فأجبت بما نصه: والجواب عن السؤال الثاني أن نقول: مقتضى النصوص المذهبية المنع من تعدد الجمعة في المصر الواحد مع السعة والاختيار وانتفاء الضروريات والأعذار. وممن نص على ذلك من شيوخ المذهب المالكي اللخمي والمازري وابن الجلاب وعبد الوهاب وابن بشير وغيرهم ممن لا يحصى كثرة. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقمها إل في مسجد واحد, ولو جازت في أكثر منه لبينه صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا. قال ولأنه مصر انعقدت فيه الجمعة فلم تنعقد فيه أخرى كالثالثة والرابعة. وقال المازري لأنها صلاة غيرت من فرض إلى فرض وخصت بشروط فيجب اقتفاء الرسول فيها, ولم يقمها عليه السلام ولا الخلفاء بعده إلا في مسجد واحد, وكانت تغلق المساجد, ولو جاز ذلك لم يعطلوا المساجد, وكان إقامتها في موضعين أولى وروي عن ابن عمر أنه قال: لا تقام الجمعة إلا في المسجد الأكبر الذي يصلي فيه الإمام , ولا يعرف له مخالف. ولو كانت إقامتها في مسجدين جائزا لفعله ولو مرة واحدة حتى يشعر بجوازه. وقد قال تعالى: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة الآية فهذه إشارة إلى صلاة واحدة لا إلى صلوات. قال وقال بعض أصحابنا البغداديين: ولأنه إذا بنى جامع لم يجز بناء غيره, لأنه يؤدي إلى الافتراق ولأن السعي إلى الأول قد وجب, وإسوة بالنبي صلى الله عليه
[240/1] وسلم واعتبارا بالخمسة مواضع فجاز(¬1). وقال سند: ولأنها إنما سميت بهذا الاسم عندنا لاجتماع الناس فيها فيجب ألا يفترقوا. فإذا تقرر المنع من تعدد الجمعة في الموضع الواحد مع الاختيار وعدم الحاجة على المذهب المختار, فهل يجوز عن ضمت الضرورة إليه أم لا؟ اختلف المذهب فيه على ثلاثة أقوال:
=فأجاب: بما نصه: الحمد لله لا يؤخذ إلا من حضر النائرة من القبيلتين، لا من غاب ولو كان منتميا لهما، فإن ثبت النائرة بينهم ببينة، أو بإقرارهم لكنهم تناكروا جراح بعضهم بعضا أو قتلاهم، فإن كانتا باغيتين فدم كل واحدة منهما قبل منازعتهما فتضمن جراح صاحبتها وقتلاها، وإن تعلق كل منهم برجل يدعي أنه جرحه فإنه يحلف على ذلك ويستفيد منه، وإن لم يعرف من به حلف على كل واحد منهم أن جرحه إنما كان من الفئة المنازعة.
[282/2]
[283/2]
له، وأنه لا يعرف من جرحه معينا، فإذا حلفوا على هذا الوجه ضمنت كل طائفة جراح صاحبتها، قاله ابن القاسم، واستبعده ابن رشد، وقال: القياس أن لا يؤخذ أحد بذلك إلا بشاهد لا بدعوى المدعي، وأما القتلى فدية كل قتيل على مقاتلتها.
وإن كانت زاحفة والأخرى دافعة فدم الأولى هدر، والثانية معتبر تؤخذ به الزاحفة فإن لم تثبت النائرة كما ذكرنا فلا يعدي بعضها على بعض في جراحهم إلا ببينة على ذلك أو يتقارران، وأما تدمية القتيل بين الصفين فاختلف الرواية فيها، والأرجح عند الشيوخ إعمالها بعد القسامة وتأولوا ما وقع لمالك والله أعلم.
