قلت: محمل أمرهم على التقليد حتى يدل دليل على خلافه. قال بعض كبار مشايخ المذهب: الأولى عندي في كل نازلة يكون فيها لعلماء المذهب قولن, فيعمل الناس فيها على موافقة أحدهما وإن كان مرجوحا في النظر أن لا يعرض لهم وأن يجروا على انهم قلدوه في الزمان الأول وجرى به العمل, فإنهم إن حملوا على غير ذلك كان في ذلك تشويش للعامة وفتح لأبواب الخصام. قال وربما يخالفني في ذلك بعض الشيوخ, ولكن ذلك لا يصدني عن القول به ولي فيه إسوة. وبهذا المعنى الذي نقلناه عن هذا الفاضل رحمه الله وغفر له تتضح لكم صحة جمعة جماعة العنانية ومن في سلكها من الحلوية وجامع القصر من تلمسان, وبه يتضح لكم العذر عن أولئك الأيمة الفضلاء الجلة الأعيان. فإذا صحت جمعة جماعة الطالعة بتقليد المخالف في المذهب على النحو السابق, فلأن تصح جمعة جماعة القرويين إن لم يكن هو العتيق على ما ذكرتم عن المؤرخين, بتقليد قول مذهبي رجحه كثير من مشايخ المذهب وجرى به عمل المتقدمين والتأخرين أولى وأحق.
لا يقال إنما يتنزل ما ذكرتم عن ذلك الشيخ على نازلة القرويين لأنها جمعة ثانية وفيها من الخلاف المذهبي ما قدمتم والعمل فيها موافق للموجود في المذهب. وأما نازلة الطالعة فلا يتنزل عليها لأن الخلاف فيها خارج المذهب ولم يذكرها ذلك الشيخ لقوله يكون فيها لعلماء المذهب قولان. وهذا القول فيها بالجواز لغير علماء المذهب.
لأنا نقول: موجب الصحة إنما هو التقليد فيما ينقص فيه حكم الحاكم على ما مر بيانه في الجواب عن السؤال الأول. على أن الأنسب والأقيس جواز إحداث ثالثة ورابعة. ولا فرق لولا ما أشار إليه القاضي في استدلاله, ولأن الشأن عند الفقهاء في الالزامات أنها مباحث علمية لا علية, فلا تحل بها فتوى ولا عمل. نفعنا الله وإياكم بما احتوى عليه هذا المكتوب
[
*وسئل الصالح أبو سالم اليزناسني عن امرأة أدمت على رجل بجرح فأقامت بعد ذلك تأكل وتشرب نحوا من شهر، ثم إن الجرح الذي أدمت به أكن في داخله قيحا قبل أن يتبين برؤة فدعت إلى الحجام وبقر عن الجرح المذكور وقطع من فمه قطعة من اللحم من أجل ما أكن الجرح المذكور من القيح والريح، ثم ماتت بعد ذلك قبل أن ظهر برؤها فهل يسقط القتل عن الجارح إذ لا يدري هل ماتت من فعل الحجام أو من فعل الجارح فلا يقتل بالشك؟ أو يقتل لأن أصل الجرح من فعله فلا يسقط القتل؟ كما قالوا فيمن جرح رجلا جرحا ثم ضربته دابة أو وقع من جدار فأصابته جراحات أخرى ثم مات فللأولياء أن يقسموا أن من جرح الجارح مات، وهو كمن المجروح، قاله في الزوائد، وكما قالوا إذا كانت رمية الصبي خطأ ورمية الرجل عمدا فمات منهما جميعا، فأحب إلي أن تكون الدية عليهما جميعا، لأني لا أدري من أيهما مات إلا أن يدعي الأولياء أنهم علموا الضربتين وأن ضربة الرجل هي القاتلة، جوابكم في ذلك والله تعالى يعينكم على ما قلدتموه والسلام عليكم والرحمة والبركة، وفي ابن الحاجب إن طرأت مباشرة بعد أخرى فإن كان عن ممالاة قتلا جميعا، وإلا قدم الأقوى وعوقب الآخر.
