تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسئل سيدنا أبو القاسم البزرلي عن طهارة الخبث هل هي شرط في مس المصحف المكرم, وإن كان إطباق الشيوخ عن السكون عن ذلك ربما دل على انتفاء الشرطية ظاهرا. وقد نقل النووي رحمه الله عن بعض الشافعية الاشتراط وزيفه وبالغ في انكاره. وفي ذلك اشكال, فإنه إذا فرض حمله للقراءة فيقال عبادة تجب لها طهارة الحدث فتجب طهارة الخبث, أصله الطهارة والطواف. ويقوى الاشكال على الشافعية لذهاب إمامهم إلى تعميم المشترك. وفي الحديث لا يمس القرآن إلا طاهر.

فأجاب أما كون طهارة الخبث ليست بشرط في مس المصحف, فلو ادعى فيه مدع الإجماع لما بعد. إلا تراهم كيف نبهوا على تعليق التمائم على البهائم والحيض, وعلى قراءة القرآن في الطرق وفي الأماكن النجسة, وعلى

[31/1] ذكر الله في الخلا, وعلى عدم معاملة المشركين بالدنانير والدراهم التي فيها اسم الله, وعلى الاستنجاء بخاتم فيه ذكر الله. ومس المصحف من أهم ما يذكر. ولو كانت طهارة الخبث شرطا فيه لم يهملوها. وليس مش المصحف بذاته عبادة حتى يتقرر فيه القياس المذكور, وإنما هو سبب للعبادة في بعض الأحيان. فلا تلحق بما هو عبادة بذاته. ولم تجب طهارة الخبث في الطواف ولا في غيره بمجرد كونه عبادة. بل لخصوصية كونه صلاة.

[الصلاة بالتيمم لمن ينتقض وضوؤه عند مس الماء]

وسئل أيضا عن قول اللخمي: سئلت عن رجل إن توضأ لم تسلم له صلاته حتى تنتقض طهارته, وإن تيمم لا يحدث له شيء حتى تنقضي صلاته, فرأيت أن صلاته بالتيمم أولى. فاشكل ذلك السائل بسبب أن خروج الحدث عند الملاقاة للماء وعدم خروجه مع ترك الملاقاة دليل على أنه خارج على غير الصحة والاعتياد, وكل ما كان هكذا فكيف ينقض على أصل المذهب؟ نعم جوابه يجري على قول ابن عبد الحكم في الذي لا يملك خروج الريح منه أن صلى فإنما يصلي جالسا.

وقد اختلف ان لم يفعل ذلك وأخر ذبح أضحيته حتى ينصرف إلى داره فيذبح

من غير تزان ولا تأخير . فان ذبح أحد قبل ذلك لم تجزه , وهو مذهب ابن

القاسم . وقيل ليس عليهم أن يؤخروا بعد صلاته إلا القدر الذي كان يذبح

فيه أضحية لو أخرجها إلى المصلى على السنه في ذلك , فمن ذبح بعد ذلك

أجزاته أضحيته , ذهب إلى هذا أبو مصعب من أصحاب مالك , وهو أظهر

من قول " ابن القاسم " . وأما ان منع الأمام من ذبح الأضحية مانع من عذر

غالب , فيلزم الناس انتظاره إلى زوال الشمس , وهو أخر وقت صلاه العيد ,

فان أمكنه الذبح إلى ذلك وإلا ذبحوا هم وأجز أتهم ضحاياهم . وذهب

أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الذبح مرتبط بصلاة الإمام لا بذبحه ,بدليل ما

روى عن " البراء بن عازب " قال : خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم

[33/2]

[34/2]

يوم الأضحى إلى البقيع فبدا فصلى ركعتين ثم اقبل علينا بوجهه ثم قال : ان أول

نسكنا في يومنا هذا ان تبدا بالصلاة ثم نرجع فننحر . فمن فعل ذلك فقد

وافق سنتنا ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم عجله لاهله وليس من النسك في

