قلت: ظاهر كلام القاضي أبي محمد عبد الوهاب في المعونة أنه لا رخصة في ذلك بحال, لقوله فيما تقدم عنه من واضح الاستدلال, ولأنه مصر انعقدت فيه الجمعة فلم تنعقد فيه أخرى كالثالثة والرابعة. ولا يحسن الاستدلال على الخصم إلا بما يوافق عليه, ولو كان مجيز الجمعة الثالثة والرابعة ما حسن الاستدلال عليه. وبعض من لم يحط بالمسألة خبرا من المعاصرين القاصرين يظن أن المجيز يقول بالتعدد باطلاق, وليس كما ظن باتفاق. وعليه فلا جمعة لأهل العنانية من طالعة فاس, ولا لأهل الحلوية وجامع القصر من تلمسان, إلا على تقليد عطاء وداوود وأحد قولي محمد ابن الحسن. نعم في تهذيب ابن بشير وتنبيه ما يشير إلى جواز الثالثة لقوله في التنبيه: جازت إقامتها في موضعين أو مواضع بحسب الحاجة, لكني لم أقف في المذهب على نص قاطع يساعده.
لا يقال: قول ابن التلمساني في شرح ابن الجلاب: اختلف في الجمعة هل تقام في مسجدين فأكثر كسائر الصلوات أم لا؟ كالمقري والشير لصحة ما في تنبيه ابن بشير.
لأنا نقول: يحتمل أن يكون ذلك الخلاف في غير المذهب, وهو بين من كلامه. والله تعالى أعلم وأحكم.
فإن قلت: قول ابن الحاجب وفي تعددها في المصر الكبير الخ, مؤذن بموافقة ابن بشير وابن التلمساني في حكاية الخلاف لا إلى غاية.
قلت: وقوله على المنع لو أقيمت جمعتان, يمنع من تطرق ما تطرق لكلام ابن بشير وغيره, لأنه لو أراد ما ذكر السائل لقال على المنع لو أقيمت جمع(¬1).
[249/1] فإن قلت: إذا علم أن الجماعة والإمام قلدوا القائل بجواز الثالثة من التقليد وعدمه, فهل نحملهم على التقليد فتصح؟ أو لا فتبطل؟
=فأجاب الذي يظهر لي من القضية على القول الوجيز أن اللوث هو اللطخ البين المفيد للظن، أن الأمر كما ادعاه المدعي على هذا الحرف يدور جميع ما اختلفوا فيه من وجوه اللوث، فإذا حصل القاضي المبائر للقضية ما يغلب على ظنه صحة شهادة شاهد القتل مع شاهدي الإقرار من مجرد اجتماعهم أو قرائن اختلف بها من الخارج، فذلك اللوث الموجب للقسامة والقصاص وإلا فلا، فإن سبب اختلافهم في مسائل اللوث النظر إلى كون ذلك الوجه مفيد لظن أو لا، وهذا راجع إلى الناظر في القضية، ولذلك يختلف شيوخ عليه ولا يلحقها آخرون والنازلة المسؤول عنها من ذلك، هذا عندي من القضية في الجملة، وأما التفصيل فيتسع النظر فيها ومن أمثلة ذلك السماع الفاشي المشار إليه وفرار المدعي عليه، واعتبار الشاهد المجهول الحال دونه الظاهر الفسق من جهة الخلاف فيه.
[ على من تقسم دية قتيل لا وارث له ]
*وسئل ابن لبابة عن الرجل يقتل ولا وارث له إلا عشيرته وقومه فتؤخذ ديته، فكيف تقسم على المساكين أو على جميعهم؟
=فأجاب: يرسل الإمام إلى جميع الكور في قبيلته فتقسم ديته على فقيرهم وغنيهم.
[292/2]
[293/2]
[ امرأة مدمية لم يدر هل ماتت من فعل الجارح أو الحجام ]
=فأجاب : في هذا النكاح اختلاف ولا حد ، والوالد لاحق ، وفي الميراث اختلاف ، ونحن لا نأمره بأخذه .
[من وطئ هو وآخر معه جارية في طهر حيث تجب القافة]
*وسئل عمن وطئ هو وآخر معه جارية في طهر حيث تجب القافة فإذا لم توجد القافة كيف يصنع ؟
=فأجاب : القافة يوجدون وليرحل إليهم .
