم وجد وارث المشتري رسما بالشراء فقام الآن به وقال لا علم لي بأن والدي اشتراه، وأنكر ذلك وارث البائع لكونه توفي البائع لطول المدة، فما ترون الحكم في ذلك إن نظرنا لرسم الشراء وجدناه صحيحا وإن نظرنا اليد وجدناه
[274/5]
مع الورثة أعني ورثة البائع؟ فما الحكم في ذلك؟ وقلت لهم إن الرسم لا ينتفع به إلا مع اليد.
فقد تلخص من هذا أقوال ولسنا نريد الحصر: المنع من تحلية ما ذكر. وجوازها. وجواز اليسير جدا في اللواحق: من سرج ولجام. ومثله الركاب. ومن فرق بين ما يطاعن به ويضارب، وبين ما يتقى به ويتحزم فضعيف. فإن حقيقة المقاتلة ضرب واتقاء من المقاتلين والفريقين، لا ترتيب في ذلك ولا اختصاص بأحد الأمرين وإنما يختص الاتقاء بأحد المتقاتلين عند الغلبة والانهزام، فيكون الغالب والهازم في الغالب ضاربا. والمهزوم والمغلوب متقيا، فتستوي آلة الضرب وآلة الاتقاء في الاستعانة والإرهاب فأي موجب للفرق؟ وقد يلوح الفرق ببسط وطول. فعلى القول
[342/6]
بجواز تحلية ما ذكرناه والقول باختياره على الركاب فبالفضة. وأما بالذهب فعلى ما قدمنا من الخلاف. وإذا قلنا بتحليته بتمويه أو خيط أو رقة وشبه ذلك مما يعرفه أهل الصنعة وبنو عونه.
وأما ضربه خالصا من ذهب أو فضة فلا يجوز، ولا يجرى فيه ما يجرى في تحليته، فإنه سرف وإتباع سبل أهل الكبر والخيلاء. والدليل الذي قدمناه من نص وعيد استعمال الأواني، والمعنى الذي لخصناه وقدمناه يدل على منعه. وما حكاه أبو عمرو بن الحاجب(¬1) من القولين في المغشي من الذهب برصاص، فيجب القول بضعفه وفساده، فإنه يصدق عليه إن فرضناه آنية أنه آنية من ذهب أو فضة مغشاة برصاص ولا يخرجها بكونها مغشاة برصاص عن كونها آنية من ذهب أو فضة فتندرج تحت نص الوعيد. فكيف تمكن مصادمة النص فيقال بالجواز؟ ولولا عمل الماضين من السلف الصالح على جواز حلية السيف منهما لكان الواجب على مقتضى ما قدمناه وقررناه، الاقتصار على التمويه بالذهب أو الفضة، بحصول الإرهاب به وما يفرق بين التمويه بهما والصياغة منهما إلا بالقرب وتحقيق النظر، وذلك بمعزل عن العدو.
284/7] يصح, فعلى اتحاد الفرعيين ينبغي تشهير البطلان في نازلة السؤال, إلا أن هذا الإجراء وإن كان حسنا في ظاهر الأمر, قويا في النظر فقد يفرق بين المسألتين, لأن مسألة إخراج البنات منعت للتشبه بأمر الجاهلية, ولم توجد هذه العلة في مسألة النازلة بل رتب الحكم فيها على وصف آخر, فلا جامع بين الفرعين حتى يثبت ما قرر من الإجراء, ولهذا قال ابن رشد في سماع ابن القاسم من كتاب الحبس: واعلم أن مسألة إخراج البنات من الحبس عند مالك أشد كراهة من هبة الرجل لبعض ولده دون بعض, إلى أن قال لم يختلف قوله هبة الرجل الشيء لبعض ولده دون بعض من ماله انه جائز نافذ, وإن كان مكروها, فصرح رضي الله عنه بافتراق الفرعين واختلاف المسألتين, وأن نازلة السؤال لم يختلف قول مالك في جوازها ونفوذها بعد وقوعها, وبهذا وقعت الفتيا وجرى العمل , وهو الذي أتقلده في المسألتين وأفتى به, وقوفا مع المشهور, وعملا بما تضمنته أحاديث الباب من الأمر والنهي على الندب, والكراهة جمعا بين الأحاديث وإعمالا بجمعها.