=فأجاب: بأن تدميتها صحيحة، وأن الجارح يؤخذ بدمها بعد القسامة للأولياء وبط الحجام، إنما كان لأجل الأذى الذي كان فيه ولم تبر المرأة ولا تشبه المسائل التي نظروا بها لأن كل واحد من تلك الأفعال مستقل بنفسه ويقع الشك والمسألة فعل واحد ولا شك فيه والله أعلم، وكتب إبراهيم بن عبد الله اليزناسني وفقه الله.
=فأجاب : بأن رضاه بعد بلوغه لا يجوز ، كان عالما أن ذلك يلزمه أو لا يلزمه .
[من تزوج بصداق جميعه حال ، وسموا في حين العقد النصف نقدا ، والنصف مهرا]
*وسئل السيوري عمن تزوج بصداق جميعه حال ، وسموا في حين العقد النصف نقدا والنصف مهرا ، فالنقد منه يدفع قبل الدخول ، والمهر هو نصف الصداق يدفع بعد الدخول ، وليس للدخول وقت معلوم ، هل يجوز هذا النكاح أم لا ؟
=فأجاب : إن كان لا يعرف للدخول وقت بل يختلف اختلافا كثيرا فالنكاح فاسد .
[من كانت عادتهم أن الصداق يكون بدنانير منها ما يدفع دنانير قبل الدخول]
*وسئل ما ترى في أهل قصور قفصة ، عادتهم في بدء حالهم أن الصداق يكون بدنانير منها حالا يدفع قبل الدخول على حال ، لكن عادة الجميع أن الدنانير النقد التي تدفع قبل الدخول ، لا تقبضها المرأة ولا أبوها ولا وليها دنانير ، وإنما يأتي الزوج بكسوة وحلي وذهب يقول اشتريت هذا بكذا واشتريت[264/3]هذا بكذا ، وربما كان الحلي فضة أو بعضه فضة وبعضه ذهب ، فيحسب ذلك من الصداق النقد الحال المدفوع قبل البناء ، هذه العادة المستمرة في جميعهم ، فهل هذا يوجب فساد النكاح ولم يسأل عن تاريخ المهر إلى موت أو فراق ؛ لأن هذا بعيد في القياس الدخول في النكاح بسببه ، وإنما سألنا عن فسخ النكاح أو صحته بالعادة في إتيان الزوج بالكسوة والحلي وبما كانت الكسوة مختلفة والحلي كذلك .
=فأجاب : النكاح فاسد بما وصفت .
[من شرطت على الزوج أن لا يخرجها من بلدها وعليه عهد الله وميثاقه]
*وسئل عمن شرطت على الزوج أن لا يخرجها من بلدها وعليه عهد الله وميثاقه .
=فأجاب : إذا كتب من ذكرت العهد والميثاق في الصداق ، منع من الخروج بالقضاء ، ذكره ابن المواز وعليه احتجاج يظهر بالمشافهة .
[النظر للأجنبية يحرم ابنتها ، وكذلك دواعي النكاح]
*وسئل عن النظر للأجنبية هل يحرم ابنتها وكذلك القبلة ونحوها من مقدمات النكاح .