[البكر الفقيرة والغريبة الطارئة يجوز نكاحها بغير إذن القاضي]
*وسئل عن البكر الفقيرة والغريبة الطارئة ولعلها موسرة في بلدها مع وليها ، فهل يجوز نكاحها بغير أمر سلطان ، ومثلها الثيب ، وهل فيها قول آخر أم لا ؟
=فأجاب : البكر الفقيرة والطارئة إن كان بلد وليها قريبا كتب إليه ، وإن كان منقطعا فلا يزوجها إلا السلطان ، وقد قيل إن كان يصعب عليها تناول السلطان ، فلا بأس أن يوكل من يتولى إنكاحها ثيبا كانت أو بكرا .
[من كلف عليه أبوه التزويج وأصدق عنه ربع دينار]
*وسئل عمن كلف عليه أبوه التزويج وأصدق عنه ربع دينار في ثلث الصداق وكان ستين دينارا ، ثم سافر الولد فوجده بعض أقارب البنت ، فأشهد على نفسه إن لم يأت إلى سنة فأمرها بيدها ، فانقضت السنة ولم يأت فقال أبو الزوج للمرأة : اتركي صداقك وتزوجي من شئت . فتركت وتزوجت ، ما يلزم الزوج في ذلك ؟
[263/3]=فأجاب : إن كانت عالمة بأن لها أن تفارق بغير شيء فتركت صداقها ، فليلزمها إن لم يدل عليها ، وإن طنت أنها لا تملك الفراق بهذا التمليك إلا بفدية ومثلها يجهل ذلك ، حلفت عليه ولها الرجوع بالصداق كله إذا دخل ، ونصفه إن لم يدخل ، ولو مضت السنة ولم تقض بشيء حتى طال ذلك فلا يلزم الزوج ما أخذه الأب عليه من الفراق إلا أن يرضى بذلك .
[صبي مهمل عقد عليه صهره وأجنبيون نكاحا]
*وسئل عن صبي مهمل يتيم عقد عليه صهره وأجنبيون نكاحا ، فلما بلغ رضي ، هل يقر هذا النكاح أم لا ؟ وكيف لو جهل فرضي ثم أنكر ثم رضي هل يصح هذا النكاح أم لا ؟
وسئل شيخنا أبو الفضل سيدي قاسم العقباني عمن أصابته مسغبة حتى أرف على الهلاك، ولم يكن له عقل إلا في بطنه، وجرى كلام بنيه وبين أخيه على سبب المعيشة فغيظه الحال وكان يمر عليه بما عنده من لبن ولم يكن عنده غيره، فحلف بالأيمان اللازمة لا شرب له لبنا، واشتد الأمر عليه فخاف عليه أخوه من الهلاك بالجوع ولحوق العار، فكان يمونه باللبن إلى أن خرج إلى السعة، فهل يحنث أم لا؟
[290/4]
[291/4]
فأجاب: وقد وقع عليه الحنث بشربه اللبن المحلوف عليه، والله الموفق بفضله.
وسئل عن يتيمة لها خمسة إخوة يستحقون حضانتها، فحلف أحدهم بالحرام أنه لا يعطيها لأمها بعد زواجها، فهل يجوز لأحد إخوته المذكورين أن يعطيها هو لأمها المذكورة أم لا؟
فأجاب: إن كان الحالف من أهل الحضانة فإنه يحنث بسكوته على البنت إذا كانت في حضانة أمها بعد الزواج وبعد دخول الزوج بالأم، ولا يخلصه من الحنث تخليص إخوته.
[من حلف بالثلاث أنه لا يعلم شيئا وهو صادق ثم تبين خلاف ذلك فلا حنث عليه]
وسئل عمن خطب امرأة ثم وكلت أجنبيا مع عدم الولي على عقد نكاحها ودخل الزوج بها، فبقيا إلى أن حدث بينهما أولاد، ثم حلف لها بالطلاق الثلاث أني لا أعلم شيئا من كذا وكذا، ثم بعد تبين ما حلف عليه شيء يحنثه، فقال نكحتها بغير إذن وليها، فهل يحنث ولا يلتفت لقوله ولو أقام بذلك بينة أم لا؟ ويفسخ النكاح بعد طول المدة ولا يلزم الحنث؟ أو يمضي ولا تلزمه؟
فأجاب: حلفه بالثلاث لا أعلم شيئا من كذا وكذا إن كن حين يمينه لا علم عنده، ثم ذكر بعد حلفه لم يكن عليه حنث، لأن يمينه إنما هي على صفته في الحال، فإن كان عنده شيء من علم ما حلف على الانتفاء عن عمله، لزمته الثلاث، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. وحيث لا يحنث يجب أن يرتفع عن المرأة حتى يكمل استبراؤها، ثم يخطبها إن شاء، والله الموفق بفضله.
