تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

242/1] ولا خلل عند الأيمة المرضيين, لاسيما وبعض شيوخ المذهب يقول في مثل هذه المسائل لا يلزم ارتباط العمل بمذهب معين ولا بمشهور قول قائل. وقد قدمنا قبل هذا في الجواب عن السؤال الأول من هذا النمط ما فيه كفاية ومقنع, مما لا مطعن فيه لمعترض ولا مطمع. وحيث وقع التفريع على القول بالمنع وهو المشهور, وفعل الناس ما لا يجوز لهم فعله من إقامة جمعتين في مصر واحد وارتكب المحذور, فلا تخلو المسألة من ثلاثة أوجه: أحدهما أن يكون المسجد العتيق هو السابق بالصلاة: والثاني أن يكون هو المسبوق؛ والثالث أن تكون صلاتهما معا في دفعة واحدة. فإن كان المسجد العتيق هو السابق بالصلاة فلا خلاف بين أصحابنا وأصحاب الشافعي, أن الجمعة لهم لا لمن عداهم, ويصلي من عداهم أربعا. وأما إن كان المسجد العتيق مسبوقا وهو الوجه الثاني أو وقعت الجمعتان فيهما معا ضربة واحدة وهو الوجه الثالث ففيهما خلاف, حكاه اللخمي والمازري وسند ابن عنان وغيرهم. وعندنا أن الجمعة لأهل المسجد العتيق فيها على حال, وبه قال بعض الشافعية. وقال بعض الناس: الجمعة للسابق منهما. واختلف على هذا القول بماذا يعتبر السبق, فقيل بالاحرام وقيل بالسلام. قال سند: ووجه المذهب أنا لو قلنا لا يعتبر ذلك لأدى إلى أنه متى شاءت جماعة تنعقد بمثلهم الجمعة أن يفسدوا على أهل البلد صلاتهم أمكنهم ذلك بان يجتمعوا ويعقدوا الجمعة.

*وسئل الفقيه القاضي أبو عبد الله الزلديوي على المجروم يستاني بجرحه ليرى ما يصير إليه أمره فيموت إما بردم أو نحوه، هل يكون لوارثه ما كان له أم لا؟

=فأجاب: بما نصه: الحمد لله أما من أصابه جرح ثم طرأ عليه ردم أو غرق، فإن علم أنه مات من الثاني اقتص من الجاني في الجرح العمد، وأخذ بعقله في الخطأ إن كان له عقل مسمى، وإلا فنصف حكومة لاحتمال برئه على غير شين لو لم يمت فلا يكون فيه شيء، أو يبرأ على شين فيستحق حكومة، فتنظر لاحتمال التقديرين، وإن لم يعلم هل مات من الأول أو من الثاني، فاختلف هل يكون فيه نصف الدية على الجاني، أو يقسم الأولياء لمن جرحه مات ويقتصون في العمد، ويأخذون الدية في الخطأ، والأقرب هو القول الأول، القتل في مثل هذا صعب، ولو كان بقسامة والله تعالى أعلم.

=وأجاب عنها الفقيه أبو الحسن علي بن محمد الحلبي أحد فقهاء الجزائر بما نصه: في الديات من النوادر عن ابن الماجشون: وأما مجروح صحيح يناله هدم أو غرق أو نفخة دابة فيموت فلا يقتل جاحه، وليس فيه دية النفس، ولكن يحكم في الجرح بقصاص العمد، وعقل الخطأ إلا أن ينفذ الأول مقاتله، فالحكم على الأول القصاص في النفس بالعمد والدية في الخطأ، وقال بذلك كله أصبغ، ونقل ابن القاسم قولين، أحدهما كقول ابن الماجشون والآخر على المتعمد نصف الدية في ماله بلا قسامة. انتهى.

فقد تبين من هذا أن وارثه ليس له طلب الجارح بالنفس حتى يثبت أنه أنفذ مقاتله، والله تعالى أعلم.

[ من عرف بالسرقة سجن أبدا ]

[ والسارق المقاتل حكمه حكم المحارب ]

*وسئل سيدي قاسم العقباني: عن مسألة تظهر من جوابه.

