وذكر القاضي أبو الدعائم سند بن عنان المصري ها هنا فرعا حسنا وهو من سلك ما تقدم الآن, رأيت اجتلابه هنا وإثباته تكميلا لفائدة الإخوان, وهو لو فتحت قرية أو أنشئت وأقيم فيها مسجدان وعقد فيهما أول جمعة, قال ينظر, فإن كان احدهما صلى بتولية السلطان فلا ينبغي أن يخالف والجمعة له, لأن السلطان لا يخرج عن حكمه في ذلك. وإن لم يكن كذلك فمن سبق منهما بالاحرام سبق بالجمعة لأن باحرامه تعينت متابعته وامتنعت مخالفته وانعقدت جمعته, ولا تنعقد جمعة بعد جمعته في مصر واحد. قال: فإن أحرما ولم يلم السابق منهما, فها هنا يحكم بفسادهما إذ لا يمكن الحكم بصحتهما جميعا, ولا يتعين الفساد فيهما. وذلك كالوليين يزوج كل واحد منهما وليته ولم يعلم السابق منهما فإنه يحكم بفساد النكاحين وإن كان قد يكون أحدهما صحيحا. واختلف في هذا الفرع أصحاب الشافعي ومعظمهم ذهب إلى ما
[
=فأجاب عنها بما نصه: الحمد لله إن ثبت ما يوجب عليهم القتل من إقرار أو تدمية وقسامة، أو من كونهم أهل حرابة أخذوا الأموال وقتلوا أو جرحوا عليها، فقد وقع القتل موقعه، وكون القاضي لم يستثر قاضي الجماعة ليس بالذي يوجب عليها حكما، إلا أن ذلك وإن كان يطلب من قضاة الكور فليس بشرط في إنفاذ الحكم، لكن لو أقر القاضي بجور وثبت أنه قتلهم بغير حق فإنه يقاد مننه، والله الموفق بفضله.
[ إن أخطأ القاضي في الحكم بالقتل ]
=وأجاب عنها فقيه الجزائر وقاضيها أبو عبد الله سيدي محمد بن ذافال، فقال: لا يجوز للقاضي أن يحكم على المحكوم عليه إلا بعد استيفاء الموجبات كلها من الإعذار وغيره، وإن وقع الإقرار بين يديه وحضر الإقرار عدول، فلا إشكال في القود، والسارق الذي إن فطن به فر، ولا يقاتل لا يجوز قتله، نعم إن اشتهر بالسرقة، وعرف بها سجن أبدا حتى يموت في السجن، وإن كان يدخل إلى المنزل بالعصا أو الحديد بحيث لو فطن به صاحب المنزل قاتله فحكمه حكم المحارب، وفي إقراره بعد ضرب القاضي له خلاف، ومن لم يقتل فلا سبيل إلى قتله إلا أن يعين القاتل، والقاضي إن أخطأ في الحكم وجبت الدية على عاقلته، وقيل: لا شيء عليه إلا أن يتعمد الجور والله تعالى أعلم.
[ أصناف التدمية ]
*وسئل الإمام العالم أبو عبد الله سيدي محمد بن مرزوق، عن مسألة تظهر من جوابه.
=فأجاب: الحمد لله، في إعمال تدمية القتيل بين الصفين خلاف، وفي التدمية البيضا خلاف، وفي تدمية العدو على عدوه خلاف، فضعف حال هذا المدمي جدا فلاحتياط طرح تدميته والله تعالى أعلم.
*وسئل الشيخ أبو القاسم السيوري: فقيل له: هل يقوى عندك القتل باعتراف المقتول على غيره مع تجويز كذبه عمدا، أو غلطا أو تشبيها، ونجد كثيرا من الناس يموت على الإصرار في منع الحقوق والغصوب، وكيف إن مات.
