تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: وكذلك نقول نحن هنا, قد رأى جواز التعدد جماعة من الأيمة في المذهب وخارجه والله أعلم. وفي نوازل ابن الحاج من هذا الباب مسألة القرى المجاورة, قال فيها: لو أراد أهل كل قرية أن يقيموا جمعة في قريتهم ولا يتكلفون مشقة المشي إلى غيرها لكان لهم ذلك, وفي هذا سعة, ولا يكاد يوجد بالمنع من ذلك نص في المذهب. ونسبه ابن عرفه إلى القصور. ثم قال ابن الحاج ومن أجاز الجمعة في موضعين في المصر لرفع المشقة عن الناس يجيز هذا, ومن منع يمنع هذه, والصواب أباحته, فتأمل هذا الكلام, ومثله من كلام الفقهاء الجلة الأعلام, فإنه يبيح استباحة التعدد في إقامة الجمعة طلبا لتحصيل الفضل في فعلها والتمام, ولرفع المشقة في إتيان الموضع الذي فيه تقام. وقال ابن عبد السلام: قد تسامح الولاة بإفريقية في زماننا هذا في ذلك, ولا ينبغي.

والقول الثالث الجواز إذا كان البلد ذا جانبين كواسط وبغداد ولم يكن بينهما جسر, وهو قول الأبهري وابن القصار وأبي يوسف ووجهه اللخمي بأنه يصير بذلك كالمدينتين. ووجه أحمد بن حنبل القول الثاني بأن المصر إذا كبر شق على أهله الاجتماع في موضع واحد, وأن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي هريرة أن اجمعوا حيث ما كنتم. وظاهر قول ابن عبد الحكم أنه فعل والناس متوافرون أنه احتج بالاجماع. فإذا علمت ما ذكرناه, ووقفت على ما جلبناه, علمت أن ما جرى به عمل أيمة القرويين من فاس, جار على ما جرى به العمل في القديم عند الناس, وهذا اختيار الكثير من الأيمة الجلة الأعلام, أيمة الهدى وحماة الإسلام. وعليه فلا وهي(¬1) في جمعة من صلى بالقرويين,

[

=وأجاب عنها شيخنا أبو الفضل سيدي قاسم العقباني بما نصه: الحمد لله إنما يتوجه الطلب على ما تعينه البينة أنه من الصف الذين قاتلوا القتيل أو كان منهم الاعتراف، فأما من فقد منه الأمران فلا يطالب بشيء، وأما دعوى واحد من أحد الصفين أن فلانا كسر سني أو عور عيني فمثل هذا حكى ابن رشد فيه خلافا، فمن قائل تبطل الدعوى، وإن أنكر المعين ولا بينة لا بضربه ولا بإقراره ولا يتوجه بها شيء عليه ولا على صفة، أما هو فلأن الدعوى على المعين مع إنكاره تفتقر إلى الثبوت، وأما أصحابه فلأن حصر المدعي دعواه في المعين تبرئة لهم، وقيل بخلاف هذا وأن العقل يبقى على الصف كما كان، وهذا القول الثاني عزاه ابن رشد للإمام مالك رضي الله عنه والله الموفق بفضله.

=وأجاب عنها شيخنا أبو عبد الله محمد بن العباس رضي الله عنه بما نصه: الحمد لله يؤخذ بلا ريب من عين الشهود حضوره، وإن لم يعينوا من حضر، وإنما قالوا بنو فلان فعلوا ذلك، فقد علم ما فيها من خلاف واضطرار، والذي لمالك في الموطأ صريحا أن أحسن ما سمع فيها أن فيها العقل، وأن العقل على منازعة، وهذه المنازلة وقوعها لما كان فجأة من غير احتفال كالعادة في أمثالها، وانفرجوا في قرب الملاقاة فالبينة فيها هي المتبعة، فإن قالت القبيلة كلها أو الجماعة كلها فعلت وحضرت فلا براءة لواحد إلا ببينة تشهد بغيبته أو مرضه أو شجه أو زمانته أو عرف بالتدين وعدم الانتصار، وعرف منه اعتزال فرق الفتنة، وإن قالوا جماعة منهم لا نحقهم فهي كمسألة من قتل ودخل في جماعة وجهل، ومذهب ابن القاسم وسحنون في ذلك معلوم، وأما إدماء القتيل فالمختار في هذه من الخلاف على ما قال غير

[284/2]

[285/2]

واحد انه عامل، ودعواه أن فلانا كسر سنه أو عور عينه لا تسمع والله تعالى أعلم.