شئ فقام خالي فقال يا رسول الله إني ذبحت وعندي جذعه خير من مسنة

فقال اذبحها ولا تجزى أولا توفى عن أحد بعدك . وما روى عن " جندب " قال :

يصلى فقال من كان قد ذبح قبل الصلاة فليعد فإذا صلينا فمن شاء ذبح

ومن شاء لا يذبح وما روى عن" أنس بن مالك " أن رسول الله صلى الله عليه

وسلم صلى ثم خطب فأمر من كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد ذبحه . وهذا

لاحجه فيه على مالك رحمه الله , إذا ليس من أمر النبي صلى الله عليه وسلم

بالاعاده لمن ضحى قبل الصلاة ما يدل على أجازه ضحية من ذبح بعد الصلاة

قبل ذبح الإمام , بل قد جاء عنه أنه أمر بالاعاده على ما ذكرنا من رواية " أبى

برده بن نيار " , واستدلوا لمذهبهم أيضا بحجج من طريق النظر لا تصح عند

أعمال النظر الصحيح , وبالله التوفيق .

=فأجاب : أنه قد ذكر أهل المذهب أن الإشادة بالنكاح وشهرته مع علم الزوجين والولي بذلك يكفي وإن حصل إشهاد ، وهذا كانت أنكحه كثير من السلف ، وهذا المعنى قد حكي عن ابن القاسم ، فحيث تظاهر الزوجان بالمراجعة وظهر علم الولي بها وبدخولهما ، فلا يقدح في صحة النكاح كما في المسألتين الأخيرتين ، وحيث لم يظهر علم الولي إلا بعد دخول الزوجين ويمكن حصول وطء قبل علمه كما فس المسألة الأولى ، فهذا هو الذي فيه النظر والأمر فيه صعب ، لكنهم ذكروا رواية أبي قرة عن ملك في رجل تزوج امرأة ثم طلقها ، أنه يجوز له تزوجها ثانيا بأن تعقد هي على نفسها دون ولي ، وعللوا هذه الرواية بأن القصد في الولاية في النكاح النظر في الكفاءة ، وإنما يحتاج إلى النظر في هذا النكاح الأول دور ما بعده من المراجعات ، إذ حصلت الزوجية ووقع النظر في كفاءتها ، وهذا نحو ما حكي عن بعض الفقهاء أن المرأة إذا عقدت بنفسها نكاحها فهذا النكاح موقوف ، فإن وضعت نفسها في غير كفء كان للولي فسخه وإن وضعت نفسها في كفء فعلى الولي أن يجيزه ويمضيه ، فإن فعل وإلا أجازه السلطان عليه ، فعلى هذا لا تفسخ المراجعة بعد وقوعها على ما وصف من حالها ، وتنضم في القضية ضميمة أخرى تقوي هذا الاعتبار ، وهي مراعاة قول من قال من أهل المذهب : إن الطلاق المملك[30/3]رجعي ، فإذا كانت المراجعة في هذه النازلة في بقية من العدة حسنت مراعاة هذا القول مع ما تقدم ، وقد كان ابن عتاب يراعيه في ارتداف الطلاق في العدة ويفتي بذلك ، هذا ما عندي في ذلك انتهى .

قيل : فتوى الشيخ الأستاذ رحمه الله تؤنس كثيرا في أمثال هذه النوازل ، على أنه لا خفاء ببعد منتجعها ، وإذا قال ذلك في المراجعة بتقدير حصول الكفاءة على مقتضى رواية أبي قرة ، فأحرى أن يقولها في ابتداء النكاح ، لاعتياد الشهرة فيه أكثر من المراجعة إذا حصلت الكفاءة فيه فتأمله .

