فأجاب عنهما, ونص جوابه عن الثانية: وأما المسألة الثانية وهي مسألة تعدد الجمعة في البلد على الوجه المذكور فلا خفاء أنه بعد اتصال احدى المدينتين بالأخرى ورجوعهما مدينة واحدة يمتنع تعديد الجمعة فيها عند من منعه مطلقا, لأن الغرض من اتحادها عنده إزالة التفرقة بين المسلمين في هذا المشهد العظيم, والجمع بين كلماتهم ورغباتهم وأدعيتهم حتى ينتفع بعضهم ببعض وتفيض بركة أعلامهم على أدناهم, لأن التفرقة في هذا المشهد العظيم فيها مع ما فات بها من المصالح التذرع إلى افتراق الكلمة وإثارة الفتن بين المسلمين في الظاهر والباطن. ولا شك أن هذا المعنى موجود في نازلة السؤال بل أعظم, لأن الافتراق الحسي الموجود في ذينك الموضعين بحسب المساكن إذا ضم إليه التفرقة في المحافل الدينية كالجمعة كان ذلك أفضى إلى الفتنة وفساد القلوب, إلا أنه لضرورة الضيق وتعذر السعي في مسجد يسع الجميع, تعين العمل بالقول بالتعدد إما مطلقا أو في مدينة ذات جانبين كهذه المدينة التي ذكرتم. ولو قيل بجواز التعدد في مثل هذه الصورة التي يتعذر فيها اجتماع الناس في مسجد واحد لما بعد. وإن كان الذي يظهر من كلام بعضهم في نقله لما ذكرتم من الأقوال أنها على سبيل الخلاف لا على سبيل التقييد
[
قال ابن رشد: والصواب مات قاله ابن كنانة، وعليها الأدب الوجيع والسجن الطويل على القول الآخر، والله يعصمنا وإياكم من سوء التدبير وبه التوفيق، وكتب محمد بن يعقوب البطوي تاب الله عليهما برحمته.
[ جريح وهب دمه لأجنبي فله الحق في القصاص أو أخ الدية ]
*وسئل العبدوسي عن جريح وهب دمه لرجل أجنبي وجعل له النظر في القود من الجاني وأخذ الدية ثم مات الجريح وأحاط بإرثه والده وأجاز فعل ولده، ثم اصطلح الجارح مع والد القتيل على مال بعد اعترافه بالقتل وقام الموهوب له يرد صلح الأب المذكورب، هل يمكن من مراده أم لا؟
[294/2]
[295/2]
=فأجاب بما نصه: الحمد لله دائما الجواب والله سبحانه الموفق للصواب بمنه، أن الحق ‘نما هو حق الموهوب له في القصاص أو أخذ الدية، ولا كلام في ذلك للأبوين بوجه ولا حال، نعم إذا وقع الصلح بالدية نظر فإن كان قدر ثلث مال القتيل فأقل كانت للموهوب له، وإن كانت أكثر من الثلث صح منها الثلث وعاد الزائد ميراثا إلا أن يجيزه له الورثة، انظر النوادر أو الذخيرة أو المنتقى تجده والله الموفق، وكتب عبد الله بن محمد العبدوسي لطف الله تعالى به.
[ عض أصبع رجل فورمت يده فقطعت ومات ]
*وسئل ابن أبي زيد عمن كدم أصبع رجل فقطعه فاشتد عليه الأمر وانتفخت يده وتساقط لحمها وظهر العظم ورآه طبيب فأكره بالقطع فأذن له فقطع يده الطبيب فمات.
*وسئل عمن نزل على بكر فافترعها ، فبعث القاضي إليه رسالة فأقر بذلك مرارا فبعث إليه عدولا فسألوه فقال : إنما قلت ذلك لتتزوجني ، ولم أفعل . هل يلزمه الحرام أم لا يلزمه إلا الأدب ؟
=فأجاب : إذا صح الإقرار الأول فهو مأخوذ به ، والنكاح مفسوخ إذا تزوجها قبل الاستبراء .
[من طلق زوجته واتبعه بقوله : هي مثل أمي أو كظهر أمي]
*وسئل عمن طلق زوجته وأتبعها بقوله : هي كثل أمي أو كظهر أمي ، ثم أراد تزويجها بعد العدة هل يكفر ثم يتزوج ، أو يتزوج ثم يكفر ، وكيف إن خيف عليها إن تزوج قبل التكفير أن يطأها قبله ؟ وكيف لو كان ماله مغصوبا ، فهل يشرع في حقه الصوم أم لا ؟
[266/3]=فأجاب : لا يكفر قبل النكاح ، وإذا تزوج وجب الظهار ، ومن كسبه حرام كفر بالصوم .
