فأجاب الذي ثبت كونه من السلس غير ناقض هو السلس الذي لا انفكاك للمكلف عنه على الوجوه التي ذكروها, ولا حيلة في رفعه ولا طهارة تسلم معه. وأما مسألة اللخمي فليس الكائن بهذه الحيثية, لأن المكلف إن لم يتسبب فيه لم يقع, فيمكن له ثبوت الطهارة الترابية مع سلامته منه, والسلس الذي ذكروه لا يمكن ذلك فيه. ولا أقل من ان يكون هذا مرجحا لما ذكروه أن لم يكن تاما, ولا يمكن قياس مسألته على المسألة المشهورة لقيام الفارق الذي ذكرناه والله تعالى أعلم.
وسئل سيدنا محمد بن مرزوق عن سؤال اللخمي المذكور أعلاه بنص السؤال الأول حرفا, وفيه زيادة على السؤال الأول بعد ختمه, وهي قول السائل: لا تكاد ترى واحدا من الأشياخ من لدن تلميذه المازري إلى هلم جرا تعقب قوله في هذه النازلة, وفيه ما رأيت. وقد اتفق لخليل شارح
[32/1] ابن الحاجب وهم فاحش في نقل جواب اللخمي, فأنظره, فإنه نقل نقيض جوابه. انتهى كلام هذا السائل, وهو الفقيه القاضي بقفصه أبو يحيى بن عقيبة.
وسئل الأستاذ " أبو سعيد بن لب " رحمه الله عن الأمام الذي يعتر ذبحه
يوم النحر .
فاجاب : وقع كلام في الإمام الذي يعتبر ذبحه , أهو الخليفة أم لا
الصلاة ؟ والظاهر أن المتقدمين من الفقهاء أغفلوا بيانها , وتعرض المتأخر ون
للفحص عنه فاختلفوا فيها . ومثار الخلاف فيها ظاهر , وهو أنه عليه السلام
كان المفتدى به في ذلك ثم الخلفاء بعده , فهل ذلك لأجل الامامه الكبرى
أو لإمامه الصلاة ؟ ذلك كله محتمل . قال " القرافى " : الإمام فيها هو الإمام المعتبر
شرعا , أما هؤلاء الذين يملكون بالقهر فحكم الناس معهم حكم من لا إمام
لهم , يقتدون بأقرب الأيمه إليهم بالتحري ورجح بعض الشيوخ طريقه ابن
رشد , لأن التضحية من توابع الصلاة , وهى معتبرة معها , فيظهر اعتبارا
إمامها . إلا ترى أن الحنيفه وجماعه يعتبرون الصلاة وقوعا , والشافعية فيما ذكر
" عبد الوهاب " وغيره يعتبرون الصلاة وقتا أي قدر ما تصلى فيه من الوقت وان
لم تفعل .
[34/2]
[35/2]
يستحب للمضحى ألا يحلق شعره إذا أهل ذو الحجة حتى يضحى
وسئل عمن يريد أن يضحى , هل له حلق شعره وتقليم أظفاره أم لا ؟
فاجاب : يستحب عند ( ابن القصار ) لمن أراد التضحية أن لا يقص شعره
ولا يقلم اظفاره إذا أهل ذو الحجة حتى يضحى . قال بعض الشيوخ : وعادتي
التنبيه على استحباب ذلك في الخطب وفى المجالس لمن أراد الأخذ بالفضيلة في
القصد إلى ذلك وبعدا عن الوقوع في المنوع على قول من يقوله , ولا سيما
والخطب في ذلك يسير . وقد كنت حفظت الاستحباب في ذلك قديما في عهد
الصغر من سيدي (ابن إسحاق ابن العاصي ) رحمه الله وغيره .
