نقول لكم: إذا كان المخاطب باتخاذ المسجد الجماعة وأهل المصر على نص الإكمال وظاهر العارضة فلا اشكال في خطابهم بالزيادة كما خوطبوا بإقامة أصله, وعليه فلا تفتقر في ايجاب الزيادة عليهم إلى اثبات شيء مما ذكرتم من الأسباب, إنما نفتقر في ايجاب الزيادة عليهم إلى اثبات الحاجة والضرورة إلى الزيادة فقط. فإذا ثبت ذلك على ما يجب وجب حينئذ على أهل الربع المجاور وعلى الجماعة الدفع, وأهل الربع المجاور كأحدهم, فتجب المقاصة فيما عليهم في المحاصة. وإن قلنا المخاطب بنصبه الإمام, وعليه يدل الحديث عند بعض الأيمة الأعلام, فإن قام به فلا نزاع ولا إشكال, وإن لم يقم به لضعف بيت المال, أو قلة اهتمام واهتبال, فعليهم أيضا, لكنه بعد ثبوت ما يجب في الوجه الأول من هذين من ضعف بيت المال واقتضاء يمين الاستبراء الواجبة على متواليه في الحال. فإن تعذر اقتضاؤها من الإمام, لعدم انقياده لما توجبه الأحكام, وجب إقامة ذلك عليهم حفظا لنظام الاسلام. وتنزيل وجوده حينئذ منزلة العدم لما لم تنله الأحكام. وفي كلام اللخمي وابن عرفة في هذا المقام إجمال وإلباس, أعني في المخاطب بإقامة المسجد الإمام والناس؟ وما نقلتم عن ابن رشد لا يمس حال الوقت, لأن ذلك كان لضرورة الفتنة التي يتوقى معها الخوف على النفس والمال المسقط لها جملة, وقد انتفت والحمد لله, فينتفى موجبها, لأن ما أبيح لأجلها يقيد بقدرها, والله أعلم.
فإن قلت: قد علمت مما قدمت, واستفدنا من النصوص الصريحة التي
[248/1] جلبت, حكم الجامع إذا ضاق بأهله, وبنينا على المشهور القائل بمنع التعدد من أصله. فما الحكم على القول بإحداث جمعة ثانية لضرورة الضيق أو مشقة الإتيان إذا ضاق الجامعان أو بعدا ؟ هل في المذهب رخصة في إحداث ثالثة ورابعة حتى تنتفي الضرورة أم لا ؟
=فأجاب رحمه الله بما نصه: الحمد لله إذا لزم المدمي الفراش عقب الهوشة أو كان يتصرف مشتك عليه دليل المرض ... ودام عليه ذلك حتى مات، وكانت أعيان المتنازعين المدمي عليهم معروفة، ولم تكن فئة المدمي هي المبتدئة والأخرى دافعة، فالتدمية صحيحة، وإن لم يكن في المدمي جرح ولا أثر ضرب، فيحلفون ويستحقون قتل واحد أو يقبلون الدية إلا أن يكون أوصى أن تقبل فيه الدية فليس إلا الدية هذا اختيار اللخمي في المسألة وليس ببعيد عن الصواب والله أعلم.
وليست من التدمية البيضاء، لأن البيضاء ليس فيها سبب حتى يستند إليه قول المدمي، وليس فيها إلا قول دمي عند فلان كقضية اللؤلئي، وإذا لم تكن من التدمية البيضاء فترجع لتدمية قتيل الصفين، ولا يعترض على هذا
[291/2]
[292/2]
بأنه قال في المدونة: ولا قسامة في قتيل الصفين، لأن معناه عند الأكثر إذا كان بدعوى الأولياء، وأما بقول القتيل فإنه يقسم معه.
*وسئل عنها المعين للفتوى في التاريخ.
=فأجاب بأنها من التدمية البيضا الذي جرى العمل على إلغائها، وإليك الترجيح بين الجانبين، والله أعلم بالصواب.
[ اللوث هو اللطخ البين المفيد للظن ]
*وسئل الإمام أبو إسحاق الشاطبي عن مسألة من اللوث قام بها شاهد على معاينة القتل وشاهدان على إقرار القاتل.