[

إذا كانت عنده مخدومة قبل الطلاق؟ فقال: لا خدمة لها، لأن المرضع إنما لها أجر الرضاع، فهي مؤجرة نفسها، وكذلك الحامل لا خدمة لها وعليها خدمة نفسها، قال: ويحتمل أن تزاد المرضعة في الأجرة لاشتغالها بالولد وما تتكلف من مؤنته، قال ابن سهل: وسألت ابن مالك عن ذلك فقال: الذي لم نزل نفتي به أن تزاد الحضانة في الأجر إذا كان المولود له موسرا، وإن كانت المطلقة حاملا مرضعا فلمالك في سماع أشهب: لها نفقة الحمل، ونفقة الرضاع جميعا، ودليل المدونة أنها ليس لها إلا نفقة الحمل وحدها وهو الأظهر في النظر، ويزاد على أجرة المرضع من المؤنة ما يحتاج غليه الصبي، قال في كتاب الجعل والإجارة، ويحملون فيما يحتاج الصبي من المؤنة في غسل خرقه وحميه ودهنه ودق ريحانه وتطيبه على ما تعارفه الناس، وقد ذكر ابن سهل عن فرض لرضيع قميصين ومحشوا ويتيقتين (كذا) وفسقيتين من كتان ولفافتين نطع للشويذكة ومخدة مملوءة صوفا ونصف ملحفة ولحيف كتان محشوا قطنا، ولنفقته في الشهر ربع دقيق وثمني زيت طيب للأكل وثمنا واحدا للوقيد، وربعا ونصفا من فحم، وأجرة الرضاع، قال: ولا كراء مسكن له، واحتاج والد الصبي الرضيع النازل به هذا أنه كان فرض عليه أقل مما فرض عليه الآن وكان السعر غاليا، وفرض عليه الآن كثيرا والسعر رخيص، حجة صحيحة ودليل واضح، لكن لا يوافق المدلول، فإن الذي فرض عليه أولا في غلاء السعر بزعمه إنما كان ذلك والولد صغير والآن كبر الولد، وليس رضاع الصغير كرضاع الكبير، قال الميتطي في كتاب الجعل والإجارة: وليس رضاع ابن شهر كرضاع ابن عام، فزيد عليه لكبر الصبي وقوة رضاعه.

ومن فصول هذا العقد أن هذا الشاهد العدل المذكور أن القائم أشهده بما نصه أنه سلم عن نفسه وعن أولاده الصغار في حجره لابن القواس في جميع الصفقة التي شهد بها الحجاج لابن القواس المذكور حسبما ينطق بذلك رسم بيد ابن القواس المذكور يعني عقد الشراء المذكور فأفرد الصفقة ووصفها بما شمل الصفقات كلها فعين في هذا الإشهاد الثلث المفروز والقائم منكر لهذا الإشهاد وقال: شهادة هذا الشاهد فيها ( ) (¬1) أنه قال في الصفقة التي شهد بها الحجاج وهم إنما شهدوا بصفقة ( ) (¬2) لم يكن بقي بيده منها إلا ( ) (¬3) ولم يعينه هذا الشاهد ( ) (¬4) بما وصفه به من

[30/5]

شهادة الحجاج، وكان الشاهد عالما بالحظين المشاعين، مما ذكر كانا استشفعا، فهل ترون في هذه الفصول منحكم الله السداد، وهدي بإرشادكم برحمته إلى سبيل الرشاد بمنه، والسلام الأتم يحض سيدنا الإمام رحمه الله تعالى وبركاته.

فأجاب رحمه الله: أعزكم الله بطاعته، إذا كان الأمر كما وصفتم فوقه فقيام ابن وشن على ابن القواس المذكور فيه وتعلقه بما شهد له به على ابن القواس باطل لوجوه:

كلام، وإن قلتم بالأول: وأن الأمير لا سبيل له بوجه، فهل يلزمه رد المال إلى يد من يجب الرد إليه أو لا؟ وإن قلتم باللزوم وتعذر الاسترجاع من الأمير، فهل يلزم ذلك من أفتاه بأخذه، لأن اعتماده في الأخذ إنما كان على فتواه؟ وإن قلتم بلزوم ذلك لمن أفتاه، فهل يحكم بتأثيمه وفسقه؟ سيما وهو ولم يبلغ درجة الفتوى ولا حصلت له شروطها، ولا عنده إذن بها، لا من جهة الإمام، ولا من جهة المشايخ، مع أن من عضده في ذلك لا يستحق اسم الطلب فضلا عن أن يتحدث في الفتوى في مثل هذه النازلة. وقد علمتم ما أشار إليه ابن رشد في مسائله في صفة المفتي، وما نبه عليه المتيطي في صدر كتابه. وما ذكره الإمام ابن عرفة في كتاب الأقضية من كتاب مختصره.

