وسئلت عن مسألتين إحداهما مسألة المقلد, وقد وقع ذكرها في الجامع من هذا الكتاب, والثاني عن ايقاع الجمعة بجامع القرويين من فاس, وهي التي أردنا ايرادها هنا. ونص كلام السائل فيها: جوابكم فيمن أراد أن يوقع الجمعة بمدينة فاس وبالجامع الأعظم منها وهو جامع القرويين عمره الله تعالى بذكره, وأراد وقوعها فيه على وجه يكون مشهورا في المذهب المالكي وراجحا فيه, هل يصح ما أراد من ذلك أو لا يصح؟ وفرض النازلة فيما ذكره بعض أهل التاريخ أن الأصل تأسيس هذه المدينة كانت ذات جانبين مدينة مستقلة بكل جانب, وبكل مدينة جامعها الأعظم, ونهر بينهما حاجز. وربما كانت فتن إذ ذاك لا تنقطع بينهما أحيانا على ما ذكروه, ثم بعد تقرر الجامعين فيهما بزمان استولى عليهما أمير فهدم أسوارهما وجعلهما مدينة واحد, ونصب على النهر قنطرة ليستمر أهل القريتين ويرتفق بعضهم ببعض. وأصل الموضع باق عليهما حتى الآن, فإحداهما تسمى بفاس القرويين, والأخرى بفاس الأندلس, والعتيق منهما على ما ذكروه جامع الأندلس. فهل رضي الله عنكم إذا اعتمدنا على ما ذكره أيمة هذا الفن نستصحب تلك الحالة التي كان الشرع لاحظها إذ ذاك. وكما انتفى الخلاف حينئذ عن ايقاعها بالمدينتين على ما ذكره القاضي ابن رشد رحمه الله تعالى ينتفي الآن عملا بأصل التأسيس واستصحابه لأنه قال: إذا كان بين القريتين خوف أو فتنة, فإنه بسبب ذلك يكون القريب بعيدا والجمع فرقة, وتصير المسألة اتفاقية. والعلة تدور مع معلومها وجودا وعدما, فحيث وجدت العلة وجد الحكم, وحيث تنتفي العلة ينتفي الحكم. وعلى تقدير توجه أهل المدينة ومن يجب السعي عليه للجامع العتيق, فإن الجامع ورحابه وأفنيته تضيق عن حمل بعض البعض منهم فضلا
[
حتى أدى ذلك بعض الملحدة إلى الطعن على النبوة بمثل هذه، المسألة، وهذا من كفرهم، والله تعالى متعبد خلقه بما شاء، وقد كان الجاهلية نحو مما شرع في الإسلام وهذا باق في العرب الآن، ألا ترى أن قبائل عرب إفريقية ينتصر الحي إلى الحي إذا قوتل، ويطلب دمه إذا قتل، ولا ينتصر للمقدم والمقدم ينتصر للمقدم، ولو كان الجاني من القبيل الذي قتل هذا المقتول لكان لبني عمه شبهة في القيام بدمه، إذا قتل كلفوا أيضا بمعونته في أداء الدية لكونها مالا كثيرا يعجز عنه القاتل منفردا في غالب الأمر، والخطأ والعمد في أموال الناس سواء في الغرامة وفي القتل تجب الدية حتى يكون ذلك تحرزا من الوقوع في إراقة الدماء خطئا، لأنه لو كان القتل خطئا لا تباعة فيه في الدنيا بقصاص، ولا غرامة، لا تسع الخرق فيه، هذا ما استفدناه من سر الشريعة ينبئك عن الصواب بما قاله العلماء في ذلك، وفي المذهب قولان: أحدهما أن العاقلة التي تقوم بالدية هم أهل الديون.
وقد أطلق مالك في بعض المواضع ما يقتضي ذلك، فقال أهل مضر والشام اجناد فلا يعقل أهل مصر مع أهل الشام، وأطلق القول باعتبار الجندية بأنهم أهل الديوان الواحد، وكان كل غرامة جمعت بعضها، وأداء وبعث واحد في القتال جرت العادة بأن بعضهم يحامي عن بعض، ويقاتل عنه، ووقع ذلك قي بدوي سكن العراق واستوطنه يعاقله أهل العراق، فإن لم يكن فيهم من يحمل الدية ضم إليه أقرب القبائل من قومه، فأشار هنا إلى اعتبار النسبة، وهو قول بعض أصحاب مالك أن المعتبر القبيل لا الديوان، لأن العادة هي أشد حماية وموافقة ممن كان قبيلهم بخلاف أهل الديوان، وينبغي أن يبدأ بالأقرب مثل أن يكون الجاني من جزول فتكون عاقلته الجوليين إن كان فيهم محمل، فإن لم يكن فيهم محمل فيضاف على حسب ما رتبناه في القضية، ومن تأمل ما قلناه عرف وجه الحق في ذلك وبالله التوفيق.
