ولم أشعر أنه شيطان شر, وجزء خديعة ومكر, وإن عقاربه تدب وأفعى مكايده تلسع وملابسته اياي تضر ولا تنفع, حتى لج في المكابرة والعناد, وأنكر مالي عليه من الحقوق الجمة والأياد, وأظهر ما انطوى عليه باطنه من الضغائن
[253/1] والأحقاد, فقابل الاحسان باساءة, وتعرض لاذايتي صباحه ومساءه, وكنت بذلك جديرا لكوني منحت العلم غير أهله, ووضعت الاحسان في غير محله, ولله درأ بي حيان في قوله.
إذا وضع الاحسان في الخب لم يفد ... سوى كفره والحر يجزى به شكرا
كغيث سقى الأفعى فجادت بسمها ... وصادف أصدافا فأثمرت الدرا
وحين تقرر عندي, وتحصل في خلدي, ما انطوى عليه من فاسد الاعتراض نبذته نبذ الحر المرقع وأعرضت عنه كل الاعراض, وهو مع ذلك مستمر على ديينه من الإذاية, والضرب في سبيلها إلى أقصى حد وأبعد غاية, إلى أن سولت له نفسه الرد علي, وتفويق سهام النقد إلي.
وإن عناء إن تعلم جاهلا ... فيحسب جهلا أنه منك أعلم
فجهل قدره, وتعدى طوره, ونظر بعين الكمال لشخصه, وحجبه دخان الهوى عن إدراك نقصه, ورأى أنه يأتي بالأمر من فصه,
ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه مالا يرى
فحمله ذلك على الأقدام على المهالك, والتعرض للإعتلااض من غير معرفة بالقواعد والمدارك, فبنى وعلى, وأذن بغير طهارة وصلى, وجلب بخيله ورجله, وجمع وريقات فيها مستور جهله, وأعرب عن فساد نتائج عقله, وأودعها الرد على جوابي على المسألة الثانية من المسألتين اللتين قدمنا ذكرهما, فبعث بذلك إلي, مستظهرا به علي. فلما تأملته وجدت خطأه أكثر من صوابه, وجفاءه أغرز من آدابه, وألفيت ما اعتتنى بجمعه وتلفيقه, لم يصحبه فيه شيء من تسديد الله تعالى وتوفيقه.
إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده
الحمد لله أدام الله حفظكم، وأجزل من الخيرات حظكم، وصل كتاب من حامل كتابنا إليكم في مسألة المدمي الذي كتبنا به إليكم، وهو يذكر فيه أن نكتب لكم بما عندنا في المسألة، والذي عندنا في المسألة أن التدمية تبطل لقول المدمي لا أدري من أصابني من الضاربين لكونهما ضرباني في فور واحد حسبما ذكر في رسم التدمية بعد أن أخذنا مع من صحبنا هنا من الفقهاء وفرهم الله تعالى ووفقنا وإياكم بمنه.
[ إذا قال المدمي ضرباني معا في فور واحد ولم أدر من أصابني ]
ودليلنا على ذلك ما نقله أبو الوليد ابن رشد رحمه الله في كتاب الديات: إذا قال: بي فلان أو فلان على الشك منه في أحدهما فلا اختلاف أن التدمية تبطل ولا يكون للأولياء أن يقسموا على أحد منهما، فإذا بطلت التدمية وسقطت القسامة فلا يضرب واحد منهم مائة ولا يسجن سنة، ودليلنا على ذلك ما ذكره أبو الحسن اللخمي في كتاب الديات أيضا، وليس يضرب مائة ويسجن سنة إلا من ملك قتله فعفي عنه أو ملكت عليه القسامة فردت عليه اليمين والمدمى عليهم المذكرون لم يملك قتلهم ولا ملكت عليهم القسامة فإذا كان كذلك فلا ضرب عليهم ولا سجن، ويحلف كل واحد منهم خمسين يمينا للتهمة اللاحقة لهم، وإيجاب القسامة عليهم، لأن واحد منهم متهم بالدم، وهل تجب عليهم الدية مع الأيمان لكون القتل لم يخرج عن أحدهما لقول
[298/2]
[299/2]
=فأجاب : لا يشهد العدول عليهم ولا يحضرون مثل هذا النكاح ، وأما فسخ النكاح فإن لم يثبت بعدول على وجهها ، فليس هناك نكاح .