لا يقدح في عدالة الشهود وعدم رفع شهادتهم إلى القاضي إن كان للتقية]
وسئل عمن دأبه مشاررة زوجته وأذيتها فتشتكي به وتوارب عنه
[291/4]
[292/4]
وتغضبه، فتمشي إلى دار أوليائها فيردونها بعد أن ينهي عن مشاررتها ويتوب عن إساءتها، فإذا أقامت عنده يوما أو يومين، رجع إلى إذايتها بالضرب والسب فتنفر منه أيضا، ورغبها في الرجوع فأبت وطلبت فراقه، فاستشفع لها ببعض من يكرم عليها، فرغبوها فتشكت لهم بإذايته وضربه إياها، فحلف بالأيمان تلزمه لا ضربها، فرجعت نحو اليومين فضربها أيضا وجرحها، فرفعت الأمر إلى القاضي فعزلها عنه لثبوت حلفه عنده بما ذرك وحنثه، فأعذر إليه في ذلك فأنكر ذلك، وقال على تقدير أني حلفت ما حلفت إلا أني ما نضربها اليوم أو الليلة، وأما للأبد فلا، فلم ينوه في ذلك، فأتى ببينة تشهد له أنه كان قبل حلفه هذا بنحو خمسة أشهر حلف بالطلاق على بنت له ماتت لا كفنت إلا في ملحفتها التي كانت تلبسها، ثم كفنت في شقة، وبين اليمينين نحو من خمسة أشهر. فسئلت البينة التي شهدت عن سكوتها وكوهم لم يرفعوا الأمر إلى القاضي مع علمهم باسترساله على زوجته إلى الآن، فبعضهم يقول جهلت أن هذا يلزمني ويعتقد أن الشاهد لا يلزمه الرفع إلا إذا سئل، وبعضهم يقول خفت من ذعارته، فإنه وقيح سفيه ذو لسان مطلوق، وأعراض الناس عنده كلا شيء، وخفت يعمل بي المحافل في الأسواق، ويأخذ في عرضي مع قلة الأحكام بالموضع، وبعضهم يعتذر بالأمرين معا: الجهل والخوف، فهل ينفعه ما شهدت به هذه البنية أم لا؟
فأجاب: أما إن كان الطلاق رجعيا فلا يصل بعدم الرفع في ذلك إلى جرحة الشاهد، وأما إن كان الطلاق ليس برجعي فإن عرفت تقية الشاهد من المشهود عليه بأزيد من لسانه فأقبل شهادتهم، ويكفي علمك بذلك. وإن لم يكن إلا إذاية المشهود عليه بأخذه في عرضه لا يتعذر ذلك. فلا عمل على شهادته.
[
وسئل عن رجل لقي رجلا آخر في الطريق إلى السوق ومعه ربعان ونصف ربع من زريعة الحساء فقال له لمن هذه الزريعة؟ قال له: هي لأني أمرني ببيعها، فقال له بعها مني، فقال له اشتر مني يعني هذين الربعين ونصفا وعند أبي في الدار ربعان آخران أبيعكهما أيضا فاشترى منه نصف ما حضر ونصف ما في الدار من الزريعة المذكورة على أن لا يقتسماها حتى يبيعاها، وبين الدار التي بها باقي الزريعة والسوق مسافة يوم، فباعا معا جل ما معهما من الزريعة، ثم إن المشتري طلب من البائع أن يمكنه من الزريعة التي اشترى منه الباقية في الدار ليبيعاها معا أيضا فامتنع أبو البائع من دفع ذلك إليهما وقال: لم آمر ابني إلا ببيع ما خرج به إلى السوق خاصة، ووافقه ابنه على ذلك وأنكر أن يكون باع ما بقي في الدار، وأقام المشتري بينة أن الابن المذكور باع منه نصف الجميع على الشرط المذكور والولد المذكور يتصرف لأبيه كثيرا في البيع والشراء، فهل يصح هذا البيع أم لا؟ فإن قلتم بعدم الصحة فما الحكم فيما بيع منها وما بقي؟ وهل الولد المذكور محمول على الوكالة؟ بينوا لنا ذلك كله.
فأجاب: البيع على الوجه المذكور فاسد لوجوه منها: التحجير على المشتري في مشتراه حتى يبيعا معا إلى غير ذلك من علل الفساد، ثم إن البيع الصحيح يفيت البيع الفاسد فيرجع البائع عليه بمثل وزن حنائه وصفتها فإنها من ذوات الأمثال ويمضي البيع أيضا في الأقل الباقي منها إذ هو بحكم التبع للأكثر الفائت فيغرم له ربعا وربعه ويرجع المبتاع عليه بمثل الثمن إن كان دفعه إليه ويسقط عنه إن كان لم يدفعه إليه ولا يمضي البيع فيما أنكره الأب، وسواء ثبت توكيله لولده أم لا، وبالله سبحانه التوفيق.