فأوضحوا لنا ما عندكم في هذه المسألة إيضاحا شافيا، وبينوه بيانا كافيا يعظم الله أجركم، ويديم للمسلمين حياتكم والسلام عليكم والرحمة والبركة. ونص الجواب: الحمد لله تصفحت الجواب المسطر في هذا الدفتر، فاطلعت به على نقل سعيد، ونظر مبارك سديد، ورأي موفق إن شاء الله رشيد. ولا يرتاب أن ما أوصي به الميت من ثلث ما يخلفه، إنما يخرج من ثلث ما بقي بعد المائة والخمسين المقر بها على الوجه الموصوف، سواء ثبت الإقرار أو سقط، وكيف كان ثبوته من رأس المال أو الثلث. وقد بينتم والحمد لله بالطريق المستقيم، والجواب الواضح القويم، ما وقع الرجوع إليه، والتعويل في النازلة عليه. وما النظر في المسألة وإعمال الفكر، إلا فيما يرجع إلى المائة والخمسين. وقد حصل من نقلكم في ذلك ونظركم ما لا يكاد يقوم به غيركم حفظا وفهما. ونحن نقر بالتقصير عما وقع منكم من سعة علم وفهم في المسألة، ولكنا نذكر بعض ما أشرتم إليه، ونضيف إليه بعض ما تيسر من الحديث عليه. فمن ذلك ما روى أبو زيد عن ابن القاسم فيمن أوصى بدين لرجل لا يعرف.

قال: إن كان له ولد فليخرج الدين من رأس ماله، فيوقف وينادي به،

[31/6]

ونص الجواب للفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد النور بن محمد العمراني, وهو مقيد عقب ما تقيد عقب السؤال بخط القاضي رحم الله جميعهم: الحمد لله أكرمكم الله تعالى الوصية لمن يولد المعينين إذا كانت مثل ما في مسألتكم لم يذكر فيه لفظ تحبيس ولا صدقة, فإن المذهب لم يختلف فيما علمت أنها محمولة على التملك لهم, كالوصية لجماعة معينين تقسم بينهم قسمة ملك على السواء, لا يؤثر فيها فقير على غيره, هذا شيء لم أقف في أجوبة المذهب على ما يخالفه, إلا أنه يجب إيقاف جميع ذلك للموصى لهم لتعذر القسم فيه قبل معرفة آخرهم ولادة إذ قبل ذلك لا يعرف مقدار ما لكل واحد منهم لكنهم وإن كان ذلك غير معروف في الحال فجملته لا تخرج عنهم وهم محصورون بحصر أصلهم فلذلك كانوا كالمعينين فيما ذكرنا. وإذا تقرر أن حكمهم في ذلك حكم المعينين في تعذر الملك لهم في ذلك ودعى بعض ورثة الموصى لبيع ما لم ينقسم مما تخلفه الموصي مما عليه في أفراد نصيبه منه للبيع ضرر بتقص ثمنه عند بيعه مفردا عن مقدار ما ينوبه في بيع الجملة وجب أن يحكم له على الموصى لهم مع سائر الورثة باشتمال البيع لرفع الضرر عنه لقوله عليه السلام: لاضرر ولا ضرار لكن كلام الشيخ أبي الحسن يقتضي انه إنما يحكم على أهل الوصية باشتمال البيع مع الورثة إذا كان ذلك المدعو إلى بيعه لا ينقسم على مقام الثلث أما إذا كان ذلك ينقسم أثلاثا بغير ضرر فإنه لا يجب فيه على أهل الوصية الاشتمال مع الورثة بل الذي يجب حينئذ أن ينقسم أثلاثا وبعطى أهل الوصية ثلثهم جملة يكون بينهم على عددهم. قال لأن الميت شريك للورثة بثلثه فمن حق