[
من تطوع للبائع أنه إذا أتاه بالثمن أقاله فمات]
وسئل سيدي عبد الله العبدوسي عن رجل اشترى من أقوام أرضين مفترقة اشتراء صحيحا ثم بعد تمام البيع وانبرامه تطوع المشتري المذكور لبعض لبائعين بأنه مهما أتى أحد منهم بمثل الثمن الذي بذل في أرضه فقد أقاله في مبيعه وجعل لبعضهم مدة محدودة وأسقط المدة للآخرين، ثم إن المتطوع المذكور توفي كما توفي بعض البائعين المذكورين فهل يصح من تطوعه في الوجهين شيء أم لا؟ وله يتنزل في ذلك ورثة من مات من الفريقين منزلة وارثة أم لا؟
[267/5]
فأجاب: بأنه لا يلزم ذلك ورثة المتطوع المذكور في الأمر المعلوم ولا في المجهول وسواء مات قبل انقضاء الأجل أو بعده لأنها هبة لم تقبض، وبهذه أفتى سيدنا أبو الحسن الصغير رضي الله عنه وبالله تعالى التوفيق.
[من اشترى نصف سلعة على أن لا يقتسما حتى يبيعا]
ولئن قدرت مساواتها للسيف في الاختصاص بالحرب، فالإرهاب بالسيف المحلى من جهة ظن متقلده من جهة أهل النجدة والجرأة إذ ذاك مما يهم غالبا، ومن جهة ظن جودة السيف وقطعه، إذ الحلية إنما تتخذ غالبا لما عرف من السيوف بالجودة والقطع، وكلاهما مرهب. وتحلية
[335/6]
السرج وما ذكر معه وإن كان مرهبا بالاعتبار الأول فليس بمرهب بالاعتبار الثاني. فظهر فوات وصف الاختصاص بالحرب في السرج وما ذكر معه، وفوات تعدد جهة الإرهاب والرماح والقسي يتعذر الجمع بينهما غالبا، فاتخاذ أحدهما يمنع ملازمة الآخر وبالعكس، ويتهيأ اتخاذ السيوف مع كل آلة غالبا فليزم عنه مفارقة غيره. والرماح والنبال تفارق عند الرمي بها ملازمة السيف، وتعم الحاجة إليه وإن استغني عنه غيره بالنسبة إلى بعض المقاتلين كالسرج واللجام للراجل فيعم اتخاذه.
فظهر أن جميع الأوصاف الحاصلة للسيف لا تجتمع في غيره. ودلالة اجتماع هذه الأوصاف للسيف دون غيره على رجحان المقدار الحاصل من الإرهاب بتحليته على المقدار الحاصل بتحلية غيره من الآلات ظاهر بحصول مقدار من الإرهاب بحسب كل وصف وذلك المقدار فائت عند فوات ذلك الوصف، فثبت رجحان المقدار من مصلحة الإرهاب الحاصل بتحلية السيف على المقدار الحاصل بتحلية غيره مانع من إلحاق غير السيف بالسيف في إباحة تحليته. فلفوات المقدار من مصلحة الإرهاب المعتبر بترتيب إباحة التحلية عليه في صورة الوفاق وهو السيف في غيره من الآلات. وعدم ثبوت استقلال ما اشترك فيه الفصلان من الإرهاب بالاعتبار، فلا يكون ما هو العلة موجودا في الفرع، فلا يتعدى الحكم إليه بالقياس.
277/7] فهو له حتى يثبت خلافه, وإعطاء الدرهمين المذكورين فيه احتمالات متعددة, فلا يثبتان للمسجد المذكور إلا بأمرين لا احتمال فيه, أو فيه احتمال موهوم, وقصارى ما في ذلك أن يحلف من ادعى عليه أنه لا يعلم للمسجد في ذلك حقا شركة أو غيرها إن كان ممن يظن به علم ذلك على نفي ذلك, وشهادة الشاهد المذكور على تقدير ثبوتها بموجبها لا يحلف معها إذا ألحق لغير معين وبالله سبحانه التوفيق, وكتب عبد الله العبدوسي لطف الله تعالى به, وقد كتبت عليها جوابا مثل هذا حكما وإن خالفه لفظا, فاطلعوا أصحابنا الفقهاء السادة على جوابنا هذا, ولا تخفوه عنهم, والله حسيب من أخفاه. والسلام عليكم والرحمة والبركة.