[من سافر بمطلقة بسبب ولدها وليس بمأمون ويخاف منه عليها]
*وسئل عمن سافر بمطلقة بسبب ولدها منه وليس بمأمون ، ويخاف عليها منه .
[270/3]=فأجاب : إن أمكن أن يكتب إلى البلد الذي استقروا فيه أن يبعد بينهما إذا وصلت ، وتمنع من خروجها معه ابتداء ، ويمنع أن يقرب بعضهما بعضا انتهاء فقد تم المراد ، ويتركان الخروج .
[مطلقة بالثلاث لها أولاد من هذا الرجل وأراد السكنى بأولاده بدار تلاصق دارها]
*وسئل عن مطلقة بالثلاث ولها أولاد من هذا الرجل ، وأراد السكنى بأولاده بدار تلاصق دارها بعد خروجها من العدة ، ولا يؤمن من حوادث السوء بينهما ، هل يبعد بينهما بقدر ما يؤمن من حوادثه وإن أدى إلى الخروج من الدرب .
=فأجاب : إذا كان يتقى أمرهما ، فيبعد بينهما ولو أدى إلى الخروج من الدرب ، ويفعل من البعد ما يؤمن الحوادث بينهما .
[قرية ليس فيها عدول وربما احتاجوا لتزويج يتيمة فقيرة]
*وسئل عن قرية ليس فيها عدول وهم قدر العشرين ، وربما افتقروا لتزويج يتيمة فقيرة ولا ولي لها أو غاب زوج المرأة ولا تثبت موجبات هذه الأشياء إلا بهم ، فهل تصح شهادتهم أم لا ؟
=فأجاب : إذا أخبر جماعة منهم من يوثق بشهادته من العدول ، وحصل لهم العلم بركون أنفسهم إلى خبرهم ، حكم بشهادة رجلين ممن أخبر جماعة حصل له ذلك ، وأقل الخبر خمسة فأكثر ، وإن لم يوجد هذا ولم يحصل العلم بخبرهم ، فيستكثر منهم ويبنى على خبرهم ، وأقلهم عندي ثلاثون إذا لم تكن تهمة فيما يشهدون به ، ومتى وجد زائد كان أحسن لأنه أطيب للنفس .
[الرجوع بالنفقة على الابن]
*وسئل : عن الرجوع بالنفقة على الابن .
يرتكب يمينا وسيلة إلى عدم خروجها، فقال تحرم عليه بنات الدنيا لا خرجت. وإن خرجت حتى نطلقها بالثلاث، ونوى إخراجها، وظن أن عموم قوله بنات الدنيا لا يلزم في الزوجة، ودخله الشك هل استثنى الزوجة أم لا؟
وحنثه الناس وجاء مستفتيا.
فأجاب: إن نوى بيمينه من سوى الزوجة لم يلزمه شيء، ودخول الشك عليه بعد ذلك وسوسة لا تضره وإن أدخلها في يمينه وشك في إخراجها أو شك هل أدخلها في عموم لفظه أو لا، لزمه الحنث في الزوجة إن خرجت، والله الموفق بفضله.
[من قال لزوجته حرمت علي ثم قال لها جعلتك كظهر أمي]
وسئل عن رجل طلب والده أن يسلفه دنانير فامتنع والده من ذلك فحلف الولد بحرام زوجته ليخلصنه إن أسلفه، فأسلفه دينارا فبقي الولد مدة فأعطاه نصف دينار وترك له والده النصف الآخر، ثم تشاجر الولد مع زوجته فقال لها أنت حرمت علي، نوى به ما حلف لوالده حيث طلب منه السلف، وقال لها عقب ذلك جعلتك كظهر أمي، فهل ترك الوالد لولده نصف الدينار يحنث به أم لا؟ فإن قلتم بعدم الحنث فماذا يلزمه في قوله أنت حرمت نوى به الأول؟ وهل يلزمه الظهار إن قلتم بعد الحنث أم لا؟
فأجاب: الحنث واقع، والظهار بعد التحريم لا يلزمه، والله الموفق بفضله.