[نكاح يتيمة من مظاهر بإذن وليها الوصي عليها وولاية أخيها]
*وسئل عن نكاح يتيمة من مظاهر بإذن وليها الوصي عليها وولاية أخيها .
=فأجاب : عقدهما عليها غير جائز ، ويفسخ ولا يمضي عليها .
[البكر اليتيمة تريد النكاح وتدعي أنها حاضت]
*وسئل عن البكر اليتيمة تريد النكاح وتدعي أنها حاضت هل يقبل قولها أو ينظر هل أنبتت أم لا ؟
=فأجاب : يقبل منها إذا أمكن ذلك .
[من تزوج بنقد والعادة عدم قبضه ، ولكن بأتي الزوج بكسوة مسماة الثمن]
*وسئل عمن تزوجت بنقد والعادة عدم قبضه ، ولكن يأتي الزوج بكسوة مسماة الثمن وتحسب من النقد قبل الدخول .
=فأجاب : النكاح فاسد بما وصفت .
[من تزوج امرأة بمهر وشرط على أمه نصف دارها أو نصف جنة]
*وسئل عمن تزوج امرأة بمهر وشرط على أمه أن تعطيه نصف دارها أو نصف جنة ، هل يجوز هذا النكاح أم لا ؟ وإذا جاز فأراد الشفيع الأخذ بالشفعة ، هل له شفعة أم لا ؟ وربما يأخذ بها ؟
وسئل عن رجل له دين على آخر فطلبه به فجحده إياه فتشاررا كثيرا إلى أن قال رب الدين عليه الطلاق حتى نقتلك على متاعي، ثم أقر له ودفع له دينه، هل يحنث ولو ادعى نية إن لم يخلصني لمخالفته نيته ظاهر لفظه والفرض أنه مأمور في يمينه ببينة؟ أو لا يحنث لكون ما ادعى من النية هو غالب قصد الناس فيما يشبه هذه اليمين، فتكون قرينة مخصصة؟
فأجاب: رب الدين لا حنث عليه لما رجع مدينه إلى الإقرار وقضاه دينه، وقد قيل في هذا يحنث على كل حال لحلفه على ما لا يتمكن منه شرعا.
[ينبغي للقاضي ببلد لا تجري الأحكام الشرعية فيه ألا يتشدد بملازمة المشهور]
وسئل عن بلاد علمت بالفساد وعدم جريان الأحكام الشرعية فيها، تقع بالرجل نازلة يقتضي الحكم الشرعي فيها في المشهور من المذهب كالحنث والأيمان الأزمة مثلا، فإذا حكم القاضي فيها بالتحريم قد لا يعبأ بحكمه ويمضي الحانث لصاحبه من أمراء العرب فيشتكي له أن القاضي حكم عليه بتحريم زوجته، فيأمره صاحبه المذكور برجوع زوجته وعدم الانقياد لحكم القاضي. فإذا كان الحاكم هكذا فهل للقاضي أن يقلد غير المشهور ويردها له تقليدا لهذا القول وصيانة من وطء فرج حرام لعدم الانقياد للحكم، ويكون أولى من تركه على الاسترسال عليها بلا نكاح؟ أو يترك حتى يقدر عليه؟
فأجاب: إن حكم الحاكم بالحنث فيما ثبت عنده وأعذر فيما مضى حكمه وطرح ما ذكره غيره، وإن لم يصدر منه حكم ورأى من هو أهل للعذر ومن كان للشيء منه فلتة يحس أن يتركه لتقليد قول له فيه رحمة، وأما من دأبه الأيمان ويستخف بأمرها فلينفذ عليه الحكم بالمشهور.
[من حلف ألا يسكن مع صهرته في دوار واحد]
وسئل عن رجل حلف بالحرام ألا يسكن مع صهرته في دوار واحد،
[294/4]
[295/4]
وغيره من الورثة يتصرفون في الملك بالبيع وأخذ الغلات والحراثة إلى غير ذلك من أنواع التصرفات مدة تزيد على الثلاثين سنة أيضا، وذلك كله على عين رجل وبمحضر والده، وكان يشاركه في بعض السنين بالحراثة ويكري منهم ولا مانع له من القيام ولا لأبيه، فقام الآن هذا الرجل وادعى أن والده ابتاع مواضع منها من أبي الهالك أو لا فأجابه الابن بأن قال فما سكوتك وسكوت والدك عني وعن والدي طول حياتي وأنت بعدهما هذه المدة الطويلة؟ فقال إنما سكت لأجل وظيف مخزني كلف على والدي وعلي وكان شراء والدي على الحرية من الوظائف فهل يا سيدي إذا ثبت شراء والده لا يضرهم السكوت في هذه المدة أم اليد أقوى من ذلك إذ من مجيء السعيد إلى بلاد المغرب لم يعط الوظائف المخزنية في بلادهم إلا مرتين أو ثلاثا؟ بين لنا ذلك بيانا شافيا.
