تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما يتم به الرسم من اليمين الواجبة وهي يمين القضاء, ثم حينئذ نتعرض لفض هذين المالين على ما أوجبه العلم وأحكمته السنة على أهل المصر أو على من يجب السعي عليه ممن على ثلاثة أميال فدون, دون أن يحاشي أحد لأجل حرمته أو جاهه. وحال وقتنا اليوم لا يكاد يخفى أمره, ولا يشكل على أحد منا خبره وخبره. وقد حكمت التجارب والاستقراءات والعوائد باستحالة إقامة هذه الأشياء كلها على النهج القويم, وإجرائها على صراط الله المستقيم. فهل رضي الله عنكم ينهض هذا عذرا في إقامة الجمعة

[239/1] في هذا المصر العظيم في موضعين منه؟ ويصير وقوعها فيه على وجه كامل يسكن إليه القلب وتطمئن إليه النفس من أحد الوجهين المتقدمين أم لا؟ أو يكون ما ذكرناه موجبا لنفي الخلاف عن المسألة بالكلية, وتصير المسألة لأجل ما قررناه مسألة اتفاقية؟ وكيف يتعذر عن هؤلاء السادات والأيمة الأعلام, الذين تكل عن استقصاء كرامتهم وفضائلهم ومناقبهم الألسنة والأقلام؟ وقد تقدموا للشفاعة في هذين الجامعين مدة تزيد على خمسمائة عام بل ستمائة, والسلام العميم يخصكم ورحمة الله(¬1).

*وسئل أيضا عن رجل أتى بأحداث إلى دار العروسة للغنا وهي العادة عندهم، فوجد فيها قوما فوقع بين الطائفتين كلام فانصرفوا عن قتيل، فسئل فلم يرم أحدا بعينه، وشهدت بينه من غير طائفة القتيل أنهم قالوا: رأينا رجلا من الطائفة ضربه ضربة، وبين الطائفتين عداوة متصلة.

=فأجاب: شهادة البينة ساقطة، وليس القسامة والقود إلا بشهادة عدل من غير الطائفتين، أو يقول الميت دمي عند فلان لقاتله، ويثبت بعدول، ويلزم من حضر النائرة من الطائفتين الضرب المبرح بالسوط، والسجن الطويل، وعلى الطائفة التي ليس القتيل منها الدية في أموالهم لورثته، ويجب على الحاكم ألا يفصل القضية حتى يخاطب بكيفيتها واعتذر عن بشر وإلحاق في جوابه كما يعتذر في الوثائق.

[ قبيلتان تقاتلتا وانفصلتا عن قتلى وجرحى ]

*وسئل قاضي قسنطينة أبو عبد الله سيدي محمد الزلديوي، عن قبيلتين وقعت بينهما فتنة وانفصلتا عن قتيل من أحد الصفين، فلما طولبت الفئة الفاتنة لصف القتيل صار كل واحد منهم يقول: أنا لم أحضر الفتنة ولا عاينتها، وإذا سئل الشهود يقولون: نشهد أن الفتنة وقعت بين القبيلتين وانفصلت عن قتيل من بني فلان، ومعلوم أن القتيل لابد أن يكون بعضهم غائبا أو في حرثه رعايته أو مريضا لا سيما والفتنة وقعت فجأة من غير تعويل ولم تدم، فهل يؤخذ القبيل كلهم بالدية؟ أم لا يؤخذ إلا من شهد عليه أنه حضر؟ وكيف إن عين الشهود من حضر إلا أن القتيل أدمى على رجل معين؟ أو سلم من الموت فقال فلان كسرني أو فقأ عيني؟ ما ترى سيدي في ذلك كله؟

