فإن قلت: إذا وقع التفريغ والبناء على المشهور من منع تعدد الجمعة في المصر الكبير, فما الحكم إذا ضاق المسجد الجامع ورحابه عن حمل أهله؟
قلت: الحكم في ذلك وجوب الزيادة في الجامع حتى يحمل أهله. فإن كان ما حواليه من الربع والعقار مملوكا جبر أؤبابثه على بيعه بالقيمة, رشيدا كان
[244/1] المالك أو سيفها. كما يجير على بيع الماء لمن به عطش أو خاف على زرعه, والمحتكر, وجار النيل إذا أفسد الطريق وصاحب الفدان في معقل إذا احتيج إليه, وصاحب الفرس أو الجارية يطلبهما السلطان, فإن لم يفعل جبر الناس وخلع الحكمين. هكذا في الذخيرة, وفي الاجماع لابن حزم أن هذا لا يجبر إجماعا. وحكى ابن عتاب رحمه الله في جواب له أنه قد كان كثير من شيوخه يقولون: لا سبيل إلى أن يكره الإمام أحدا على بيع داره للزيادة في مسجد الجامع ولا يخرجه عنها إلا بطيب نفسه, ويحتج في ذلك بحديث كان يرويه وقد رويناه. والمعروف الأول أن لأهل الشريعة المعظمة القضاء للعامة على الخاصة كما في هذه المسائل, ومسألة الترس والضياع والطرح من السفن. ولهذا تباع الدواب العادية في الزرع بموضع لا زرع فيه تتقى عليه. والقاعدة في اجتماع الضررين وتقابلهما أن سقوط الأصغر للأكبر ولا أكبر من ضرر الدين إذ لا بدل له, والمال عنه بدل وهي القيمة, وقد أنزلها الشرع منزلة المقوم, فلا حيف على أرباب الدور ولا شطط في كل ما جاء من هذا النمط. وبهذا التوجيه تعلم أن قولكم: والأخف هنا في نازلتنا ايقاع الجمعة في الموضعين دون تغيير ولا تبديل الخ, فليس كما ينبغي, لأن البناء والتفريغ فيما أحلوه من جبر الجيران على البيع إنما هو على المشهور من منع التعدد, وعليه فلا يكون الجبر لمصلحة التوسعة أصغر وأخف, فيسقط لحق الملاك وأرباب الربع, لأنه أكبر وأكثف.
[جبر صاحب العقار على بيعه للمصلحة العامة]
ثبت بشهادة عدلين، والذي ذهب إليه ابن غالب من الاستظهار باليمن، فإن أراد يمينا واحدة فالدماء لا ترفع إلا بخمسين يمينا، يريد إذا كان حرا مسلما، قال: إذا لم يثبت لها ولي لم يكن فيها قسامة، فإذا سقطت القسامة سقط ردها عمن طلب بها، وقال أيوب بن سليمان: اللوث اللفيف والبينة غير القاطعة، وهو الذي أصل مالك في موطأه وأصحابه عليه إلا رواية ابن القاسم أنه العدل، فإن لم يثبت لهذه المرأة ولي فالمسلمون أولياؤها ويرثون دمها كما لها، فإذا لم يثبت لها ولي خاص حلف المحبوس خمسين يمينا ما رماها عمدا ثم تكون الدية على عاقلته، ويحبس حتى يحلفها، ولا يبطل دم مسلم، وإن ثبت لها ولي حلف الأيمان، وفي رواية يحيى، عن ابن القاسم، فيمن قتل المسلم عمدا ولا ولي له أيجوز للإمام العفو عنه، فقال: لا ينبغي له أن يهدر دم مسلم ولكن يستقاد له، فكما يستقاد له فكذا يستخلف المحبوس إذا قتل رجلا ببينة عادلة، ولا عصبة له لم أر فيه نصا، والذي يقتضيه الواجب أن يقتص السلطان ولا ينظر في العفو، ومثله ظاهر لابن رشد، ثم ذكر رواية يحيى.