[280/2]
[281/2]
[
*وسئل بعضهم عن رجل تراكن مع رجل لخطبة في ابنته البكر فقبل خطبته ، فأرسل العروس والده وإخوته وبعض الناس ممن تقبل شهادتهم لدار والد العروسة برسم الانطباع والعقدة في الزوجية ، فقال والد الزوج لوالد الزوجة : ما تطلب لبنتك ؟ فقال : سق كذا . وسمى الهدية والصداق والسياقة ، فقال والد الزوج : نعم . وكان ذلك كله من والد العروس من غير حضور العروس ، إلا أنه قدمه من غير إشهاد ، فلما تم الحديث بينهما قال بعض من حضر لوالد العروسة من يومئذ : تثبت نفسك في زوجية ابنتك وتحد الحوائج . فشاور والد العروسة أهله ورجع إليهم سمى كل حاجة ، وسمى الصداق والسياقة والأب حاضر ، فقال والد الزوج : نعم رضينا . فقال : وأنا كذلك رضيت . ومن حضر وعوا ذلك من غير أن يصرحوا بالشهادة ، فهل هذه الزوجية منعقدة ، ولا يعتبر التصريح بالشهادة أم لا ، وهي مفسرة وهي غير منعقدة ؟
والاعتناء بالشريعة، ولم يعرف منهم الشاهد بالشهادة والاستخفاف بأمور الدين، وكان ما اعتذروا به مما يمكن وقوعه، وليس لهم جهة تمنعهم منه، وكان هذا المتخوف منه ممن له قدرة عليهم وموصوف بالجرأة على أمثالهم، فقلدوهم ما تقلدوه واقبلوا شهادتهم. ويقوي ذلك ما ذكروه من الرفع إلى من ذكر من القضاة، وإن لم يكونوا في الشهادة بمكان الوثوق بهم، وذلت القرائن على عدم صدقهم، والمحصول وجوب البحث على ما يقابل المحقق من الطلاق، فإن حصل عمل عليه وإلا عمل على الطلاق.
[من وعد زوجته بالطلاق إن سلمت له، فسلمت وطلقها بشرط أن يسمعني فلان]
وسئل فقيه الجزائر أبو الحسن علي بن محمد بن الحافي عمن قال لزوجته: إن سلمت لي نطلقك، فقالت له سلمت لك. فقال لها أنت طالق أن يسمعني سيدي فلان، وفلان جاره. وسئل فلان فقال ما سمعت شيئا.
فأجاب: مسألة الذي وعد زوجته بالطلاق إن سلمت له ثم طلقها بعد تسليمها على شرط سماع فلان طلاقها، فيها خلاف باعتبار وقوع الطلاق عليه بنفس تسليمها ولا يحتاج إلى إنشاء طلاق حتى يشترط فيه سماع فلان.
وفيها خلاف أيضا باعتبار أن صدق فلان فيما أخبر به من أنه لم يسمع. أما الخلاف في وقوع الطلاق بنفس التسليم فيؤخذ من كلام ابن رشد في سماع ابن القاسم من التخيير والتمليك في التي قال لها زوجها ادفعي إلي مالي وأطلقك وأفارقك، فلما جاءته بالمال قال لا أقبله ولا أفارقك لأني لم أوجب ذلك على نفسي، وإنما قلت أفعل، ولست أفعل، تجري على الثلاثة الأقوال.
أحدها أن الفراق يلزمه. والثاني أنه لا يلزمه، والثالث الفرق بين أن تبيع فيه مالها ومتاعها أو لا. وأما الحالف باعتبار تصديق فلان فيؤخذ من كلام ابن عبد السلام على قول ابن الحاجب في مثل إن كنت تحبيني، ويؤخذ من كلام ابن رشد في رسم القطعان من سماع عيسى من طلاق السنة. وفي نوازل سحنون منه فيما يحلف الحالف فيه على غيره بما لا يعلم حقيقة إلا من جهته،
[276/4]
[277/4]
فأجاب: أما بيع القصيل بالطعام فجائز تأخر الطعام أو تعجل إذا شرع في رعيه أو جزه ولم يمكنه ذلك لصغر الزرع وترك حتى يرتفع ويثبت ويزيد في نباته فهذا لا يجوز ولم يمكن جزه لصغره.