*وسئل عمن تزوجت وهي مولي عليها بغير إذن قاض وجعل الصداق[261/3]إلى عشر سنين ، وعقد في نكاحها : جائزة الأمر وهي باقية في الولاية ، فدخل عليها الزوج وفارقها ، هل يبقى صداقها إلى أجله أو للحاكم النظر في ذلك ؟
=فأجاب : إن كانت ثيبا بالغا ولو شاءت أن لا تتزوج لفعلت ، أرى أن يمضي نكاحها ويبقي الصداق إلى أجله إذا كان يشبه صداق مثلها وعقد النكاح عقدا صحيحا ، وذمة الزوج مأمونة ، وقد قيل إلى مثل هذا الأجل لا يفسخ هذا النكاح ، ولو كان دون صداق مثلها ، مضى على أحد القولين في المهملة .
[من لها أخوان شقيق ولأب فوكل الأول من يعقد النكاح]
*وسئل عمن لها أخوان شقيق ولأب فوكل الأول من يعقد النكاح .
=فأجاب : الوكيل أولى بإنكاحها من أخيها لأبيها .
[من هلك وخلف بنين وبنات وقد دخلن بيوتهن في حياته بجهاز]
*وسئل عمن هلك وخلف بنين وبنات وقد دخلن بيوتهن في حياته بجهاز ، فأراد الإخوة محاسبتهن بذلك من ميراثهن ، وهل يشهد الشهود الذين قدموا الجهاز حين الدخول بقدر ذلك أم لا ؟
=فأجاب : ليس للذكور محاسبة البنات بالجهاز إذا لم يكتب عليهن أن ذلك عارية ، ولا ينبغي للشهود أن يشهدوا على ذلك .
[من تزوج امرأة ودخل بها فتموت فيريد أخذ أختها من غير تجديد صداق]
*وسئل عمن تزوج امرأة ودخل بها فتموت فيريد أخذ أختها فيمحى اسم الميتة من الصداق ويرد هذه في موضعها ، وربما كان من غير عقد ، وربما كان للميتة ولد أو لم يكن .
=فأجاب : الذي ينبغي ، تجديد الصداق لهذه ويبريه الولد أو الوالد من الصداق الأول ومن ميراثها ، وإلا فحقهما أو حقهم باق عليه .
[262/3] ... [من تزوج امرأة وشرط في أصل النكاح أن كل داخلة عليها طالق]
*وسئل عمن تزوج امرأة وشرط في أصل النكاح أو تبرع أن كل داخلة عليها طالق ، ثم تزوج وأقام على نكاحها عالما أو جاهلا ، هل يلحق به الولد أم لا ؟
من حلف بالحلال عليه حرام لا أكل طعاما لابنته إلا عيد الأضحى]
وسئل عمن تشاجر مع زوجته فقال لها نقلت داري إلى دار أبيك ونحيت الطعام والمأكول إلى أبويك، فبلغ والدها ذلك، فحلف بالحلال عليه حرام لا أكلت لها طعاما إلا عيد الأضحى، فبعد مدة يسيرة ذرت زوجة الحالف أن ابنتها زوجة المحلوف على طعامه جاءت إليها في الدار بدقيق وأنها أكلت ذلك الدقيق، فجاء الحالف وأخبرته بذلك وهو ممن يصدقها ولا يتهمها في هذا النكاح، فاعتزل زوجته بالطلاق (كذا) لا نسيج معك في هذه الشقة غيرك، فأخبره نسوة أنها جعلت معها من نسيج تلك الشقة. وكيف لو أنكرت امرأته ذلك وأقرت به وهو لم يعاينه ولم يشهد به عدول ولا نسوة من الجيران؟
[289/4]
[290/4]
فأجاب: إذا وقع له العلم بخبر من أخبره فارقها، فإن شك أو غلبه ظن استحب له المفارقة.
وأجاب اللخمي في نحو هذا السؤال لو كان ينعزل عن زوجه لا يقربها إن كانت يمينه بالثلاث. وإن كانت واحدة أشهد على رجعتها، فإن صدقن أخذ بالأحوط، وإن كذبن فال تضره رجعته.
وسئل ابن محرز عمن قال لامرأته أنت مني طالق لا كنت لي بامرأة، فهل لها الرجوع باثنتين أم لا؟
فأجاب: إذا طلقها طلقة واحدة فإنه يبرأ بذلك. وليسلم من يمينه ويرتجعها إن أحب وتبقى معه على طلقتين.