فأجاب: الجواب على تقدير ثبوت البيع للقائم كما زعم أنه لا قيام له ولا حجة له بما ذكر من الوظائف المخزنية بوجه ولا حال.
[مسألة من بابة المسألة السابقة]
فأجاب بما نصه: الحمد لله جري ما قيل في تحلية الركاب وفي اتخاذه خالصا من الذهب والفضة يتوقف على تحقيق القول في تحليته. فاعلم أن أصول الأقوال وإن تعددت أنواعها وتكثرت أصنافها التي جعلها الله قيما ونهانا أن تؤتى السفهاء إياها.
الذهب والفضة هما مادة الدنانير والدراهم المضروبة منهما المتوصل بها إلى الأغراض. وأثمان الأشياء وقيمتها تتقوم بذاتها ويقوم غيرها بها، بخلاف سائر المتمولات، فإنما يكال منها ويوزن وأن تقوم بذاته فإنه لا يتقوم به غيره. وما لا يكال ولا يوزن، فإنه لا يتقوم بذاته، ولا يقوم به غيره، وإن جعل غيرها في بعض الأقطار ثمنا كالفلوس وشبهها فلتعذر التصرف بهما فيما يتصرف فيه بالفلوس أو بعدهما، أو يكون ذلك نادرا. ومن ثم لم يبلغ بها في باب الربي مبلغها. فوقع من الخلاف ما قد علم. وقد خصهما الله
[338/6]
بالذكر في الكنز من بين سائر الأموال فقال: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾. وفي استدراج من كفر به، وإملائه له. ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوته سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون﴾. وقد خص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذكر في إخباره عن استكثار ابن آدم من الدنيا وحرصه عليها فقال فيما رويناه في الجامع الصحيح عن أبي نعيم قال: حدثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل(¬1) عن عبد الله بن سهل ابن سعيد(¬2) قال: سمعت ابن الزبير(¬3) على منبر مكة يقول: يا أيها الناس إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب إليه ثانيا ولو أعطي ثانيا لأحب إليه ثالثا ولا يسد جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب.
280/7] وقسمه بينهم على ما يجب, وقد كان بعضهم احدث في نصيبه بناء وغرسا مما له خطر وبال, فطلب قيمة ذلك من اشراكه فحينئذ يقع القسم, فهل يمكن الطالب من القيمة المذكورة أم لا؟ وإن قلتم بالتمكين فهل يعطى قيمة ذلك قائما أو مقلوعا؟ بينوا لنا ذلك يعظم الله لكم الجر والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
فأجاب رضي الله عنه بما نصه: الحمد لله تعالى دائما , الجواب والله سبحانه الموفق للصواب بمنه: إن صح ما ذكره السائل أن مضمن رسم الحبس ما سطر في السؤال أعلاه, فإن نصيب منصور ويوسف المنقرضي العقب, يكون لعقب مسعود كلهم من غير تخصيص بطبقة دون أخرى, لأن هذا مقتضى وثيقة الحبس القائلة: ومن مات منهم عن غير عقب, رجع نصيبه لعقبه, وهذه الكلمة شاملة لكل من لمسعود عليه ولادة لم تفصل بينهما أنثى, وأطلق في التشريك العقب في نصيب مسعود من غير ترتيب ولا تقديم للطبقة العليا من عقبه على ما دونها من الطبقات, فيضاف نصيب المنقرضين المذكورين لبقية سهم مسعود, ويقسم مجموع ذلك على عقبه كلهم, ولا مدخل في ذلك لأحمد ولد المحبس, لأن الموثق لم يشعر بذلك في الوثيقة, وألفاظ المحبس الشارع يجب متابعتها والوقوف على مقتضياتها, وقول الموثق, من مات منهم من غير عقب ذكر الخ: لا دلالة فيه على رجوع نصيب يوسف ومنصور المنقرضين عن غير عقب لأحمد الباقي من ولد المحبس, لأن حديثه في ذلك عن الشرط باعتبار الأعيان المسمين المخصوصين المحبس عليهم معينين ولم يعم به أعقابهم بدليل قوله المذكورين, وبدليل الجملة التي عطفت عليها هذه, وأما أحمد بن يحيى الذي هو عقب مسعود ممن يسهم له في نصيب مسعود, لأنه من عقبه, وأما اختصاص أحمد بن يحيى بالغلة والانتفاع المدة المذكورة, فإن كان ذلك لجهل من يشاركه بالأمر الشرعي, وظنا منهم أنهم لا حق لهم معه في النصيب المذكور, ففي رجوع أشراكه عليه خلاف, نصه عليه ابن رشد في
[
وسئل ابن رشد عن امرأة أعمرت أبويها في دار فمات أحدهما فقامت المعمرة تطلب نصف الدار هل لها ذلك على رأى من رآه من الأجنبيين؟ وهل الأبوان والأجنبيان في ذلك سواء أم يفترقان لأن كل واحد من الأجنبيين إنما جعل له المنفعة بنصف الدار على الاشتراك مع الآخر؟ والمقصد من إعمار الأبوين نفع كل واحد منهما بالجملة؟ بين ما عندك في ذلك.
