246/1] امتنعوا من البيع للمسجد, فقال أكثرهم تؤخذ منهم بالقيمة جبرا, وهو الآتي على قول ابن القاسم أنه لا يحكم عليهم بحعل الثمن في دار أخرى تكون حبسا, لأنهم إذا أجبروا صار كاستحقاق. وعلى قول ابن الماجشون يقضى عليهم بجعل الثمن في أخرى لا يقضى عليهم ببيعها إن امتنعوا, لأنهم إذا باعوها باختيارهم في موضع لا يحكم عليهم به لو امتنعوا منه, لأن الحكم عليهم بصرف الثمن في دار تكون حبسا لما في ذلك من حق غيرهم إن كان الحبس معقبا, وكذلك إن كان عليهم بأعيانهم على القول برجوعها بعدهم لأقرب الناس بالمحبس. ولأبي زيد في الثمانية يقضي عليهم ببيعها لتوسيع المسجد, فقوله في القضاء عليهم ليجعل الثمن في دار أخرى مكانها ليس على أصله, إذ لعله إنما قال ليقضى عليهم بذلك فيما عدا المسجد الجامع من المساجد. ومن مذهبه أنه لا يقضى عليهم ببيعها إلا في المسجد الجامع. ورده ابن عرفة بأن المناسبة الناشئة عن اعتبار المصالح تقتضي عكس ما قاله, لأنهم إذا لم يجبروا على جعل الثمن في حبس آخر كان جبرهم على بيعه تحصيلا لمصلحة التوسعة خالية عن مفسدة إبطال حبس.
[حق الله مقدم على حق العباد]
فإن قيل: جبرهم على البيع مع جبرهم على جعله في حبس فيه شدة ضرر, وارتكاب أخف الضررين راجح أو واجب.
قلت: والقول بعدم الجبر على البيع بتوسعة غير المسجد الجامع به أفتى من المتأخرين أبو عبد الله بن عتاب, وابن العاصي, وقالوا لا يصح ان يؤخذ الحبس جبرا, إلا للمسجد الجامع خاصة, إذا ضاق. فتأملوا قول ابن عرفة ضررهم راجع بحق آدمي وحق الله آكد فإنه يوضح لك ما تقدم من التوجيه, وتذكروا به ما في آخر كتاب السرقة من المدونة إذا اجتمع حق الله وحق العباد بدىء بالحق الذي هو حق لله إذ لا عفو فيه. ومنه تعلم أيضا وجه الرد على القرافي ومن قدمنا عنه آخر الجواب الأول أن حق الآدمي أقوى من
[
مقام العيان، فإذا ثبتت التدمية والعقود الثلاثة المنتسخة بعده توجهت القسامة للولاة فيحلفون على صفة أيمان القسامة لقد جرح فلان الموصوف في هذا العقد صفات المدمى عليه التدمية وليتنا المدمية عليه على سبيل الاعتداء والعمد الذي فيه القصاص الجراحات الموصوفة، ولقد ماتت منها فإذا استكملوا استحقوا القتل إن وافقت صفات العقد صفات المدمى عليه أو اعتراف أنه الذي أدمت عليه زوجته بعد الإعذار إليه في السجن والحديد إلى ظهور الحق في أمره، وأما ميراثه فإن ثبت استحقاق دمه بما ذكر فلا ميراث له سواء اقتص منه أو عفي عنه، وعليه بعد العفو ضرب مائة وسجن سنة، وإن دفع ذلك ولم يتوجه عليه قصاص فله الميراث بعد أن يحلف خمسين يمينا للتهمة فإن أبى سجن حتى يحلف انتهى.
قيل: قوله إذا كان الضرب بسكين. إلخ هذا مثل ما تقدم في ضرب الصبي باللوح والعصا إذ لم يشرع ذلك، ويحتمل أن تكون هذه التدمية مفرعة عن مذهب ابن العطار، ويحتمل أن تكون قولا ثالثا كالتدمية البيضا والجرح الكبير الذي يةعرف بالعادة أنه لا يفعله الإنسان بنفسه.