وأما الوجوه المشار إليها في السؤال من صحة القول بإبطال الحبس وحله, فقوية في النظر معتمد عليها في مناهج الترجيح, إلا أن القاضي عياضا ذكر في إكمال ما نصه: ويتأكد حمل الأحاديث على الكراهة لما ورد من ان ولد النعمان كان يعرف منه الميل إلى أم النعمان فكأنه عليه السلام فهم منه الفرار بماله عن بعض ولده, فخرج عن طريق المعروف إلى طريق الضرر انتى. وبعضه بالمعنى. فدل كلامه على أن قصد الضرر لا يوجب الفسخ, وبالجملة فالمسألة يعارض القياس المشهور فيها ولا أعدل عن المشهور لقصوري عن مدارك الترجيح, وعدم وثوقي بإدراك ما أدركه منها فوجب وقوفي مع المشهور, وقول الجمهور والله أعلم.
فأجاب: القول قول الفران قاله ابن زرب ولا ضمان عليه. قيل وهو ظاهر المدونة لاستثنائه ذلك مما قبله فقال: وأما حراق الخبز فإن لم يفرط صاحب الخبز ولا غر من نفسه لم يضمن لغلبة النار وإن غر وفرط ضمن اللخمي واختلف إذا احترق الخبز والغزل عند البياض فقيل لا ضمان عليه لأن النار تغلب وعن ابن عبدالحكم هو ضامن وأرى أن يرجع ذلك إلى الثقاة من أهل المعرفة بتلك الصنعة فإن قالوا مثل ذلك يكون من غير تفريط لم يضمن وإن قالوا عن تفريط لأنه زاد في الوقيد أو فرط في التأخير ضمن وليس كل احتراق سواء وكذا إذا أخرجه عجينا فينظر هل ذلك لتقصير في الوقيد أو تعجيل في الإخراج وكذا الغزل يحترق فإن قيل سببه من قلة الماء أو فساد في القدر ضمن وإن قيل إن ذلك من غير تفريط فلا يضمن. وهذا إذا أحضر الخبز والغزل محروقا وعرف أنه الذي استؤجر عليه أو صدقه فيه ولم يأت بشيء وقال فسد فطرحته لم يصدق وهو ضامن وإن حضر الخبز ولم يعلم أنه الذي استؤجر عليه ولم يصدقه صاحبه فيه ضمن إذا كان يعمل مثل ذلك
[320/8]
[321/8]لنفسه لأنه لا يدري هو الذي فسد متاعه أو متاع الناس فيتهم أن يكون متاعه، وإن كان عمله للناس صدق لأن تمييز ذلك إليه ولا يعلم إلا منه ولا يتهم أن يفر من أحدهما إلى الآخر وكذا إن كان يخبز لنفسه وهو مما لا يختلط لأن أحدهما نقي والآخر ليس كذلك أو كان أحدهما كبيرا والآخر لطيفا فإذا تبين أنه ليس من الصنف الذي يخصه قبل قوله وبريء وهذا كله زيادة عما قاله ابن الحاج.
[رمكة زاحمت رجلا فضربها فألقت جنينا]
وسئل عن رجل يأتي برمكة في قنطرة مرطبة فزاحمت رجلا فنطحت الرجل بفنطاله فزجرت.
فأجاب ابن الطلاع بأن تقوم الرمكة فيغرم الذي ضربها عشر قيمتها.
293/9] صرف اللفظ إلى معنى وفي غير ما علمنا، وسيأتي من كلام أئمتنا بعد ما يختص بصورة النزاع من مسألة التدبير.
غ: الثاني أنه فرق بين الوصية بالعتق والوصية به إلى فلان إلى قوله، ما علمت أحدا قاله.
قلت: هذا الذي نسب هذا الفقيه الفاضل المعترض للشريف لا أدرى(11) أودعه ولا لسان من أبلغ هذا الكلام المودع في هذه الأوراق المتضمن الجواب عن مسألتنا هذه، أنت تراه وتقرأه حرفا حرفا، وتتدبر كلامه معنى معنى، فأين ما يدل على هذا الذي حمل عليه بأحد الدلالات الثلاث؟ وما يضمر في النفوس يمتنع علينا العلم به، فكيف يسوغ مثل هذا حتى بنى عليه ما بنى من الاعتراض؟ بصرنا الله بالعيوب، ولطف بنا بمنه، فليس لنا في هذا الفصل كلام إلا إذا تيقنا صدوره عن صاحبه، اللهم إلا أن يلزم الشريف طول الوصية بالعتق في عموم الوصية فيمكنه هو بعيد عن كلامه إلا أن كلام غ(12) لم يفرق بين الوصية بالعتق والوصية به إلى فلان فيه ما لا يخفي، فإنه لم يصرح بالوصية بالعتق، وللغبريني أن يقول إن الشريف جوز في الوصية إعمال الشرط (13) الرجوع لحمل اللفظ حينئذ على التدبير، إذ لا معنى للتدبير إلا الإعتاق بعد الموت من الثلث عن وجه اللزوم لعاقده ويدل بمفهومه على أنه لو أوصى به إلى فلان وشرط عدم الرجوع لم يلزمه الشرط لكن قوله ما علمت أحدا قاله لا يقدم في كلام الشريف لوجهين: الأول أن الشريف لم يحكم بهذه التفرقة مستندا لنقل منصوص بل أجراه على قاعدة ضرورية علمها، وهو أن اللفظ الذي له مجاز في الكلام الذي هو جزء منه يمكن صرفه عن حقيقته لجواز حمله على مجازه، واللفظ الذي ليس له مجاز في الكلام الذي هو جزء منه لا يمكن صرفه عن حقيقته، فكل ما سيق مساق الإجراء على القواعد لا تلزم المطالبة بنقله، وإلا لما كان إجراء، ومن ألم بكلام الأئمة على ذلك ضرورة.