وسئل بعض التونسيين عن قولهم لا يذبح المضحى أضحيته إلا بعد
ذبح الإمام , هل المعتبر الإمام الذي تؤدى اليه الطاعة أو إمام الصلاة ؟
فاجاب : في ذلك التنازع بين الشيوخ , فعند ابن رشد المراد إمام الصلاة
إذا كان مستخلفا على ذلك . والصواب في بلاد افريقيه في البلد الذي فيه الإمام
صبية تزوجت رجلا وعقد عليها النكاح خالها مع وجود عم شقيق أبيها]
*وسئل : عن صبية تزوجت وعقد عليها النكاح خالها وكان لها عم شقيق أبيها علم بالنكاح وفهم منه الرضا به ولم يعقده هو ولا قدم ؛ لأنه قد حلف ، أن لا يحضر عقد نكاح ولا يتكلم فيه ، والصبية من أهل المسكنة ودناءة الحال ، وبنى بها زوجها وأقام معها نحو أربعة أشهر ، ثم طلقها طلقة واحدة ، ثم أراد مراجعتها عند القاضي ، فرأى أن النكاح مفسوخ فرد المرأة إلى صداق مثلها وألغى الطلاق الواقع فيه ولم يعتد به .
=فأجاب : أن هذا النكاح عقده ولي عام مع وجود الولي الخاص ولا اعتبار برضا العم إذا لم يتول العقد ولا قدم من يتولاه ، ذكر ذلك ابن الحاج في نوازله في نكاح عقده الخال مع حضور الأخ الشقيق ورضاه دون تقديم منه ، فقال : ليس حضور الأخ عقد النكاح ورضاه بعقد الخال بشيء ، حضوره كغيبته إذا لم يتول العقد ولم يقدم غيره ، وأما إن تولى غيره بغير استخلافه فلا ، وإن كان هو حاضرا كعدمه ، فإذا صح أن هذه النازلة من هذا الأصل فأنتم لم تذكروا بلوغ الصبية ولا عدم بلوغها ووصفتموها بالصبا وعرف ذلك في الشرع عدم البلوغ ، ثم على تقدير أنها كانت بالغة لم تذكروا أنها استؤمرت ولا أنها لم تستأمر ، وتختلف الأحكام باختلاف هذه الأقسام ، والظن بكم أنكم لم تعقدوا لها حتى بلغت ، وأنها استؤمرت كما يجب . وفي المسألة حينئذ ستة أقوال في المذهب ، أحدها أن الخيار في إمضاء النكاح ورده إلى الولي يفعل من ذلك ما يقتضيه نظره لوليته ، غلا أن يطول وتلد الأولاد فهو[31/3]ماض بحاله ، وأن النكاح ماض بالعقد ، وأن النكاح ينفسخ وإن أجازه الولي .
تتميم: وأما إن كان الأب عديما، فقال في الكتاب: ولو كان الأب عديما لا يجد شيئا ووجد من قرابته من يرضعه باطلا فله ذلك، إلا أن ترضعه الأم باطلا، وكذلك إن كان الأب ليس بالواجد وإنما يقوى على دون الأجر وأصاب من يرضع له بدون ذلك فللأم أن ترضعه بما وجد أو تسلمه، قال
[29/4]
[30/4]
قال أبو الحسن اللخمي: فإن كان الأب فقيرا لا يقدر على شيء فوجد من يرضعه باطلا على أن الولد عند الغير كان ذلك للأم، وهو في هذا بخلاف الموسر، لأن رضاعه مع الفقر على الأم وهي مجبورة على رضاعه ورضاع غيرها تختلف عنها، وكانت بالخيار بين أن ترضعه أو تسلمه، ومثله إذا وجد من يرجعه بخمسه، وهي التي يقدر عليها، قيل لا: أنت بالخيار، فإن شئت أرضعته بذلك أو سلمته، لأنك مجبورة على رضاعه بخمسة لما لم يكن يقدر على سواها.
وقال ابن بشير: فإن لم يكن له، يعني للأب ولا للصبي ماله، فإن لم يقبل غير أمه جبرت على رضاعه، فإن قبل غيرها ولم يكن للأم لبن فهل يجبران ( ) (¬1) له قولان، أحدهما: أنه ليس عليها ذلك لأنه من باب النفقة وليس عليها نفقة، والثاني يلزم ذلك لأن عليها أن ترضع بلبنها لأنه م باب المواساة، فإذا فقد فعليها ( ) وإن كان لها لبن فهل تجبر على الرضاع؟ المشهور: أنها تجبر، وعند ابن الجلاب أنها لا تجبر كالنفقة، هذا مع حياة الأب، قال ابن محرز: قال في الكتاب: فإن مات الأب ولا مال للصبي لم يكن للأم أن تطرحه وكان عليها أن ترضعه، والنفقة مخالفة للرضاع في هذا.