[ امرأة وجدت مذبوحة وليس معها في المنزل غير زوجها ]
*وسئل بعض الفقهاء عن مسألة ابن فطيس وذلك أن ابن فطيس هذا كان سكن بزوجته بدار منفردا عن الناس نحو أربعة أشهر وليس معهما أحد من الناس، ثم إنها بعد هذا التاريخ أصبحت مذبوحة مكشوفة في الدار المذكورة، وعاينوا كذلك وطلبوا أثرا في الدار هل دخلها أحد أو تسور عليها فلم يجدوا شيئا، ويشهدون مع ذلك بمعرفة زوجها وأنه لم يزل معها منفردا في هذه الدار بهذه المدة حاضرا معها حتى وجدوها بهذه الحالة وأثبتوا الوفاة وعدة الورثة والمستحقين لطلب الدم وإن بعضهم صغير، وحضر الزوج المدمى عليه اعتراف بجميع الواقع إلا أنه قال: ما قتل وما ضرب وأنكر.
=فأجاب : قيل : إنه يغتسل بوطئه في ذلك المحل ، وكرهه مالك ولم يحرمه ، ووردت في تحريمه أحاديث ضعيفة . قلت : فلم كرهه ؟ قال : من طريق الشبهات ، وعن محمد بن عبدوس أقمت سنين أريد سؤال سحنون عن هذه المسألة ، فما جسرت عليه حتى مشى يوما فخلوت به فقلت : لي سنون أريد أن أسألك عن كذا فما جسرت ، فقال سحنون : اليوم أربعين سنة أتفكر في هذه المسألة فلم يتبين لي فيها حلال ولا حرام ، ولقد لقي أشهب رجل أراه من أهل العراق ممن يقول بتحريمه ، فتكلم فيه ، فقال أشهب بتحليله ، وقال الرجل بتحريمه ، فتحاجا حتى قطعه أشهب ، ثم قال له أشهب : أما أنا فعلي من[259/3]الأيمان كذا ما فعلته قط ، فاحلف لي أنت أيضا أنك لم تفعله . فأبى أن يحلف . وعن ابن القاسم لو أعطيت هذا البيت مالا لما فعلته . أبو محمد يريد من غير أن يحرمه ، قيل ما حكاه عن أشهب مثله لمالك في العتبية ، وكنى عنه بلغز انظره في الجامع . وروى عن مالك أنه أحل من شرب الماء البارد . وروي عنه أنه قال : من حدث عني بإباحته فقد كذب . والرواية أن من فعله فإنه يؤدب ، وهو هنا على تحريمه ، وعلى أنه مكروه أو مباح فلا يؤدب ، إذ ليس بمجمع على تحريمه ولا على كراهته ، ولعموم الآية : ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ إما من أين شيتم أو من حيث شيتم ، وإن كان مالك تأول أن الحرث لا يكون إلا في موضع الزرع ولا شيء من ذلك المحل بموضع له ، وأما التمتع بظاهر ذلك المحل ، فقد فاوضت فيه بعض أصحابنا لا شيوخنا لعدم الجسارة عليهم في مثل هذا .
=فأجاب : بإباحته ، ولم يبد له وجها ، ووجهه عندي أنه كسائر جسد المرأة ، وجميع جسدها مباح ، إذ لم يرد ما يخص بعضه من بعض ، بخلاف باطنه ، والأمر عندي فيه اشتباه ، فإن تركه فهو خير ، وإلا فلا حرج لعسر الاحتزاز منه والله أعلم .
[للمرأة منع زوجها من وطئها في المحل المكروه]
*وسئل السيوري عن وطء المرأة في دبرها .
وأفتى بعض أشياخنا فيمن قال لزوجته أنت طالق ما دامت النخلة تلد الثمرة فتكرر اليمين عليه أبدا، ولست أراه.
وسئل الشيخ أبو بكر النعالي ببرقة عمن قال لامرأته أن لم تفعلي كذا فسلت لي بامرأة، فحنث، فتوقف فيها فتأملها فلم يجب فيها شيء.
وأجاب الشيخ أبو محمد بوجوب الطلاق عليه. ابن محرز وهذا صحيح.
[من عاتب زوجته على عمل تعمله وقال لها أنا بريء منك.]