*وسئل ابن رشد عمن شهد عليه لوث غير عدل، ولم ير القاضي القسامة بذلك، فيحلف المدعي عليه أيمان القسامة، هل يضرب مائة ويسجن عاما أم لا؟ وكيف لو قضى بالقسامة فعفا الولي قبلها أو صالح على مال، هل يسجن ويضرب أم لا؟ وكذا لو ادعى القتل على من يؤخذ بالظنة والتهمة غير أنه لم يثبت القتل، هل يضرب؟ وما مقدار الضرب؟
من طلق زوجته بعد أن بنى بها وادعى عدم المسيس وكذبته وأخذت منه الصداق]
*وسئل عمن طلق زوجته بعد أن بنى بها وادعى عدم المسيس وكذبته وأخذت منه الصداق ، ثم أخذت تزني فقالت : قررت بالمسيس لأخذ الصداق ، فهل يرجع عليها بنصفه أم لا ؟
[256/3]=فأجاب : كذلك ينبغي أن ذلك له عليها .
[من تزوج بكرا فزنت غصبا أو طائعة ، فعليه جميع الصداق]
*وسئل عمن تزوج بكرا فزنت غصبا أو طائعة فطولب بالصداق فقال : لا أؤدي إلا صداق ثيب . فأبوا عليه وقالوا : صداق بكر أو أترك . فلم يفعل واحدا من الأمرين .
=فأجاب : هذه نازلة نزلت به ويلزمه جميع صداقها المسمى إن دخل ، أو نصفه إن طلق قبل البناء .
[من تزوج بكرا فقال : وجدتها ثيبا وأخبر في حينه بذلك]
*وسئل عمن تزوج بكرا فقال : وجدتها ثيبا وأخبر في حينه بذلك ، هل تعرض الجارية على النساء أم لا ولا يصدق عليها .
=فأجاب : اختلف في ذلك ، وأحب إلينا أن ينظر النساء إليها فإن قلن القطع جديد لم يقبل منه ، وإن قلن قديم فإن زوجها أبوها أو أخوها فعليه صداقها ويرجع به عليهما ، وإن كان غيرهما فهي الغارة فيرجع عليها به إلا ربع دينار .
[من هجم على امرأته هجوما فافترعها قبل الدخول]
*وسئل عمن هجم على امرأته هجوما فافترعها قبل الدخول ، ما يصنع به ؟
=فأجاب : إن كان بغير إذن أهلها فقد أساء ولا شيء عليه ، فإن لم ينقدها شيئا ، نقدها ومنعت منه ، وإن كان نقدها بقي معها ، إن كانت تحمل الوطء .
[من زوج عبده من أمته دون إشهاد ولا مهر]
*وسئل عمن زوج عبده من أمته دون إشهاد ولا مهر .
وسئل عمن جرى بينه وبين زوجته كلام فحلف بالأيمان اللازمة لا دخلت دار أبيك حتى تطيب نفسي، فقالت له زوجته: إنما قلت لا دخلت دار أبيك حتى تضع حملك وهي حامل، فقدر الله أن الزوج شرب الخمر وسكر وهو في دار صهره المحلوف عليها، فحلف بالأيمان اللازمة أن زلت من هذه الدار حتى تدخل علي زوجتي فيها المحلوف بها، فقيل له أنت حلفت أن لا تدخل حتى تلد، فقال إنما حلفت حتى تطيب نفسي وقد طابت، فافتدت منه زوجته ببعض صداقها قبل الدخول ثم دخلت عليه قبل خروجه. فهل ينفعه هذا أم لا؟ وهل القول قوله في أن الغاية حتى تطيب نفسه أم لا؟
وما تصنع في يمينه؟.
فأجاب: أن كان يعقل الفداء وما جرى فيه فقد برئت منه، وكان لها مخرجا. والقول قوله أن الغاية حتى تطيب نفسه، وله تزوجها بنكاح جديد بلغت ستة أشهر أو أكثر أو أقل، وهذا هو الذي آخذ به، وهو قول لأصحابنا. والقول أنها إذا بلغت ستة أشهر فهي كالمريضة ليس بصحيح.
وسئل عمن حلف بالأيمان اللازمة لا أكل هذا الخبز فنسى حتى أكل بعضه.