=وأجاب فقيه الجزائر أبو الحسن علي بن محمد الحلبي بما نصه: الحمد لله: أما قولكم هل يؤخذ القبيل كلهم بالدية وإن لم يعين الشهود أشخاص من حضر؟ أو لا يؤخذ إلا من شهد عليه أنه حضر بعينه؟
ما اعتاده الناس في الأعرس من الملاهي والفجور واختلاط الرجال بالنساء]
*وسئل الحفار عما اعتاده الناس في عقد النكاح من الحقوق العريضة وحضور الملاهي ، وذلك أنه يطلب من العروس مع النقد والكالئ والحوائج والخادم لمن كان من أهله نصف ما يملك من قليل الأشياء وكثيرها ، ومن بعضهم ثلث ما ماله ، ومن بعضهم شيء معلوم ، ولا بد من نصف داره يكلف كل واحد من الناس على قدر حاله ، ويقال له لا بد لك من العرس ،[251/3]وصفة العرس أن يحضر المزامير ويذبح ثورا أو ثورين أو أكثر ، كل واحد على حاله فيجتمع الفساق ويخرجونهم إلى موضع واسع ، فيجلبون الخمر ويشربونها وإن كان بالليل يحضرون النساء الزواني مختلطات معهم ، ويجتمع أهل الموضع الرجال معهم النساء فوق أسقاف الديار ، وعلى الجدران والطرق ، وكذلك الزواني معهم بالنهار مرة في شكلة الرجال ، ومرة في شكلة النساء ، فإن كان في الحصن قائد جلس في موضعه ولا يتحرك من قصبه خوفا من شرهم ولا يقدر أن يغير على أهل المنكر حتى يتم العرس ، ويقول أهل الزوجة للزوج لا بد لك من فعل هذا ، وإلا ما تري العروس في دارك ، فيصعب عليه ذلك فيسأل فقهاءهم فيقول له الفقيه هذه عادة قد جرت لا بد لك من فعل هذا كما عمل أهلها ، والفقهاء يعملونها لأنفسهم وتعمل بحضرتهم ، وهل يجوز ترك الزواج لأجل ما يكلف من الحقوق ، وما يتفق من هذه المناكر وما أشبهها ؟
المفتي المذكور أن صاحب التقييد وغيره ابن يونس والقروي زيفوا قوله في الكتاب وغيره ممن ذهب مذهبهم، ثم أن القاضي المذكور كتب في القضية لفاس، وكتب المفتي جوابا أن حكم القاضي صحيح لا ينقضه أحد، وما ذهب إليه المفتي من قول من ذكر لا عمل عليه ولا تجوز الفتيا به، وعلى ذلك العمل. ولم يزل المفتي الأول على عماه وإنكاره لذلك كله، قلل الله أمثاله، فنحب من كمال سيدي أعزه الله جوابا شافيا مبتدئا بالزجر والردع لمن خالف المنصوص وحكم بهواه، والسلام على محل سيدي ورحمة الله تعالى وبركاته.
فأجاب: الحمد لله. هذه المسألة المسؤول عنها مشهورة يعرفها أكثر طلبة أهل العلم حتى الضعفاء منهم، فكيف بالأقوياء. والحكم الواقع أعلاه صواب، إلا أن القضاء على الحقيقة أن لاشاك على الوجه الموصوف لا تحل له المشكوك فيها حتى تنكح زوجا غيره، ولا يصح أن يقال لزمته الثلاث، إذ لو لزمته لم يرفع ذلك تذكره أن الطلاق إنما كان واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، فهي ثلاثا. فإن ذكر في العدة أنها أقل، قال مالك ومن لم يدر كم طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا فهي ثلاث، فإن ذكر في العدة أنها أقل فله الرجعة، وإن ذكر ذلك بعدها كان خاطبا ويصدق في ذلك انتهى.
فقوله في التهذيب فهي ثلاث يوهم كما قلنا لزوم الثلاث، وليس كذلك، بل هو موافق لجواب الإمام مالك فيما ذكر سحنون عن ابن القاسم، فوجب تأويل كلام البرادعي، أي متعقبا بمخالفته مدونة سحنون، ونصه قلت أرأيت رجلا طلق امرأته ولم يذكركم طلقها أواحدة أو اثنتين أم ثلاثا، كم يكون هذا في قول مالك؟ فقال لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. فتأمل كيف سئل ابن القاسم بلفظ كم، وهو سؤال عن العدد، فلما لم يحفظ عن الإمام فيها شيئا أجاب بما سمع منه وهو قوله لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، ثم أتبعه ابن
[279/4]
[280/4]
فأجاب: تعدي السلطان جائحة لأنهم يقولون في الجيش جائحة والسوق
[255/5]
جائحة والسلطان الجائر مثلهما إلا أن يكون الكرم قد طاب طيبا مستوفى فتواني في قطعة فهذا يقال لا جائحة فيه وهو بالمقطوف وفيه اختلاف في كتب المدنيين والأول أحسن إذا توانى وأبطأ.