[من أراد الحج فحلف له آخر لأمشين معك]
وسئل شيخ شيوخنا أبو عبد الله محمد بن مرزوق عمن أراد الحج، فقال له رجل آخر الأيمان تلزمه لأمشين معك إن مشيت إلى الحج، فعزم المحلوف له على المشي فلم يقدر (بياض) (¬1) فمشى العام الثاني ومشى الحالف معه إلى أن (بياض) فرجع من هناك. فلما رجع المحلوف له من الحج أخبر قاضيهم بحلفه، فزعم الحالف أنه إنما حلف على السنة الأولى، وشك
[298/4]
[299/4]
المحلوف هل حلف مقيدا أم لا؟ وشهد رجل آخر أنه إنما حلف على السنة الأولى. فهل يصدق في ذلك أم لا؟.
وسئل عما الناس فيه ببلدنا يتعاملون فيقول بعضهم بماذا ابتاع منك؟ فيقول بالدراهم المنشرحة أو بالميزان، وفي كل ذلك لا يتحقق صفتها، أيجوز البيع على هذا أم فيه جهل أم كيف ذلك؟ وأخرى يا سيدي وهي الناس الآن إذا وقع بيد أحدهم شيء من الدراهم الوازنة قصصها وردها على الدراهم الجارية بينهم أيجوز تقصيصها أم لا؟ وأخرى أيجوز لأحد أن يأخذ حليا جيدا مما مثله يتعامل به ويصوغه دنانير أو دراهم ويتعامل بها لأن سكة السلطان غير قائمة الآن أم هذا ممنوع وإن عدمت؟ بين لنا ذلك كله مأجورا.
فأجاب: أما المسألة الأولى فلا تجوز باتفاق لما ذكرتم، وأما قص الدراهم الوازنة وتصييرها ناقصة فإن كان في بلد لا يجوز فيه إلا الوازنة فلا يجوز، وهو من باب الفساد في الأرض وجرحة في فاعله، وإن كانت حيث تجوز الناقصة أو يتعامل بها وزنا بالصنجة فذلك جائز فقها، ويستحب تركه ورعا، وأما مسألة الحلي وسبكه دارهم فإن كان عيار الحلي في مثل جودة السكة الجارية الآن بفأس أو أحسن جاز ذلك وإلا فلا.
[مسألة فيمن اشترى نصف فرس فركبها في سفر ممنوع فغضبت منه]
وسئل عن رجل ابتاع نصف فرس بقيت بيد المشتري زمانا، ثم إن المبتاع المذكور ركبها في سفر ممنوع فغضبت منه الفرس المذكورة، وقام له ربها الأول مطالبا بالنصف الباقي له، فقال له من غضبت منه أعطني أنت ما ينوب نصفك من الخدمة بطول ما قامت بيدي، والمبتاع المذكور ليس هو ممن يخدم الناس بأجرة، وإنما هو ممن يخدمهم، بينوا لنا ذلك.
فأجاب: أما نصيب الشريك من الفرس المذكورة فهو ضامن له ويغرم قيمته إلا أن يكون مسافرا بها سفره ذلك بإذن شريكه أو جرت العادة فيما
[273/5]
بينهما أن يسافر بها مثل ذلك السفر فإنه لا ضمان عليه، وأما أجرة قيامه على نصيب شريكه فإن كان مما لا يأخذ على ذلك أجرا فحسبه ونسبه بحيث يعد طلب هذا منه معرة في حقه فلا أجرة له على ذلك، وإلا فله أجرته.
[
وأما الرمح فالإرهاب بشكله وصورة جهتي سنه وطوله وعرضه، أشد من إرهابه بجودة حديده، فلا حاجة للتحلية المشعرة بجودة حديده، فإن عمله في الجرح والإتلاف. فالوصف الأول أشد من الثاني. وإن كان لجودة الحديد تأثير عظيم، ولأن الطعن بها تارة مع عدم مفارقة اليد لها وتارة بالرزق (كذا)(¬1) والمفارقة. وإنما يدوم بدوام الحرب ويتفاوت في القطع والعمل والصفر التفاوت الذي عمله أنجاد الفرسان، وعلم من تواريخ الوقائع صفائح السيوف بفضل جوهريتها وكيفية طبعها. فإن قيل حلية آلة الحرب وحلية لواحق الفرس المختلف في إلحاقها بالسيف، وإن لم تشعر بالمعنى الذي في
[341/6]
السيف كما بسطتموه ولم تشتمل على معناه كما قدمتموه فإنه مشعر بمكانة صاحب الآلة المحلاة ولواحق فرسه. وعلى رتبته وشرف منزلته في قومه، وذلك مشعر بشدة إقدامه وحيائه من الفرار، ورضاه بإتلاف نفسه، ولا يسلك في الحرب سبيلا من سبل العار، وذلك أعظم شيء في إرهاب العدو.