فأجاب: يلزمه فيها الثلاث لا شك فيه، لكن أرجو في هذا السؤال أن لا شيء، لأن الذي يفهم من اليمين أكله وهو عالم فلا شيء عليه.
[من غضب وقال لزوجته خذي حقك ومري عني]
وسئل عمن شارر زوجته فقال خذي حقك ومري عني ولم تكن له نية في طلاق ولا غيره ولا عدد.
فأجاب: هذا ليس من ألفاظ الطلاق حتى يريد به الطلاق، لأنه يجري على ألأسنة الناس لنسائهم بسب ضيقهم لا يريدون طلاقا. لكن ذكر في السؤال لا يدري ما أراد بذلك، فكأنه شك هل أراد به الطلاق أم لا؟ وهذا
[284/4]
[285/4]
ينبغي أن يحتاط فيه، فإن أراد عددا فهو كذلك، وإلا لزمته واحدة. ولولا قولك هذا لا مكن أن يريد به التمليك، أي أن شئت أن تأخذي صداقك وتمري عني.
[من حلف بالطلاق أن يغيظ زوجته]
وسئل سيدي قاسم العقباني عن رجلين باعا أرضا من رجال أجانب وضمنا لهم كل قائم بسب وكان مع أحد البائعين أخوان في نصيبه ومع الآخر ميراث لزوجه في الأرض المذكورة فباع كل واحد منهما على عين من ذكر أنه وارث معه وهو لم يغير في ذلك بشيء ثم إن من اشترى الأرض المذكورة أخذ فيها بالتقليع والتذليل والغراسة حتى تزينت واستغلت بعد كثرة الانصباء وصعوبة التهيئ وعلى عين من ذكر وبمقربة منه نحوا من أربعة وعشرين عاما ولم يسمع لأحد فيها كلام ولا قيام، ثم إن البائع الذي كان نصيب أختيه معه قام بعد وفاتهما فادعى أنه ما باع إلا نصيبه، وقام ولد البائع الآخر، مدعيا أن والده قهر أمه عن نصيبها ومنعها من الكلام في حقها فهل يا سيدي ينتفع كل واحد من القائمين بدعوى أمه بعد سكوته وسكوت من ادعى بقاء نصيبه أم لا ينفعهم شيء من ذلك؟
فأجاب: القول قول الحائز المدة المذكورة إن الحوز إنما كان بشرائه جميع الانصباء وطول المدة مع حضور المحوز عليهم غير منكرين على الحائز في تصريفاته هو شاهد صحة دعوى الحائز عند أهل المذهب والذي ادعى أن أباه أجبر أمه على بيع نصيبها لا يقبل قوله إلا ببينة تشهد بالقهر وإلا فيحمل الأمر فيها على الرضي لما ذكر من طول الحيازة عليها مع الحضور وترك النكير، والله الموفق بفضله، وكتب قاسم بن سعيد بن محمد بن محمد العقباني.
[مسألة في الأخ يتصرف في موروث أخته المدة الطويلة وهي ساكنة]
وسئل أبو عمران عن أخ كان يتصرف في موروث أخته دهرا طويلا وهي حاضرة عالمة ساكنة إلى أن توفيا فقام ورثتها يطلبون الأخ بالحظ الذي
[263/5]
لموروثتهم وغلته، فاحتج ورثة الأخ بسكوتها وسكوت ورثتها بعدها الزمان الطويل فهل يقطع سكوتها حقها أم لا؟ بينوا لنا ذلك.
ثمنا؟ وأما إن اعتبرت قصود الناس في هذا الشراء فلا شك أنهم إنما يشترون الأنقاض بالأثمان التي يدفعونها على البقاء لا على نقضها ويقصدون مع ذلك الانتفاع بالقاعة التي يدفعون لمالكها أجزاءها وكأنهم زادوا في الثمن بمزيد تلك المنافع المحصلة لهم من القاعة، فإن كانت تلك المنافع ضرورية مقصودة قصدا أكثريا كالبير من الضرورات والحاجيات. فقد يقال في هذه بالرجوع للزيادة في ثمن الأنقاض لأجله، وأما إن كان باطنا لمسألة النازلة مما لا يخطر بالبال للزيادة في الثمن لأجله، فلا ينبغي القيام بعيبه، بل يكون له الرضا بالقاعة على عيبها أو رفع أنقاضه والله الموفق بفضله.