[مسألة في الرجل يشتري خيلا فيأخذ خيارها ثم يبيع
ما بقي من رجل ولا يعلمه بما اختار]
وسئل محمد بن عبد الحكم عن الرجل يشتري الجملة من الخيل فيعتمد فيختار خيارها فيغزلها ويخرجها فتبقى البقايا منها فيبيعها مساومة ولا يبين أنه اختار منها جيادها فيقبضها المشتري، ثم يبلغ الخبر أن البائع إنما باعها بعد أن أخرج منها خيارها وأراد أن يردها بذلك إذ لم يبين له البائع ذلك فهل يردها أم لا؟.
فأجاب: لا كلام للمشتري في ذلك، وقد لزمه ما اشترى.
وأجاب أصبغ أما إن كان أخرجها بعد أن رآها المشتري فإنه لا يجوز بيعه، وإن كان أخرجها قبل أن يراها فالبيع لازم.
وأجاب ابن المواز فقال لا حجة للمشتري في هذا ولا أرى بيعه على هذا بأسا ولو كان باع مرابحة فإن للمشتري الرد لأنه خان.
[الرجحان اليسير في وزن الدرهم مغتفر]
وسئل عن الرجل يشتري السلعة من الرجل بدرهم فيزن له الدرهم فيرجع البائع مع المثقال قطعة لرجحان قطع الرجل.
فأجاب: الأمر سهل في ذلك وغيره أسهل منه.
[مسألة في قسمة حبال التين]
وسئل عن قسمة حبال التين.
فأجاب: لا يجوز أن يقسمها حبالا ولينشرها ليقسمها كيلا أو يقسمها حبالا بالوزن.
[256/5]
[قسمة الكتان وهو حطب]
وسئل عن قسمة الكتان وهو حطب.
فأجاب لا بأس به.
[من باع رحى أو معصرة على شرط أن يطحن أو يعصر فيها كذا وكذا سنة]
وسئل عن رجل باع رحى أو معصرة الزيتون على شرط أن يطحن فيها طعامه ويعصر فيها زيتونه كذا وكذا سنة وقد عرف الناس والمشتري ما يطحن وما له من الزيتون.
فأجاب: لا بأس به، فإن لم يضرب لذلك أجلا فالبيع مفسوخ.
[
القليل منه والكثير. وإذا كان يمنع من أخذ ذلك لم يحل شراؤه. وأما إن لم يكن اللحم عين المغصوب ولكنه يشترى من يد مستغرق الذمة ممنلا يملك عليه عين ما في يديه، وإنما يملك عليه مقدار ما في يديه، أو يستحق عليه أضعاف ذلك، فإن هذا نوع آخر، وفيه اختلاف مشهور. هل تجوز معاملة مستغرق الذمة أو لا تجوز؟ والفرق بين هذا وبين الأول أن الأول إذا أراد أخذ عين ماله، لم يدفعه عنه دافع بلا خلاف فيمنع من شراء هذا المال. وهذا الثاني لا يستحق أخذ عين ما وجد، فلذلك حسن الخلاف في هذا. فمن من المعاملة في مثل هذا رأى أنه كالمحجور عليه، لأجل استحقاق جميع ما في يده للمساكين، وإذا استحق جميع ما في يده للمساكين لم يمكن من تصرف في البيع والشراء، لأن التصرف في البيع والشراء يشعر بصحة الملك. وما قلنا من استحقاق ذلك عليه يشعر بأنه لا يملك ما في يده، ولا يشترى الشيء ممن لا يملكه.