[286/2]
[287/2]
=فأجاب : بما نصه : سيدي أعزكم الله ، تأملت ما ذمرتم فوقه ، وظهر لي أنه حسن ونظر مبارك ، إلا أن الإقدام عليه صعب ومخالف لما عليه الناس ،[254/3]لأن ما عليه جار على نص الفقهاء : أن النحلة لا تفتقر إلى حيازة وهو المشهور ، ووجه المشهور أنها تجري مجرى المبايعة ، وعلى ذلك وقع النكاح ، والمبايعة لا تفتقر إلى صيازة ، والدليل على ذلك ما في كريم علمكم ، أن من باع فدانا وشرط أن لا يقبضه المبتاع إلا بعد مدة غير طويلة ، أن ذلك جائز ، فهذا يوضح لنا أن النحلة وإن كانت نية الناحل بقاءها عنده لا يضر ، وسوء الظن غير قادح في كثير من المسائل ، وسد الذريعة في هذه المسألة هو الخوف من التوليج ، وحال التوليج ضعيف ، وكثير من الناس محمولون على عدمه ، وما أحسن ما يحتج به على مثل هذه النازلة ، وإن كان من كلام غير الفقهاء وإنما هو كلام ابن بري :
وأسلك سبيل ما رواه الناس ... ... ... ... ... عنه وإن ضعفه القياس
وما أحسن ما يحتج به أيضا وإن كان من كلام سيبويه ، فقد كان بعض الفقهاء يعتمده : قف حيث وقفوا ثم فسر - انتهى .
قلت في قول المجيب : والدليل على ذلك إلى آخره نظر لا يخفى . وتقيد تحته بل بمحوله من كلام المواق ما نصه : بالجواب بمحوله أقول لو مات المنحول له ليوم آخر لم يكن للناحل شيء ؛ لأنه قد خرج عن حيازته لعقد النكاح عليه كما في الطرر : تنكح المرأة لما لها ، فعلى النحلة انبنى النكاح وكتب الصداق . وكتب محمد المواق . ومن هذا المعني ما سئل عنه بعضهم وهو رجل باعت له زوجته دارا وقرارا كانت لها من إرثها في أخيها وقبضت ثمن ذلك بمحضر شهوده ، ولم يزل زوجها يعمر الدار ويسكن القرار ، وزوجته البائعة معه حتى ماتت الآن وورثتها يدعون أن البيع حيلة وتوليج .
أبدى اليمين بززجتيه ولم يكن ... يدري مرادا قال أو تحريما
ولقد يجول بفكره في رأسه ... ويمحص الأوهام والتقسيما
فيعود وهو مشكك في أمره ... قد كان يمنع جفنه التنويما
أفصح فديتك ما سألت محققا ... تجلو علاه وتمنع التعليما
فأجابه الإمام شيخ الإسلام أبو عبد الله بن عرفة رحمه الله.
يا من غدا مثلا لحسن فعاله ... ومقاله المعقول والمنقول
يا من نتائج فكره معلومة ... بالصدق مثل دفاعه المأمول
[282/4]
[282/4]
[283/4]
من شك في عدد الطلاق لحنثه ... في حلفه بمقاله المبذول
مشهور مذهبنا يعمم حنثه ... في كل معنى شكه المدلول
ومقالة أخرى تخصص حنثه ... بيقينه لا شكه المحلول
وجهاهما استصحاب حكم سابق ... متيقن أو لاحق مجهول
فانظر بعين كمالكم ومجالكم ... في منزعات العقل والمنقول
وسئل عن الذي يبيع قلة السمن جزافا وفيها ثقبة دلس فيها البائع أو نسي فذهب السمن أو الزيت قبل أن يفرغ.
فأجاب: مصيبته من البائع إذ لم يبين له.
[من اشترى سلعة ولم يكن معه ما ينقد..]
وسئل ابن لبابة عن رجل اشترى سلعة ولم يكن معه ما ينقد فقال للبائع انتظر حتى آتيك بالمال فقصد إلى رجل فقال له إني اشتريت سلعة كذا فامض معي تنقد المال أو تكون معي شريكا فيها.