وقيل لعمري: إن الذي ذكرته وإن نقص عن معنى السيف فيما أشرنا إليه، فهو معنى يجب اعتباره وسبيل سابل لاستباحة حلية ما ذكر، وإن كان خلاف المشهور، وقد اختاره بعض الأئمة من المتأخرين.
وما قيل من أن لواحق الفرس ملبوسة للفرس، بخلاف السيف وما يتصل بالفارس فضعيف. وهب أن ذلك يصدق بحسب اللغة، إلا أن المقصود هنا إنما هو الاستعانة بالفرس، وظهور آثار فعل راكبه، حتى إن الشرع جعل له سهمين، وركابه سهما واحدا، ولن يتمكن راكبه من صدور تلك الآثار إلا باللجام الذي يملك به الكر والفر وبالسرج الذي هو أصل في ثبوت الراكب عليه وما يلحقه من صدرة وحزام شد، وركاب يعينه بالاعتماد عليه على قوة الطعن والضرب وشدة الجري ومهامز يملك بها من قوة جري أو فتور، فالنظر إلى اللبس قد علمت ضعفه، وإنما النظر إلى القوة والإرهاب وأسباب غلبة عدو الله وعدونا.
فدلت روايات من هذا الحديث الكريم النبوي على تحريم إعطاء بعض البنين دون بعض منها رواية لا أشهد على جور, وهي ظاهرة الدلالة, ومنها رواية اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم على القول بان الأمر محمول على الوجوب حتى تصرفه قرينة لغيره. ومنها رواية أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء, قال بلى, قال فلا, إذا فإنه عليه السلام أومأ إلى علة منع تخصيص العطاء ببعض دون بعض, وهي مخافة أن يقع من الممنوع تقصير في البر لوالده, وذلك ممنوع محرم, ووسيلة المحرم محرمة. ومنها رواية لا أشهد إلا على حق, فاقتضى أن الذي امتنع عليه السلام من الشهادة عليه غير حق فيكون باطلا. ولما تكلم الإمام أبو عبد الله المازري على مسألة إخراج البنات من الحبس, وحكى الأقوال المنصوصة فيها, نقل عن بعض شيوخه أن الأقوال المذكورة في إخراج البنات من الحبس جارية في مسألة إعطاء بعض البنين دون يعض, وسلم ذلك له, ونحو هذا يظهر من كلام القاضي أبي الوليد الباجي, فيحسن على مقتضى هذا كله ما أفتى به المتأخرون من محققي الشيوخ المشار إليه في السؤال, لأن المسألتين عنده سواء, وحكمها متحد, وقد شهر غير واحد من المحققين إبطال حبس أخرجت منه البنات, وهو صريح رأي الشيخ خليل في مختصره, وقال صاحب الشامل فيه إنه لا
[
فأجاب: هم ضامنون إلا أن يقيموا البينة بالبيع والقبض إلا أن يكون من هؤلاء الوكلاء من السماسرة الطوافين الذين عادتهم لا يشهدون على ذلك فالقول قولهم مع أيمانهم ولا ضمان عليهم.
[طبيب يهودي جعلت عنده أمة ليطببها فضاعت]
وسئل ابن المكوي عن مملوكة جعلت عند يهودي ليطببها فضاعت عنده.
فأجاب بأن عليه الضمان.
وأجاب ابن الحاج بأن قال: الصواب عندي أنه لا ضمان على الطبيب في ذلك وعليه اليمين إن كان متهما قبل أن تضمين الصناع إنما هو فيما يغاب عليه وهذا مما لا يغاب عليه.
وسئل ابن الحاج عن نخاس دفعت له رمكة يسوقها ثم ردها إلى الخيل فضاعت.