فأجاب: لا إشكال في المسألة إذا كانت المعمرة حية كما ذكرت في سؤالك، لأنها مصدقة فيما تزعم من أنها إنما أرادت أن يرجع إليها حظ من مات منهما لا إلى صاحبه حتى يموتا جميعا. وإن ادعى الباقي منهما عليها أنها نصت في إعمارها على أن الدار تبقى على الآخر موتا منهما لزمتها اليمين ولو كانت قد ماتت فلم يدر ما أرادت لتخرج ذلك على الاختلاف في الذي يحبس الحبس على معنيين فيموت بعضهم هل يرجع حظه إلى المحبس أو إلى من بقي منهم حتى يموتوا كلهم ولا فرق في هذا بين الأبوين وغيرهم؟ وبالله التوفيق.
وسئل عمن أسكن أحدا منزلا فسكنه مع زوجته وطلقها فيه وأراد رب الدار إخراج المرأة من داره ولا تعتد فيها هل يقضى له بذلك أم لا؟ وكيف إن لم يقض له بذلك هل يلزم المطلق الكراء طول المدة أم لا؟
فأجاب: إن كان أسكنه حياته أو إلى أجل سماه فليس له أن يخرجها إلا أن ينقضي الأجل أو يموت، وإن كان أسكنه حياته قبل أن تنقضي عدتها فيكون من حقه أن يخرجها، فإن رضي أن يبقيها بعد انقضاء أجل السكنى حتى تنقضي عدتها بكراء المثل لزمه فإن كان السكنى إلى غير أجل نظر إلى قدر ما يرى أنه أراد بسكناه فيكون ذلك كالأجل المضروب إلا أن يدعي أنه أراد دون ذلك فيصدق فيه مع يمينه.
[من اكترى بسكة معينة وأراد أن يعطي غيرها]
وأيضا فإن كلامه صريح في التناقض، لأن قوله أولا بمنع ما يدعيه علة نص في إلزامه عدم وجود العلة فأول الكلام يقتضى نفي العلة، وآخره يقتضى وجودها حسبما قدرناه، ثم إن هذا القياس لو وقع كما زعم واعترض كما ذكر، لكان لنا فيه نظر، فإنه يجرى على الاختلاف في اشتراط الاطراد في العلة، ومعناه أنه كلما وجدت العلة في صورة وجد معها الحكم، فمن اشترطه جعل النقض مفسدا للعلة، هذا إذا بين النقض بطريقة، والقض إن لم يوجد الوصف في صورة من الصور ولا يوجد معها الحكم، والتحقيق فيه عند الأئمة التفصيل، فإن كان تخلف الحكم عن ذلك الوصف لا لمانع يعارض العلة فذلك النقض يفسد العلة، فعليه بيان ذلك والله الموفق.
غ: أما في المعاملات إلى قوله المكايسات.
[289/9] قلت: هذا التقسيم مبنى كما تقرر على صحة قياس الحكم على أصل بصورة، وقد تقدم أنه نظر ولم يقس.
غ: وأيضا فإن الأحكام الشرعية على قسمين منها ما هو على الحتم والعزيمة، فهذا لا يصح إبطاله ولا تركه، ومنها ما هو على سبيل التوسعة على المكلف، فهذا له تركه والانتقال منه إلى ما هو أشد وأضيق، وجلب من أمثلة أحد القسمين ما جلب، إلى قوله فرجع إلى الأصل.