[285/2]

[286/2]

=فأجاب : الشهادة على البكر في الاستئمار ، من شرطها النظر إليها بل إنما ذلك ليعرف الشاهدان عينها ، ولو عرفا بها حتى حصل لهما العلم بأنها هي ، لما احتيج إلى النظر إليها ، فإذا تحققا أنها هي بإخبار من يستند إليه ، جاز لهما أن يشهدا عليها ملتفة في ثوبها .

[ما يكتبه الموثقون من انعقاد النكاح على النحلة]

*وسئل ابن منظور عما جرت به عادة الموثقين عندهم أن يجعلوا النحلة في المهر ، وأن النكاح انعقد عليها وتم بسببها ، ويبقي الملك بيد الناحل يسكنه ويستغله ، بناء على مذهب من يري سقوط الحيازة في النحلة ، ومقصود الناحل بالنحلة على هذا الوجه في غالب الأمر ، محاباة المنحول له بعد الموت بجزء من ماله وهو وارثه وسهل عليه ذلك ببقاء ملكه بيده يستغله إلى الموت ، وكثر هذا العمل وكثر القصد إليه ، وحاصله تحيل إسقاط الحيازة ، وذريعة إلى الوصية للوارث ، ومن أصل مالك المشهور سد الذرائع ، فظهر لي ببادي الرأي هذا الشيء لما كثر وكثر القصد إليه ، أن يمنع سدا للذريعة ، ويفسخ إن وقع واستمر ترك الحيازة وبقاء الملك بيد الناحل إلى الموت ، ويستوي في هذا الحكم الوارث وغير الوارث ، ويترجح لنا القول بشرط الحيازة في النحلة ، لما لاح لي هذا الرأي أحببت مطالعتكم ، فلكم الفضل في الجواب بما يقتضيه نظركم .

يقال إن الصواب التذكر ينفعه ولو كان بعد الحكم عليه، لأن الحاكم في المسألة بعد الحكم إنما يحكم بمنع الشك من المرأة لأجل الشك، لا بإلزامه الثلاث. كما يقال لمن اختلطت له شاة ذكية بميتة لا يحل لك أن تقرب الشاتين معا ويحكم على الجزار بالمنع من بيعها ويعاقب على البيع في كل واحدة. فلو تبينت الذكية بأمارة أو بوجه، لصح له أن ينتفع بالأكل والبيع ولا يمنعه تقدم الحكم من ذلك. ولا يقال حكم الحاكم صير المشكوك فيه ميتة فكذلك حكمه لا يصير المشكوك فيها ميتة، وهذا بين الصواب. جعلنا الله ممن قال فأصاب، ودعي إلى الحق فأجاب، وأبعدنا من التمادي على

[281/4]

[282/4]

الفساد، والبعد من السداد. والله الموفق بفضله، وكتب قاسم بن سعيد بن محمد العقباني لطف الله به.

[المسألة الدولابية]

قلت: هذه المسألة هي الملقبة في المذهب المالكي بالدولابية، لبقاء الشك فيها على قول ابن القاسم واختاره غير واحد من شيوخ المذهب. قال القاضي أبو القاسم بن كوثر: وقوله فيها هو الصواب لمن اعتبر ذلك، وحساب ذلك يطول لمن تدبره.

قلت: وفيها كتب شيخ الموحدين في زمانه الشيخ الحاجب أبو محمد عبد الله ابن تافر جين لما نزلت به إلى شيخ الفقهاء بحضرة تونس الشيخ المحقق الإمام أبي عبد الله ابن عرفة رحمه الله وخاطبه بأبيات، فيها محاسن وآيات، فقال، وأجاد في المقال:

يا دوحة الأدب المصور في العلا ... منك استطبنا الطعم والمشموما

أورت زنادك في العلوم فأصبحت ... تهدي إليك نفائسا وعلوما

ماذا ترى لمتيم لعبت به ... أيدي الزمان فصبحته هشيما

ذي زوجتين كريمتين من العلا ... أصلا وفرعا زادتا تكريما

بيضاوتان عليهما نسج الحيا ... حللا فأصبحتا بذاك نظيما؟

وسئل عن الذي يشتري البصل وهو في الأحواض قد بلغ مبلغ القلع له واليبوسة فكلم في الثمن فقال يكون على إلى النفاد أو كانت الصفقة على ذلك.