ووجد القول الآخر أن عين ما في يده لم يستحق عليه وإنما استحق عليه مقداره فإذا اشترى من ذلك وأعطي قيمته فقد صار هذا المقدار إليه، فلم يلحق المساكين المستحقين لما في يده ضرر من هذه المعاوضة، فجاز له قطعا لارتفاع الضرر عن مستحقيها ولهذا أشار بعض المتأخرين إلى تفرقة بين أن يؤخذ من يد مستغرق الذمة من الأموال ما يظهر، ولا يمكن أن يخفي كالرباع وغيرها ويعطى ما يخفى كالدنانير والدراهم، أو يكون الأمر بالعكس لأجل أنه إذا أخذ منهم ما لا يخفى كالرباع وغيرها. وإن أعطاهم الدنانير والدراهم، فربما ضر ذلك بالمساكين، لأنه قد يقوم إمام عادل يأخذ أموالهم للمساكين فلا يجدها فتكون معاملتهم على ذ لك إضرارا بالمساكين. وإذا كان الأمر بالعكس أخذ منهم دنانير منهم دنانير ودراهم وأعطاهم رباعا بالقيمة، فإنه يجوز ذلك لأنه أنفع للمساكين.
وهذا كله الذي أشرنا إليه مبني على ارتفاع الضرر عن المساكين على هذه الطريقة، ولأجل هذا نمنع مبايعتهم بمحاباة، لأجل أنهم إذا وهبوا
[
266/7] [إذا لم يعرف مصرف أحباس مدرسة يرجع إلى العادة]
وسئل عن رجل ولي تدريس مدرسة ولم يقف على شرطها لعدم كتاب الواقف, ولم يعرف شرط الواقف في كيفيته, صرف الوقف بل الغلة إليه وإلى الفقهاء, فمشى على عادة المدرسين قبله في جميع ذلك, فهل يحل له أخذه منها وفق العادة, أم يكون حراما, أم فيه شبهة؟ مع أن الذين كانوا قبله, فيهم من هو أهل لأن يقتدي به في مثل هذا, وفيهم من لم يكن أهلا لذلك.
فأجاب: إذا اتفقت عادتهم, جاز العمل بها وكان المأخوذ بها حلالا, فإن شك في شيء استحب الإحتياط.
[سكنى بيت من بيوت المدرسة لمن ليس له منزل]
وسئل عن مدرسة فيها بيوت موقوفة على سكنى الفقهاء والمتفوقين على مذهب إمام معين, فسكن بيتا منها فقيه من فقهاء ذلك المذهب وليس هو منزلا فيها, هل يجوز له ذلك أم لا؟
فأجاب: نعم يجوز له ذلك إذا أسكنه الناظر, اللهم إلا أن يتحقق أن شرط الواقف لا يسكن فيها من ليس له منزل والله أعلم.
[وقف السلطان من بيت مال المسلمين]
وسئل إذا اشترى السلطان من بيت المال أرضا أو غيرها, ووقفه على شيء من مصالح المسلمين, كمدرسة أو مارستان أو رباط أو خانقات أو زاوية أو رجل صالح وذريته ثم على الفقهاء. هل يصح وقفه على ذلك أرضا لبيت المال؟.
فأجاب: نعم صح وقفه من بيت المال إذا رأى ذلك مصلحة, لأن مال بيت المال لمصالح المسلمين- وهذا منها.
[إذا اشترط الواقف النظر لإنسان, وجعل له أن يسنده إلى من شاء]
وسئل عما إذا اشترط الواقف النظر لإنسان وجعل له أن يسنده إلى ما
[267/7] يشاء, ولمن أسنده إليه إسناده إلى من شاء, وكذلك سند بعد سند, فأسنده إلى إنسان, فهل للمسند عزل المسند إليه أم لا؟ وهل له مشاركته أم لا؟ ولو مات هل يعود النظر إلى المستند أم لا؟ ولو اسنده المسند إليه إلى ثالث فهل للأول عزله أم الثاني؟.