فأجاب: ليس لصاحب المال إلا ماله فقط والفضل والثراء للمشتري وعليه.
[مسألة فيمن باع كتانا وشرط على المشتري أن يغرم لصاحب الوزن]
وسئل ابن خمير عن الذي يبيع الكتان ويشترط على المشتري أن يغرم إلى صاحب الوزن؟
فأجاب: إذا علم ما يعطي لكل ربع فذلك جائز، وإن لم يعرف فلا يجوز، قيل له فإن علم كم هو فوزن البائع للمشتري ووجد في بعض الأرباع الرجحان الكثير فيقول المشتري للبائع اترك لي ها الرجحان؟ فقال إذا كان رجحانا كثيرا لم يجز حتى يعرف وجه الرجحان.
[الخشونة في الحديد عيب]
وسئل عن الحديد يشتري ولا يفهم إن كان لينا أو ذكيرا أو أحرش فيدخل العمل فيخرج أحرش منقطعا؟.
فأجاب: يجب له الزد وهو عيب، وكان وسمني (كذا) سعدون يقول في مثل هذا إذا لم يشترط المشتري جنسا من حديد أو لم يشترط البائع على نفسه فلذلك لازم للمشتري.
[261/5]
[من كتب الشراء لنفسه ولإخوته وهم غيب]
وسئل أبو صالح عن رجل ابتاع خربة وكتب الاشتراء لنفسه وإخوته وإخوته غيب ونقد الثمن لنفسه ومكث زمانا لا يقبض منهم الثمن ثم أتاه إخوته غيب ونقد الثمن لنفسه ومكث زمانا لا يقبض منهم الثمن ثم أتاه إخوته يريدون القسمة ويعطون أخاهم ما نقد عنهم فكره أخوهم قبض الثمن وقال إنما اشتريت لنفسي ونقدت وإنما كتبت أسماءهم لعذر أعتذر به.
يقدر على أخذ الثمن الذي باع به إلا أن يأخذ منه طعاما فليفعل ذلك على وجه يسوغ، بأن يأخذ الطعام منهم من يبيعه على ملك منفذه إلى الحاضرة ويقبض البائع الثمن ويفعل ذلك بإشهاد وبينة من غير تحيل على إظهار ما يجوز وبالله تعالى التوفيق.
[ ما للشيوخ في التزام المشهور في الفتاوى والأحكام]
أبو إسحاق الشاطبي أنظر كيف لم يستجد هذا الإمام العالم وهو متفق على إمامته وجلالته، الفتوى بغير مشهور المذهب، ولا بغير ما عرف منه بناء على قاعدة مصلحية ضرورية إذ قل الورع والديانة من كثير ممن ينتصب لبث العلم والفتوى فلو فتح لهم هذا الباب لانحلت عرى المذهب، بل جميع المذاهب، لأن ما وجب للشيء وجب لمثله. وظهر أن تلك الضرورة التي ادعيت ليست بضرورة انتهى.
الواغليسي: لست ممن يتقلد غير المشهور الذي عليه القضاء والفتيا من السلف الخلف فاعمل على ذلك وكن على جادة أيمة المذهب واحذر مخالفتهم.
ابن عبد السلام بيان المشهور وتميزه عن الشاذ، من أعظم الفوائد، فإن أهل زماننا في فتاويهم إنما يعولون فيها على المشهور إذا وجدوه. وقد قال الإمام المازري بعد أن شهد له بعض أهل زمانه بوصوله إلى درجة الاجتهاد أو ما قرب رتبته: وما أفتيت قط بغير المشهور ولا أفتي به. وأهل قرطبة أشد في هذا، وربما جاوزوا فيه الحد.
ابن عرفة لا يعتبر من أحكام قضاة العصر إلا ما لا يخالف المشهور ومذهب المدونة.