[من حبس دارا على أعقابه وأعقاب أعقابه]
وسئل بعض الفقهاء عن دار حبسها صاحبها على أعقابه وأعقاب أعقابه, وجعل مرجعها لإمام المسجد الجامع كائنا من كان, فانقرض المحبس والمحبس عليهم ورجع حبسها للإمام المذكور على مقتضى ما حبسه صاحبها فألفيت الدار عند مرجعها لمن ذكر في غاية الاحتياج لإصلاح كثير وبناء, وليس في خراجها وغلتها إلا القليل, فهل يكون بناؤها وإصلاحها من مال المسجد المذكور أعني من وجده أو من مال زاوية لها أوقاف كثيرة أوقفها من تقدم من الأمراء والسلاطين, وصار غلة ذلك ينفق اليوم في بعض المصالح بفتوى من تقدم من فقهاء فاس- أو لا؟. بينوا لنا الحكم في ذلك.
فأجاب: مذهب ابن القاسم لا تصرف وجائب الأحباس إلا في الوجه الذي عينه المحبس وخصصه, ولا يستنفذ في غيره, وإن كان في الوجيبة وفر كثير وفضل واسع, زائد على ما قصده المحبس, قال ويبتاع بالفضل الموفور أصولا يصرف فائدها في مصالح أهلها, ومذهب أصبغ وابن الماجشون أن ما يقصد به وجه الله تعالى يجوز أن يصرف بعضه في بعض, فالآتي على مذهب ابن القاسم أن لا تبنى الدار المذكورة من وفر حبس المسجد إلا أن يكون الحبس مطلقا في منافعه من غير تخصيص, ولا تعيين
[
في شراء غير المكتري لأن غير المكتري لا يقدر على القضاء في الدار ببيع يدفعها به إلى مشتريها الآن منه ولا يقدر على هدمها ولا على البناء فيها. ابن سهل الجواب الأول أكمل، وإلى الصواب أميل وقد أخبرني عبدالله بن موسى الشارفي عن ابن دحون وابن الشقاف فيمن اكترى دارا بعشرة دنانير لعام أو لشهر ثم ابتاعها بعشرين على أن الكراء منه محطوط إن ذلك لا يجوز. قال ابن دحون هذا إذا كان إسقاط الكراء مشترطا في العقد وإن وضعه البائع عنه بعد عقد البيع جاز، قال لي الشارفي وأجازه ابن جرج (كذا) وهو خطأ، يريد لأنه ابتاع الدار والكراء الذي عليه بالعشرين التي دفع فصار ذهبا وعرضا بذهب وهو بين الفساد.
فكان حقه أن يقول إما بمنع كلية حكم الأصل، وإما بمنع ما يدعيه جامعا، ثم يتبع القسم الأول ما هو له، ويورد خلية ما يرد، ثم الثاني كذلك، وغير هذا خروج عن الاصطلاح ويثبت نظر الخصم، ومن يريد استفادة الحكم هذا مع اشتماله على القبح الناشئ في استعمال أما غير مكررة ولا مذكور ما يقوم مقامها وهو أولى، وذلك قبيح حسبما ذكره الكاتبي في تعقبه على الخونجي في قوله العلم أما تصور إن كان إدراكا ساذجا، وإما تصديق إن كان مع الحكم بنفي أو إثبات، وقوله فإن الشروط المنافية في البياعات منها ما يصح فيه البيع والشرط، قلت: ليت شعري ما الذي أوجب اقتصار هذا المعترض على باب البياعات من بين سائر المعاملات وتعيينه لها دون ما عداها مما لم يدعه الخصم، وكان حقه أن يقول: فإن الشروط المنافية في باب البياعات مثلا، فإن دعوى الخصم ليست بقاصرة، وضرب المثل بصورة مما تناوله صورة النزاع تقوم الحجة به على الخصم دون إلزامه جزئية معينة لا تلزمه قوله: فلم قلتم إن هذا الشرط في الوصية من الشروط التي تبطل، قلنا تمسكنا بالدليل الذي قدمناه قوله: فإن قلتم بالقياس على ما بطل منها شرطه، قلنا معارض بأنه صحيح بالقياس على ما صح منها شرطه، قلنا على تقدير تسليم التمسك نختار القول بعدم قبول المعارضة مكلفا لما يلزم عليها من انقلاب الباني هادما والهادم بانيا، ويمضي الكلام فيها إلى التهاتر، سلمنا قبولها لكن يلزمه بيان نفي الوصف عن الفرع على المختار من الأقوال
[
وسئل سيدي أبو القاسم التاز غدري عن شاهد شهد على رجل بأنه كان أيام حياته أخذ بغلة من رجل كان له عليه دين في تسعة دنانير ، وشهد على ، رب الدين بقبضها وقبلت شهادته وزكي ، وأمر باليمين فحلف المشهود له الذي عليه الدين . ثم إن ورثة القابض للبغلة استفسروا الشاهد المذكور في شهادته فقال إن البغلة المذكورة أخذها موروثكم في العدة المذكورة ولم أعاين قبض البغلة المذكورة من يد دافعها فتعلل الوارث بسبب ذلك ، فهل ذلك قدح [267/10] في شهادته عدم المعاينة ؟ بل شهد عليه أنه قبضها وحكم القاضي بمضمن الشهادة ، هل يقدح ما ذكر في الاستفسار من قوله لم أعاين قبضة البغلة ؟ إذ البيع ينعقد باللسان والمعاينة للقبض لا تقدح ؟ بينوا لنا ذلك لأن بعض الناس زعم أن الشهادة اختلفت .
