243/1] قلناه. وحكم المزني بصحتهما لأن كل واحدة منهما عقدت على الصحة فلا تفسد بالشك. قال سند: هذا فاسد بل لا تصح منهما جمعة حتى تعلم أنها السابقة وأن الفرض سقط بصلاتها, فإن لم تعلم ذلك أخلت بشروطها. قال فإذا أوجبنا الاعادة, فهل يعيدوا (كذا) جمعة لأنا حكمنا ببطلان صلاة الجميع, أو يعيدوا (كذا) ظهرا. قال هذا يختلف باختلاف التصوير, فإن علم أن إحداهما صليت قبل الأخرى وجهل عينها أعادوا ظهرا لأنا نقطع بسقوط فرض الجمعة, فالطائفة الثانية لا تجزيهم بعد جمعة, وإنما أعادوا خوفا أن يكون من الثانية, فوجب أن يعيدوا ظهرا. وإن علم أنهما أحرما معا أعاد الجميع جمعة, لأن صلاتهم وقعت غير مجزئة, فلم تؤد في المصر جمعة صحيحة. فإن لم يعلم هل سبقت إحداهما الأخرى أو اتفقت فالأحوط ها هنا أن تصلى الجمعة ويعيدوا الظهر أفذاذا, لأنهم لو اقتصروا على الجمعة, فغن كانت إحدى الطائفتين أولى قد سبقت الأخرى بالجمعة لم تجز الثانية إلا الظهر. ولو صلى الجميع الظهر فإن كانت إحدى الطائفتين وافقت الأخرى لم يؤدوا في المصر الظهر قبل إقامة الجمعة مع قيام وقتها لا تجزيهم, فكان الوجه ما قلناه انتهى.
وفي وجيز الغزالي في هذا الفرع ما نصه: لا تكون الجمعة مسبوقة بأخرى, فلو عقدت جمعتان فالتي تقدم تكبيرها هي الصحيحة. وقيل العبرة بتقديم السلام, وقيل بتقديم أول الخطبة. فإن كان السلطان في الثانية فهي الصحيحة على أحد الوجهين, لكي لا تثور كل شرذمة إلى تفويت الجمعة على الأخرى. وإن وقعت الجمعتان معا تدافعتا فتستأنف واحدة. وإن أمكن التلاحق والتساوق فإن تعين السابق ثم التبس فاتت الجمعة ما لم يتعين كأنه لم يسبق وفيه وجه أن الجمعة فائتة. وهذا الفرع وإن كان للشافعية فليس في أصول المذهب وقواعده ما يأباه والله أعلم.
المقتول بنفسه هل يسأل عنه؟ وكيف إن عرف فلانا قتل بعداوة أو غيرها؟ وهل تباح الدماء بالشك فيها؟
=فأجاب: إن أردت قول الميت دمي عند فلان وأراه مقصودك فلم يتقدم مني فيها فتوى قط، لأن الحديث فيه تأوله بعض الناس وفيه كلام كثير وأمر لا يمكن بالخط والأحاديث فيه مختلفة وانا لا نتقلد ولا نفتي.
[ لا يجبر القضاة الناس على طلب حقوقهم إذا أصطلحوا]
*وسئل بعض الشيوخ عن قوم تراموا بدم سجنوا فيه فاصطلحوا في السجن وكذبوا أنفسهم.
=فأجاب يطلقون من السجن ويخلى سبيلهم، وعن يحيى بن عبد العزيز إنما يضي القاضي بين المدعي والمدعي عليه، فإذا رجع كل عن دعواه وترك إثبات طلبه فليس على القضاة إجبار الناس على طلب حقوقهم، إلا أن يكون القاضي استراب أمرهم بشاهد أعلمه بشيء من حالهم، فإن لم يكن عنده إلا ما كان من دعواهم فلا سبيل عليهم.
[ اختلف في اللوث هل هو الشاهد العدل أو اللفيف؟ ]
*وسئل عمن رمى بحجر فأصاب امرأة مجهولة فماتت من ساعتها ولم ترم أحدا بدمها، ولم يعلم لها موضع ولا ولي، وعاينه قوم وقالوا لا ندري هل ضربها عمدا أو خطأ فحبس شهرا ونصفا وسأل المحبوس النظر له وهو منكر لما نقل عنه والشهود غير عدول.
=فأجاب: اللوث مختلف فيه، فقالوا: الشاهد العدل، وقالوا: اللفيف والجماعة غير العدول، وإن كان لا يرجى فيهم تعديل استحسنا إحلافه بالله ما رمى هذه الرمية، ولا كان ما قاله الشهود قاله ابن عتاب، وإن أخذ بأن اللفيف لوث أقسم عليه، وكانت الدية على عاقلته إن قام بذلك ثابت النسب، وقال ابن عبد العزيز مثله إلا اللوث فإنه عنده لفيف.