[ من جرحه إنسان ثم مات بردم أو نحوه ]

*وسئل ابن لب عن مسألتين : إحداهما إجابة الداعي إلي وليمة النكاح هل يخف الأمر فيها في هذا الزمان بسبب ما فيها من الملاهي ، وبسبب أن الآتي إليها لا يسلم من أن يقع بصره على ما يحل ، أو يسمع ما لا يحل من أصوات النساء وغير ذلك أم لا ؟ والأخرى الدف الذي اتخذوا في هذا الزمان وهو دف وصفائح يسمونه المزنج ، هل هو من المحرم سماعه أم لا ؟

=فأجاب : وقفت على مكتوبكم ، والحكم في حضور الوليمة التي تكون على ما وصفتم جواز التخلف عنها ، وقد شرطوا في توجه الحضور على المدعو إلى وليمة النكاح خلوها عن المنكر والباطل ، وأما سماع الطر بتلك الزنوج المعروفة ، ففيه اختلاف بالإباحة والكراهة والمنع ، لكن جرت عادة شيوخ العلماء وأيمة الفقهاء بحضور موضع ذلك وسماعه ترخصا لمكان الخلاف .

[رقص الفقراء بالمساجد ، ينبغي أن تتنزه عنه المساجد]

*وسئل عن رقص الفقراء في المسجد .

=فأجاب : أما رقص الفقراء في المسجد ، فإن ذلك مما يجب أن تتنزه المساجد عنه ؛ لأنها بيوت الله في أرضه ، أسست على التقوى ليقترب على الله فيها بالطاعات ووظائف العبادات ، قال الله تعالى : ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال﴾ [النور : 36 - 37] وما جاء في الحديث من لعب الحبشة في المسجد بالحراب ، فقد قال العلماء في ذلك : إنما أبيح لما فيه من المثاقفة ، وتدريب الجوارح على معاني الحروب ، وهو من باب[253/3]الإرماء والأخذ في الاستعداد ، مع ما كان في ذلك استئلافهم وتأنيسهم وترك تنفيرهم .

[ينبغي النظر إلى البكر اليتيمة للإشهاد عليها ، والتأكد من معرفتها]

*وسئل الحفار عن البكر اليتيمة هل ينظر الشاهدان إلى وجهها أم تلتف في ملحفتها مستترة ويقال لهما هي هذه ، هل يجوز ذلك أم لا .

ثم المراجعة الثالثة أوقع فيها واحدة وهي ثانية بقيت له من العصمة واحدة كملت فيها الثلاث في العصمة الثانية، ثم رجع ثالثة على عصمة جديدة أوقع فيها واحدة بقيت له من العصمة اثنتان يرتجع عليها. فقد استبان بهذا التمثيل.

[280/4]

[281/4]

أن الشاك لا يمنع في هذا التصوير من ارتجاع زوجه قبل أن تتزوج غيره إن كان تطليقه لها طلقة بعد مراجعها الثالثة لما أوضحناه من أنه لا بد له من بقية طلاق يصح ارتجاعه عليها بعد المراجعة الثالثة، كان المشكوك فيه بحسب الأمر واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، واستبان بهذا صحة ما رواه أشهب من ارتفاع الدور بعد ثلاثة أزواج وتطليقتين، على أن يكون المعنى في قوله وتطليقتين يوقعهما الشاك دفعة ويكون محل إيقاعهما بعد المراجعة الأولى. وأما المراجعتان الأخيرتان فالطلاق الواقع فيهما واحدة. وظهر لك بما ذكرناه أن الحكم على رواية أشهب بالخطأ خطأ، وأن إلزام الدور الأبدي على مذهب ابن القاسم غلط. وقد أطلت الكلام بالحديث على شيء مما يتعلق مما سألتم عنه قاصدا للتأنيس بمخاطبة أهل الله أهل العلم، ومحصلا فائدة غريبة، فإن كثيرا من الذين تحدثوا في مسألة الكتاب جزموا بلزوم الدور، والأمر على القطع بما ذكرت، فقد كتبتها منذ سنين كثيرة تزيد على الأربعين عاما، وكتب إلي فيها بعض أهل المشرق راغبين مني تحصيلها، فأجبت طلبتهم رزق الله الجميع علما نافعا. وإلا فما سألتم عنه أوضح من أن يوضح، والقضاء فيه على الجادة، ولا يسوغ أن يعرض في قضية القاضي حيث يقع قضاؤه على قول بعض العلماء، فكيف والقضاء على قول ابن القاسم في المدونة. وكون بعض الشيوخ بحث في تفسير القول ليس بالذي يمنع من العمل بتفسير غيره. وما وقع لصاحب التقييد من قوله لعل ما في الكتاب إن ذكر في العدة أنه ذكر قبل الحكم عليه.