وسئل الرماح عمن قال لزوجته أنت طالق ولم ينطق بالقاف.
فأجاب: بأن قال تجري على الخلاف في الطلاق بالنية.
[من قال لرجل: امش بامرأتي إلى أبيها فلا شيء عليه إن لم ينو الطلاق.]
وسئل أبو القاسم الغبريني عمن قال لامرأته أنا أبعث إلى أبيك يمشي بك.
وقال لرجل يا فلان امش بها إلى أبيها فإنها لم تحسن عشرتها معي، ما يلزمه؟
فأجاب: إذا لم يقصد بقوله ذلك أنها به طالق فلا شيء عليه، فهي باقية في عصمته، وإن أراد أنها به طالق فهي به طالق.
وسئل سيدي عيسى بن علال عن امرأتين إحداهما عمة الأخرى بينهما ملك من أراضي على الشياع صار بعض الملك المذكور للعمة بالأرث وبعضه بالتصيير من رجل آخر في دين لها وبعض الملك المذكور أيضا لابنة أخيها المذكور والمرأتان المذكورتان متزوجتان من رجلين ثم إن العمة المذكورة طلبت زوج بنت أخيها المذكورة في أن يسلم لها في نصيب بنت أخيها المذكورة في الملك المذكور فأجابها إلى ذلك وسلم لها بغير عوض أخذه منها على التسليم في النصيب المذكور وبغير توكيل من زوجه المذكورة وبغير محضرها في مجلس
[266/5]
لتسليم المذكور وبقيت العمة المذكورة تغتل جميع الملك المذكور مدة أربعة عشر سنة أو نحوها بالحراثة وابنة أخيها المذكورة عالمة باغتلالها بالحرث غير عالمة بالتسليم من زوجها المذكور ولا شافعة له، فقامت الآن، بنت الأخ المذكور على العمة المذكورة طالبة بنصيبها في الملك المذكورة وغلته وادعت أنها لم تعلم بتسليم زوجها المذكور فهل وفقكم الله تعالى تمكن من نصيبها وتلزم العمة بكراء نصيبها الماضي السنين بعد أن تحلف بنت الأخ أنها ما علمت بالتسليم ولا رضيت لكونها لم توكل زوجها على ذلك ولا أمرته به ولا تكون هذه حيازة بين الأقربين لعدم البناء والهدم والغرس في ذلك؟ بين لنا ذلك مأجورا.
فأجاب: أكرمكم الله تعالى إذا كان الأمر على ما ذكرتم فلبنت الأخ أن تأخذ نصيبها بعد أن تحلف أنها ما علمت بالتسليم فسكتت عليه، وأما الغلة فلا شيء لها فيها إذا كانت عالمة بالاغتلال كما ذكرتم على ما هو مكشوف في رسم باع شاة من سماع عيسى من كتاب الاستحقاق ونص الرواية: وسئل عن الأخوة يرثون المنزل فيقدم رجل منهم فيعمل في ذلك المنزل والأرض ثم قال قلت فإن استغل شيئا من ذلك قبل القسم؟ قال إن كانوا حضورا فلا شيء لهم لأنهم بمنزلة مالوا أذنوا له، وبالله التوفيق، وكتب عيسى بن علال المصمودي خار الله له ولطف به.
[
وإما لأن ذلك مما يزيد في قوة نفس متقلدة غالبا. فلا ينزل نفسه منزلة من لا يؤبه به فيكون ذلك سببا في الثبات والبعد من الجبن المذموم والفرار.