شيخنا أبو الفضل العقباني: لا ينبغي لمفت أن يفتي فيما علم المشهور فيه إلا بالمشهور. وإذا كان المازري وهو في طبقة الاجتهاد، لا يخرج عن الفتوى
[328/6]
بالمشهور، ولا يرضى حمل الناس على خلافه، فكيف يصح لمن يقصر عن تلامذته أن يحمل الناس على الشاذ. هذا لا ينبغي.
[من اشترى أنقاضا مبنية في أرض جزاء فوجد الأرض معيبة]
فأجاب: يكون لابن هند من الموقوف ربع وسدس, ولابن عائشة ربع وسدس أيضا, ولإبراهيم بن أبي بكر نصف سدس, ولإسماعيل نصف سدس.
[270/7] [من وقف وقفا على أن يشترى بغلته ثياب تفرق على الأيتام]
وسئل عن رجل وقف وقفا على أن يشترى بغلته ثياب وتفرق على الأيتام يوم الرابع عشر من شعبان المستقبل.
فأجاب: لا يجب ذلك, بل المبادرة بتفرقته على الأيتام في أول وقت الإمكان, لأن الزمان الذي شرط الواقف قد فات وصارت تفرقته قضاء لا أداء, فمتى أمكن اخرجه, كالأضحية المندورة إذا لم يذبحها حتى فاتت أيام التشريق يذبخها متى يمكن, ولا يؤخرها إلى وقت الأضحية من السنة الثانية.
[من بنى مسجدا وشرط في وقفه أن لا يتولاه إلا مالكي المذهب]
وسئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله عن رجل بنى مسجدا وشرط في وقفه أن لا يتولاه إلا مالكي المذهب مثلا, فهل يجب اتباع هذا الشرط وتكون ولاية من خاله باطلة أم لا؟ وإذا وجب اتباعه وتولاه من هو على شرطه, ثم انتقل إلى مذهب آخر, هل تفسخ توليته أم لا؟ وإذا لم يتحقق هذا الشرط من الواقف ولكن كان الغالب على أهل ذلك البلد أتباع مذهب معين كالأسكندرية ومصر, هل يتنزل هذا منزلة الشرط المحقق أم لا؟ وما حكم الائتمام بهذا الإمام؟
فأجاب: إن وقف الواقف على مذهب معين لم يجز أن يتناوله غيره وإن خص المسجد بمعينين لم يختص بهم, وإذا غلب في بعض البلاد مذهب على أئمة المساجد بحيث لا يكون فيها غيره, حمل الوقف على ذلك, ولا يستحقه من انتقل عن مذهبه إلى مذهب آخر, وإن كان هذا الإمام معتقدا لجواز ما يتناول, فلا بأس بالإئتمام اقتداء بفاسق.
[من حبس على معينين, وعلى ذريتهم بعدهم وعلى عقبهم]
وسئل بعض شيوخ عمن حبس املاكه عى ثلاثة بنين معينين وقال في نص الوثيقة وعلى ذريتهم بعدهم وعلى عقبهم هكذا ما تناسلوا طبقة بعد أخرى, ومن انقرض من الأولاد المذكورين عن نصيبه فينتقل إلى ذريته
[
فأجاب: الذي صدقهم يسلم إليهم منافع النصف ويحلف في النصف الآخر ويحلفون ويفسخ بقية المسافة وتباع المنافع عليهم ويردها أحدهم إلى نفسه إذا أبي الآخر من أخذها، أو يختار أحدهم الانفصال من الشركة في القارب فينظر في ذلك. فروجع ما المراد بيحلفون لأنه إذا حلف انفسخ الكراء في نصيبهم إلا أن يكون حلفهم أنهم اكتروا من شريكه الآخر فهو مقربهم، وإذا طلب أحدهم المفاصلة هل يبطل الكراء أم لا؟.