فأجاب: لا بأس به، وهذا بيع وأجرة، وكأنه ابتاعها مفصلة بخمسة دنانير واستأجر في عملها بدينار، فالصفقة جائزة، ولأنه عمل لا يختلف ولا يشبه الذي يساوم النساج بشقة ينسجها لم يبق له من نسجها غير ذراع فابتاعها منه بدينار على أن يتم نسجها فالصفقة فاسدة ويبيع شقته ممن شاء لأنه لا يدري كيف يأتي بنسيج الذراع الباقي فإن فسد نسجه فسدت الشقة وإن صلح صلحت فهذه مخاطرة.

[من قال لرجل بع دابتك أو سعلتك بستة دنانير نقدا

على أن يبيعها بسبعة دنانير إلى أجل فرضي]

وسئل عن رجل قال لرجل بع دابتك أو سلعتك بستة دنانير نقدا على أن يبيعها بسبعة دنانير إلى أجل فرضي وتم الأمر على ذلك؟

[258/5]

فأجاب: لا يصلح ذلك ولا يجوز، وهذا رجل اختار الزيادة في السلف فليس له إلا ستة دنانير كما نقدها.

[من أراد أن يتبرأ من الجائحة في بيع الثمار]

وسئل عن الذي يشتري ما كان من الفاكهة ويريد البائع أن يتبرأ من الجوائح؟

فأجاب: بأن قال يجتمع الناس إذا كملت وطابت فإنه يقول للمشتري اجمع هذه الفاكهة في هذه الأيام لأيام سماها لهم فإن أبطأ المشتري في جمع تلك الفاكهة فأصابتها جائحة من بعد الأيام التي تسمى فإنه برئ من الجائحة وأشهد عليه بذلك فهو جائز، وما أصابها بعد ذلك من الجائحة فليس على البائع ها هنا قليل ولا كثير.

[من غرق له في الوادي متاع فقال: من أخرجه فله نصفه]

وسئل عمن غرق له في الوادي متاع أي متاع كان فأتى قوم فقالوا من أخرج مما غرف لنا ها هنا شيئا فله نصفه؟.

فأجاب: ليس لهم إلا الكراء، ولو قالوا من أخرج منه شيئا فله جعل فهذا جائز.

[من باع سلعة إلى أجل وارتهن المصحف على أن يقرأ فيه إلى ذلك الأجل]

وسئل عمن من باع سلعة إلى أجل وارتهن المصحف وشرط أن يقرأ فيه إلى ذلك الأجل.

فأجاب: هذا غير جائز لأنه سلف جر منفعة، وقد نهى عن ذلك.

[البيع على التقاضي جائز]

وأما لحوم المجازر وما يدخل في البلاد من غنم وبقر فلا يخلو الحال، إما أن يعلم أصلها وحلها فيسوغ بغير خلاف، أو يعرف حرمتها فيجتنب أيضا على كل الأوصاف أو يشكل الأمر فيها ولم يدر الحال فيها، فينظر في ذلك، فإن لم يأت بالمبيع عربي وكان البائع بدويا أو حضريا ممن لا يتناول الغصوب ولا يخالط الغصاب بشركة وشبهها كان اللحم جائزا وأكله سائغا. وكذلك إن لم يعلم مشتري اللحم بائع الشاة، وكان الغالب الحالتين غير الأعراب كان ذلك الحكم بالغالب أصل في الشرع ثم التوقي والتورع(¬1).