ولما رأى ابن وهب وأبو حنيفة وبعض الشافعية استواء آلة الحرب كلها في هذا المعنى، إذ الإرهاب في السيف ليس بمجرد وضع الحلية فيه على ما لا يخفى، بل لأن ذلك شعار أهل النجدة والشجاعة وعلامتهم، فينظر كون ذلك المحلى كذلك. وهذا أمر لا يختص بتحلية السيف بل كما تشعر تحلية السيف بذلك يشعر به أيضا تحلية غيره، إذ(¬1) التحلية في آلة الحرب سيفا وغيره إنما يتخذها غالبا المبرزون في النجدة والشجاعة المرهوب منهم، ساروا إلى التسوية بين السيف وسائر آلة الحرب في مشروعية الحلية، لاشتراك الجميع فيما هو العلة. ولما لم يثبت عند مالك رحمه الله مساواة غير السيف من آلة الحرب للسيف في المقدار الحاصل بتحليته من الإرهاب، لرجحان المقدار من الإرهاب الحاصل بتحلية السيف على المقدار الحاصل بتحلية غيره لاختصاص السيف بالحرب. وعموم اتخاذه لعموم الحاجة إليه بالنسبة إلى المقاتلين غالبا وملازمته لتهيؤ اتخاذه مع كل آلة ومفارقة بعض آلات الحرب عند وجود ما لا يجامع، أو عند استعماله في الحرب على وجه تلزمه المفارقة، وظهوره وإمكان خفاء بعضها، وتعدد جهة الإرهاب به وشيء من آلات الحرب إن وجد له بعض ما اشتمل عليه السيف من الأوصاف فلا يجتمع له جميعها كالسرج واللجام والمهامز ونحوها لا يختص بالحرب اختصاص السيف به، لكونها من ضرورات الركوب المشترك بين الحرب وغيره، بل إعدادها لغير الحرب واستعمالها فيه أكثر فلا تكون مرهبة ولا معدة للإرهاب غالبا.
فأجاب يباع عليها الحظ المذكور أو يعوض لها إن وجد من يفعل ذلك.
[ناظر مأخذ دراهم من كل دار من الدور المجاورة للمسجد]
وسئل عن مسألة نصها, ومن خط الفقيه المفتي أبي عبد الله القوري نقلتها: سيدي رضي الله عنكم ومتع المسلمين بحياتكم, جوابكم الشافي في مسجد جرت عادة نظاره أن يأخذوا من دور بإزائه ثلاثة دراهم من كل دار من الدور المذكورة, وذلك منذ أربعين سنة وأزيد, ولم يمتنع أحد من ساكني الدور المذكورة من إعطاء الدرهمين المعتادين, إلى أن اشترى إحداها رجل فطولب بالدرهمين فقال لا أعطي شيئا وعقدي الي كتب لي حين اشتريت إنما فيه اشترى فلان جميع الدار, ولا ذكر للمسجد فيه, ولم أخبر بذلك, وشهد أهل ذلك المسجد أن من باع منه كان يعطى ذلك ولم يمنع قط. إلا أن الشهود لا يدرون سبب إعطاء ساكني الدور المذكورة الدرهمين هل على وجه الجزاء للبقعة والقاعة؟ أو للمسجد المذكور في الدور الثلاثة جزء ثلث أو ربع أو غير ذلك, فهل سيدي يسقط طلبهم بسبب جهلهم أم يؤخذ ما جرت العادة بأخذه وإن لم يعلم سببه؟, وأخبر بعض جيرانها عن رجل مات كان مالكا لإحدى الدور أنه قال له, إن للمسجد المذكور ثلث هذه الدار, إلا أنه اصطلح مع ناظره بالدرهمين, مسلمين من غير مطالبة للبناء ولا للكنيف ولا لغير ذلك من ضروريات الدار المذكورة. بينوا لنا الحكم في ذلك مأجورين مشكورين والسلام عليكم من ناظر المسجد المذكور يحيى بن مكحول الموجدي خديمكم ومحبكم.
فأجاب رحمه الله بما نصه: الحمد لله تعالى وحده دائما. الجواب والله الموفق للصواب بمنه: أن الأصل براءة الذمة فالأصل أن من حاز ملكا
[
وسئل أبوعمران وأبوبكر بن عبدالرحمن عمن اكترى دارا من رجل لعشر سنين بعدد معلوم دفعه إليه، وسكن الدار شهرا أو سنة ثم أراد شراءها من ربها، أيجوز له هذا بخلاف شراء غيره لها؟ وقد علمت ما في هذا من الاختلاف من قول ابن شهاب وغيره من مخالفي مذهب مالك، وكيف إن اشتراها المكتري بعد عقد الكراء ثم انهدمت بعد أمد يسير فممن مصيبتها وقد انهدمت في مدة الكراء؟ وكيف إن استحقت بم يرجع المبتاع أبالكراء أو بثمن الابتياع؟ وبم يرجع أيضا في الانهدام أبالكراء خاصة وتكون مصيبتها منه فلا يرجع بثمن الشراء؟ أن لا يرجع لا بكراء ولا بثمن شراء؟ أم يصير الكراء وثمن الشراء شيئا واحدا ثمنها للدار؟ وفسر لنا ذلك كله فإن لابن المواز في هذا الأصل بعض ما كتبت به إليك عرفنا بما تراه موفقا إن شاء الله.