[فتوى المشدالي للسلطان المريني في اتخاذ الركاب من الذهب]
فتوى صدرت من الشيخ الفقيه الإمام العالم أبي موسى عمران بن موسى بن يوسف المشدالي(¬1) في حكم اتخاذ الركاب من خالص الذهب والفضة حين سأل عن ذلك السلطان الإمام الشهير الكبير، أبو الحسن المريني وأمر أن يكتب بالسؤال نسخ وتبعث إلى جميع الفقهاء بالمغرب الأوسط والأقصى: تلمسان ومراكش وفاس.
فأجاب: كل بما عنده في ذلك من علم.
وأجاب السيد أبو موسى هذا بما هذا نصه:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة التامة المباركة العامة على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى آلة وصحبه أجمعين أما بعد: فإن مولانا السلطان حفظ الله به الإسلام، وأيد به دين نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وأبقاه للعلم يرفع مناره، وللشرك يمحو آثاره ويطفئ ناره. أشار وإشارته غنم، وأمره متعين حتم، أن أطالع مقامه الكريم أسماه الله، بما يحضرني في حكم اتخاذ الركاب من خالص الذهب والفضة، وهل يجري صريحه من خالص أحد النوعين مجرى تحليته به؟ وأتبع الكلام على هذا
[330/6]
فأجاب بما نصه: الحمد لله تعالى دائما. الجواب والله سبحانه الموفق للصواب بمنه: إن نص الوثيقة المذكورة يوجب ترتيب الابناء مع آبائهم المعينين في الحبس المذكور, إذ لا يشارك ابن أباه تامعين في اغتلال الحبس المذكور في زمان واحد, وإنما يكون للابن حظ أبيه بعد موته, ويشارك أعمامه في إغتلال حظ أبيه من الحبس المذكور بعد موته, ولا يغتله في حياته, فهذا وجه الترتيب المشار إليه في الوثيقة بقول الموثق: وعلى ذريتهم بعدهم أي لا يكون لكل واحد من الذرية أن يغتل الحبس لنفسه إلا حظ أبيه بعد موته, وهو معنى قوله طبقة بعد اخرى, بدليل قوله ومن انقرض من الولاد المذكورين أي المعينين في التحبيس عليهم أولا, انتقل نصيبه إلى ذريته وعقبهم وعقب عقبهم, وهذا الترتيب المشار إليه إنما هو بين الأولاد المعينين في التحبيس عليهم, وأبنائهم وبناتهم من صلبهم, فإن فرضنا أن أحد الأولاد المعينين لم يمت إلى أن كان ذا أولاد وحفدة من البنين, فإن حظه ينتقل لجميعهم, إذ لا ترتيب بينهم, لقول الموثق وعلى عقبهم وعقب عقبهم,
[272/7] بعطف الواو الموجبة للتشريك, وينبغي أن تنسخ وثيقة الحبس ويكتب السؤال عقبها ليستدل بتأملها على مقصد المحبس في حبسه, والله سبحانه أعلم, وهو تعالى الموفق للصواب بفضله.
[نصب الشموع والقناديل في المساجد المرتبة, وتعليق الستور فيها]
فأجاب: إن علم الأول في الوسق فإنه ينزل وسق الآخر فالآخر من حين أخذ المركب في الوسق كان وسق من أوسق من بعد ذلك غير جائز، وإن لم يعلموا من هو أولا وآخرا فينزل من رحل كل واحد ما يخصه، إن أنزلوا عشر وسقه فينزل كل واحد عشر ما أوسق، وإن خمس فخمس، وقاله بعض أصحابنا وبالله التوفيق.
[307/8]
[308/8]وسئل سحنون عن رجلين لهما سفينة فأراد أحدهما أن يحمل في نصيبه متاعا له وليس لصاحبه شيء يحمله فقال الذي ليس له شيء لا أدعك تحمل فيها شيئا إلا بكراء قال الآخر أنا أحمل في حصتي.