فأجاب: هو وافقهم على الكراء منه وخالفهم في المسافة، فصار
[305/8]
[306/8]اختلاف في الثمن، فهم يقولون بعشرة دنانير لقابس، وهو يقول إلى المهدية ابن يونس عن ملك فيمن اكترى سفينة بحمل طعام إلى بلد بجزء منه فإن شرط قبض الطعام مكانه جاز ولو شرط تأخيره لم يجز وإن سكتا فالكراء فاسد عند ابن القاسم وأجازه الغير إلا أن يشترط التأخير قيل وهو جار على العقد المحتمل للصحة والفساد.
[مركب بلغ الغاية ولم يمكنهم التفريغ حتى عطب وذهب ما فيه]
وسئل يحيى بن عمر عن مركب بلغ الغاية ولم يمكنهم التفريغ حتى عطب وذهب ما فيه.
فأجاب: بأنه كالوسط لا كراء لربه، ولو أمكنهم التفريغ فاشتغلوا عنه بغيره فالكراء لصاحب المركب ( )(¬1) ولو اشتغلوا بالتفريغ فأصابهم الهول في أثنائه فمن سلم متاعه أدى الكراء ومن عطب متاعه فلا شيء عليه. قيل نزلت مسألة وهي أن مركبا دخل الإسكندرية من تونس آخر النهار فأبى قائد المركب الدخول حتى يدخل بالغد ( )(1) صاحبه هول بالليل فمنعه من الدخول حتى عطب، فأجيب بأنه إن تمالأ أهل المركب على هذا فعليهم الكراء وإن كان يدخل خاصة فإنه يسقط عنهم الكراء ويبقى النظر في تغريمه إن حكم عليهم بالإكراه في المبيت مع العلم بان حفرة الإسكندرية (كذا)(1) ما هو إلا بالحيلة وبهو، مخصوص واشتهر ذلك وظهر فيها.
كتاب الخطيب ابن مرزوق]
[في الانتصار للمفتيين التلمسانيين والرد على الغبرينى]
ولما حل بتونس الفقيه الخطيب البليغ الإمام العالم العلم الراوية الحافظ أبوعبدالله محمد بن أحمد بن محمد بن مرزوق رحمه الله تعالى
[280/9] ورضي عنه، ووقف على تعقب الغبريني لجواب بلدييه أبوي عبدالله المذكورين كتب عليه منتصرا لهما وردا على الغبريني المذكور ما نصه:
أخبرنا الشيخ الصالح أبوالتقى صالح بن عبدالله الأشوى، أخبرنا أبوالفرج بن قولت، أخبرتنا شهدة بنت أحمد الأبدية الكاتبة، أخبرنا أبوغالب محمد بن الحسين الباقلاني، أخبرنا أبوعلي بن شاذان، أخبرنا أبوعثمان بن أحمد بن المبارك، أخبرنا الحسين بن سلام، أخبرنا عبدالله بن موسى، أخبرنا الأوزاعي عن قرة عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع)) ويروى: أجذم، وهو بمعناه، وأقول:
الحمد لله ناصر الحق ومؤيد أهله، وموفق من شاء من عباده لاتباعه بفضله، وصلواته على سيدنا ومولانا محمد سيد أنبيائه وخاتم رسله، وعلى آله وأصحابه المتبعين لمناهج سبله، وعن علماء هذه الأمة الأمناء على أداء العلم لأهله وحمله، وسلم عليه وعليهم كثيرا.
وسئل بعض الشيوخ عن رجلين تخاصما في أرض وادعى أحدهما الشراء وادعى الآخر الرهن ولا بينة لأحدهما بصحة ما ادعاه إلا أن الذي ادعى الشراء لها في يده أزيد من عشرة أعوام وهو يعمل فيها ويتصرف بأنواع التصرف من الحراثة والغرس ، فقامت امرأة ببينة أن زوجها كان صيرها لها في حق لها قبله قبل تملك الذي ادعى الشراء ، وكانت تحجر عليه في أثناء المدة فقهرها زوجها وقال إنها رهن لا بيع فسكتت ، فهل يقبل قولها على دعواها أم لا ؟ بينوا لنا ذلك مأجورين .