وسئل عبد الحميد عمن تكلم مع امرأته وعاتبها في شيء تعمله، ويقول لها في آخر كلامه: أنا بريء منك إياك تفعل هذا ولا يعود إليه، أنا بريء، ويكرر عليها ولا ينوي بذلك طلاقا، وإنما يريد زوالها عما تفعله، ويجري على لسانه كل حين معها ومع غيرها. فهل عليه في ذلك شيء أم لا؟
[287/4]
[288/4]
فأجاب: لا يلزمه طلاق إلا أن ينوي ويريده، وخير له أن لا يتكلم بهذا الكلام.
وسئل عن امرأة شكت من زوجها أنه حنث فيها بالثلاث، ثم خيرها زوجها حين سمع هذا منها، فاختارت البقاء معه ولم تفارقه. فهل يحكم بالفراق وتجبر هي على ذلك أم لا إذا شهد عليها بقولها الأول عدلان؟ وكيف لو كان الشاهد عليها بذلك حال (كذا) فهل تحلف هي أم ماذا تصنع؟
فأجاب: إذا اختارت البقاء فقد صار البقاء من حقوق الزوج، وللزوج أن لا يصدقها فيما قالته من الطلاق، فتبقى زوجته.
وسئل اللخمي عمن شهد عليه شاهدان أنه طلق زوجته ثلاثا وهو غائب فحكم عليه بشهادتهما، فهل يترك في الحكم على حجته أم لا؟ وقد سمع أن أبا حفص العطار يذكر أن أبا عمران الفاسي أفتى فيها بخلاف الصواب عند العطار فغلب العطار قال ليس يترك على حجته، وأن أبا عمران قال يترك على حجته، فكان العطار ينقله عن أبي عمران ويرد عليه بقوله: كيف تتزوج وللغائب فيها مقال؟ أرأيت إن قدم وأتى بحجته وهي تحت زوج.
لعله يريد أنه إن ثبت أن الشهود كانوا خصماء للمشهود عليه، فما تراه أنت فيها؟
وسئل القاضي أبو محمد عبد الرحيم اليزناسني عمن قام في ملك يدعي أنه له فيه حقا ورثه والملك بيد من اشتراه من مشتر وقد تداولته الملاك وانتقل من يد إلى يد بالشراء والقائم عالم بذلك مدة فوق مدة الحيازة وهو حاضر البلد عالم أن الملك كان لموروثه ولم يقم في الملك ولا اعترض أحدا ممن تداوله، ثم قام الآن في ذلك فهل يبطل قيامه أم لا؟ بينوا لنا ذلك مأجورين.
فأجاب: لا قيام له لما بيعت على عينه وعلمه بأن ملكه مع سكوته المدة العاملة في الحيازة العشرة الأعوام وبدونها إن شاهد صفقة البيع على ما في العتبية في الأقضية منها والاستحقاق.
[من باع دارا ولأخته الرشيدة فيها نصيب]
وسئل سيدي عبد الله العبدوسي عمن باع دارا له ولإخوته إلى نظره بحكم الإيصاء من والدهم وللبائع أخت رشيدة حين البيع لها في الدار المبيعة نصيب وبقيت الدار بيد مشتريها مدة من ثلاث سنين أو أزيد أو أقل ثم باعها كلها المشتري من رجل آخر فبقيت على ملكه مدة من ست سنين أو نحوها، ثم قامت الآن الأخت الرشيدة طالبة لحقها في الدار المبيعة أولا وأخرا وادعت أنها لم تبع ولم توكل البائع أخاها على بيع حظها في الدار المبيعة وإنها كانت تطلب المشتري الأول بكراء حظها في الدار المذكورة بزعمها، وأنها أعلمت المشتري الثاني بحظها أيضا فيها فطلبت من المبتاعين المذكورين ما ينوب نصيبها من الكراء فهل تقبل دعواها فيما ادعته أو لا يقبل ذلك إلا بينة أو عذر يمنعها من
[265/5]
تعديته إلى غيره، فقال ابن القاسم ورواه أيضا عن مالك: يحلى غير السيف من آلات الحرب. وقال أشهب وابن حبيب: يجوز تحلية السلاح والمنطقة وأما السرج واللجام والمهاميز فلا. وقال ابن وهب: ويجوز تحلية ما يطاعن به ويضارب. ثم من الشيوخ من وضع الخلاف في غير السيف من آلات الحرب في تحليته بالفضة. ومنهم من وضعه في تحليته مطلقا من غير تخصيص بفضة، وهو بناء على المشروع في السيف من تحليته الذهب والفضة أو الفضة خاصة. أما الجواز في تحلية غير السيف من آلات الحرب عموما أو تبعيضا، إنما هو بطريق الإلحاق بالسيف. فمن خص الجواز في السيف بتحليته بالفضة وضع الخلاف في تحلية غيره بالفضة. ومن عم الجواز في تحلية السيف وضع الخلاف في تحلية غيره مطلقا غير مقيد بتحليته بفضة. وعلى تحلية آلة الحرب عموما بالفضة خاصة أو بهما أو بالذهب فلا فرق بين كون الركاب خالصا من أحد النوعين أو قد أضيف أحد النوعين فيه إلى غيرهما. والركاب وغيره مما لابد للسرج منه كالقبضة والرأس والإصبع للسيف والنعل والأرتاد للجفن. فإذا جاز صوغ ما ذكر للسيف من خالص الذهب والفضة أو من خالص الفضة خاصة على اختلاف الرأيين جاز تفريعا على التعدية اتخاذ الركاب خالصا من أحد النوعين أو من خالص الفضة خاصة.