[268/5]
[رجل مريض أمر شخصا ببيع دابته فباعها ثم مات المريض]
ويقرر هذا بأن يقال: إذا ثبت انفراد تحلية السيف وهو موضوع الاجتماع من صورة الخلاف وهي تحلية ما سواه من آلة الحرب بزيادة المصلحة قدر أن لا يكون الحكم في موضع الإجماع مضافا إلى المشترك بينهما صورة الخلاف. إما لأن انفراد الصورة بزيادة المصلحة قدر مانع من إضافة الحكم في تلك الصورة، لأن المشترك بينهما وبين الصورة القاصرة عنها في المصلحة قضية للدوران أو لغيره من الوجوه المتداولة بين أهل النظر في تقرير هذا المقام. فقد ظهر مأخذ العقل بالإلحاق عموما ومقابله والقول بالتفصيل سهل المأخذ وتقوى إباحة المحلى من الركاب والمهامز في
[336/6]
حالة الجهاد ومواطن الإرهاب الصافية من مفسدات المباهاة والسرف الممنوعين، إذ المباهاة المسلم لما في ذلك من إغاظته واحتقاره. ومباهاة الكفار غيظ لهم. واحتقار لهم وإعزاز للدين. وكل ذلك مشروع. وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لأبي دجانة(¬1) رآه يمشي متبخترا بين الصفين: إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن. فأخرج هذه الحالة من حالة الخيلاء الممنوعة، وأقره - صلى الله عليه وسلم - على الاختيال على الكفار لما فيه من إغاظتهم واحتقارهم وعدم الاكتراث بهم.
وسوغ ما ذكر لتحصيل هذا الغرض المقصود شرعا ليس من الممنوع في شيء فيندرج اتخاذه في الإعداد المأمور به لغرض الإرهاب لقوله سبحانه: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾. إلى قوله: ﴿ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾. وأدنى مراتب الأمر الإباحة فتشرع إباحته. ولهذا المعنى أجاز بعضهم لبس الحرير في حالة الجهاد.
278/7] لبعض المنافع كالزيت أو الحصر او غير ذلك من المنافع المعينة التي لم يسم منها الإمام, فإذا كان الحبس مطلقا في منافع المسجد وإصلاح دار الإمام من منافعه, والجاري على مذهب أصبغ وابن الماجشون إصلاحها من أحباس المسجد مطلقا كانت مخصوصة بمنافع معينة ليس الإمام منها, أو كانت مطلقة.
وقد كان الفقيه ابن أملال من مفتي المتأخرين بفاس يقول: إذا كان في الحبس وفر يؤمن من احتياج المسجد إليه, وظهر في إصلاح دار اإمام صلاح وسداد, فلتصلح من وفر المسجد المامون الحاجة إليه, وقد أفتى الفقيه الحافظ السيد أبو الحسن الصغير رحمه الله تعالى في دار الإمام التي دار سكناه تحتاج لإصلاح, إنها تصلح من غلتها بأن يعطى كراها أو يخرج فتكرى ممن يبنيها, قال فإن امتنع من ذلك أصلحت من أحباس المسجد, وظاهر كلامه أن الحكم خاص بالدار المحبسة لسكناه, وأما الدار المحبسة عليه ليكريها فلا يجري فيها, فليتأمل ذلك والله أعلم, وهذا إن كان الوقف من غير أحباس الملوك, وأما إن كان من أحباس الملوك فقد نص القرافي وغيره على جواز صرف الوفر الزائد في سبل الخير غير السبيل الذي عينه الإمام, ولا يدخله الخلاف المشار إليه بين ابن القاسم وأصبغ وابن الماجشون, والله تعالى الموفق للصواب وكتب مسلما على من يقف عليه العبد الفقير إلى الله تعالى لطف الله به بمنه وفضله.