وسئل عن رجل ادعى على رجل غائب عشرة دنانير من سلف وأن عمرا وهب لهذا المدعى عليه الغائب المذكور فدانا يعرف بكذا ، وأراد أن يقضى له فيه بدينه ، فأنكر ذلك عمرو فأراد المدعي المذكور أن يحلف عمرا على عدم الهبة ، فهل له أن يحلفه أم لا ؟
فأجاب : أما من ادعى قبل رجل دينا إلى آخر السؤال فلا تجب بدعوى الهبة يمين على المدعى عليه الهبة ، إذ لا ندري هل يقبل الموهوب له الهبة أم لا ؟ لأنه لا يجبر على قبولها ، فبتقدير عدم قبولها لو حضر فليست من ماله ولا يجبر على قبولها وإن كان مفلسا ، وبالله سبحانه التوفيق .
[إذا أجل القاضي أحد الخصمين أجلا فقال خصمه أنا أؤجله أكثر]
وسئل عن القاضي يؤجل أحد الخصمين أجلا فيقول خصمه أنا أؤجله أكثر ، هل يجيبه إلى ذلك أم لا ؟
فأجاب : أما رضى الطالب بالزيادة على الأجل الذي أجله القاضي للمطلوب فيجوز بشرطين ، أن لا يكون في الزيادة عليه شغب على القاضي وطول في الخصومة ، وأن يرضى بذلك المطلوب ، وبالله سبحانه التوفيق .
وسئل عن رجل طلب بمظلمة فقام بعض أولي الأمر ممن المطلوب يخدمه وحلف بالأيمان اللازمة ليغر من عنه من ماله ، وحلف المطلوب [270/10] المذكور بمثل ذلك ليعطين ذلك من مال نفسه ، فهل يبران إن ترك له المال المطلوب منه أم لا ؟ وما يبرهما في ذلك ؟
فأجاب : أما مسألة المطلوب بالمظلمة إلى آخرها فإن أسقط طالبه المظلمة التي طلبه بها فلا يحنث واحد منهما إلا أن يكون قصدهما غرمها مطلقا سواء أسقطها الطالب أم لا ، فهنا لا يبران بإسقاطها ، ويكون ذلك بمثابة ما إذا طلبه بها ، والحكم فيها إذا طلبه الطالب بها أن من غرمها أولا مبادرا بغرمها بر في يمينه وحنث الآخر ، وبالله سبحانه التوفيق .
وسئل عمن قام عند القاضي برسم يتضمن تجديد حجر على بكر فأبطل الحجر لعدم تضمين الشهود معرفة وقت الدخول ما وجهه ؟
فإن قلت: في الحديث "من في قلبه مثقال" وختم بمن قال لا إله إلا الله لم يجز ذلك لمن في قلبه أكثر من مثقال من المؤمنين، فاعلم أن الإذن له عليه السلام في إخراج من في قلبه مثقال إذن فيمن كان في قلبه أكثر من ذلك. وهذه صيغة من صيغ كلام العرب من مفهوم كلامها بالصريح ويسمى فحوى الخطاب، ومنه تعالى: ﴿ولا تقل لهما أف﴾ ففهم المسلمون إجماعا أن تحت هذا اللفظ النهي عن الشتم والضرب. وكذلك قوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك﴾ فنبه على ما دونه، ثم قال: ﴿ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك﴾ فنبه على ما فوقه. ومن هذا كله قوله عليه السلام: "شفاعتي لمن قال لا إله إلا الله" فنبه أن من حصل له مجرد الإيمان دخل في الشفاعة، فمن زاد عليه أولى إذ قد حصل ذلك من قال لا إله إلا الله وزاد. والله ولي الرشاد.
[التقليد في مسائل الاعتقادات]
وسئل الفقيه الحافظ أبو الفضل راشد بن أبي راشد الوليدي رحمه الله عمن يجري في قلبه وسوسة من الشيطان الرجيم أعاذنا الله وإياكم من شره بمنه وكرمه، فيما يتعلق بالله تعالى وصفته ذاته، والمكان والجهة، وأنه أعزكم الله يعترضه كثيرا مما لا ينبغي أن يتكلم به في صفة الله، وصفة ذاته، حتى يضيق صدره لذلك، ويخاف أن يوقع عليه من ذلك خبلا في عقيدته، أو تزلزلا في إيمانه، وأعوذ بالله من ذلك، فيستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويفزع إلى سورة الإخلاص، وإلى تلاوة آيات التوحيد، ونفي التشبيه وإلى ما تلقيناه في صغرنا وكبرنا من ساداتنا العلماء الراسخين أهل السنة والجماعة، واتباعا لسنتهم فيما اعتقدوه ويأمرونا باعتقاده من نفي التشبيه والتكذيب والتحذير ونفي كل ما يجوز على الحوادث من صفات الحدوث
[