[من اشترى طعاما وذهب به ثم رجع يدعي أنه ناقص الكيل]
وسئل عن الذي يشتري الطعام من الرجل فأمر من يكيل له وحسب المشتري حتى استكمل ثم قال له البائع قبضت حقك؟ فقال نعم، فتوجه إلى بيته وادعى أنه عجزه من تمام حقه عشرة أكيال.
فأجاب: أن أقر المشتري أنه قال قد أخذت حقي ولم يدع غلطا أو كانت عليه بقوله بينة فلا يمين له على البائع، وإن كان للمشتري بينة لم تفارقه حتى كال الطعام رجع بالنقصان على البائع، وإن لم تكن له بينة حلف البائع بالله لقد قال لي أخذت حقي واستوفيته وسقط عنه ما ادعى المشتري من النقصان.
[من اشترى غنما وفيها شياه مغصوبة لا يعرفها]
وسئل عمن اشترى غنما وفيها شياه مغصوبة لا يعرفها؟
[252/5]
فأجاب: يتحرى بأن يخرج منها مالا يشاكلها مغصوبة ويبرى (كذا) بها إلى المساكين وإن لم يعرف أهلها.
[من باع نصف غنمه على أن يؤدي المشتري من غلتها]
وسئل عن الذي يبيع نصف غنمه كل شاة بكذا وكذا على أن يؤدي من نسلها وغلتها وعلى المشتري حرازتها ما وصفت من السنين فإذا تمت السنون قاسمة حينئذ وما لم يتم حوزها السنين لم يجبه البائع إلى القسم حتى تنقضي السنون.
فيزيد عليها الضراب صاحب السكة مثل وزن ربعها فضة، لترجع مثل عيار سكتهم، فإذا أخرجها لهم رباعية أخذ منها ثمن ما زاد لكل واحد من الفضة على ذهبه والأجرة.
فالظاهر ابتداء أنه لا يجوز، لما يقع في ذلك من تأخير الصرف والجهل في البيع والتخاطر في اختلاف الذهوب (كذا) المدفوعة. وهذا مع الاختيار وأما مع الاضطرار والحاجة التي تلحق الناس في اشتراء أقواتهم وما يتصرفون فيه من عاداتهم لأنهم لا يقدرون إلا على ذلك، هل يباح ذلك للضرورة أم لا يختلف في ذلك؟ فوقع لمالك رحمه الله في كتاب محمد بن المواز فيمن يأتي بفضة إلى أهل بيت الضرب فيراطلهم بها بدراهم مضروبة ويعطيهم أجرتهم أرجو أن يكون خفيفا. وقد عمل به بدمشق. قال: وتركه أحب إلي. وما يفعله أهل الورع.
وذكر أيضا أنهم يحبسون عليها ويخافون ذهابها ثم قال: وذلك أن الرجل يأتي بالمال العظيم فيشتد عليه الإقامة حتى يضرب فيراطلهم بدنانير إلى دنانيرهم الوازنة الجياد المنقودة ثم يأخذون منه لكل مائة عمل أيديهم فلا أرى به بأسا إن شاء الله، ومنع مثل هذا من الصيارفة والصياغة وغيرهم بخلاف بيت الضرب لأن بيت الضرب بالناس إليه حاجة وضرورة إليها، وفارق ذلك غيرها من أسباب الاختيار.
وروى أشهب عن مالك: أن ذلك في زمن بني أمية إذا كانت سكة واحدة والتجارة كثيرة، فلو ترك الناس حتى تضرب لهم ذهوبهم فأتت الأسواق وأضر ذلك بهم. قال محمد ابن المواز: فلما اتسع الضرب وكثرت السكة زالت الضرورة فلا يجوز. ومنع ذلك ابن حبيب مطلقا. فقال: لا يجوز لمسافر ولا مضطر أو غيره إذا وجد دنانير عن السكاك مصروفة أن يأخذها بوزنها ذهبا ويعطيه الأجرة. وفي الدراهم مثل ذلك. قاله من لقيت من أصحاب مالك المدنيين والمصريين. وكذلك أيضا جمع ذهب الناس فإذا
[321/6]
263/7] المحبس من العكوف على دراسة العلم وشبهها من حضور مجالس العلم كما في أصل التحبيس, والله سبحانه الموفق.