منها ما شهد به عليه لابن القواس من التسليم في مشتراه المذكور وإن أفرد لفظ الصفقة والواقع في الرسم رسم الاشتراء صفقات فقد وصفها بما شمل الصفقات كلها، ويكون لفظ الصفقة لهذا معبرا به عن جميع الصفقات، ويكون الألف واللام من الصفقة لاستغراق جميع الصفقات، وبالجملة فلفظ هذا الشاهد حكاية لفظ ابن وشن في التسليم، ولا يقبل منه التفسير بصفقة مفردة معينة يعني من ابن وشن المذكور، ولو أقر بالمقالة المشهود بها لخروجه على هذا التقرير عن الظاهر الدال على جميع الصفقات، إذ المقر على ما لا يخفي إنما يوخذ بظاهر إقراراه دون ما أووله، فكيف وقد أنكر هذه المقالة المذكورة؟ ويكون التسليم المذكور في الثلث المفروز في عينه وفي المستشفع في ثمنه.
ومنها اعترافه لابن القواس بالثلث المفروز في إملائهما معا حد,د الملك المتصل به، ولا يصح له التمسك بالحظين المشاعين لأنه يكون مكذوبا للشاهد له باعتراف ابن القواس بأن الاشتراء المذكور للحظين والثلث إنما كان لابن وشن إن كان الإملاء المذكور بعد معرفته بشهادة الشاهد المذكور، ولم يفرق في شهادته باعتراف ابن القواس بين الحظين والثلث المفروز، فصار ابن وشن المذكور أن تمسك بالشهادة المذكورة في الحظين دون الثلث المفروز مكذبا للشاهد بالاعتراف المذكور حسبما ما تقدم.
ومنها أن الشهادة التي بها ابن وشن المذكور باعتراف ابن القواس المذكور باطلة لأحد ثلاثة أوجه: منها سكوت الشاهد بالاعتراف المذكور عن
[31/5]
إعلام ابن وشن المذكور وصاحب الشهادة المذكور حين رأى الملك المشهود به يتصرف فيه ابن القواس المذكور تصرف المالك بنقل وغيره على مذهب ابن القاسم رحمه الله، إذ لم يدع الجهل بوجوب الإعلام إنما اعتل بأنه لم يطلبه القائم بها، وذلك لا يخلصه عند ابن القاسم رحمه الله تعالى.
فإن لم يأت طالبه تصدق به، وإن كان لا ولد له والدين تافه، فعل به مثل ذلك. وإن كان كثيرا مثل النصف أو أكثر لم يجز منه شيء. وانظر ما مراده في الرواية بالتافه؟ هل- بحسب نفسه، أو بالإضافة إلى مال الموصي؟ ويظهر الثاني من الرواية لقوله: وإن كان كثيرا مثل النصف أو أكثر، لكن وقع لابن القاسم في سماع آخر أن التافه اليسير: مثل الخمسة والعشرة. والاعتماد على هذا أوضح وأرجح، لأنه نص والذي قبله بالظهور. واحتجنا إلى الحديث على هذا في الرواية، لمسيس الحاجة إليه في النازلة، إذ المائة والخمسون المقر بها قليلة في الموصي به، كثيرة في نفسها. وقد وقع في روايات متعددة مثل هذا الجواب بين القول في الصحة أو المرض، بما علم في القاعدة المحفوظة عن الشافعي في قوله: ترك الاستفصال. لا يقلا هذا يؤخذ به في كلام الشارع لا في غيره، لأنه قد علم أن أشياخ المذهب يجدون في كلام الإمام ما يروى عنه على هذا الأسلوب، فيأخذون بعموم العام، وعلل الأحكام، ومفاهيم الكلام، إلى غير هذا مما يهتدي به في ألفاظ الشارع. ويتأكد عدم الفارق بين الصحة والمرض في القضية من حيث إن المقر لم يعين اسم المقر له ولا نسبه ولا بلده ولا حياته. فهؤلاء يخشى أن يطلب بهذا الاعتراف إن طالت حياته بعده، فلا فرق بينه وبين الاعتراف في مرض الموت. والطلب به إنما يتوجه بعد موته في المال التركة. وما شأنه هذا فإنه جدير أن لا ينفذ من رأس المال، ولا من الثلث، من حيث إن قصد الموصي فيه فاسد، وهو أن يصير ما يذكر من التحيل على إبطال حقه. وقد وقعت في العتبية وكتاب ابن المواز واللفظ للعتبية من سماع أشهب وابن نافع عن مسألة تهدي إلى هذا أو ترشد إليه.