*وسئل ابن سراج عن رجل اشترى لزوجه جملة حوائج من قصب ذهب ، وثوبي من حرير ، وعقد جوهر ، وفرخة شرب ، وغير ذلك ، ودفع ذلك كله لزوجه المذكورة ، وألبسها إياها على وجه المتعة والتمليك ، ثم بعد ذلك اشترى قطيفتين ومطرحين وغير ذلك ، وجعل ذلك لداره ، وبقيت الزوجة تلبس ما ساق لها وتتزين به وتمتهن القطيفتين والمطرحين وغير ذلك مدة أزيد من ثمانية أعوام ، فلما توفي الزوج في هذه الأشهر القريبة ، قام بعض ورثته[250/3]يطلب ميراثه من جملة ما ذكر ، ويدعيه ملكا لموروثه ، فهل يجب للطالب من ذلك شيء مع بقاء ذلك بيد الزوجة هذه المدة ، وسكوت الزوج مع علمه بامتهان ذلك كله ودفعه أولا على الوجه المذكور .

=فأجاب : إن ثبت أن الزوج ملك زوجته تلك الحوائج كانت لها وإلا فيحلف الورثة أنهم لا يعلمون أنه ملكها إياها ويقع فيها الميراث .

[من تنصر وتزوج في أرض الحرب نصرانية ثم أسلم وأسلمت هي معه وعادا إلى أرض الإسلام]

*وسئل : عن رجل تنصر وتزوج في أرض نصرانية وأقام معها سنين ، ثم عاد إلى الإسلام وأسلم وأسلمت هي معه في زمان واحد ، وخرجا إلى بلاد المسلمين ، هل يقران على نكاحهما ويفسخ بطلاق ، وبعد ذلك ينشئان عقدا آخر ، وعلى أنه يفسخ فما يكون الحكم فيهما اليوم إذ هما باقيان على ما كانا عليه لم يفرق بينهما ، وهل يؤدب كل واحد منهما أم لا ؟

=فأجاب : تصفحت السؤال أعلاه ، والجواب أن المرتد لا يقر على نكاحه في الحال ردته على المشهور وهو مذهب المدونة ، وقال ابن الماجشون إنه يقر ، وذهب إليه ابن حبيب ، والمشهور المعول عليه هو الأول ، فيفسخ النكاح المسئول عنه بطلاق ، وتتربص المرأة حتى يمضي لها ثلاثة أطهار ويردها الزوج إن أحب ، ولا يلحق واحد منهما أدب في إبقاء الزوجة معه في الأيام التي أبقاها مراعاة للخلاف ، والولد لاحق .

[

ثم وقفت على نص المسألة لسحنون عن ابن القاسم في المؤلف لأبي محمد عبد الله الأزدي رحمه الله قال ما نصه: قال سحنون قلت لابن القاسم أرأيت رجلا كان تحته ثلاث نسوة فقال لامرأة منهن إن لم أطلق إحدى صاحبتيك فأنت طالق، فلم يطلق واحدة منهن حتى نسي التي حلف ولم يدرها، قال أرى أن يطلق واحدة منهن أيتهن شاء ويمسك اثنتين (¬1) ويبر في يمينه، قلت فإن قال إن لم أطلق صاحبتيك فأنت طالق، فنسى المحلوف لها لأنه لا يدري أيتهن هي؟ فقال لي يطلق اثنتين ويمسك واحدة منهن أيتهن شاء انتهى.

[من تيقن بالطلاق وشك في عدده.]

وسئل يشخنا وشيخ شيوخنا أبو الفضل سيدي قاسم العقباني رحمه الله عن رجل أتى لمفت فسأله عن مسألة، وهي أن المذكورة تيقن بالطلاق وشك في عدده، فشهد عليه المفتي المذكور بما ذكر فبعث للقاضي بذلك فأفتاه القاضي المذكور بالثلاث على المنصوص لأيمتنا؟ فلما بلغ الخبر للسائل أتى القاضي المذكور فاعترف بين يديه أنه تذكر أنه طلقها دون الثلاث، فقال له القاضي المذكور: هل انقضت العدة أم لا؟ فأجابه أن العدة لم تنقض، فكلفه القاضي المذكور أن يأتي ببينة على ما زعم من بقاء العدة، فثبت ذلك بحكم القاضي المذكور بتصديق الحالف المذكور، فصرف عليه زوجته وحكم لها في الكتاب وغيره من الكتب، وهي مسألة طويلة. فلما وقف المفتي أولا على حكم القاضي المذكور أنكر عليه ذلك إنكارا كليا وحكم عليه بالثلاث مطلقا، فزعم.