[ لا قسامة للقتيل الذي ولي له ]
وعن ابن لبابة: ليس فيها شيء إذ لا تكون قسامة لمن لا ولي له وإنما
[287/2]
[288/2]
=فأجاب : تأملت المسألة بمحوله وأنا لا أتحمل من عهدتها شيئا ، فقد تعرفت أنه يحدث بوطنكم الإشهاد بالبيع والشراء ولا حقيقة له إنما هم توليج ، وكثر هذا وفشا وعرفه الخاص والعام ، فمن الواجب أن تأخذوا في هذا بالحزم ، ولا تجيزوا كتب وثيقة فيها تهمة قوية بالتوليج ، وتغيروا هذا المنكر ما استطعتم فإن الاحتيال في تغيير حدود الله لا يجوز ، والمال المكتتب من هذا الوجه حرام ، وكاتب الوثيقة مشارك فيه ، ومن الله نطلب التوفيق إلى ما فيه خلاصنا فبيده الحول والقوة .
[255/3][يجوز نكاح بنت الظلمة ولا يؤخذ من حرام أبيها شيئا]
*وسئل بعض الإفريقيين عن نكاح بنات الظلمة هل يجوز أم لا ؟
=فأجاب : يجوز نكاحها ولا يأخذ من حرام أبيها شيئا ولا من حلاله إن كان مغترق الذمة ، ولا يجوز أن يعطيهم الرجل ابنته ، وقد تزوج الصحابة نساء من أهل الكتاب ، وتزوج عمر بن عبد العزيز فاطمة بنت عبد المالك فقال لها عمر : ردي الحلي لبيت مال المسلمين .
[من مد يده إلى زوجه يريد اللذة فوقعت على ابنته]
*وسئل أبو محمد عمن مد يده إلى زوجه يريد اللذة فوقعت على ابنته .
=فأجاب : إن لم تستقر يده عليها بل رفعها من فوره فلا شيء عليه ، وإن استقرت ، وجد بها لذة ولم يعلم بها حرمت عليه أمها ، وإن علم بابنته ووضع يده عليها للذة فقد أتى أمرا عظيما ، وقد اختلف قول مالك في هذا هل تحرم عليه أم لا وقد أتى بإثم .
[من طلق امرأته طلقة رجعية ثم تزوجها بنكاح جديد]
*وسئل عمن طلق امرأته طلقة رجعية ثم تزوجها بنكاح جديد بشروط في العدة ودخل بها فيها .
=فأجاب : تزوجه رجعة ولا صداق لها إلا الأول ، ويرجع عليها بالثاني ، قيل وقد تتخرج على مسألة من أثاب عن صدقة ظنا أن ذلك يلزمه ، إذا كان قائما أخذه ، وإن كان فائتا مضى . ومسألة من صالح عن دية الخطأ الثابتة ظنا أن ذلك يلزمه .
[
قال ابن عرفة: وأخبرني بعض شيوخنا عن الشيخ الفقيه أبي عبد الله بن شعيب أنه سمع الشيخ الفقيه المعروف بابن بنت العربي في مجلس تدريسه حضرة فقهاء الديار المصرية يرجع الفتيا بمذهب ابن حبيب محتجا بأنا لو ألزمناه الثلاث بشكه لأبحناها لغيره بالشك، واللازم باطل، فالملزوم مثله، ولم يجد لاحتجاجه ردا. وهو نحو قول اللخمي: إذا منع الأول من الشك فالثاني أولى ورده واضح، لأنه إن أراد على رواية ابن حبيب فلا خلاف في حرمتها على غير الأول، إلا أن يوقع الأول عليها طلقة أو يموت؛ وإن أراد على المشهور فليس كذلك، لأنه فرق بين كون الشك طريقا لوجوب الحكم المشكوك فيه، الأول معتبر والثاني لغو، كمن شك في وجوب الظهر لشكه في دخول وقتها فصلاها ثم بان عدم دخوله فإنها لاتجزئه. أشار إلى هذا القرافي في قواعد.
[من حلف لا طلق زوجته إلا إن شاء الله]
وسئل السيوي عمن قال لزوجته الأيمان كلها تلزمني حاشا الطلاق لا طلقتك إلا أن شاء رب السماوات.