فأجاب أبوبكر: الجواب أن شراء المكتري لها عندي جائز وهو فسخ لما تقدم من الكراء ولو كان إنما اشتراها على أن الكراء باق على ما ذهب إليه ابن شهاب وقاله مالك مثل قول ابن شهاب ذكره ابن المواز في كتاب الجعل والإجارة من ديوانه وقد أجاز مالك وغيره شراء العبد المخدم حياة الذي أخدم إذا اشتراه الذي له الخدمة ورأى ذلك نقضا للخدمة ذكره ابن المواز في كتاب الصدقات، وأعرف فيه بعض الاختلاف في العتبية. وإذا انهدمت الدار كانت المصيبة من المشتري على قولنا إن الكراء قد انفسخ وإذا استحق الدار رجع بالثمن كله وإنما عليه من الكراء بقدر ما سكن قبل الشراء وبالله التوفيق.
وأجاب أبوعمران: شراء المكتري إياها جائز وينزل ذلك منهما فسخا لما بقي من مدة الكراء، وتكون بقية الكراء وهو ما ينوب مدة السكنى مضافا إلى ثمن الدار فيجعل ذلك كله ثمنا للدار ولا يدخل فيه من الغرر ما يدخل
[313/8]
[314/8]
قلت: هذا بناء على ما حمل عليه كلامه، من قصد القياس، وليس بصحيح لما تقرر.
غ: أما بمنع كلية حكم الأصل، فإن الشروط المنافية في البياعات منها ما يصح فيه البيع والشرط، فلم قلتم إن هذا الشرط في الوصية من الشروط التي تبطل؟.
فإن قلتم بالقياس على ما بطل شرطه.
قلنا: معارض بأنه صحيح بالقياس على ما صح شرطه منها، وأما بمنع ما يدعيه جامعا، لأن الفرع من باب التبرعات والمسامحات، والأصل من باب المعاوضات والمكايسات وأين أحدهما من الآخر؟ قلت على قدر المقام في المقايسة العلمية والتبريز في منصة التصدير كإلقاء العلوم الخبرية والنظرية تقع المناقشات، وتورد المطالبات، فأول متحدث مع هذا الفاضل في هذه العبارة المثبتة والجمل الاعتراضية المزيفة فإنه قال: ونحن من وراء المنع في هذا كله أما بمنع كلية حكم الأصل. ثم قال: فإن الشرط إلى آخره، ثم أورد السؤال الذي استشعره واردا ولا يخفي ما في هذا الكلام، فإن الذي أورده تقسيما وتصديرا هو عند أرباب النظر وارد ومتعارف إلا أنه عند أهل البديع محفوظ النظم والتأليف، قال شيخنا جلال الدين رحمه الله: ومنه التقسيم، يعنى من البديع، وهو ذكر متعدد وإضافة ما لكل إليه على التعيين، كقول أبي تمام:
فما هو إلا الوحي أوحد مرهف]
تميل ظباه أخدعى كل مائل
فهذا دواء الداء من كل عالم
وهذا دواء الداء من كل جاهل
وكقول الآخر:
ولا يقيم على ضيم يراد به
إلا الأذلان عير الحي والوتد
[286/9]
هذا على الخسف مربوط برمته
وذا يشج فلا يرثى له أحد
وقال السكاكي: هو أن تذكر شيئا ذا جزئين أو أكثر، ثم تضيف إلى كل واحد من أجزائه ما هو له عندك، كقول الشاعر:
أبيان في بلخ لا يأكلان
إذا صحب المرء غير الكند
فهذا طويل كظل القناة
وهذا قصير كظل الوتد
فأجاب : إن كان الأمر كما ذكر فهو ضامن ، لأن معه ضربا من التفريط [266/10] حين نظر إلى الصرة وعاينها على غرر وتركها ولم يجعلها بموضع يأمن بها من حرز مثل العمامة يعقدها فيها أو في مزود زاده أو يحتال عليها ما استطاع . وأما تعليقها بالشراك أو حبسها في يده فهو غرر يوجب الضمان . وقد قال مالك : وليس ما استهلك العامل منه مثل ما ذهب أو خسر ، لأن ما استهلك قد ضمنه . وعلى هذا جمهور أهل العلم في التفريط والغرر والتعدي يضمن صاحبه ما استهلك بسببه . وكتب يحيى بن عبد الله التوزاني لطف الله به .