303/8]حدثا، وعليهم حفظه بما فيه من الأموال حتى يردوه بأسره إلى أهله إذا عرفوهم قبل القسمة، فإذا أصابوه وردوه على أصحابه توفر أجرهم ودخرهم ووفوا بأداء الأمانة. قال تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ والمؤمن أخو المؤمن يحفظه من كل ما يمكن حفظه ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ وفي حديث ابن عمر عنه عليه الصلاة والسلام: ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه))، وفي حديث: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه))، وفي حديث أبي موسى: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا)) وشبك بين أصابعه. وفي حديث النعمان بن بشير: ((مثل المؤمنين في تواددهم(¬1) وتعاطفهم وتراحمهم كرجل يشكو عضو من أعضائه تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى)). والرزية الواقعة في هذا المركب من سفك دماء المسلمين عظيم وأمر ضربهم وسلب نعيمهم في بعض سواحلهم، وقد من الله تعالى ببعض غزاة المسلمين في رد المركب وما فيه، فعلى الله يحتسب أجورهم فلا يزهد في ذلك الأجر وليغبط وليستحق من الله تعالى الثواب بتعجيل جميع المركب وأمتعته على أهلها أو ورثتهم، فإن في ذلك بعض السلو على المصابين ولورثتهم، وسرور كافة المسلمين، والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا. وأصل فرض الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، وليبقي دينه ويحمي بيضة المسلمين ويقهر أعداءهم، وآيات الحض على الجهاد قائمة، منها: ﴿انفروا خفافا وثقالا ..﴾ الآية ، ﴿والذين آمنوا معه وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ...﴾ الآية، فحق على من أمكنه نصر المؤمنين الذين خانهم عدوهم بجهدهم في نصرهم نصرا مؤزرا.
الثانية إن من شرط هدية المديان أن لا تكون مع تهمة رجاء التأخير تهمة أخرى أقوى منها ينصرف بسبب الهدية إليها، قال مالك في كتاب الآجال من المدونة ما نصه: ولا ينبغي قبول هدية المديان إلا من تعود ذلك قبل أن يداينه ويعلم أن هديته له ليست لأجل ذلك، قال عطاء: وإن قارضت رجلا مالا أو أسلفته إياه فلا تقبل منه هدية إلا أن يكون من خاصة أهلك أن لا يهدى
[277/9] إليك من أجل ما يظن فخذ منه، فأنت ترى مالكا أجاز قبول الهدية ممن لك عليه دين إذا كانت تلك عادتكما، وكيف تحكى عن عطاء، وكذلك قالوا في القاضي تمتنع الهدية إليه مطلقا ولو كافأ عليها بأضعافها إلا من والده وولده.
الثالثة أن في السلم الثالث من المدونة وإذا أسلمت إلى رجل مائة درهم في إردب حنطة ثم لقيته فاستزدته بذاك مائة إردب إلى محل أجل الطعام، أو إلى أبعد منه، أو قبل أجل محل الطعام، فلا بأس به، قال الشيخ أبوإسحاق ولم هنا هدية المديان لبراءتها في التهمة إذ لا يمكن في الغالب أن يزيده مثل الطعام المسلم فيه كله ليؤخره سواء عجله أو أخره وهو بعيد لا يمكن أن يكون، فأنت ترى كيف نفي أن تكون الزيادة من باب هدية المديان بدليل كثرتها لمساواتها في عدد السلم المتقدم في الذمة، فيجب في مسألتنا أن لو انتفت وجوه الموانع المانعة من منع هدية المديان من عادة سابقة بينهما أو قرابة أو تأجيل إلى (كذا) المانع الذي هو كثرة الزيادة لوجب أن ينظر إلى قدر هذه الوصية من قدر السلف، فإن كانت الوصية مثله أو أكثر فلا تمنع.