[من تصدق على محاجيره الصغار ومن يولد له من الذكور]
وسئل أبقاه الله من سجلماسة بما نصه؛ سيدي جوابكم في مسألة نصها: تصدق يوسف على محاجيره على صغار بنيه الثلاثة: محمد ومسعود الشقيقين فيما بينهما وعلى اخيهما للأب أحمد, وعلى من يولد له من الذكور من زوجته عائشة بنت أبي عبد الله محمد الغزي والدة أحمد المذكور, وغانية والدة مسعود, ومحمد الذمكورين على السواء بينهم, واشترط في صدقته أن
[
وجواب هؤلاء يدل على أن الكراء لا يفسخه الشراء، وهو خلاف ما فوقه فتدبره! ابن رشد في كتاب الولاء من الشرح: اختلف فيمن أكرى دارا للعام ثم باعها قبل تمام العام، فقيل إن البيع ينعقد فيها من يوم عقداه ويجب للمشتري من حينئذ ويأخذ كراء بقية العام وقيل يكون البيع فاسدا إلا أن يستثني البائع بقية المدة، وقيل إن الدار لا تجب له إلا بعد انقضاء أمد الكراء ولا شيء له في الكراء إلا بعد أن يشترطه. فيجوز في قول ويكون البيع فاسدا في قول وهذا إذا علم المبتاع بالكراء وأما إذا لم يعلم المبتاع بالكراء على هذا القول فهو عيب إن شاء أن يلزم الدار على انه لا شيء من الكراء وإن شاء ردها وإن لم يعلم على القول الأول فالكراء له وهو عيب إن شاء أخذ الدار على ذلك وإن شاء ردها أن خرجت من سماع عيسى من كتاب الزكاة من الشرح أيضا ما نصه ولو كانت الغلة دنانير لم يجز له أن يبيعها مع الدار بدنانير لأنه ذهب وعرض بذهب وهذا مما لا اختلاف فيه إذا كانت الغلة قد وجبت للبائع على المكتري بمضي المدة أنه لا يجوز بيعها مع الدار بالذهب إن كانت الغلة ذهبا ولا بالورق على مذهب ابن القاسم إلا أن يكون الثمن نقدا ويكون ذلك أقل من صرف الدينار، وإنما الخلاف إذا باع الدار وما وجب له على المكتري من
[314/8]
[315/8]
287/9] الثلاثة، سلمناه لكن نمنع وجود الوصف الذي نعتمده علة ونطلب تأخيره فإنه مثبت بالمناسبة أو الشبه على ما يقتضيه كلامه، ونجيبه بدعوى الخفاء في هذه المعارضة، فإنه لم يوضح سبيلها وبعدم انضباطها، وهذه كلها أمور تمنع من قبول هذه المعارضة وتدفعها، وأيضا فإن من شرط المعارضة أن يعلل الحكم بالذي علل المسؤول فإن علل بغيره لم يلزم، وأن يقع التعليل على وجه يحصل به الفرق بين الفرع والأصل، ولا يمكن ذلك إلا بتعليلها فمتى اقتصر على تعليل الأصل وقال: وهذا المعنى غير موجود في الفرع فللمعلل أن يقول: هذا لا يوجب التفرقة بينهما، لأن علته غير منافية لعلتي لإمكان أن يكون الأصل معللا بهما معا، فإنا نقول بهما ومعارضة هذا المعارض هي على هذا الوجه، فهي غير واردة، وعلى أن قول هذا الفاضل فإن الشروط المنافية للبياعات منها ما يصح فيه البيع والشرط قلت هذا أشنع فإنه نص في أن الشروط المنافية لعدم البيع منها ما يصح فيه البيع والشرط، وهذا لا أعلم أحدا قاله من العلماء، وقد تكلم الأشايخ في بياعات الشروط فأقوالهم كلها على أن الشرط المنافي للعقد باطل، وإنما الخلاف فيما قارن ذلك الشرط من البيع هل يفسد أم لا؟ بل الحاصل لمن نظر وأنصف أن الشروط المنافية للعقد مجمع على بطلانها، وبيانه أن الشروط المنافية للبيع أخفها شرط السلف، وبيان أنه أخفها أن المشهور أن الذي به الفتيا عندنا ببلاد المغرب والأندلس وغيرهما أن شرط السلف إن أسقطه صح البيع بخلاف غيره من الشروط المنافية للعقد وإذا كان كذلك ضمنا له ما قاله ابن بشير وابن الحاجب والمازري فيما أظنه وتقاييد الفاسيين، أجمعت الأمة على المنع من بيع وسلف، فإذا كان هذا الشرط الذي هو أخف الشروط المنافية للعقد مجمعا على إبطاله كان الإجماع على بطلان غيره منها أحرى، وكما أنطقكم بقولكم منافية في تذكره بديهة بطلان ومن تذكر كلام عزالدين بن عبدالسلام في قواعده حيث قال بحكم