[278/4]

[279/4]

فأجاب: إذا دبغ الأهاب فقد طهر ولا تباع الميتة على كل حال ولا تشترى.

[شراء السلع في البيوت]

وسئل عن شراء السلع في البيوت.

فأجاب بأن قال: أراه من التلقي.

[شراء حمل من الطعام أو الكتان على أن فيه كذا وكذا قفيزا]

وسئل عن رجل اشترى حمل طعام أو كتان على أن فيه كذا وكذا قفيزا ورطلا فصدقه المشتري فلما ذهب إلى منزله وجده ناقصا.

فأجاب: قال محمد يرجع بما نقص ويحلف للمشتري أنه نقص.

[254/5]

[من اكترى دارا لمدة فباعها المكري قبل تمام المدة]

وسئل عن رجل اكترى دارا لسنة أو شهر فلما سكن المكتري بعض الشهر أو السنة باعها المكتري.

فأجاب: لا سبيل له إلى البيع حتى يسكن هذا ما اكترى منه.

[من حضر قوما من أهل عمله يشترون سلعة هل له الدخول معهم؟]

وسئل عن رجل دخل على قوم فقبلوا متاعا ليشتروه فدخل عليهم وهو من أهل عملهم فجلس فلم يقلب شيئا فلما تم شراؤها أراد نصيبه من الفضل وقال لم أدخل إلا ونيتي الشراء معكم.

فأجاب: إذا كان ذلك سنة أولئك التجار فإن له نصيبا وإلا فلا.

[من حكم له بفدان ثم أقر أن ذراعين منه لجاره]

وسئل عيسى بن دينار عن القاضي يقضي لرجل بفدان ويعمره المحكوم له به سنين ثم يزعم المحكوم له أن ذراعين من هذا الفدان الذي حكم له به لفلان رجل سماه صاحب الأرض التي تلاصق هذا الفدان وتشهد البينة على إقراره ويبيع جميع الفدان الذي حكم له به ويقوم المقر له بالمذراعين يريد أخذهما ويزعم أنما له ويستشهد أيضا بشهادة الذين شهدوا على المحكوم له للمقر له.

فأجاب: الذراعان للمقر له بإقرار المحكوم له وبيعه فيهما باطل.

[تعدي السلطان على الثمر المبيع هل يعد جائحة؟]

وسئل عن الرجل يشتري ثمرة الكرم يقطفها فيتعدى السلطان الجائر على الثمرة فيقطف الكرم قبل أن يقطفها المشتري ممن تكون مصيبة الثمرة من المشتري أم من البائع؟ أم هل تكون هذه جائحة؟ لأن السلطان غصبه الثمرة.

نصيبه في دار أو أرض يسقط ملك المشتري من مشتراه، وحصل ملكه عليه لخوف ما يلحق الشريك من المضرة في شركة الداخل وإذا كان ذلك حق الأمر في السؤال المتقدم. ولو كان التجار يقفون في هذا الأمر وينظرون فيه ويرغبون في ضرب ذهوبهم ويؤدون أجرة الضارب ويضربون ذهوبهم وفضتهم لأمكن أن يساعده على ذلك ويتيسر لهم ذلك إذ من ( ... ... )(¬1) وتخرج واتقى جعل الله له فرجا ومخرجا ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾.

وأما خلط ما يشترونه من القمح واختلاط أجناسه بالطيب والدناءة وتسامح الناس في تقابضه عند وصوله، وتفاوتهم في ذلك، ثم يتحاسبون في ذلك على مكيلة ما يقبض كل واحد منهم فخلطهم ابتداء ضرورة، إلا يتميز لكل واحد حقه، ولا يقدرون عليه إذا كان كثيرا، ولا يتأتي ذلك في الغالب، وإنما يتأتي في الشيء اليسير يجعله ربه في شكاير وشبهها وربما اضطروا بعد ذلك إلى خلطه لما يطرأ عليهم في البحر. والأمر في هذا يستخف في تقابضه وتحاسبه بعد ذلك على ما قبضوه، لاسيما عند الضرورة، إذ هذا أكثر المقدور عليه في غالب الأحوال ومن الله تعالى التوفيق.