[الاستيجار على جمع الزيتون بجزء منه]

وأما ما سألت عنه من الاستيجار على جمع الزيتون بجزء منه وذلك قبل طيبه فإن المسألة منصوصة في الدواوين المشهورة، وهي الاستيجار على حصاد الزرع أو جمع الزيتون بجزء منه أو بجزء مما يجمع منه كل يوم إلى غير ذلك مما ذكره في كتاب الجعل والإجارة من المدونة وغيرها فإن كان إنما أشكل عليك كون ذلك قبل الطيب لكون بيع الثمر قبل الطياب لا يجوز فإن بيع الثمر قبل الطياب إنما يمنع بشرط التبقية، وأما بشرط القطع فجائز. فإذا عقد هذا أن تقطع على الفور فهذا أحرى في الجواز. وأما بيعه على التبقية فإن ذلك يمنع إذا شرط النقد، وأما لو شرط وقف الثمن على سلامة الثمر.

فإن سلمت الثمر إلى الزهو والطياب صح البيع وانتقل الثمن، وإن هلكت الثمار قبل الزهو ثمن على المشتري ولا يلزمه دفعه، فإن قدمنا بأن الشيخ أبو القاسم السيوري رحمه الله يجيزه ويرى أن تعليل الحديث يتقضي جوازه لقوله في الحديث: أرأيت إن منع الله الثمرة فيم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ فإنما أشار إلى ما في هذا من الغرر وأكل المال بالباطل.

فإذا كان معلقا إنفاذ هذا البيع على ارتفاع الغرر وسلامة المبيع، جاز العقد لارتفاع علة المنع، وكذلك هذا إذا كان العمل موقوفا على شرط سلامة

[326/6]

فأجاب: لابن إسماعيل سهم من ثلاثين, ويقسم الباقي بينه وبين الأربعة الباقين بالسوية, وتصح من مائة وخمسين, لابن إسماعيل أربعة وثلاثون, ولكل واحد من الأربعة الباقين وهم ولد عبد الخالق, وولد محبوبة تسعة وعشرون, لأن أصل المسألة من ثلاثة, ومات علي عن سهم فانتقل إلى أولاده الخمسة, فتضرب خمسة في ثلاثة وتكون بخمسة عشر, ثم مات ابنه عبد الخالق عن سهم واحد فخلف ولدين فتضربهما في خمسة عشر فتبلغ [268/7] ثلاثين, لولاد علي منها عشرة, لكل واحد سهمان, فينتقل نصيب إسماعيل- وهو اثنان لابنه, ونصيب عبد الخالق- وهو اثنان إلى ولديه, ونصيب محبوبة- وهو اثنان على ولديها, وبقي من الثلاثين أربعة وعشرون, منها عشرة كانت لأحمد, وعشرة كانت لأبي بكر, وأربعة كانت لمظفر, وصارة, وهذه الأربعة وعشرون تكون للموجودين الآن من أهل الوقف وهم هؤلاء الخمسة, ولدا عبد الخالق, وولدا محبوبة, وابن إسماعيل بينهم بالسوية, وتكون منكسرة فتضرب الخمسة في الأصل- وهو ثلاثون- تكن مائة وخمسين, فيكون لابن إسماعيل إثنان في خمسة بعشرة, ولولدي عبد الخالق عشرة لكل واحد خمسة, وكذلك لولدي محبوبة تبقى مائة وعشرون, للخمسة, لكل واحد أربعة وعشرون ولابن إسماعيل معها العشرة التي ذكرناها, صار له أربعة وثلاثون, ولكل واحد من الباقين أربعة وعشرون وخمسة, فصارت تسعة وعشرين, وإنما قلنا أنه ينقسم كذلك لأن نصيب كل واحد من الثلاثة الذين أعقبوا من أولاد علي يكون لعقبه, ونصيب من لم يعقب منهم مع نصيب أحمد وأبي بكر يكون مسكوتا عن مصرفه, فيصرف إلى الموجودين الآن من أهل الوقف, وهذا معروف في كتب الأصحاب, وقد كان قبل هذا الحال مقسوما على غير هذا, لكن مقتضاه الآن قسمته هكذا, لأن الإعتبار في كل زمن بالموجودين فيه ممن يدخل في الوقف, فإن مات بعضهم من غير عقب, عاد نصيبه إلى الموجودين, فزاد نصيبهم, فإن أحدث معهم أحد شاركهم, فينقص نصيبهم, وإنما يعود نصيب كل إنسان