وسئل الفقيه أبو الحسن علي بن محمد الصرصري عن امرأة توفيت فأحاط بميراثها زوجها وشقيقها ، واستظهر رجل من خدام زوجها المذكور برسم يقتضي أن المتوفاة المذكورة أوصت له بثلث جميع متخلفها ، وكتب شهود رسم الوصية المذكورة في الرسم المذكور أنهم لا يعرفون الوصية المذكورة وإنما أوقعوا شهادتهم بالوصية المذكورة بتعريف رجلين اثنين عينوهما في الرسم المذكور ، أحدهما غير موثوق بتعريفه ، والآخر وثقوا بتعريفه مع كتب بعض نعوتها ، فنازع الشقيق المذكور في الرسم المذكور وقال إن أخته المذكورة لم توص له بشيء ، وادعى أن المعرفين المذكورين لبسا على شهود رسم الوصية المذكورة وأحضرا بين أيديهم امرأة غير المتوفاة المذكورة وعرفاهم أنها هي شقيقته المذكورة تلبيسا منهم عليهم بغضا في شقيقها المذكور وحرصا على نقصان حظه من متروك أخته لعداوة قديمة وشحناء غير منفصلة أثبتها الأخ المذكور في رسم بيده . وادعى أيضا الشقيق المذكور أن النعوت التي كتب شهود رسم الوصية المذكورة في الرسم المذكور ليست هي نعوت أخته المذكورة وأنها مخالفة لنعوت شقيقته المذكورة ، فهل تصح هذه الوصية بهذه الشهادة أم تبطل ؟
فأجاب إن أثبت الأخ العداوة في المعرفين بأخته المشهود عليها بالوصية كلف الموصى له البينة بأن النعوت المذكورة في رسم الوصية هي نعوت المشهود عليها المذكورة ، فإن قامت بذلك بينة فعجز الخصم عن الدفع [268/10] فيها قضي له بها ، وإن لم تقم له بذلك بينة لم يفد رسم الوصية شيئا . وكتب علي بن محمد الصرصري ، لطف الله به .
وسئل سيدي عبد الله العبدوسي عمن له على رجل حق لا يستحقه إلا بعد يمينه ، فيقول من وجب له الحق لمن وجب عليه لا أحلف حتى تقر لي بالملا ، ويقول المطلوب لا أقر حتى تحلف ، فهل يجبر على ذلك أم حتى يحلف ؟
وحسبي ربي في مقالي كله ... فمنه اهتداءي للصواب وعصمتي
ومن عنده أرجو الذي أنا آمل ... وحولي به في كل أمر وقوتي
فهذا جوابي قد كشفت قناعه ... وأبرزته نظما بحكم رويتي
فمن لم يذقه فليجاوب بغيره ... لينظر فيه من له فضل فطنة
ومن لم يطق نظما ففي النثر مقنع ... القول(¬1) أحسن صنعة
[268/11] المسألة التاسعة: سئل رحمه الله عما جاء في الحديث الشفاعة الذي في علمك أنه يخرج من النار أو قال أخرجوا من النار من كان في قلبه وزن مثقال من الإيمان. وجاء في الخبر: ثم بعد ذلك إلى نصف مثقال إلى زنة شعيرة إلى زنة برة إلى زنة ذرة ثم قال بعد هذا التدريج: يخرج من النار أو قال: أخرجوا من النار من قال لا إله إلا الله.
فجعل هذه الدرجة نازلة بعد أدنى ما يكون من الأوزان. وإذا نظر الناظر من تلك الأوزان اليسيرة ومن قول لا إله إلا الله، ظهر بينما بون بعيد فثم لا شك شيء ومعنى خفي قد عزب فهم الناظر عنه فبينه مأجورا مشكورا.