[حكم شراء اللحم زمن الغصب ومعاملة مستغرقي الذمة]

وأما ما سألت عنه من شراء اللحم من المجزر، فإنه إذا كان ما يبيعه الجزارون وغيرهم عين المغصوب فلا خلاف أنه لا يسوغ الشراء منهم. وسواء ها هنا فات أكثر المغصوب أو لم يفت لأن صاحب المال المغصوب لو ورد على ماله ولم يبق منه إلا أقله لكان له أخذ عينه من غير خلاف وإنما ينظر في أقل أو أكثر أو في حكم الفوات إذا طلب إغرام القيمة. وأما أن يمنع من أخذ ما وجد من عين ماله فلا يختلف في أنه لا يمنع من ذلك، وسواء وجد

[323/6]

فأجاب: إن كان الحبس مقصورا على الطلبة بالموضع المذكور دون غيره, فيأخذ فائدة من كان بالموضع منهم وإن كان رجلا كان رجلا واحدا, وإن كان على طلبة العلم من غير قصر على الموضع, فيعطى منه ذلك الرجل الواحد الذي بالموضع, وينقل منه إلى الطلبة بموضع آخر قريب منه, وليس الطالب

[265/7] من يقتصر على دراسة القرآن خاصة, وإنما الطالب من له شروع في تعلم العلم ودرسه وتردد إلى اهله, وإذا عدم الغرباء لقراءة الحزب, فيصرف فائد الوقف عليهم إلى الضعفاء ممن يقرأ الحزب في ذلك الموضع, فإذا حضر غريب هنالك أعطى منه ويرضخ له, والسكنى غير معتبر في استحقاق الفائد, إلا أن يشترط المحبس انتهى.

[لا يجوز صرف غلة مسجد في عمارة مسجد آخر]

وسئل محيي الدين النووي عن ناظر أوقاف مساجد كان عادته أن يصرف من غلة مسجد في عمارة مسجد آخر, لاحتمال أن الذي قبله أخذ من هذا الثاني وصرفه في عمارة الأول.

فأجاب: ما لم يثبت أنه أخذ من غلة المسجد المحتاج إلى عمارته شيئا صرفه في عمارة هذا الآخر لا يجوز صرف شيء من غلة هذا في عمارة ذلك: وإن ثبت صرفه من غلة ذلك في عمارة هذا, فإن كان المصروف أعيانا موجودة كالأحجار والأخشاب والأجر ونحوها, ردت إلى المسجد الذي أخذت من غلته, وإن كان المصروف ليس بعين وإنما هو أجرة صناع ونحوها لم يجز أخذه من غلة المسجد الثاني, بل يجب ضمانه على الذي صرفه والله تعالى أعلم.

[لإمام المسجد أن يتصرف فيما فضل من غلاته]

وسئل رحمه الله عن إمام مسجد وللإمام أرض موقوفة بتناول الإمام غلتها فيعمر المسجد منها ويسرجه, ويصلحه بالحصر وغيرها, فإذ تمت مصلخته أخذ الباقي لنفسه, وتصرف فيه, هل تحل له الزيادة على كفاية المسجد؟ وهل يحل له الحج بها؟.

فأجاب: إذا ولاه ذلك من له النظر وأذن له أن يأخذ الزيادة على كفاية المسجد, ولم يكن فيه مخالفة مشترط للواقف ولا للمصلحة, كانت الزيادة له, ويحل له الحج بها وسائر التصرفات.