304/8]بثواب الله المدخر ولا يتشوفوا لشيء مما في المركب فإنه باق على ملك أربابه. وقد نزل هذا في فرس لعبدالله بن عمر أخذه العدو ثم ظفر به المسلمون فرد عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي حديث آخر أن الذي رد الفرس خالد بن الوليد في زمن الصديق رضي الله عنه. وكذا من أبق له عبد إلى الروم فأخذه المسلمون. وفي حديث ابن عباس عنه عليه السلام: ((من وجد متاعه في الغنيمة قبل القسم فهو أحق به)). وليس بين فقهاء الأمصار خلاف فيما أدركه أصحابه بيد الغانمين قبل القسم، وإنما الخلاف إذا وجد بعد القسم. وأما الأجرة لهم فليست بجائزة في استنقاذ المركب لأنه فرض وهو لا يؤخذ عليه أجرة، وعلى كل مسلم أن يقاتل عن أخيه وماله حتى يستنقذه. وأوجب الله ذلك عليهم لحضورهم لمعونتهم دون الغائبين عنهم ومن أمكنهم. وأما الإجارة على دفع المتاع والإرساء به ومراعاة إجرائه إلى البلد الذي كان له المركب ذاهبا إليه فذلك لهم إن كان لمثله وفيه تعب وتصرف وإلا فلا. وهذه الأجرة ينبغي أن تكون على صاحب المركب لأنه لو كان حاضرا وقت الاستنقاذ لم يكن له بد من إجرائه لاستيفاء الكراء إلا أن يكون بين موضع المركب الذي استنقذ منه والطريق المعتادة مسافة بعيدة يكون في مثلها أجرة لا في المركب فيقول لا يلزمني ( )(¬1)

وأما قوله على أن هنا زيادة وهي أن صحة الرجوع عن الوصية كالفصل لها عن التدبير، قلت نقول بموجبه فإذا أسقطت الفصل عادت لحقيقة أخرى وهي حقيقة التدبير، وهما مدعانا لأنهما مشتركتان في الحقيقة التي هي إخراج ملك عن الملك بغير عوض موقوفة على الموت تخرج من الثلث ملتزم فيها عدم الرجوع ففي التدبير بالعرف والعادة، وفي الوصية بالتلفظ من الموصى، وهذا أحسن من قوله: ثم يصير أمرها إن صحت غير وصية، إلا أنها هبة لم تقبض لأن الهبة ليست موقوفة على الموت ولا على حمل الثلث، لها، وهو معنى التدبير وحقيقته، وبقي عليه أيضا التعقب في قوله صحت وصية الفقراء وحدها من غير مزاحم، فإنه حكم بالصحة على غير موجود، فإنا نقول أن ليس ثم وصية للفقراء لما قدمنا من أن الموصى جعل رجوعه تأكيدا لوصيته، فالمسألة لا يقعقع لها بالشنان وليس بظاهر القول يهدم وثيق البنيان، فأين ما أجابوا به تعيين أقوال أئمتنا وعلمائنا في المسألة على الخصوص؟ وأين محل ذكر محل ما لهم فيها من التخريجات والنصوص؟ بحسب حاسب، واعتقاد أمي أو كاتب، إن أقوالهم بالصحة والفساد والرد والجزم المحتوم معمول به ومتلقى بالقبول من غير أن يوافق قولا لأحد من علماء المتقدمين، رضي الله عنهم أجمعين، فهيهات ذلك وكلا! فإنه لم يكن بمغربنا كله في القرن الخامس فضلا عن الثامن مجتهد في الأحكام الشرعية مستقل فيها برأيه، وها نحن بحمد الله نبين أن جوابهم يوافق قول قائل من علمائنا وإن كان قدمناه مجملا ولكن نورده مفصلا فنقول:

الحمد لله الأول بلا بداية، الأخير لا إلى غاية، الهادي من يشاء بفضله إلى طريق الصواب، المنعم على من اختصهم من عباده بالعقول الراجحة والألباب، وصلى الله على سيدنا محمد الشفيع المشفع في يوم الحساب، وعلى آله وأصحابه وأنصاره الذين كشفوا القناع في مرضاته وحبه ونصرة دينه والحجاب، وسلم عليه وعليهم كثيرا.