[من أشهد أنه تصدق على شخص واشترط أن لا يصرح بالإشهاد إلا بعد موته ]
نصها: وسئل فقيل إن امرأة دعتنا فأشهدتنا على رقيق لها أنهم صدقة على ابنتها وكتبنا شهادتنا على أنها أمانة عندنا بأمانة الله لا نشهد بها أحدا ما
[32/6]
29/7] الورثة أن يعزل عنهم ثلث الميت جملة يكون بين الموصى لهم, وليس لأهل الوصية أن يقولوا بقسم تركة الميت على أقل سهامهم. انتهى كلامه بالمعنى, ثم إذا كان لا ينقسم ذلك على مقام الثلث وجب على أهل الوصية اشتمال البيع مع الورثة, فإنه يكون النظر في بيع ما ينوبهم من ذلك لمن هو ؤشيد من الموصى لهم, مع إباء صغارهم ولا بد معهم من نظر القاضي لحق من لم يوجد منهم أو يتسبب في ذلك آباءهم أو من رأى منهم أو من غيرهم ومن النظر لهم أن يوخذ لهم من المواضع التي يقضي اشتمال البيع بمقدار ثلثهم من أثمانها موضع فيستبدون به على حسب ما يقضي به عند اشتمال البيع لمن لم يدع إليه يفعل ذلك من ذكرنا أنه ينوب عنهم وعن أمر القاضي إن رأى ذلك, على أن الشيخ أبا الحسن فرض مسألة الوصية المذكورة في الوصية لهم بعين, وقال فيها: فإذا ولد منهم ولد تجر له بذلك المال, ثم كذلك كلما ولد منهم ولد تجر له ولمن ولد قبله ومن رشد منهم تجر لنفسهم ويكون له الربح ويضمن الخسارة والتلف بخلاف الصغير إذا تجر له لا ضمان له في ذلك لأن الصغير لا تعمر ذمته بذلك وقد رضي الموصي بالوصية له على ما توجبه الأحكام في الضمان انتهى كلامه. ومسألتكم إنما فيها أعيان الأملاك فاللائق فيها ما ذكرناه, والله أعلم إذ الموصي بالأملاك لا يجري بباله غالبا بيع الأملاك والتجر لهم بأثمانها مع ما هو غالب اليوم من عدم الأمانة في التجارة لهم, لا سيما فيمن يعلم أنه لا يضمن الخسارة والتلف ولا يضمن ذلك من يتجربه على ما هو ظاهر كلام أبي الحسن, وتوقيف الأثمان اليوم عرضة لهلاكها من وجوه, فلذلك قلنا عن الولى أن يفضل فيه ما ذكرنا إن أمكن أو يشترى لهم بما ينوبهم من أثمانها ملك,والله الموفق لا رب غيره, والسلام عليكم ورحمة الله تعالى ويركاته.
الباب الثاني: إذا احتيج إلى كنسه وتنقيته فأقول والله المستعان، إذا كان ماء النهر المذكور قائما جاريا لم ينقطع بحيث يتوصل كل واحد من أرباب الدور إلى منفعته الخاصة به من غير كنس ولا تنقية وأراد أهل الجنات كنسه ليتوصلوا بذلك إلى الزيادة في مائه لسقي خضرهم وثمارهم، إذ لا تحصل له تلك الزيادة إلا بعد كنسه وتنقيته فلا شيء على أحد من أرباب الدور لتوصل كل واحد منهم إلى منفعته الخاصة على الكمال والتمام، من غير كنس ولا تنقية، وذلك على من أراد ذلك من أرباب الجنات الخاصة إذ لا يتوصل للزيادة المذكورة إلا بذلك، والنصوص الدالة على ذلك متظاهرة، منها ما قال في حريم البئر من المدونة، قال وإذا احتاجت قناة أو بئر بين شركاء لسقي وإلى كنس لقلة مائها فأراد بعضهم الكنس وأبى الآخر، وفي ترك الكنس ضرر بالماء وانتقاص، والماء يكفيهم أو لا يكفي الذين شاءوا الكنس خاصة، فللذين شاءوا الكنس أن يكنسوا ثم يكونوا أولى بما زاد في الماء كنسهم دون من لم يكنس، فنص في هذه المسألة على أنه لا شيء على من أبى الكنس وإن كان في تركه شرر بالماء وانتقاص إذا كان الماء يكفيهم أو لا يكفي الذين شاءوا الكنس خاصة. وهذا تعليله موجود في مسألة النزاع، فإن كل واحد من أرباب الديار قد توصل إلى منفعته الخاصة به دون كنس. وإذا
[31/8]
[32/8]كان هذا في الماء المتملك الأصل فغير المتملك الأصل أحرى، على أنه قال في المدونة المذكورة وكذلك بئر الماشية، فدل أن الحكم في الكل سواء وبالله التوفيق.