[

302/8]

[اعترض لصوص البحر فنهبوا الأمتعة وتركوا المركب، فهل لصاحبه كراء؟]

وسئل ابن عمران عمن اكترى مركبا لرحال فعرض لهم لصوص في البحر فأخذوا المتاع وتركوا المركب وكيف لو كان الروم أخذوا المتاع والمركب دون الرحال في بعض الطريق أو وصلوا إلى البر المقصود؟ هل يرد صاحب المركب جميع الكراء أو يرد ما عطب؟

فأجاب: إذا أخذوا المتاع دون المركب فالكراء ثابت كما لو سرق المتاع لصوص المسلمين أو غاصب ظلوم لأن المتاع لم يتلف بشيء لأجل المركب كما لو غصب المتاع في المفاوز بحيث لا يجد المكري لمن يكري أبله أو يموت الراكب في القفار أما أخذ المركب بمتاعه فيسقط بجميع الكراء لأنه في السفن على البلاغ فعطب رقبة المركب هلاكها وكانهدام الدار وموت العبد. ولو بلغوا البر ولم يكن النزول حتى أدركهم العدو فأخذهم فهو كوسط البحر.

[من لقيهم العدو في البحر فأخذهم بأموالهم ثم أنقذتهم بعض مراكب المسلمين]

وسئل أيضا عمن وسق مركبا من الإسكندرية وسافر مع جملة مراكب من المهدية فلقيهم العدو بجبل برقة فقاتلوهم وحكم عليهم الروم بعد موت من مات منهم وسافروا إلى بلادهم فلقيهم مراكب من الصقلية فاستنقذوهم من العدو وأتوا بهم لصقلية فهل لهم شيء في المركب وأهله أو ليس لهم شيء أو لهم أجرة في استنقاذهم من العدو أم لا؟ وهل تقبل شهادة من بقي في المركب بعضهم لبعض؟ وهل تكون المحاكمة فيه والشهادات في المهدية أو غيرها؟ وما الحكم فيمن مات منهم ولهم ورثة حضورا وغيبا وإن وجبت الأجرة كيف تقبض؟ وهل على اللوح شيء أو لا؟ وكيف الحكم فيمن وجد على رحل يعطاه بهذا أم لا؟

فأجاب: إذا علم الغزاة لمن المركب لم يجز لهم أن يحدثوا فيه

[302/8]

[

276/9] الرابع: أن علماءنا قالوا يجوز الاسترعاء في الحبس لأمر يذكره المحبس وإن لم يعرف شهود الاسترعاء ذلك، وكذلك يجوز في الهبات والصدقات وسائر التبرعات لأن المتبرع لو شاء لو يفعل، ولا يجوز الاسترعاء في البيوع لأن المبايعة خلاف ما يتطوع به الإنسان، وفيها حق المبتاع، وقد أخذ البائع فيها ثمنا فلا يصدق في استرعائه بمجرد اعترافه، ومعنى ذلك إن أشهد المتبرع بحبس أو ما في معناه أنه متى حبس داره كذا بموضع كذا بسهم أو غير سهم فإنما يفعله لأمر يتوقعه على نفسه أو على عقاره ويمسكه على نفسه ويرجع فيه إذا لم يرد شيئا من ذلك تحبيسا وإنما يفعلها لأمر يتوقعه، قالوا وهو مصدق في مال يذكره من ذلك، ويفسخ الحبس إذا ثبت الاسترعاء ولم يكن عند أهل الحبس مدفع فيما ثبت، فقد جعلوا الاسترعاء في عقد التبرعات إن لم يرد بها التحبيس موجبا لعدن اعتبار تحبيسه، وأن دلالته لا أثر لها، فكذلك الوصية، لأنها من التبرعات، وقد أشهد أنه متى رجع فهو يريد بالرجوع مدلوله اللغوي فوجب إعمال ذلك بما بيناه، وظهر أن حكم الحاكم يفسخ إن كان استند في فسخه إياها لجواب هذا المجيب، فحكمه منقوض وإن كان استناده لاقتران السلف بها في وقت واحد فلا بد فيه من الإعذار إلى من له ذلك، وإن كان استناده لهدية المديان كما يقوله المجيب الآخر فهيهات بينه وبين ذلك عقاب، ومفاوز وعرة المسالك صعاب.