وحال ما يتوهم من خلوص الركاب من أحد النوعين وكون أحدهما مضافا لغيرهم للكثرة مع الخلوص القلة والتبعية مع الإضافة، وعلى تقدير تسليم ذلك، فمل يلتفت جميعهم في السيف. وابن وهب القائل بجواز تحلية آلة الحرب، وأشهب وابن حبيب القائلان بجواز تحلية السلاح والمنطقة في شيء من ذلك إلى شرط التبعية والقلة. بل قد صرح ابن حبيب بسقوط الزكاة في المنطقة المحلاة وإن كانت فضتها كثيرة. وهو دليل الجواز، وإن لم يكن تبعا. ومدار الحكم في اتخاذ الحلية منهما نفيا أو إثباتا.
[333/6]
يأذن في الانتفاع بها بلفظ ولا قرينة حال, بل قرينة حالته تقتضي التهي عن التعرض لها, وإذا لم تتحقق الاباحة بلفظها
[274/7] ولا عرف, لم يجز الاقدام على محرم, اللهم إلا أن تبلى بحيث لا يعلق مثلها في المساجد, فإن سقطت مائتتها, جاز لكل واحد أخذها, كما يجوز التقاط التمرة والزبيبة, لقضاء العرف بإباحة ذلك, والمسامحة فيه, وأكثر المحدثين يعبرون عن معرفة قواعد الشرع, ومآخذ الأحكام بأفعالهم, بل ينكر عليهم ذلك لأنهم ليسوا أهل للإجتهاد. انتهى.
[من حبست, وهي في ولاية أبيها, ووافق على تحبيسها]
وسئل أبو سعيد بن لب عن امرأة حبست وهي في ولاية أبيها ووافق على تحبيسها.
فأجاب: لا خفاء يفسخ التحبيس, لنه ليس للوالد أن يخرج ولده الذي في حجره عن شيء من ماله من غير عوض, ولا يعوض فيه محاباة ظاهرة, ومشهور المذهب المالكي أنه إذا تصدق بدار لولده أو أرض أنها ترد إلى ملك الولد, كان الوالد حين فعل ذلك موسرا أو معسرا, والمعمول به القول بالفسخ. هذا إذا قلنا أن الأب بموافقته على التحبيس, صار هو المحبس, فلا خفاء بالفسخ, وإن قلنا أن البنت هي المحبسة لأنها باشرت, فالفسخ حينئذ أولى لأنه تبرع من المحجورة.
[دار حبست على إمام مسجد, فاحتاجت على إصلاح]
وسئل العبدوسي عن دار محبسة على إمام مسجد, فاحتاجت إلى إصلاح ضروري وليس عليها حبس تصلح منه.
فأجاب: يقال للإمام إما أن تصلح, وإلا فاخرج وتكرى لتصلح من الكراء الكراء. ولو شرط محبسها ألا تصلح وتترك خرابا لصح حبسه وبطل شرطه, وإذا كانت تحتاج إلى إصلاح كثير لا تقوم غلتها الآن به, فإنه يغرم الإمام كراء المثل لما مضى من المدة بقدر ما تصلح به الآن, لأنه أبرز الغيب أن الواجب إيقاف ذلك في الماضي, ليصلح فيه في المستقبل.