32/9] وأجاب ابن مالك: روى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ أنه لا كلام للمشترى في ذلك إلا أن يكون البائعون باعوا وقد خاصموا في ذلك. وعلى أن ليس ذلك له تدل مسألة المدونة، يوجد ذلك في كتاب النكاح الأول منها. ابن سهيل: يريد مسألة العبد ينكح بغير إذن سيده ثم يبيعه ولم يعلم بنكاحه فيريد مبتاعه فسخ نكاحه. قال ابن القاسم سمعت عن مالك فيه شيئا ولست أحقه، وأرى أن ليس لمشتريه أن يعترض فيه إلا أنه يخير في إمساكه كذلك أو رده على بائعه، فإن رده فلبائعه فسخ ذلك النكاح أو إجازته. وفي العتيبة في سماع أشهب وابن نافع عن مالك في كتاب الأقضية ما يدل على خلافه. وكذلك في الوثائق المعروفة لابن الملون أن للمبتاع القيام على محدث الضرر على الدار التي ابتاع وكأنه وكيل للبائع في ذلك. وفي مسائل نصر سألت سحنون عن الزنقة غير النافذة لأقوام فيها أبواب دور ودبر دار رجل إليها وليس له فيها إلا حائط دار داره وكنيف قديم في الزنقة ملصق بهذا الحائط وللكنيف قناة يخرج من هذه الدار التي ليس لها في الزنقة إلا هذا الكنيف وهو مغطى والقناة لم يجر فيها شيء منذ زمان فإن أراد صاحبه فتح هذه القناة إلى الكنيف ويجرى فيها العزرة فمنعه أهل الزنقة، فقال ليس لهم منعه إلا أن يدعوا الكنيف فيكشف على دعواهم، فأما إن لم يدعوا الكنيف فهو لصاحب الدار بهذه الرسوم والآثار التي تدل على أنه لصاحب هذه الدار.
فأجاب : وكذلك تصفحت السؤال الواقع فوق هذا ووقفت عليه . وعن حق المطلوب ما دعا إليه من أن يجتمع الورثة لخصامه فيدلون بحجتهم معا ، أو يجتمعون جميعا على وكيل واحد يوكلونه على جميعهم ، إذ ليس لهم أن يتعاوروه بالخصام ، فينوب من حضر منهم عمن غاب حسبما تقدم في المسألة التي فوقها على ما أتت به الرواية عن ابن القاسم في سماع عيسى من كتاب الأقضية من العتيبة ، وبالله التوفيق . لا شريك له . ابن عرفة ويجب جواب دعوى أحد الشركاء في حق بارث أو غيره على غريم طلبه أحدهم وإن لم يطلبه باقيهم إن لم يقدموا الطلبة معه . ولو حضر مع شركائه أو بعضهم لمخاصمته فللمدعي عليه ترك مخاصمتهم مفترقين حتى يقدموا لخصومته واحدا فقط . وقول ابن المناصف إذا كان لجماعة حق واحد على رجل ، فإما وكلوا كلهم واحدا على خصومته أو خاصموه مجتمعين ، ولا يتعاورون عليه واحدا بعد واحد ؛ إطلاقه وهم من وجهين : أما الأول فلقولها في الولاء لمن ورث حقا في دار الخصومة فيه ولا يقضي له إلا بحظه ، ولجواب ابن رشد في سؤال عياض له لمن أقام من أصحاب الجنات لهم حق في ماء الخصومة في حظه ويمكنه الحاكم من ذلك وإن لم يقم بقية أصحابه معه . وأما الثاني فلجوابه عن ورثة قام بعضهم بقوله : من حق المطلوب اجتماع الورثة لمخاصمته أو توكيل واحد منهم عنهم ، لسماع ابن القاسم في الأقضية في ورثة ادعوا منزلا بيد رجل يوكلون من يخاصمه ولا يتعاورونه هذا يوما وهذا يوما . انتهى .