[259/5]

فأجاب: إن كان من أهل التجارة وعرف بها فذلك جائز، وإن كان من غير أهل التجارة فلا يجوز الثمن إلا إلى أجل معروف، وإذا وقعت الصفقة إن الثمن عليه إلى النفاد فهي غير جائزة، وأجاب ابن خمير البيع على التقاضي جائز وإن لم يوقت وهذا بيع التجار يبيعون أمتعتهم على التقاضي ويتقاضون شيئا فشيئا فهو جائز وإن كان البصل صغيرا في الأحواض لم يبلغ أن يوكل منه شيء فاشتريت على أن يكون على البائع سقيها إلى أن تبلغ وتيبس فهذا لا يجوز.

[من أسلم في طعام إلى أجل فرخص الطعام قبل الأجل أو عنده]

وسئل عمن أسلم في طعام إلى أجل فرخص الطعام قبل الأجل أو عند الأجل فسأله المشتري أن يقبله في سلفه.

فأجاب: لا بأس به لأنه تطوع له به وهو إقالة إن أراد ذلك واحتج بقول إخوة يوسف «أوف لنا الكيل وتصدق علينا».

[من عقر غنما لرجل وكان لها خرفان لا تستغني عن الأمهات]

وسئل أبو صالح عن رجل عدا على غنم لرجل أو بقر فعقرها وكان للغنم خرفان صغار لا تستغني عن الأمهات.

فأجاب إذا لم يكن للخرفان عيش دون الأمهات لصغرها فماتت فهو ضامن للأمهات والخرفان وينكل نكالا موجعا، وقال في الأجير يهمز الدابة والثور فتبطل أراد أن يهمزه في خاصرته فصادفه في رجله فيبطل قال إذا فعل ما جاز له من ذلك فلا شيء عليه وإن تعمد رجله بالهمز فقد فعل ما لا يجوز له فهو ضامن.

[من باع بدراهم ولم يعين كيلها]

وسئل عن الرجل يبيع السلعة بمائة دينار دراهم ولم يسم كيلها فلما حل الأجل طلب الوازنة ودعاه المبتاع إلى دراهم الناس؟

فأجاب: إذا لم بيع على دخل مسمى وآجال معلوم فإنما له دراهم الناس التي تجري بينهم يوم يتقاضاها.

[260/5]

[من باع قلة سمن جزافا وفيها ثقب سال السمن منه]

المبيع وبقائه إلى أن يزهو، فيجد حينئذ بجزء منه ويبقى النظر أيضا على هذا الوجه في استيجار رجل يعينه. والعمل يشرع فيه إلى أجل بعيد أو قريب وهذا مما يتسع القول فيه في مثل هذه المسألة على الطريقة التي أشرنا إليها وبالله تعالى التوفيق.

[لا يحاسب الفقراء بما ينوب جزءهم من أجرة الحصاد والدراس]

وأما ما سألت عنه مما يؤدى من أجرة الحاصدين، فإن ذلك غير محسوب على المساكين عند الجمهور من العلماء، لأنه سبحانه قال: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾. فأوجب في الحق قبل الحصاد. فاقتضى ذلك أن ما قبل الحصاد لا مطالبة فيه على المساكين. وإذا حاول هذا المزكي أن يرجع على المساكين بجزئهم من أجرة الحصادين يأخذ بعض الطعام في ذلك ويبعه ولم يمكن من ذلك، لأنه يصير يبيع عليهم ما لم يستحقوه. ولو حاول في الثمار المخروطة مثل هذا بأن يبيع جزءا من الثمر بعد جذاذه ويأخذ جزءا منه لم يمكن من ذلك، لأنه أخذ مال المساكين بغير وجه مستحق فيجري الأمر في الثمر والزرع مجرى واحد على ما أشرت إليك. وأما تخفيف الخرص فحكم آخر وبالله تعالى التوفيق.