[
فأجاب : الحكم في الماء الذي هو غير متملك الأصل في الأودية أن يسقى منه الأعلى فالأعلى ، فمقتض هذا الأصل في هذه النازلة المسؤول عنها أن أهل الساقية العليا يستبدون بما تحمله ساقيتهم من ماء الوادي المباح الأصل ويتملكون ذلك القدر منه بمقتضى السبق ، لأن الماء المباح يتملك منه ما تجده السواقي ، والعليا منهما قبل السفلى . ولا يخرج عن هذا الأصل إلا لموجب ظاهر. واتفاق من اتفق ممن درج على ما يخالف هذا الأصل لا يلزم من بعدهم ، لاسيما وما وصف من الاتفاق مخالف للعوائد ، إذ يصير على مقتضاه السد الأعلى لا فائدة له بسبب رفع الماء لساقية من حد السد الأسفل على ما تضمنه السؤال . ويعتضد هذا الحكم بما بأيدي أصحاب الساقية العليا مما يوافقه على ما قاله السائل ، فإن ظهر استمرار العمل بذلك فهو موجب إليه الموافقة للحكم فلا يعدل عنه . وقد وقع في رسم الاتفاق أن أهل الساقية العليا اشتروا الجبل بجميع ما فيه من الماء ، والماء يتملك بملك موضه على مقتضى الأصل ، وإلى هذا فاتفاق الزوج في ملك زوجه على تعليق حق يملكها لخصمها بغير تقديم منها يقتضي ذلك غير لازم للزوجة ولا موجب لحق عليها في ملكها . فهذا ما ظهر من حكم الجواب على ما تضمنه السؤال .
وسئل عن ماء مشترك وقع فيه نزاع ولم يثبت لأحد من المتنازعين حظ معين .
فأجاب : إن ثبت أن الماء الذي يسقي به القوم أملاكهم متملك لهم فهو بينهم على الحظوظ التي يملكونها ، لأن من تملك حظا من ماء فهو مال من أمواله كسائر الأموال ، وإن كان الماء المذكور غير متملك وإنما هو من ماء الأودية التي لا ملك لأحد عليها فحكمه أن يسقي به الأعلى فالأعلى ، لا حق فيه للأسفل حتى يسقي الأعلى .
[
قال الله تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾؟ ولما لم تصح المماثلة وجب اعتقاد وجوب المخالفة في الذات والصفات، وإذا لزم اعتقاد المخالفة في الذات والصفات فبأى طريق يوسوسك الشيطان في ذات الرب جل جلاله؟ لأن العقل إنما أثبت لك أن صانعك ذات قديمة دلت على وجودها وقيامها بدلالة الأفعال الحادثة المحكمة، فإذا سألك عن علمك بحقيقة الذات، فرد
[273/11] عليه بأن العلم بحقيقة ذلك مستحيل شرعا في الدنيا، وقد أعجز الله خلقه عن علم حقيقة ما يحيى به أجسامهم، وهو الروح فبان لا يعلم حقيقة من خلق الروح أعجز وأبعد، ولأنك لا يتعلق علمك إلا بمن شاركك في الحدوث من أبناء جنسك وغيرهم، فكيف تطمع بإدراك حقيقة ذواتهم كالجن والملائكة وغيرهم فكيف تطمع بإدراك حقيقة خالق الاشياء كلها؟ مع عجزك بإدراك حقيقة كثير من المخلوقات، من حيوانات الأرض والبحار والسماوات وجماداتها. ومع ذلك فإنك تقطع بأنك لا قدرة لك على اكتساب شيء بجوارحك أو قلبك إلا ما أقدرك الله عليه.