فأجاب: ظهر لي أن لا ضمان عليه في الرمكة لأنهم كالأجراء ولا وجه لمن قال يضمن وكذلك الفتوى في مسألة أبي عمر الأشبيلي ولا أقل أن يجعلها كالرهن ولا ضمان عليه فيما لا يغاب عليه ومثله العارية يخرج الصناع من هذا الباب لضرورة الناس والأغلب إنما يدفع إليهم ما يغيبون عليه ولا بد من يمين النخاس أنه ما غاب على الرمكة ولا دلس على صاحبها إلا أن يثبت أنه ضيعها فيضمن قيل مسألة النخاس أخف لأنه سمسار والمشهور فيهم عدم الضمان ومسألة الطبيب صانع والمعروف أنهم يضمنون من حيث الجملة.
[319/8]
[320/8]وسئل عن الطحان يعامل على إسلام الطعام إليه في الأوعية من غير حضور صاحبه.
فأجاب: هو ضامن من للأوعية فارغة كانت ضاعت أو بطعامها وضامن للطعام وأما الصاغة فيتخرج فيهم القولان كالأجير المشترك واستحسن بعض الفقهاء أن من كان منهم موصوفا بالخير والثقة فهو كالأجير في ما ضاع أو ادعى رده، وإن لم يكن كذلك فهو ضامن لما ادعى ضياعه أو رده، والذي عليه الفتيا والعمل أنهم كالصناع وفي الواضحة المشترك بين الناس يضمن والمنفرد لصاحب السلعة لا يضمن.
[الخبز يحترق في الفرن فيقول الفران هو لفلان وينكره]
وسئل عن الخبز يحترق في الفرن فقال الفران هو لفلان وقال صاحبه ليس خبزي.
سقته الرواعد البيت، والصيف مطر الصيف، وقال الأصمعي هي للجزاء ( )(¬1) فإن وقفت يا سيدنا الفقيه على كلام الأئمة فقف معه، واعلم أن من اعترض اعترض عليه، اللهم إلا أن يقول لا يصلح في شيء من هذه المعاني من كلام الشريف غير الشرط والجزاء حسبما قررتموه، والمنصوص فيها أنها إذا كانت شرطا أنها للشك والتجويز بخلاف إذا فكلام يصح، إلا أن عندنا ما يرد إن أراد التمسك به، الثالث أن قوله: وكما لو دبر عبده فإنه يمكن صرف التدبير إلى معنى الوصية إلى آخره، قلت: أما ( )(2) بمحله وموضوعه، لأن الإمكان هو تقرير محتمل، وهو تارة يقرب وتارة يبعد (3) هنا خروج اللفظ عن ظاهره قدر فيه الإمكان فأي شيء ينكر من هذه اللفظة في هذا الموضع؟ الرابع قوله ولم يثبت لنا قولا من أئمتنا في كلامه بوجه قلت: الأحكام الفقهية والقواعد المذهبية التي لا يقع فيها تنازع ولا اختلاف لا يحتاج (¬2) لإمام معين وإنما يفتقر إلى ذلك في مواضع الاختلاف (2) المذاهب ليتمسك المستدل والمقلد بقول إمام (3) في نازلته فالاعتراض في مثل هذا تعرض للنقض وتضعيف للنظر.
وحاصل رد غ على ش (4) على الشك والإمكان وعدم نقله عن إمام، وهذا كله بعد تسليمه لا يقدح في كلام ش لأنه (5) من الشرط في التدبير والوصية في العتق المنافي لمطلق حقيقتها لا يمنع إعمال جواز صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه فلا يكون اللفظ حينئذ عاملا بخلاف الوصية، فإن إعمال الشرط يؤدى إلى بطلان مسماها الشرعي إذ من لوازمه جواز الرجوع وليس اللفظ (6) يمكن حمل لفظ الوصية عليه وجوب حمل اللفظ (7) لا مجاز له في الكلام الذي جعل جزءا منه على حقيقة (8) وجواز حمله (9) مجاز صالح حينئذ قاعدة ضرورية لا يفقر المتمسك بها إلى نص يعزوه، ولا إلى برهان يتلوه، ففي أي شيء(10)
[
وسئل ابن لبابة عن رجل توفى وعهد بنصف داره ، وفي الدار المذكورة برج الحمام داخل في الدار ، وكان له باب إلى ناحية الزقاق فتضرر منه فسده ورد بابه على سقف الدار المعهود ، فإن كان حينئذ مدخله في الدار إذ صيره صاحبه كذلك وحينئذ عهد بنصف الدار فيكون نصف البرج داخلا في العهد ، وإن كان إنما عهد بها والبرج يدخل إليه من خارج الدار ثم بعد ذلك صير مدخله من داخلها فلا يدخل شيء من البرج في العهد .