فأجاب : شهادة الشاهد عاملة لا يسقطها قوله في الاستفسار لم يعاين القبض ، إذ لا تناقض في ذلك مع ما شهد به في الوثيقة وبالله تعالى التوفيق .
[من شهدوا بوصية وهم لا يعرفون الموصية إلا بتعريف رجلين]
تعديت طورا حط طورك دونه ... ورمت مراما أنت عنه بعزلتي
فأصبحت في تيه وعمياء سائرا ... بغير دليل في شعاب مضلة
وللسير في هذا المجال معارج ... ترقى فيها رتبة بعد رتبة
تخطى إلى العليا بك الجهل ظلة ... وأنت عن السفلى بحال محطة
فصدق وآمن بالنبي محمد ... فملته قد عطلت كل ملة
وعول على علم الشريعة والتمس ... دليل هداها من كتاب وسنة
وإلا أمض في لعن الإله وخزيه ... إلى حيث قد ألقيت في صغر ذمة
فإشراق أنوار النبوءة مشرق ... يضئ سناه في دجا كل حيرة
أتانا بقرآن عظيم قد انطوى ... على حكمة جلت وحفت بعصمة
وجاء بإمساك عن القدر الذي ... تحيرت الألباب فيه وضلت
فللقدر الجاري على الخلق حكمة ... حقائق أسرار تدق خفية
حرام(¬1) أن ثبت لغير من ... صفت نفسه من ريبها وتزكت
تنقلها عن صدر صدر لمثله ... وكل يراعيها بصدق وغيرة
[267/11] ترفع عن نظم القريض محلها ... ولم يجل عنها الليل تحبير خطبة
وبالذوق أرباب التصرف أدركوا ... حقيقتها كشفا برؤيا جلية
ففازوا من الرحمان جل جلاله ... بإشرف مأمول وأعظم بغية
وخاضت نفوس العارفين بحارها ... فنالوا يقينا علمها دون مرية
فمن ذا الذي يشفي غوامض سرها ... إليك ويكسو النور حندس ظلمة
ومن حق أسرار العقائد صونها ... وتنزيهها عن كل نفس دنية
وأنت يهودي يخلط دينه ... بفلسفة أبدى سؤال معنت
ودع عنك أطماعا تخطاك نيلها ... لنبشك واخسأ ياغوي وأنصت
ولا تعترض فعل الإله لخلقه ... فكلهم ملك له بالحقيقة
وانفاذه للحكم في ملكه بما ... يشاء غني عن إقامة حجة
فلا يسأل الجبار عن وجه فعله ... فأفعاله طرا بعدل وحكمة
وخذلانه سخط لمن شاء هونه ... وتوقيفه فضل وإسباغ نعمة
ونص حديث القبضتين مبين ... لما نحن فيه دافع كل شبهة
فقبضة نار خصصت بشقاوة ... ويختص بالتنعيم قبضة جنة
وفي لا أبالي بعد ذكر كليهما ... مشير إلى إنفاذ حكم المشيئة
فذلك تخيير الإله بحكمه ... فمن شاء فليؤمن دعوه لرحمة
وفي قوله فيه يفيدك بعده ... ومن شاء فليكفر وعيد بنقمة