[275/7] [إذ طلب القائم بأحباس مسجد أن تفرض له الأجرة على السنين الماضية]
من شحنوا مركبا بالكراء وساروا في البحر ثم ردتهم الريح إلى جهة البر الذي ركبوا منه]
وسئل يحيى بن عمر عن القوم يكترون في المركب فيشحنونه ثم
[310/8]
[311/8]يدفعون من المرسى فيتجرون ما شاء الله ثم تردهم الريح إلى المكان الذي منه ركبوا أو إلى غيره من المواضع إلا أنه في الحائط الذي ركبوا منه.
فأجاب: إن كان كراؤهم على أن يقطعوا البحر مثل الكراء إلى صقلية من إفريقية أو الأندلس فيتجرون في البحر ثم ردتهم الريح إلى الحائط الذي منه ركبوا فعطب المركب أو بدا لصاحبه في الإقامة ولم يكن للركاب فيما جروا من الطريق منفعة فلا كراء لصاحب المركب، وإن كان كراؤهم مع الريف مثل أن يكروا إلى مصر من إفريقية وأشباه فجرى المركب بعض المجرى ثم عطب فلصاحب المركب من الكراء بحسب ما جرى من المسافة وهو قول أصبغ.
[حكم السفينة للتجارة]
وسئل أحمد بن ميسر بالإسكندرية، سأله يحيى بن عمر عن سفينة تقدم بلدة وفي السفينة تجارة لغيرهم، فتجار(¬1) وغير تجار أصابهم هول في البحر وارتجاج عظيم فطرحوا بعض حمولة المركب، منه ما طرح للتجارة ومنه ما طرح للقنية. وما تقول إن كان حمل ما حمل للتجارة بكراء أو بغير كراء.
فأجاب: الجواب وبالله التوفيق في كل ما سألت عنه، ما طرح على وجه التجارة من الأمتعة وكانت لتجارة أو غيرها ما كان الإكراء ولم يكن فسبيلها واحد، وهم شركاء فيما سلم وفيما طرح على قيمة رؤوس أموالهم في الموضع الذي حملوا منه، وليس على السفينة ولا على خدام المركب وعلى النواتية ولا على الأحرار شيء، وإنما يكون على المتاع ولا نرى على العين شيئا.
قلت: قوله ولا نرى على العين شيئا هو كقول ابن أبي مصر ومحمد بن عبدالحكم، وخلاف قول ابن حبيب وصوبه ابن يونس.
وسئل ابن رشد عن أهل سفينة هال عليهم البحر واضطرهم إلى أن
[311/8]
[
283/9] الذي أوصى فيه من العتاقة وغيرها، وقد يوصى الرجل في صحته، وعند سفره، قال مالك: والأمر المجتمع عليه عندنا الذي لا اختلاف فيه أنه يغير من ذلك ما شاء غير التدبير، فهذا نص الإمام وبيانه وجه الدليل من الحديث بيانا شافيا، والحديث صحيح من حديث عبدالله بن عمر، أخرجه الأئمة، وقد نص غير واحد على الإجماع في المسألة، فثبت بهذا الدليل أن الشرع جعل تمكن الموصى من الرجوع حكما من أحكام الوصية، فهذا الدليل الذي استدل به الشارح على الدعوى الأولى صحيح استند به إلى حكم شرعي ونقل إجماعي على خبر صحيح نبوي احتج به إمامنا المقلد في موطئه، ولا قدح في طريقه ولا مطعن في إسناده، والمسألة مفروضة فيمن أوصى ثم رجع وأشهد بما أشهد به وحاصله الرجوع، وقوله: فإذا التزم الموصى أن لا يرجع فقد أبطل الوصية وسلك بها غير مسلكها كما تقرر أن الرجوع فيها من أحكامها ولوازمها، فكان التزام عدم الرجوع إبطالا لحكمها وسلوكا بها غير مسلكها.
وأما الدليل على ثبوت دعواه الثانية فإنه إذا بطلت الوصية الأولى برجوعه منها الذي مكنه الشرع منه حسبما شرح في السؤال صحت الوصية الثانية للفقراء، إذ لا مانع يمنعه منها، ثم يقال له: ما المانع من إبطال هذا الحكم والسلوك به غير مسلكه شرعا؟ لابد من دليل بالمنع فيه.