الأول منها أن دعوى اقتران السلف والوصية مناف إفسادها لإفساده لكونها من باب هدية المديان التعليل بهما معا لا يصح، لأن هدية المديان معناها أن المهدي مهد لأمر سابق على الهدية سبقا زمانيا رجاء التأخير له بذلك، والاقتران يقتضى المعية وانتفاء السبقية.

فأجاب : التهمة على قسمين ، تهمة تلحق في دعواها مضرة كالاتهام بالسرقة والغصب ، فهذه لا تلحق من لا تليق به ممن شهد فيه بالخير ومخالطة أهله ومجانبة أهل الشر والريب ، وتهمة في غير ذلك فهذه تلحق اليمين فيها جميع الناس برهم وفاجرهم على القول بإيجاب اليمين في التهمة ، وهو المشهور من المذهب وبه القضاء وعليه العمل . واستحسن ابن رشد أنها إن قويت لحق فيها اليمين ، وإن ضعفت لم تلحق فيها اليمين ، وهو قول ثالث في المسألة وهذا يعرف عند نزوله . فلابد من تبيان التهمة التي اتهم بها الرجل المذكور وبيان حاله من التبريز في العدالة أو في مطلق العدالة أو معرفته بالخير ومخالطة أهله دون ثبوت تزكيته بحيث لا يكون ما شهد به تزكية له ، أو جهل حاله ، أو معرفته بالشر وسوء الظنة ، وببيان هذا كله يتضح الجواب ، وبالله سبحانه وتعالى التوفيق .

وسئل عن امرأة توفيت منذ ستين سنة وورثها زوجها وأمها وابنتها وعاصبها وقسمت حينئذ تركتها ، ثم توفي عاصبها بعدها بمدة ، وتوفيت أمها بعد ذلك بنحو الثلاثين سنة ، وتوفيت أيضا ابنتها بعد ذلك بنحو الأربعين ، وتوفي الزوج آخرا ولوفاته الآن نحو العشرة أعوام ، فقام الآن بعض من انجر إليه إرث الأم والعاصب المذكورين على ورثة الزوج المذكور ، واستظهر برسم

[257/10] الصداق المنعقد فيه زوجتيهما ، لأن الرسم المذكور كان بيد الأم أم الزوجة المذكورة ، فهل يا سيدي لهذا القائم بهذا الرسم شيء أم لا ؟ بينوا لنا ذلك مأجورين(¬1) .

[إذا فلس القاضي رجلا صار ماله للغرماء]

فأجاب: اعلم أكرمك الله أن ما وقع في الآثار والأخبار من تفضيل بعض أمور الآخرة على بعض أمور الدنيا فلا شك في فضل أمور الآخرة عليها تفضيلا لا يتناسب ولا يتقارب. إذ أمور الدنيا فانية وأمور الآخرة باقية، وما كان بهذا السبيل فلا يقع التفاضل فيه حقيقة إذ التفاضل إنما يقع مع التقارب.

[256/11] واما مع التضاد والتنافر فلا والآخرة والدنيا ضدان لا تناسب بينهما من جهة الوصف الذي يقع فيه التفاضل لكن ما ورد محمل على معنيين:

أحدهما أن يراد بما ذكر من الدنيا لو أنفق في سبيل الآخرة، فيرجع هذا التفضيل إلى عبادتين، لا إلى عبادة واحدة وأمر دنيوي فيقول أن معنى الحديث على هذا: أن السجدة الواحدة أفضل وأعظم أجرا من الدنيا وما فيها لو تصدق بها مالكها أو جعلها في سبيل الله. وعلى هذا تأولت أحاديث كثيرة من هذا الباب منها قول يحيى بن سعيد: إن المصلي ليصلي الصلاة وما فاتته ولما فاته منها أعظم من أهله وماله وغير هذا وقد ورد هذا المعنى مفسرا في غير حديث، لكذا أحب إلي من الدنيا أن تكون لي فأنفقها في الآخرة.

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٣٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٣٠٨