[من سب رجلا في الخصام بمجلس الحاكم]
فأجاب بأن قال: الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة على محمد خاتم النبيين، وآله الطيبين الطاهرين، أكرمكم الله وإيانا بتقواه، ووفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، لاتباع سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حتى نلقاه، قد وقفنا على ما رسم وتصفحنا فصوله. فالجواب فيه ما قاله بعض أيمة الدين، من علماء المسلمين الناصحين، حين سئلوا عن ذلك من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر: ((أن بني إسرائيل افترقت على اثنين وسبعين فرقة وأن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة اثنان وسبعون في النار وواحدة في الجنة)) وقد ظهر ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من افتراق أمته على هذه الفرق، وتبين صدقه صلى الله عليه وسلم وتحقق. ولم يكن أحد في مغربنا من هذه الطوائف فيما سلف، إلى أن ظهرت هذه الطائفة الأمية الجاهلة الغبية الذين ولعوا بجمع أقوام جهال فتصدوا إلى العوام الذين صدورهم سالمة، وعقولهم قاصرة، فدخلوا عليهم من طريق الدين، وأنهم لهم من الناصحين وأن هذه الطريق التي هم عليها من طرق المحبين، فصاروا يحضونهم على التوبة والإيثار والمحبة وصدق الأخوة وإماتة الحظوظ والشهوة وتفريغ القلب إلى الله بالكلية، وصرفه إليه بالقصد والنية. وهذه الخصال محمودة في الدين فاضلة، إلا أن الذي في ضمنه على مذاهب القوم سموم قاتلة، وطامات هائلة. وهذه الطائفة أشد ضررا على المسلمين من مردة الشياطين، وهي أصعب الطوائف للعلاج، وأبعدها عن فهم طرق
[
وقال أبو إسحاق أيضا: تستعظم شرعا زلة العالم وتصير صغيرته كبيرة من حيث كانت أفعاله وأقواله جارية في العادة على مجرى الاقتداء، فإذا زل حملت زلته عنه قولا كانت أو فعلا، لأنه موضع منار يهتدي به. فإن علم كون زلته زلة صغيرة في أعين الناس وجسر عليها الناس تأسيا به وتوهموا فيه رخصة علم بها ولم يعلموها هم تحسينا للظن به، وإن جهل كونها زلة فأحرى أن تحمل عنه محمل المشروع، وذلك كله راجع عليه. وقد جاء في الحديث: ﴿إني أخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة قالوا وما هي يارسول الله؟ قال: أخاف عليهم من زلة العالم ومن حاكم جائر ومن هوى متبع﴾ . وقال عمر، رضي الله عنه: ثلاثة يهدمن الدين، زلة العالم وجدال منافق بالقرآن وأيمة مضلون. ومثله عن أبي الدرداء انتهى.
قلت: ولهذا المعني قال ابن الصلاح، رحمه الله: لا يجوز للمفتي ولا لغيره أن يستاهل ولا يتماسك بالشبه طلبا للرخص على من يروم نفعه أو التغليظ على من يروم ضره، ومن فعل ذلك فقد هان عليه دينه، ونسأل الله العفو والعافية. وأما إذا قصد المفتي فاحتسب في تلطفه حيلة لا شبهة فيها ولا تجر إلى مفسدة ليخلص بها المستفتي من ورطة يمين أو نحوها فذلك حسن جميل، انتهي.
قلت: وهذا- والله أعلم- مثل من قال لزوجته إن فعلت كذا فأنت طالق ثلاثا وخاف الحنث في زوجته بالثلاث، فللمفتي أن يقول له خالعها قبل
[30/12]
[31/12]