[لا يجوز للطالب التصرف إلا فيما عينه له الناظر من بيوت المدرسة]
وسئل القاضي أبو عثمان سيدي العقباني بما نصه: يا سيدي أبقى الله بركتكم, وأعلى في مقامات العلماء رتبتكم, إنه كثير ما تنزل بهذه الطائفة الطالبية نازلة, وهي أن أحدهم يتسبب في بيت مدرسة فيه فائدة تعينه على ما هو بسبيله, فيجد البيت ضيقا لا يليق بسكناه, أو يكون هناك ما يوجب اجتنابه فيصيره لمن يسكنه من الطلبة وينظر في مدرسة أخرى بيتا آخر لسكناه يليق به, وتتأتى فيه القراءة بهناء وانشراح خاطر, ولا فائدة سوى السكنى, أو فيه فائدة قليلة يصرفها لمن يستحقها, فهل يسوغ الجمع بين البيتين بهذا المعنى؟ وإن كان الظاهر يقتضي اختصاص الطالب الواحد بالبيت الواحد من غير زيادة أو لا , ثم إذا انضاف إلى هذا الطالب من ذوي القابلية في العلم ومن أهل المروءة, ولا حرفة له ولا صناعة, وقد يؤدي تركه الفائدة إلى أن يتوصل بها من يتصف بنقائض هذه الأوصاف, بل هذا هو الغالب, ولا شك أن النفس تميل إلى ترجيح ما فيه مصلحة, غير أن بعض المصالح تنافي استمرار العادة فيترجح التسامح بارتكابها, فأشكل الأمر علينا بسبب هذا, لأنا إن نظرنا إلى المقاصد والمعاني, ولا حظنا المصالح في الإعتبار, رجح الجمع بينهما والرخصة فيهما, وإن نظرنا لى العادة ومقتضى مقصد المحبس, رجح الإقتصار على أحد البيتين, على أن قصد المحبس إنما هو سكنى من ينتفع وينتفع به, ولاشك أن الورع والإحتياط يوجب الإقتصار على بيت واحد إن لم يكن الترك يؤدي إلى ان يتصل به من لا يستحقه قطعا أو ظنا, ولكن سؤالنا عن الجواز. بينوا لنا حقيقة الأمر في ذلك متفضلا يعظم الله أجركم والسلام عليكم ياسيدي ورحمة الله وبركاته.
فأجاب بما نصه: ومن خط الأستاذ الجادري نقلته: الحمد الله. إذا
[
وسئل بعض القرويين عن قوم اكتروا مركبا من الاسكندرية في الإبان فعاقهم عائق حتى هجم عليهم الشتاء ففرغوا الوسق في المخازن ولم يذكروا فسخا حتى أتي السفر من قابل، فأراد التجار التمام وأراد صاحب المركب الفسخ ما زاد الكراء من القول قوله؟ وهل يفسخ الشتاء الكراء أم لا؟ وإذا عطبت السفينة في بعض الطريق وكان لهم من الكراء بقدر ما سارت على قول ابن نافع هل ذلك لازم ولو ردتها الريح بعد أن سارت ولم تعطب أم لا؟ والنوتي إذا خدم المركب إلى أن بلغ رافع ودخل الشتاء هل يبقي على كرائه؟ أو يقاص بما عمل في البر؟ أو يرد جميع الأجرة إن أخذها أو شيئا منها؟ وإذا انفسخ الكراء هل يرد النواتية ما أخذوه من التجار وهو مسمي عندهم برطيلا(¬1) وكذا لو تقايل صاحب المركب مع التجار هل يرد النوتية البرطيل أو لا؟ وتنزيل السلعة من المركب عند بلوغ السفن هل هو على النوتي كالوسق أو على التجار؟
فأجاب: إذا دخل الشتاء والمركب مشحون ففرغ في المخازن ثم تمكن السفر فهو على العقد الأول، لأن الفسخ لا يكون إلا لعذر، والشتاء عذر على أحد أقاويل أصحابنا، كاختلافهم في الفاكهة الرطبة تنقطع قبل
[300/8]
[301/8]