فأجاب: لا شيء عليه. وقال ابن عرفة فيها نظر، يريد على مذهب ابن القاسم، لأنه لا ينفعه الاستثناء فيتعين. أما المحلوف عليه وهو إيقاع الطلاق أو الحنث في الأيمان اللازمة في كل ما يجب فيها إلا الطلاق على مذهب ابن الماجشون لا يلزمه شيء، لأنه عنده يقع الاستثناء، ولعل مذهبه فيها كذلك والله أعلم.
[283/4]
[284/4]
[من حلف بالأيمان اللازمة ألا تدخل زوجته دار أبيها حتى تطيب نفسه]
فأجاب: ليس له في هذا عذر، والشركة لازمة له إلا أن يكون حين بلغهم أنه أشركهم كرهوا هذه الشركة وقالوا لا حاجة لنا فيها، قيل له أرأيت أن كان كتب اسمه في الاشتراء وأسماء بني أخيه فكتب هذا ما اشترى فلان وفلان بنو فلان هل يأخذ بنو فلان سهما كسهم واحد من الشركاء ممن كتب اسمه بعينه أم يأخذ كل واحد منهم سهما؟ فقال بل يكون لبني فلان كلهم سهم واحد، ولكل رجل منهم باسمه سهم.
[من تسلف طعام جاز له أن يبتاعه بغيره]
وسئل ابن لبابة عن رجل تسلف من رجل طعاما فلم يقدر على رد ذلك الطعام على المتسلف منه هل يجوز له أن يبتاعه منه ويعطيه فيه تبنا أو زيتا أو ملحا؟.
فأجاب: نعم جائز له كما ذكرت إذا كان يدا بيد ولا يكون فيه تأخير ولا نظرة ولا يفترقا.
[من اشترى طعاما معينا يقبضه بعد أيام]
وسئل عن الرجل يبتاع الطعام بعينه ويعرض عليه وينظر إلى صفته وقد سمى الكيل وقدم إليه الثمن أو لم يقدم وقال له البائع قد بعت منك من هذا الطعام وهو في هذه المطمورة على أن يقبضه منه إلى خمسة عشر يوما أو أقل؟.
فأجاب: هذا لا يجوز، وهو مفسوخ، لأنه لا يباع الطعام بعينه إلى أجل فإنه يفسخ إلا أن يكون يدا بيدا تكيله مكانه أو على غير أجل يكون بينهما فيمضي في كيله اليومين والثلاثة وما أشبه ذلك حتى تنقضي تسميه
[262/5]
الكيل الذي كان بينهما، فهذا لا بأس به، قيل له فإن باع منه طعاما بعينه ولم يم له أجلا يقبضه إليه فافترقا فأقاما أياما من عذر أو غير عذر وقال المشتري أمضي آتي بدابتي فقال البيع ماض ههنا لازم إذا لم يكن بينهما أجل.
[مسألة في الحيازة على عين القائم]
وسئل بعض الشيوخ عمن باع جميع ماله من نقض وبناء على قاعة لجانب المخزن بعد أن قررت على المبتاع عيوبها فرضي بها وقبلها وانعقد البيع بينهما على ذلك. ثم بعد ذلك بسنتين أو ما يقرب منهما وجد المشتري باسطوان الدار المبيعة مرحاضا يشق فيها فأراد المشتري المذكور، أن يتماسك بالدار، ويرجع بقيمة عيب المرحاض المذكور والفرض أن المرحاض لم يعلم به البائع ولا المشتري حين البيع. فهل يا سيدي للمشتري المذكور ما أراد أو ليس ذلك له وتلك مصيبة نزلت به؟ أو ليس له إلا أن يتماسك ولا شيء له؟ وفي العيوب المذكورة أن الدار منصرمة الجزاء. بينوا لنا ولكم الأجر الجزيل. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