[

وسئل سيدي إبراهيم اليزناسني عن رجل توفي وعليه دين لرجل آخر برسم ثابت ، ولزوجه جملة كالئها بغير رسم لكون النكاح انعقد بينهما بالبادية ، وماتت الزوجة المذكورة وقام ورثة الزوجة مطالبين حقهم في تركة الزوج ، فنازعهم في ذلك رب الدين الثابت وقال لهم دينكم بغير رسم وقد خلصها زوجها قبل وفاته ، وأنكر الورثة ذلك واستندوا للعرف بموضع الزوجين حيث انعقد بينهما النكاح ، فهل يحلف ورثة الزوجة أو غيرهم ؟ بينوا لنا ذلك مأجورين .

فأجاب : لا تعمر ذمة الميت بمجرد العرف ، بل بالبينة التي تقطع بقدر الكالىء . وأما قول المديان له إنه خلصها فلا يصدق في ذلك ، ثم يفترق الجواب ، فإن اعترف الغريم الثابت الدين بقدر كان للورثة محاصته بذلك القدر، فما صار له أخذه وما صار للزوجة كان لورثة الزوج على أظهر الأقوال . وإن لم يعترف الغريم الثابت الدين بقدر معلوم أخذ دينه كاملا على أظهر الأقوال أيضا . وفي هذا الوجه المختلف فيه والوجه الآخر قبله خلاف وأعمال حسابية لا تحصى كثرة . ولو أن الغريم كان عدلا حيث يدعي قدرا معلوما من الكالىء لحلف معه ورثة الزوجة واستحقوا محاصته بذلك القدر وانفردوا به ، لأن الشهادة لا يشترط فيها أن يجيء الشاهد مجيء الشهادة ، بل الدعوى والإنكار شهادة حسبما في الروايات ، وبالله التوفيق .

[تجوز شهادة الأخ لأخته بشرط التبريز]

كما قال في الحديث الآخر: "ورأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين"، كما وصفها في الحديث الآخر: "لا حارة ولا باردة" وجعله من علامتها. وقد يمكن أن يكون ذلك فضلها فقد بلغني في أثر وارد أن ذلك لسبب كثرة تنزل الملائكة في ليلتها، وعروجهم في صبيحتها، وستر أجنحتها شعاعها. وهذا إن صح فهو ظاهر فتنزل الملائكة فيها معلوم قطعا. قال الله تبارك وتعالى: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها﴾ إلى قوله: ﴿الفجر﴾ قيل معناه: تنزل بكل أمر وقيل: بالسلام على المؤمنين، وقيل: بما يقدر في جميع السنة، وهو أحد التأويلات في تسميتها ليلة القدر. وقيل: معناه ذات القدر العظيم. وإذا كان هذا فالملائكة أجسام روحانية وجواهر لطيفة فلا يبعد مع تكاثفها وتكاثف أجنحتها وتلاقيها في الهوى بين نازل بمأمور وصاعد بعمل طمسهم لبعض نورها، وسترهم قوة شعاعها والله أعلم.

الخامسة: سئل عن معني قول بعض ازواج النبي صلى الله عليه وسلم له يارسول الله: "إن علمت ليلة القدر ما أقول؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني". فعلى هذا يأتي أنها لها علامات إذا أزيلت علمت ذكر هذا الحديث النسائي في كتابه. فإن صح ما يكون معناه وإلا فالأثار هي أنها لا تعلم وإنما يجتهد في طلبها لكن جاء هذا الأثر المسؤول عنه قوله: إن علمت. بين لنا ما يظهر لك في ذلك.

فأجاب: اختلف الناس في تعيين القدر، هل هي ليلة سبع عشرة أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين أو غيرها ذلك مما ذكر من كونها معمات في العشر الأواخر من رمضان أو في كله، أو في السنة كلها؟ والأحاديث تدل على أن أمرها لم يشرح للنبي صلى الله عليه وسلم، وانها لا تعلم قبل وقوعها لكنها قد تعلم بعد وقوعها بالعلامات التي نبه النبي عليه السلام عليها. فعلي هذا

[259/11] محمل الحديث الذي سألت عنه عندي أني إن رأيت علاماتها ودلائلها التي ذكرت بماذا أدعوا والله أعلم.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٣١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٣١١