[لا يقتضي الطعام من ثمن الطعام]

وأما ما سألت عنه من اقتضاء الطعام من ثمن الطعام، فإن أردت بما أشرت إليه إباحة أخذ طعام من ثمن طعام فهو جنس آخر مخالف لهذا الذي اقتضي، فهو ممنوع في المذاهب ولا رخصة عند أهل المذهب كما توهمت، ولست ممن يحمل الناس على غير معروف المشهور من مذهب مالك وأصحابه، لأن الورع قد قل، بل كاد يعدم، والتحفظ على الديانات كذلك، وكثرة الشهوات، وكثرة من يدعي العلم ويتجاسر على الفتوى فيه.

فلو فتح لهم باب في مخالفة المذهب لا تسع الخرق على الراقع، وهتكوا حجاب هيبة المذهب. وهذا من المفسدات التي لا خفاء بها. ولكن إذا لم

[327/6]

إذا مات إلى عقبه, لأن الواقف إنما ذكر ذلك فيما يستحقه كل واحد من أولاده الثلاثة من الثلث, لا في كل شيء يصير إليهم, فيبقى فيما سواه مسكوتا عنه, فيصرف إلى الموجودين بالسوية, وأما قوله ومن توفي من بنيه الثلاثة المذكورين عن غير نسل في حياة أخويه, ثم إلى نسلهما, فهذا أمر لا يوجد لأنه شرط فيه ان يموت من غير نسل في حياة أخويه بل مات من غيره نسل في حياة أخويه أحمد, فلن يخلف أخويه بل أحدهما, فلم يوجد

[269/7] الشرط, وإذا لم يوجد يكون هذا الكلام كالعدم, وحينئذ لا يقسم شيء من ذلك للذكر مثل حظ الأنثيين بل يقسم بالسوية بمقتضى الإطلاق والله أعلم.

[من وقف على بناته وعلى من يحدث له من الأولاد]

وسئل عمن وقف شيئا على بناته الثلاثة وعلى من يحدث له من الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين, على أم من مات منهم عاد نصيبه إلى أقرب أهل الوقف إليه, فماتت إحدى البنات وخلفت أختيها إحداهما من أبويها والأخرى من أبيها فقط ثم حدث له ابن.

فأجاب: لما ماتت إحدى البنات انتقل نصيبها إلى اختيها من أبويها, فيكون لها الثلثان وللأخرى الثلث, فلما حدث الابن استحق نصف الوقف, ويكون النصف الآخر للبنتين, للتي من الأبوين ثلثاه, والأخرى ثلثه, وتصح من ستة, للابن ثلاثة وللأخت من الأبوين سهمان, وللأخرى سهم والله تعالى أعلم.

[من مات ولم يترك عقبا رجع نصيبه إلى الأعلى فالأعلى]

وسئل عن رجل وقف على زيد ثم على أولاده ثم أولاد أولاده, ثم نسله وعقبه, وعلى أن الذكور والإناث سواء, ومن مات عن ولد وعن نسل وعقب عاد نصيبه إليه, ومن مات عن غير نسل أعطي نصيبه الأعلى فالأعلى من أهل الوقف, فمات زيد وترك ابنا يسمى أبا بكر وثلاث بنات: عائشة وزينب وهند, ثم مات أبو بكر وخلف ثلاث بنين: إبراهيم وأحمد ومحمد, ثم ماتت زينب ولم تخلف عقباص, ثم مات أحمد وخلف إسماعيل, ثم مات محمد ولم يخلف عقبا, ثم ماتت هند وخلفت ابنا, ثم ماتت عاءشة وخلفت ابن ابن.

أجرة المركب إلا في الموضع المشترط وتعطون أنتم قدر الزيادة وعلى كل مركب مضاف ( )(1) وهذا لكن البحر كثير التقلب وكثير ما يجرى فيه العدول عن الطريق إلى موضع ثم يرجع المركب إلى طريقه ولا تقع بذلك محاسبة ولو عدل بالمركب الروم إلى موضع بعيد جدا حتى يكون لصاحب المركب ( )(1) في رجوعه إلى الطريق المعتاد لحوسب صاحب المركب بإسقاط بقية الكراء المسمى ويرجع إلى المثل. وأما المحاكمة فيما يحتاج إلى المحاكمة فيما بين الركاب وصاحب المركب لا بين بعضهم بعضا فأولى القول

[304/8]