فأجاب: الحمد لله تعالى وحده دائما. الجواب والله الموفق للصواب بمنه. إن شراء أنقاض دور الجزاء إنما يصح في مذهب الجماعة. ابن القاسم وموافقيه إن كان على النقض لا على التبقية. ونقل عن ابن المواز شراؤه على التبقية. فأما على مذهب الجماعة فلا رجوع للمشتري بعيب يطلع عليه في القاعة، بل نسب بعض الموثقين من يكتب عيوب القاعة ويشترطها في البيع للجهل، لأن اشتراط ذلك عندهم يدل على قصدهم التبقية وهو غير سائغ. وأما ما ينسب لابن المواز من جواز البيع والشراء على البقاء. ولعل عليه جرى عمل الناس منذ زمان إلى اليوم وأخذ ذلك بعض الفقهاء من كلام ابن سهل. فإن اعتبر لفظ الوثيقة فالمبيع النقض وليس بمعيب فالثمن المأخوذ حقيقة إنما هو عوض عن الأنقاض لا عن غيرها فلا يقام على البائع بعيب القاعة لأنه لم يبعها ولم يأخذ عنها عوضا لأنها ملك للغير لا له، فكيف يرجع عليه بعيب ما لم يملكه ولا أخذ عنه عوضا ولا
[329/6]
271/7] وعقبهم وعقب عقبهم, ومن انقرض منهم من غير عقب, ورجع نصيبه إلى أخويه المذكورين, ولا يدخل معهم في ذلك بنات المحبس المذكور, فهذا نص الوثيقة, فهل قول المحبس في تحبيسه طبقة بعد أخرى, معتبر في الوثيقة فلا ينتقل لمن أسفل من الطبقة بغير الميراث إلا بعد انقضائها, أم لا؟ فغن الحبس كان انتقل إلى طبقة أحفاد المحبس, وكانوا جماعة, وكلما توفي واحد منهم أخذ نصيبه ورثته. كما ذكر المحبس, إلى أن انقرض جميع أصحاب الطبقة فانتقل الحبس إلى ولد الأحفلد, فهل يختصون بالحبس كما اختص به آبائهم, عملا على قول المحبس طبقة بعد اخرى, أو يشاركهم في الحبس من كان أسفل منهم, ويكون قول المحبس في تحبيسه طبقة بعد أخرى حروفا وضعت لغير معنى ووجودها كعدمها, وإن قلتم إن لأولاد الأحفاد بعد انتقال الحبس إليهم انتزاعه منهم, لانقضاء الطبقة أم لا؟ ولكم الأجر والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
وسئل أبومحمد عن مركب كان بالمهدية فأصاره هول فنقر بقاعة قاع البحر فخيف عليه أن يهلك من ذلك فرمى منه التجار بعض ما فيه ليخف ولا يصل إلى قاع البحر فذهب الهول فخلص المركب، فأراد أصحاب الحمولة أن يدخلوا المركب في قيمة ما طرح منه وأبى من ذلك صاحب المركب.
فأجاب: إذا رمى من شحنة خوفا عليه أن يهلك من نقرة بقاعة فإنه يدخل في القيمة ويحسب ما عليه من قيمة ما رمى ما ينوبه من ذلك.
وسئل عن رجل دفع إلى رجل مالا قراضا وهو صاحب سفينة على أن
[306/8]
[307/8]يعمل في أي تجارة شاء من أي بلد شاء ويحمله في مركبه بالكراء والربح بينهما.
فأجاب: هذا قراض فاسد باشتراط زيادة، والعامل أجير له مثله وكراء ما حمل في مركبه والربح والخسارة لرب المال.
وسئل ابن أبي زيد وأبوسعيد ابن أخي هشام وأبومحمد ابن التبان عن قوم أشحنوا طعاما في لوح كل واحد في حصته، فلما أرادوا أن يقلعوا تبين لهم أنهم أشحنوا فيه فوق حمله فأنزلوا منه كيلا فقبضه واحد منهم ممن له فيه حصة، وذلك بإذن صاحب المركب ومن حضر من أصحاب الطعام، وكان بعضهم غائبا ثم أقلع المركب فعطب فأراد من كان غائبا أن يرجع على الذي قبض ذلك الكيل بما ينوبه فيه بمقدار حصته.
فأجابوا: ذلك له ويقضى ذلك له به على قابضه فيدفعوا إليه ما ينوبه كيلا إن كان كاله واستهلكه بغير البيع، وإن كان باعه فربه مخير في إجازة البيع وقبض الثمن أو يأخذه بما ينوبه كيلا في جنسه ونعته.
[أوسقوا مركبا متاعا ثم تبين لهم أنهم حملوا به ما يطيق واختلفوا في الإنزال]
وسئل ابن يونس عن قوم أوسقوا في مركب متاعا، فما أقلعوا أصابهم هول وخافوا الغرق وبان لهم أنهم أوسقوه فوق حمله فأرادوا أن ينزل بعض وسقه في البر واختلف أصحاب المتاع في ذلك.