فأجاب : أكرمكم الله تعالى . أن ثبت ببينة عادلة ما ادعته من التصيير وكلامها وقهر الزوج إياها إلى الآن فالقول قولها قولا واحدا ، وإن لم يكن إلا دعوى الذي بيده الأرض أنها شراء ودعوى ربها أنها رهن فالقول قول مدعي الشراء مع طول المدة ، لأنه ادعى الصحة والآخر الفساد ، إلا أن يغلب الفساد في ذلك كما هو في بعض البوادي فالقول قول مدعي الرهن إلا أن يفوت بالبناء والهدم والغرس والقلع مما يفوت به البيع الفاسد في الرباع على [261/10] مذهب ابن القاسم . وأما ابن عبد الحكم فيفوت عنده بما يفوت به البيع الفاسد من حوالة الأسواق وغيرها ، وهي مسألة الثنيا ، وقد اختلف فيها في الغلة ، فمذهب ابن القاسم لا غلة على المشتري ، ومذهب سحنون عليه الغلة . قال الفقيه راشد : بمذهب سحنون مضت الفتيا من الأشياخ ، فالقاضي مخير في المذهبين ، والسلام عليكم .
[لا يبطل الصداق بسكوت من وجب له المدة الطويلة]
260/11] حال فليس في قولهم ما يجدون به مطعنا لقوله صلى الله عليه وسلم: "فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم". على ما في حديث أبي بكرة. أو "حتي ينجلي" على ما في حديث المغيرة بن شعبة إذا ليست هذه الزيادة عند غيرهما، لأنا لا نحمل أمره عليه السلام بالصلاة سببا للانجلاء والانكشاف، ولا يفهم هذا منه بل الإنكشاف غاية هذه العبادة ومنتهى هذه الطاعة كما أن ليس بفهم من قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض﴾ إن الأكل والشرب سبب بيان الخيط الابيض لكنه غاية الإباحة. وكذلك قوله وصوموا حين تروا الهلال تعريف أنه غاية هذه العبادة رؤية الهلال وكذلك هنا عرف بقوله حتى ينجلي أو ينكشف عدى (كذا)(¬1) التي أمر بها بهذه الآية والله ولي التوفيق.
لكن فائدة الأمر هنا بالفزع إلى الصلاة والدعاء عند رؤية هذه الآية وفزع النبي صلى الله عليه وسلم لذلك دون سائر الآيات مثلها من طلوع الشمس وغروبها وغير ذلك من آيات الله الجارية أن تلك معتادة مألوفة متكررة، وقع بها أنس لجميع الناس والمألوف غير مستغرب وإلا فليس كسوف الشمس بأغرب آيه ولا أهول منظرأ من طلوعها شيئا شيئا، واختلاف أحوالها ومنازل درجاتها إلى ارتفاعها. ولا كسوف القمر بأبداع آيه من ابتدائه هلالا، ثم ينقله الله إلى أن يصير بدرا وينتهى كاملا. وأما الفزع بها فقد.
قال القاضي أبو بكر: كان ذلك لما اخبر النبى صلى الله عليه وسلم من أن الساعة تقوم وهما منكسفين.
قلت: ويدل على صحة هذا القول ما رواه أبو موسى في صحيح مسلم في هذا الحديث قال: "فقام فزعا يخشي أن تكون الساعة".
قال أبو القاسم المهلب: ولعل ذلك كان قبل إعلام الله له بشروطها وجملة آياتها. وأما وجه التخويف بها فإذا رأى العبد ما وقع بهما من تغير واسوداد بعد سطوع نورهما وعلو موضوعهما وكونهما آلهة تعبد من دون الله
[