[305/8]أن يكون في البلد الذي كان قصد صاحب المركب إذا كان الوالي عدلا وقصد جميع راكبيه أيضا أحياءهم وأمواتهم إلى أن يردوها ويرسوا فيها ويدعوا متاعهم إلى أن يحتاج جميعهم التفريغ بموضع آخر والتحاكم في غيره. فأما إن دعا بعضهم أو بعض ورثة الأموات أو من له فيه بضائع إلى الحاكم الذي كانت نية جميعهم التفريغ فيه في جميع الشحنة فيقول من دعا إلى ذلك إلى من تؤمن أحكامه فيه ويستشير فيها ذوي الفهم الموثوق بهم أولى وأقرب إلى الانفصال وإن سلموا من التجاهل في ذلك والشهادات أدائها بموضع التفريغ وأما الحكم بين أصحاب الرحال والشهادة بينهم فيما يجر به نفعا لنفسه فشهادته لا تنفع. ومن مات وله ورثة حضور وغيب أباح للحضور أنصبائهم وأوقف نصيب الغائب على يد من يوثق به ممن يعرفهم ولا يوقف بيد من ليس له اهتمام بتعجيل إيصال رحالهم إليهم وليس هذا مثل الحريص على سرورهم وما وجد مكتوب اسم صاحبه من الرحال واعترف صاحب المركب لهم حكم به لأن يد صاحب المركب على كل من يسلم إليه ما لم يثبت فيه خلاف قوله، انتهى.

قيل: وسئل المازري عن مكترين لقارب من صقلية وصلوا إلى المهدية وهو بين شريكين فادعى الركاب وصدقهم أحد الشريكين أن الكراء إلى قابس وادعى الشريك الآخر أنه للمهدية فإن التزمته اليمين وحلف هل يتكارون معه أو ماذا يصنع؟

279/9] أما بعد، فقد تقدم أنه قد قيل في مسألة الوصية التي التزم فيها الموصى عدم الرجوع ثلاثة أقوال: الأول منها: الوصية صحيحة لا رجوع للموصى عنها بوجه فالوصية الأولى في مسألتنا صحيحة، والثانية على تسليم كونها وصية باطلة، وجوابه على هذا القول ساقط، والقول الثاني منها أن الوصية صحيحة ورجوعه إن رجع عنها صحيح، قلت والوصية المسؤول عنها لم يقع عنها رجوع بوجه لجعل الموصى رجوعه عنها دالا على تأكيدها وتجديدها، القول الثالث منها على ضعفه وتسليم صحة نقله أن الوصية باطلة، قلت والوصية المسئول عنها ليس فيها رجوع، وليس ثم وصية أخرى لأن ألفاظ الوصية الثانية قد سلبها الموصى دلالتها اللغوية وجعلها دالة على تأكيد الوصية الأولى وتجديدها، فليس ثم إلا وصية واحدة التزم الموصى أن لا يرجع عنها ولم يرجع، فهي على هذا القول وصية باطلة، فيجب أن تعود ميراثا لورثة الموصى، فظهر أن جوابهم على المسألة على الأقوال المذكورة ساقط غير صحيح لإعراضهم عن التعرض إلى النظر في النكتة العظمى التي عليها المدار، وهي الأحق أن يقصد إليها بالكلام والاستدلال ويشار، وهي التي خرجت المسألة بها على صحة أن تكن مسألة خلاف، عند من حقق النظر وتكلم بإنصاف، ولم يؤثر خلاف الهوى على ائتلاف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((حبك الشيء يعمي ويصم))، وهو لعمري يحمل المرء على أن ينزل بالمنزل المستوى بل ويلم، ويخوض البحر اللجي المغشي بالأمواج والسحاب المظلم المدلهم، ويسلك بنيات الطريق، ويترك سلوك الفج العميق، والله سبحانه ولي التوفيق، وهو الهادي بفضله إلى أوضح طريق، والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفي أولى العزم في مرضاته والجد والتحقيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، انتهى السؤال والجوابان عنه والرد عليهما للفقيه الإمام القاضي العالم أبي الفضل سيدي أبي القاسم الغبريني رحمه الله تعالى.