أما بعد، فإن بعض إخواني ممن شملني وإياه وصف القربة، وجمعنا في ذات الله المعرفة والمحبة، فاوضني في نازلة من المسائل الفقهية، وفرع من فروع أحكام الوصية، وشرح لي بعض ما وقع فيها بين أئمة الوقت وفقهائه، ممن يعتمد على ما يتلقى من العلوم من تلقائه، من أهل بلد تلمسان المحروسة، ومن أهل تونس المحوطة دار العلم في الحديث والقديم الموجب لأهلها مزية التفضيل والتقديم، ونص على ما صدر من ذلك عن أخوى الفقيهين الشريف الفاضل العلامة أبي عبدالله محمد بن أحمد بن علي بن يحيى الحسني التلمساني، والقاضي الفاضل أبي عبدالله محمد بن محمد المقري التلمساني، وما تعقب به عليهما الفقيه المفتي الخطيب الصالح الأتقى أبوالقاسم بن شرف القضاة وفخر العلماء وقدوة الفضلاء وواحد الوقت المرحوم أبي العباس أحمد الغبريني البجائي المولد والأصل، التونسي الاستقرار خطيب خلافتها ومفتى حضرتها نفع الله بجميعهم وإياي، ثم لما تأملت ما أفتى به الفقيهان، وما تعقب به عليهما الخطيب المفتي
[
وسئل سيدي عبد الله العبدوسي عن رجل مات وكانت له زوجة ماتت عنه وبقي بعدها مدة تزيد على ستين سنة ، وقام الآن رجل وهو أخوها يطلب ورثته بما ينوبه من صداقها قبله ، واستظهر برسم فيه كالئى صداقها ، وهو عالم به لم يطلبه به قط ولا عذر يمنعه من ذلك وهو معه في بلد واحد . وقد سئل الهالك في مرضه وقيل له هل لأحد عندك شيء ؟ فقال ما لأحد علي دين . فهل يبطل حقه بسكوته هذه المدة لأنها مما يبيد فيها الشهود أم لا ؟ بينوا لنا الحكم في ذلك .
فأجاب : إن الصداق لا يبطل بسكوت من وجب له المدة المذكورة ، وكذا سائر رسوم الديون إذا ادعى المؤمن الخلاص منها . هكذا وقع في الرواية وإن كان فيه خلاف ، لكن القضاء والعمل بما قدمناه . وفي الخبر : " لا يبطل حق امريء مسلم وإن قدم " . فقوله ما لأحد عندي دين مجرد دعوى منه ، كما لو ادعى ذلك في حياته فلا تقبل منه إلا ببينة ، وهذا إذا ثبت رسم الصداق بأداء الشهود إن كانوا أحياء أو بالرفع على شهادتهم إن ماتوا أو غابوا غيبة بعيدة .
وسئل عن رجل استعار بل أكرى من رجل آخر حصانا ورده مريضا ومات وادعى ربه أنه حمله ما لا يطيق وأنه هلك بسببه وفرط فيه .
فأجاب : أما مسألة الحصان فقد كتبت فيها من نحو ست مرار ، ومضمن العقد والتقييد لا يوجب على حمله غرما ، وتجب عليه اليمين أنه لم يتعد ولم يفرط .
[
261/11] وتستمر فى الوجود فى المعتاد دل على أن الفاعل بهما ذلك قدير على ما يشاء شديد البطش أهل أن تخشى سطوته ويحذر أمره وعقوبته.
السابعة: سئل عن قوله تعالى: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم﴾ ومعلوم أن نزول هذه الآية كانت فى اختلاف رأي أبي بكر ورأي عمر رضي الله عنهما. وذلك أن أبا بكر أشار على النبى صلى الله عليه وسلم أن يقبل الفداء من قريش فى الأسارى يوم بدر. وأشار عمر بقتلهم وأخذ النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك برأي أبي بكر فنزلت الآية التي ذكرناها. واتصل بها قوله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا نزل عذاب من السماء ما نجا به إلا عمر" فصوب التنزيل رأي عمر، وبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقد أبان أن الآية بذلك نزلت من السماء ولولا هذا الأثر لقلنا: لم ينزل إلا بعد أن نفذ أو تم أمر فليس كان يكون السؤال وإنما كان الفداء فى هذه، والآية نزلت فى غزوة بدر ثم لم يبلغنا أنه قتل من كفار قريش المأسورون(¬1) إلا عقبه بن بنى أبي معيط، وآخر إليه قتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى انصرافه من غزوة فى الطريق فكيف يبان هذا؟ والآيتان مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تصويب رأي عمر فدل على أن الأمر رجع إلى قتلهم وترك الفداء والذى ذكر أهل السير كلهم أن الفداء كان والقتل لم يكن وإلا لظهر وهذا أمر خفي علمه على السائل مع اعتقاده أن النبى لم يفعل إلا ما أمر به فما أحوج السائل إلى البيان فى ذلك ليزول عن غمة الجهل بهذه القصة التى تحير قليل العلم بها. فأوضح لنا ذلك واشرحه مأجورا موفقا إن شاء الله تعالى.