وسئل أبو عبد الله بن عبد المؤمن عن رجل ثبت عدمه عند القاضي ، واشترى منه رجل حظا صار له بالإرث بعد ثبوت عدمه عند القاضي ، واشترى ديون (كذا) لأناس فاستظهر شخصان منهم برسمين اثنين من عند الفقيه القاضي وطلبا أن يأخذا ذلك الثمن الذي باع به ، فقال الغريم إن الديون علي كثيرة ، فهل يصدق ذلك أم لا بد من ثبوت جميع ما عليه عند القاضي ؟ وهل إن دفع له مشتري الحط المذكور الثمن يجب عليه الضمان للغرماء أم لا ؟ وهل يؤخذ منه الثمن ويوقف بيد عدل حتى يقع فيه الخصام ؟ أم يدفع لمن استظهر برسم فإن طرأ غرماء أخر استرجعوا من أيديهم ما يقع لهم في الحصاص لكونهم أملياء وعلى ذلك دخلوا ؟ أو يطلب هو بما ادعى من ديون عليه يحضرها ليقع معهم الحصاص ؟ بين لنا ذلك فصلا فصلا ، وهل إن ترك له بعض الغرماء حقهم في ذلك يكون له ؟ أم يأخذه من يده من لم يترك حقه في ذلك ؟
فأجاب : أكرمكم لله تعالى لا يصدق فيما يدعي من الدين أنه عليه إلا أن يأتي أصحاب الديون بعقود ديونهم ، والحكم أن يضرب الإمام على يده ويقسم ماله بين غرمائه ، ولا يصدق فيما يقوله إلا أن يتبين صدقه . وإذا فلسه القاضي صار المال للغرماء لا شيء له فيه ، فإن دفع له المشتري شيئا ضمنه للغرماء إن أتلفه المفلس ، ويقسم القاضي ماله بين غرمائه بالحصص ، ثم إن قدم غريم لم يعلم بتفليسه رجع على الغرماء بما ينوبه في المحاصة ، وإذا قسم ترك له ما يعيش به هو وأهله الأيام وثياب ظهره .
وسئل : القاضي سيدي إبراهيم اليزناسني عن رجل دفع لرجل كساء وسرجا ومقياصي فضة ، وبقي ذلك بيد المدفوع إليه إلى أن توفي الدافع [258/10] فطلب ورثة الدافع المدفوع إليه فيما ذكر فقال المدفوع إليه : ذلك بيدي رهن ، وقال الورثة : إنما هو بيدك وديعة ، فهل القول قول من ادعى أنه رهن ؟ أو قول من ادعى أنه وديعة ؟ بينوا لنا ما عندكم في ذلك .
الوجه الثاني أن يكون هذا على طريق التمثيل بألف النفس وعادة حبه العاجل وأثره الحاضر، فيقال: إن السجدة عند من عقلها وعلم بمقدار أجرها وصنف الثواب المذخر فيها أحب من الدنيا لمالكها، إذ ليس يمكن أن يملك أحد في الدنيا اكثر من الدنيا لو أمكنه، فهي الغاية فمثل الأجر المذخر المبهم ثوابه المخفي قرة العين بما عهد عاجلا، وأعظم ما ألفته النفس حاصلا والنفس مولعة بحب العاجل، فقد يحمل أيضا هذا الحديث وما جاء من مثله على هذا ولكن يبقى بعد هذا سؤالك عن اختصار هذا بذلك الوقت، وقبل قيام الساعة، ولا فرق في الوجهين بين الوقتين، لكني أقول: أنا إذا نظرنا للوجه الأول المتأول على إنفاق الدنيا في سبيل الله أمكن هذا أن يخصص السجدة قبل قيام الساعة بالتفضيل فيقول: كان إنفاق المال في صدر الإسلام أفضل من سائر الأعمال لقلته في أيدي المؤمنين ولحاجتهم إلى المعونة به على الجهاد وإنفاق المجاهدين الذي أخرجوا من ديارهم وأموالهم. وكان الجهاد واجبا والإنفاق فيه واجبا ثم سقط بذلك فرض النفقة فيه وفتحت الفتوح على المسلمين وامتلأت أيديهم من الأموال وأعطوا من زهرة الدنيا ما وعدهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم ثم قد وعدنا بإخراج
[257/11] الأرض كنوزها وفيها من الأموال في أفلاذ كبدها حتى لا يجد المتصدق لمن يعطي صدقته لأن المال حينئذ ساوى التراب كثرة وأمكن كل واحد وجده وسقط التشاح فيه وإذا كان بهذه السبيل فالسخاء بالدنيا كلها منه لا فائدة فيه ولا أجر عليه إذ لا منفعة فيه ولا شح للنفس عليه فكانت السجدة الواحدة يومئذ خيرا من الدنيا وما فيها.