[

وسئل سيدي عبد الله العبدوسي عن آمرأة توفي والدها منذ عشرين سنة وأزيد ، قامت الآن أخت لها من أبيها واستظهرت برسم صدقة عرصة عليها وأن والدها حازها لها لكونها كانت صغيرة ، وأوصى عليها والدها وهي محجورة إلى الآن ، وحكم لها بالصدقة وقبضت العرصة ، ثم إن الأخت الأولى قالت كان والدي باع لي تلك العرصة ، كنت أعطيته خلخالا فضة وأرادت أن تثبت ما ادعته ، فقيل لها ما الذي منعك من القيام حين توفي والدك حتى سمعت الآن أنها لأختك وقمت فيها ، وكانت العرصة المذكورة باعها [260/10] شقيق الأخت الأولى وهي بيد أجنبي ومن يده استحقت بالصدقة ، وأراد أخوها أن يشهد لها بذلك ، فهل تقبل شهادته في ذلك إذ هو من العدول المبرزين في السماط ؟ ولا قبضت قط غلتها لا في حياة والدها ولا بعد وفاته ، تفضلوا بالجواب عليها جوابا شافيا .

فأجاب : إن شهادة الأخ لأخته جائزة بشرط التبريز على المشهور من المذهب ، ولا يضرها سكوتها عن طلب حقها في ذلك بعد وفاة أبيها إلا أن يحدث بها حدث يدل على تسليمها فيها ، كأن تباع على عينها أو تقع فيها قسمة أو هبة أو صدقة أو وصية وما شابه ذلك فلا قيام لها . وإذا لم تثبت لها وثبتت صدقة المحجورة أختها فكل من استغلها بوجه شبهة كمشتر لم يعلم بتعدي الأخ على ذلك فلا يرد الغلة ، وكل من استغلها بغير شبهة فإنه يرجع عليه بالغلة ، وبالله سبحانه التوفيق .

[هل على المشتري غلة في مسألة الثنيا ؟]

سئل عن كسوف الشمس(¬1) وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة عند ذلك، والدعاء، والعتق، والصدقة، والفزع، والتضرع. قال "حتى يكشف ما بكم" ولا شك أن الحق ما أمر به. وأن ذلك آية من آيات الله. هذا هو الذي عليه أهل السنة لاكنا نرى أهل الحساب والنجوم يذكرون أن الكسوف يشعرون به قبل أن ينزل ويقولون في كلامهم: إنه ينجلي إلى وقت كذا. وقد علم أنه علم يدرك بالحساب، وأن ذلك يعتري للاقتران الذي يزعمون أنه يكون بين النجوم في أفلاكها بعضها ببعض. كيف يجتمع لهم هذا مع الخوف والخضوع المأمور به، وأنه بلاء ينزل بالناس فأمروا بالتضرع حتى يكشف ما بهم من ذلك الصنف المذموم، لا فزع عندهم لذلك، ولا مخافة لأنهم يقولون: نحن نعلم متي ينجلي فهل من سبيل إلى الجمع بين الأمرين؟ فإن أبطلنا قولهم جملة بقي في النفس شيء من أجل إصابتهم، وان كانوا يخطؤون ويصيبون، وإن لم يبطل قولهم جملة، وأبقيناهم أن هذا الأمر يتوصل إليه بحساب فأين خوفنا من أمنهم؟ وأين فزعنا الذي أمرنا به؟ حتى ينجلي من قولهم: نحن نعلم متي ينجلي، ولا يفزعون لذلك، فإنما المطلوب من هذا كيف نضرع نحن في انجلاء الكشف، وهم يخبروننا نه ينجلي وينكشف وقت كذا وربما أصابوا كيف يجتمع هذا؟ بين لنا ما عندك في ذلك مأجورا إن شاء الله.

فأجاب ما ذكره أولائك أكرمك الله تخرص على علم الغيب وإن كانوا يدعون فيه براهين إذا حققت عليهم لم تقم على ساق. وغاية ما يرجعون إليه الالتفات إلى عادة جربها متمكن والبراهين تضيق عن هذه المصالح، ولم يزل أيمتنا المهتدون يكدرون عليهم هذا المشرب، وينغصون عليهم مذاق دعواهم ولا أعلم أحدا مقتدى به سامحهم فيه وجرى على إطلاقهم دون تخريج، سوي شيخنا أبي الوليد بن رشد رحمه الله وما استحسنتها له بكل

[

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٣١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٣١٢