[

31/8]فيها، واستقراره هناك بالموضع معلوم، والغالب في مسألة النهر عدم الاستقرار في موضع الطرح لقوة دفع الماء وحمله. وأيضا فإن ما تحمله إليه السيول والأمطار تمازجه وتخالطه وكم مقدار أحدهما من الآخر، ولا يتعين هنا الأقرب فالأقرب لأن الغالب الإتيان إليه من بعد لعدم المانع، فصار الأمر مشكوكا فيه. والأصل براءة الذمة فلا تعمر إلا بأمر محقق.

قلت: وكذلك من بنى على حافتيه حكمه حكم من تقدم، ولأنه لا شيء عليهم إلا أن يكونوا أغلقوا مجرى الماء وضيقوه وفعلوا فعلا يمنع من الوصول إلى كنسه، فيلزمهم التمكين من الكنس مهما أرادوا، لأن ذلك من الضرر الذي يجب رفعه وبالله التوفيق.

وأجاب ابن مالك: لا يجوز تعليق الحوانيت من جدار المسجد بحال، ولا لمن جاور المسجد أن يغرز خشبه في جداره البتة، وذلك بين والله سبحانه يهدى للصواب. ابن عرفة في كتاب العارية: والصواب ما أفتى به ابن القطان وابن مالك من منع التعليق والغرز جريا على حمله على الندب، وقال الشيخ أبومحمد عبدالله العبدوسي في بعض فتاويه: بقول ابن عتاب القضاء. وفي طرر ابن عات عن المشاور: من أراد أن يعلق بيتا في داره على حائط جاره فله ذلك لا يمنع منه إن لم يضر بجاره. وكتب لهم أيضا من بياسة قبل سنة أربع وأربعين وأربعمائة في رجل له دار ظهرها(¬1) في زقاق لقوم غير نافذ، ففتح الرجل باب داره إلى هذا الزقاق وبقي كذلك نحو ثلاثة أعوام ثم باع القوم دورهم فأراد المبتاع إغلاق هذا الباب المحدث واحتج بأن ذلك قد كان للبائعين منه القيام به وأنه قد حل محلهم.

فأجاب ابن عتاب ليس للمبتاعين فيه كلام ولا اعتراض، وإنما كان الكلام والاعتراض فيه للبائعين، فإذا لم يفعلوا حتى باعوا فهو رضي منهم إن شاء الله عز وجل.

وأجاب أحمد بن رشيق فقيه المدينة مثله.

[

فأجاب : لا يلزم الحاكم أن يجمع أصحاب الجنات وإن علم أن دعواهم مثل دعوى القائم عنده ، ويلزمه أن يحكم للقائم عنده بما يوجبه الحق له فيما يطلبه ، فإن كان الحاكم له وعليه في ذلك مما لا يختص به دونهم كان من حق المقوم عليه أن يوقفهم على ما يدعونه ، فإن ادعوا مثل دعواه قيل لهم اجتمعوا على وكيل يخاصم عنكم أو على واحد منكم توكلونه على الخصام على جميعكم أو تجتمعون جميعا فتدلون بحجتكم معا ، وليس لكم أن تتعاوروه بالخصام ، إذا غاب هذا يحضر هذا يحدث من الحجة ما شاء .

[29/10] [للمدعى عليه أن يطلب اجتماع الورثة لخاصمه حتى لا يتعاوروه بالخصام]

وسئل عن ورثة قام بعضهم يطلب دينا لأبيهم على رجل ، فقال المطلوب اجتمعوا لخصامي ولا تفتنوني بتوالي الطلب واحدا بعد واحد ، ما الحكم فيه ؟ ورغبتي بيان هذا الباب ، ففي بعض نصوص مسائله اشتباه .

وسئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن جماعة من أهل الخير والصلاح والورع يجتمعون في وقت فينشد لهم منشد أبياتا في المحبة وغيرها فمنهم من يتواجد فيرقص ومنهم من يصيح ويبكي، ومنهم من يغشاه شبه الغيبة عن إحساسه. فهل يكره لهم هذا الفعل أم لا؟ وما حكم السماع؟

فأجاب: الرقص بدعة لا يتعاطاه إلا ناقص العقل، ولا يصلح إلا للنساء وأما سماع الإنشاد المحرك للأحوال السنية، المذكر بما يتعلق بالآخرة فلا بأس به. بل يندب إليه عند الفتور وسآمة القلوب، لأن الوسائل إلى المندوب مندوبة والسعادة كلها في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم واقتفاء الصحابة الذين شهد لهم بأنهم خير القرون ولا يحضر السماع من في قلبه هوى خبيث، فان السماع يحرك القلوب من هوى محبوب أو مكروه والله تعالى أعلم.

[اجتماع الفقراء للرقص والسماع]

وسئل الشيخ الصالح أبو فارس عبد العزيز بن محمد القيرواني تلميذ

[30/11] سيدي أبي الحسن الصغير عن قوم تسموا بالفقراء يجتمعون على الرقص والغنا، فإذا فرغوا من ذلك أكلوا طعاما كانوا اعدوه للمبيت عليه، ثم يصلون ذلك بقراءة عشر من القرآن والذكر، ثم يغنون ويرقصون ويبكون، ويزعمون في ذلك كله أنهم على قربة وطاعة ويدعون الناس إلى ذلك، ويطعنون على من لم يأخذ بذلك من أهل العلم ونساء اقتفين في ذلك أثرهم، وعملن في ذلك على نحو عملهم. وقوم استحسنوا ذلك وصوبوا فيه رأيهم. فما الحكم فيهم وفيمن رأى رأيهم هل تجوز إمامتهم وتقبل شهادتهم أم لا؟ بينوا لنا ذلك.

وقال أبو عمر ابن عبد البر في كتاب بيان العلم عن سليمان التيمي أنه قال لخالد بن الحارث إن أخذت برخصة كل عام اجتمع فيك الشر كله. قال أبو عمر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا، ونقل ابن حزم أيضا الإجماع على أن تتبع الرخص من المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي فسق لا يحل. وعن أبي محمد ابن أبي زيد: من أخذ بقول أهل الأمصار لم أجرحه إلا أن يكون شاذا مالم يأخذ بكل ما وافقه من كل قائل. وعلل ما ذكره ابن حزم وأبو عمر من الإجماع على منع تتبع رخص المذاهب بأنه مؤد إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها. وقال أبو إسحاق الشاطبي- رحمه الله-: إذا صار المكلف في كل نازلة عنت له يتبع رخص المذاهب وكل قول وافق فيه هواه فقد خلع ربقة التقوي، وتمادى على متابعة الهوى، ونقض ما أبرمه الشرح وأخر ما قدمه. قال: ولقد أدى إغفال هذا الأصل إلى أن صار كثير من مقلدة الفقهاء لا يفتي قريبه أو صديقه بما يفتي به غيره من الأقوال اتباعا لغرضه أو لشهوته أو لغرض ذلك القريب وذلك الصديق، ولقد وجد هذا في الأزمنة الماضية فضلا عن زماننا.

[29/12]

[30/12]

وقال سليمان التيمي: إن أخذت برخصة كل عام اجتمع فيك الشر كله. قالوا فمن هنا قالوا زلة العالم مضروب لها الطبل انتهي. قال أبو عمر: وشبه العلماء زلة العالم بانكسار السفينة، لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير.

وقال ابن عباس: ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئا برأيه ثم يجد من هو أعلم منه برسول الله، صلى الله عليه وسلم فيترك قوله ذلك ثم يمضي الاتباع.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٣١