[ترجى يمين القضاء على المحجور حتى يرشد]
وسئل سيدي عبد الله العبدوسي عن امرأة محجورة بإيصاء من قبل والدها ، وكان والدها خلف دينا على والدة جد المرأة ، فمات الجد فطلب الوصي دين محجورته ، فقال له الورثة تحلف المحجورة يمين القضاء وحينئذ تقبض لها . فهل يا سيدي تحلف المحجورة أو ترجي عليها اليمين إلى رشادها ؟ وكيف إن كانت حاملا ؟
فأجاب : إن اليمين ترجى على المحجور عليها المذكورة حتى ترشد وتحلف يمين القضاء ، ويعجل لها دينها الآن ، فإذا رشدت حلفت على العلم أنها لا تعلم لموروثها خلاصا من الدين إلى آخر مسطرة يمين القضاء . وسواء كانت حين وجوب اليمين عليها حاملا أم لا ؟ ولا يمنعها حملها من حلفها ، في المسجد ، وإنما يمنع من دخول المسجد إذا كانت حائضا وترجي عليهما اليمين إلى أن تطهر إلا أن يرضى خصمها يمينها معجلا في غير المسجد فله ذلك .
بقتل من قال لرجل: أماته الله كافرا قال: لأنه أحب أن يكفر، وذلك كفر قال: ورددت عليه بقول صالح ابني آدم: ﴿إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك﴾ ثم قال: الإرادة تطلق على المحبة وعلى قصد أحد الجائزين بالتخصيص، وكل واحد من المعنيين يوجد بدون الآخر أما الأول فكقوله: تريد النفس لو تعطى مناها. وهو ظاهر. وأما الثاني فكقصد المتوعد بالإهلاك إلى أمر عنده الذي أمر أن يأمره لينظر امتثاله. ولدقة الفرق بينهما ظلت المعتزلة في أمرها، فقالوا: إن الله عز وجل لا يريد المعاصي، لأنه لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر انتهى من محاضرة القاضي المقري وقال في قواعده: أفتى شرف الدين الكركي فيمن دعى على رجل بسوء الخاتمة بأنه كافر.
قال: لأنه أحب الكفر ومحبته كفر.
قال المقري: بل أراد والإرادة لا تسلتزم المحبة فإن الله عز وجل لا يريد الجهر بالسوء من القول ووقوع الفساد في الأرض، وإلا لم يقع ولا يحب ذلك كما أخبر في كتابه. ومن عدم الفرق بينهما ظلت المعتزلة وأشكل على كثير من غيرهم مذهب أهل السنة انتهى.
كتب بعض(¬1) ملاعين اليهود إلى الأستاذ الإمام الأوحد مفتي البلاد
[266/11] الأندلسية أعاد الله إليها الإسلام بحرمه النبي عليه السلام أبي سعيد فرج بن أحمد بن لب رحمه الله بهذه الأبيات:
أيا علماء الدين ذمي دينكم ... تحير دلوه بأوضح حجة
إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ... ولم يرضه مني فما وجه حيلتي
قضى بضلالي ثم قال ارض بالقضا ... فهل أنا راض بالذي فيه شقوتي؟
دعاني وسد الباب دوني فهل إلى ... دخولي سبيل بينوا لي قضيتي؟
إذا شاء ربي الكفر مني مشيئة ... فهل أنا عاص باتباع المشيئة؟
وهل لي اختيار أن أخالف حكمه؟ ... فبالله فاشفوا بالبراهين علتي
فأجابه الأستاذ رحمه الله ورضي عنه:
ألا أيها الاعمي المحير لبه ... تخيل أوهاما بغير تثبت