قلت: عجبا من هذا الفاضل المشهور الفضيلة المعروف الأمانة، كيف لم يسلك مسلك أهل النظر، ولا جرى على المصطلح عليه عند أرباب المناظرة، ولا تحصن من ورود المطالبات، ولا تدرع لرشق نبال المؤاخذة، وقع صوارم الانتقادات:
ومن طن ممن يلاقى الحروب
بأن لا يصاب فقد طن عجزا(¬1)
هذا المستدل قد أوضح دليله وبرهانه، واستوفي بسطه وصانه، وجعل اشتراط أن لا يرجع إبطالا للحكم أبمثل هذا يقابل؟ ولنا أن نقرر عنه هذا
[
ثم كتب الفقيه المجيب أولا ما نصه بعد الحمد لله : لله دركم لقد بحثتم في المسألة . وقولي لازمة لم نرد لزوم الوجوب وإنما أردت لزوم الاستحسان عند العلماء ، إذ لا يقدر قاض أن يحكم إلا بها ، ولذلك قلت لازمة له أولا . وأما ما ذكره القاضي ابن رشد في الأجوبة في مسألة من باع على غائب بدين أن القاضي يحلفه وحينئذ يقضي له فليست كمسألتنا ، لأن الغائب له وكيل ولم يطلب الصلح في يمين القضاء لا الوكيل ولا رب الدين ، ومسألتنا طلب رب الدين الصلح في يمين القضاء ، والقاضي تنزل منزلة المديان ، فكما يجوز للمديان أن يصالح في تلك اليمين فكذلك يجوز للقاضي أن يصالح ليبرىء ذمة الغائب أو يسقط عنه بعض الدين ، وهذا نطر . وأما ما ذكرتم بأن من دفع دينا عن ميت دون يمين القضاء أنه يضمن فإنه كذلك لأنه دفع الدين من غير يمين القضاء ومن غير صلح فيها ، ولو صالح فيها عن إذن القاضي لكان ذلك جائزا والله أعلم . وما ألزمتموني من التناقض لازم لكم في هذه المسألة لأنكم ذكرتم أنها استحسان ثم ذكرتم أنه يضمن في هذه ، والاستحسان لا يقع فيه ضمان ، لكن ما قلتم إلا ما قاله ابن رشد رحمه الله ، والسلام عليكم .
[من نكل عن يمين التهمة غرم]
وسئل سيدي أبو القاسم التاز غدري عن رجل اشترى حمارا ليحتطب عليه بالنصف ، فحمله إلى الغابة فوجد بها رجلين يحتطبان ، ثم إن الحمار وجد مجروحا لا يدرى من جرحه ومات من تلك الجراحة ، فاختلف فيها بعض الطلبة ، فقالت فرقة إن من حضر الاحتطاب يحلفون ويغرمون ، وقالت أخرى [265/10] ليس عليهم غرم وإنما عليهم اليمين خاصة ، وأنتم الملجأ ولكم الأجر في تعريف الواجب في ذلك ، ويكون بخط يدكم ليكون أبلغ في الاحتجاج به والاعتماد عليه .
264/11] وقال عن إبراهيم عليه السلام: ﴿ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب﴾. وقال عن الملائكة: ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ أي المؤمنين. وفي دعاء النبي: "اللهم اغفر لحينا وميتنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وإناثنا" ومعلوم أن من أمته من يؤاخذه الله بذنوبه، ويعذبه عليها ولا يغفر له، وإنما يغفر لمن يشاء. فلا فرق بين الدعاء بالمغفرة وغير من الأمور التي ذكرت وفي حديثه في دعائه لعائشة "مغفرة لا تغادر ذنبا ولا تكسب بعدها إثما" وإنما قال: "إنها دعوة أمتي مذ بعثني الله إليهم الذكر والأنثى الصغير والكبير".
فإن قلت: فإذا كان هذا سائغا فما فائدته؟ فكيف يجوز الدعاء بمن قد علم أنه لا يكون من هذا كما لا يجوز أن يدعو أن لا يميته الله إذ هو دعاء بمحال، فحتم الله الموت على جميع العباد.