فأجاب: له أن يحمل في نصيبه ولا يقضى عليه لشريكه بكراء فإما أن يحمل مثل ما حمل صاحبه من الشحنة والمتاع وإلا بيع المركب عليهما.
[من اكترى مركبا من الإسكندرية إلى طرابلس فساقتهم الريح إلى غيرها]
وسئل ابن عبدوس عن قوم اكتروا مركبا من الإسكندرية إلى طرابلس أو غيرها فزادت بهم الريح إلى سوسة، ومع المتاع ربه أو وكيله وهو من أهل طرابلس أو غيرها.
فأجاب: ذلك سواء فإن شاء أخرج متاعه لسوسة ولا كراء عليه لزيادة المسافة وإن شاء الرجوع إلى طرابلس بالمتاع خاصة أو بنفسه خاصة أو بالأمرين فذلك له لأنه من شرطه فلا ينظر إلى غلاء المتاع بسوسة ولا إلى رخصه.
[إذا أفسد الماء البضاعة في السفينة]
وسئل أبوسعيد ابن أخي هشام عمن اكترى على حمل متاع أو بز أو طعام في سفينة وانفلت من أسفلها حتى فسد الطعام وعفن أو فسد منه ما ينقص من قيمته أو فسد حتى صار لا قيمة له، وكيف إن كان ذلك بماوهة (كذا) البحر من أعلاها أو كان ذلك بما غر صاحب السفينة إنما كانت تعمل الماء هل يضمن؟
281/9] نازعتني نفسي في الخوض معهم فيها، والنظر فيما فيها والتدبير لمعانيها، فدافعتها لعلمي بتقصيرها، وأشد ما قرع أنوف الأنفس تعريفها بمقاديرها، فلما لم تر منى إلا نكوصا، أقامت على أدلة ونصوصا، وأرتني والله المسلم من مكرها الخفي، أن إبداء ما عندي في القضية هو مقتضى الحق الجلي، ليظهر خطؤه من صوابه، وفرجت لي من وجه البر مصراعا من بابه، ورغبتني في أجره المرجو القبول وثوابه، ورأيت من تحامل الفقيه الخطيب أبي القاسم عن الأخوين أبوي عبدالله ما حرك ما عندي، فبالغت في الانتصار والله يغفر لي جهدي، إذ رأيت ما لا صبر عليه من التخطئة لهما والتوهيم، والتضعيف والتسقيم، فيما هو - علم الله - جار على المنهج القويم، والطريق المستقيم، وذاكرني بالمسألة متولي الحكم فيها الفقيه القاضي نخبة الأفاضل، ومجمع الفضائل، الحسيب الأصل الماجد الصدر المشارك أبوعبدالله بن خلف الله شرح لي النازلة على وجهها، وأثار لي البحث في فقهها، وأكد على في أن أثبت ما ظهر لي سؤالا وجوابا، وأنبه على ما أراه فيها خطأ أو صوابا، فاستخرت الله وأقدمت بعد الإحجام، والاعتراف بالقصور عن هذا المقام، وتتبعت كلام المنتقد فصلا فصلا، وضربت مع القوم بسهم وإن لم أكن لهذا العمل أهلا، وأوردت السؤال والجوابين والانتقاد بنصوصها، ثم تتبعت اعتراضات المنتقد بخصوصها، وإن كنت في الظاهر قد جفوت فالخير يعلم الله أردت، والبر نويت، وقد يوحش اللفظ وكله ود، ويكره الشيء وليس من فعله بد، فقلت، والله المستعان، وعليه التكلان.