[الساقية التي اعتاد أهلها خدمتها عند الاحتياج إليها]
وسئل عن ساقية جرت عادة أهلها أن يخدموها حين الاحتياج إليها من زرع في تلك السنة ومن لم يزرع إلى أن أبى بعض من لم يزرع أن يخدم مع أصحابه ، وقال لا أخدم ما لا منفعة لي فيه ، هل يحكم عليه أم لا ؟
فأجاب بأن تلك الخدمة التي احتاجت إليها الساقية إن كانت منفعتها قاصرة على تلك السنة التي احتاج إليها الزرع في ذلك الوقت فنفقتها على أصحاب الأرض المزدرعة دون من سواهم ومن ليس له زرع في ذلك الوقت ، وإن كانت منفعتها راجعة إلى أهل الساقية عامة لكل من يسقي عليها في كل وقت بعد ذلك فالنفقة على الجميع على أصحاب الأرض المزدرعة منها بقدر منفعتهم العاجلة والآجلة ، وعلى غيرهم بقدر منفعتهم الاجلة ، إذ لا يتعجلون الآن منفعة بتلك الخدمة . ولا فرق في هذا الحكم بين أن يكون الماء متملكا أو غير متملك ، هذا الواجب في الحكم ، ولهم بعد ذلك أن يتفقوا على ما شاءوا .
[274/10] [التنازع على السقي من الماء المتملك الأصل وغير المتملك الأصل]
وسئل عن ساقيتين ترفعان من واد واحد إحداهما فوق الأخرى وقع بينهما نزاع ، وفي السؤال زيادة لم تظهر ولم تثبت إلا فيما يظهر من الجواب .
272/11] أقوى وأبعد من الشك والريب والشبهة وترى من المكلف باليقين الذي ليس هو بمعنى الكشف والانشراح كان قلبه قابلا للشبهة حتى ينظر ويستدل على نفيها بالنظر العقلي إن كانت فيه فضله، وإلا طلب من يكشف له الغطاء عنها ممن يثق به، فإن خاف أن لا يصل نظره إلى كشفها أو عسر عليه أستاذ يكشفها له، التزم تقليد ما عليه جماعة السلف الصالح من أهل السنة، ومتى قدر على نفيها بالنظر القريب البديهي فلا بد له منه، وأقله أن ينظر إلى نفسه، وإلى تغير حاله من صحة سقم، والى انتقال سنه من صغر إلى كبر، ومن فرج إلى هم، ومن حركة إلى سكون، ولا يخلوا عن شيء من ذلك علم قطعا أن انقلابه في ذلك من حالة إلى حالة أخرى عن ذلك كله محدث يحتاج إلى محدث وخالق ينشئه، ولا أن تكون لخالق ذلك فيك فكرة علمية، تتعلق بإيجاد ذلك زمن الوجود، وإرادة تخصصه ببعض الازمنة، وببعض الصفات دون بعض، ولا بد أن يكون عالما بذلك قبل وجوده، وأنه لا يتجدد له به علم إذا أوجده، بل يقع على الصفة التي كان عالما بها قبل وجوده، ولا بد أن يكون حيا لاستحالة قيام القدرة والإدارة والعلم بمن ليس بحي، ولا أن تقوم هذه المعاني بأنفسها حتى لا تفتقر إلى محل، ولابد أن تكون هذه قديمة موجودة لم يسبقها عدم، كما لم يسبقه عدم. وباقية ببقائه، لا يعقب شيئا من ذلك عدم. وإذا علمت ذلك وقطعت به، علمت أنه ذات الصانع لهذه الكائنات لا يشبهها شيء ولا تشبه بالمصنوع وتقطع بأنه حادث تقدمه عدم وما تقدمه عدم يلزم أن يتقدمه عدم آخر فالصانع لا بد أن يكون مخالفا لمصنوعه قطعا، إذ لو جازت المماثلة لجاز للحادث أن يخلق مثله ولا قدرة للحادث على خلق شيء.