262/10] وسئل عن أخوين الأكبر منهما من أهل الخير والدين يتعيش من الجنات ، والآخر دباغ ، اشتريا منذ زمان ثلثا شائعا في جنان ، فكان الأكبر يتولى خدمته . ثم إن الأصغر طلب من صاحب الثلثين الثلث ليكون فيه على المماثلة ، فأجابه إلى ذلك ، فكان الدباغ يأخذ الربع والبائع للثلث يأخذ الربع والأخ الأصغر يأخذ الثلاثة الأثمان ويعطي أخاه ثمنا واحدا لكون رسم البيع لم يكتب إلا باسمه لأنه دفع المال كله إلا قليلا منه دفعه الأكبر ، وبقيا على ذلك نحوا من عشرة أعوام أو أزيد والأكبر يتولى جميع أمور الرياض من الزرب وتزريبه ويغرس الخضارى وغيرها ويجمع ويبيع وييبس الفاكهة ويلتقط الزيتون ، وغرس أنواعا من الأشجار على أن له نصف الرياض بالأصالة ، وكانت بينهما أخوة جيدة ، وكان أمر السلطنة مستقيما ، فلما ضعف طرد الأصغر الأكبر وقال له لا شيء لك معي وإنما نعطيك الثمن لقيامك بالرياض ، فهل يلزمه يمين لادعائه عليه الشركة ؟ وإذا قلتم لا يمين عليه لكون الرسمين باسمه ، فهل عليه إجارة لأخيه فيما كان يتولى من خدمة من غرس الأشجار وتقليع الأبوار وتوليه خدمته ليلا ونهارا إلا أن الأكبر كان اشترى من أجنبي عشر العشر وثلاثة أعشار العشر برسم بيده ، ولم تكن بينهما مقاسمة حتى الآن ، بينوا لنا ذلك بيانا شافيا يعظم الله أجركم والسلام عليكم .
فأجاب : إن لم تكن للأكبر بينة على الأصغر بالاشتراك على وفق دعواه فله اليمين عليه في ذلك ثم يحاسبه بما خدم من نصيبه على الوجه المذكور ، فما توافقا عليه من نصيبهما فلا إشكال فيه ، وما اختلفا فيه فمن كان الشراء باسمه من الشريك فالقول قوله مع يمينه أنه إنما اشتراه لنفسه إن ادعى عليه آخر أن الشراء كان لهما معا ، وبالله التوفيق .
فأجاب: الجواب عن هذا المشكل شرح الله صدرك أن نقدم أولا مقدمة تقطع عليها أن النبى صلى الله عليه وسلم غير معاتب بهذه الآية، بل
[262/11] علم بموافقة رأيه لما فى اللوح المحفوظ. ومذكر بمنة من الله عليه وعلى أمته بتحليل الغنائم له وإن كتاب الله سبق على ذلك لهم. ولولا ذلك حرمت عليهم كما حرمت على من قبلهم ولوجب عليهم العذاب في أكلها لذلك، لكن الله لم يفعل ذلك ولا قدره. هذا معنى الآية وقول أكثر المفسرين وهو الحق، فيبعد أن يعلمهم الله تعالى محل ذلك لهم وفضليتهم بهذه الخاصة التي لم يؤتها نبي قبل نبيهم وتسويغ ذلك لهم فى كتاب الله السابق وعلمه الأزلي، ثم ندبهم بفعل ما حله لهم، ومعاقبتهم على ما نص أنه حلال طيب لهم وعند الوقوف عند هذا ويسقط السؤال عن تأخر الفداء بعد نزول الآية، إذا ليس في الآية تحريمه، بل تحليله بقوله: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ وقوله: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا﴾ وقد روي أن جبريل نزل عليه عليهما السلام يوم بدر، فقال له خير أصحابك في الأسارى إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم فى العام المستقبل مثلهم. وما فيه تخيير وإذن فليس بمعصية ويدل على صحة هذا ما أشرنا إليه أن الآية نزلت بعد الفداء، ولو كان ترتيبا لما فات القتل. وأما قوله ﴿تريدون عرض الدنيا﴾ فليس المراد به النبي صلى الله عليه وسلم ولا علية أصحابه، بل المراد من تجرد غرضه لطلب الدنيا وفيمن استقل بالسلب عن القتل حتى خشي عمر أن يعطف العدو على النبي صلى الله عليه وسلم. قاله الضحاك وقال: نزلت الآية. وقيل: بل عوتب بالآية من مال إلى الفداء إذا كان أضعف الوجهين وكان الأصلح الإتخان، فبين لهم ضعف رأيهم إلى نحو هذا أشار الطبري. وليس في هذا تذنيب ولا معصية.