وقوله: وأما من طلق والتزم أن لا رجوع له فالقول بلزوم ما التزم إلى آخره، قلت كلامه مردود من وجوه: الأول أن الأصل في الإطلاق الحقيقة وصرف اللفظ إلى الطلاق، والثاني مجاز، وأيضا فالمطلق لم يدع ذلك ولا قال إنه أراد به المجاز، والقرينة إنما تكون معينة لمجاز إذا لم تحتمل الحقيقة تلك القرينة، كقوله رأيت أسدا يرمى بالنشاب، واللفظ في مسألتنا يحتمل الحقيقة والمجاز مع اقتران ما ذكرتموه أنه قرينة في المجاز فلا يظن المطلق على إرادة المجاز ولا قرينة معينة قاطعة على إرادة المجاز، ومجرد الإمكان والاحتمال للمجاز لا دليل على تعيين المجاز، لأن الأصل الحقيقة، وأيضا فإن الإمام القائل بصحته ولزومه لم يقيد قوله بما إذا كان من المطلق على سبيل الحقيقة
[275/9] أو المجاز، الثاني أن القائل بذلك قائل بما إذا كان في العدة بعد وقوع الطلاق فأين صرف اللفظ عهد له في الشرع والقائل به بعد وقوع اللفظ ونفوذه رجعيا، الثالث أنه يلزمه أن يكون في طلاقه ثلاثة أقوال الجارية فيمن طلق طلاق الخلع من غير عوض لأنه عنده مصروف إلى الطلاق، الثاني بالقرينة التي زعم أنها قرينة، وليس النقل كذلك عن أئمتنا، الرابع أنه على تقدير تسليم بطلان هذه المسألة بخصوصها، كما زعم من القرينة فلا يلزم من بطلانها بطلان المسائل المشاركة لها في الانتقال من حكم إلى حكم آخر كما بينا قبل، ومنها أيضا ما قاله مالك في أحد قوليه وسحنون فيمن أعطت زوجها شيئا على أن يطلقها واشترط الرجعة عليها أنه له الرجعة كما شرط.
وهذا الكلام كله أعرف فيه عن التعرض للنكتة العظمى في المسألة، وهي أن هذه الوصية ليس فيها رجوع بوجه، وليس ثم وصية للفقراء حتى يحتاج إلى النظر فيها لأن الموصى جعل رجوعه تأكيدا للوصية فقد سلف رجوعه عن الوصية مدلوله اللغوي وجعل مدلوله تأكيدا للوصية وتجديدا لها، ويدل على صحة هذا أدلة:
فأجاب : أكرمكم الله تعالى . شهادة العدل بما ذكرتم عاملة ونافعة [255/10] للزوج في كل ما عدا المشهود به من جميع ما يدعي الزوج ملكه أو يدعيه له من قام بنيابة إذا كان العدل المذكور ممن لا يعذر لخصمه فيه ، ولا يصح ما يبطل شهادته بعد الاعذار مع يمين الزوج المذكور ، لأنها لو صحت من مرضها وتنازعت مع الزوج فيما سوى المذكور لاستحقه الزوج عليها بما ذكرناه ، فكذلك بعد موتها . نعم للزوج إن ادعى لنفسه بعض ما شهد به الشاهد أن يثبته لنفسه ويستحقه ، ولا يكون ذلك منه قدحا في شهادة الشاهد ولا تكذيبا له ، لأن الشاهد إنما شهد على مقالة المرأة وهي في مقالتها مقرة على نفسها من وجه مدعية من وجه ، فللزوج أن يخالفها من حيث هي مدعية ، وله أن يحتج بقولها من حيث هي مقرة له ، اللهم إلا أن تقوم بينة لا مدفع فيها على شيء مما يسوى المذكور أنه مال الزوجة وملكها لا يعلمون فيه تفويتا إلى أن توفيت وخلفته موروثا عنها ، فيكون ذلك ( مدعاة ) لتكليف الزوج أو نائبه إثبات انتقال ذلك إليه بوجه صحيح ، لاحتمال أن يكون عدم ذكرها له فيما شهد به الشاهد إقرارا منها به للزوج في وقت لا يجوز لها . وأما ما ذكرتم من دعوى أختها من غير بينة عادلة ، أو قول المدبرة إذا انفردت فلا عبرة به ، لأنها وإن تم عتقها قبل دفعها كانت عادلة لا توجب وحدها شيئا فما ظنك بما سوى ذلك ؛ وما أشرتم إليه من كتب الزوج بالخط على إكرام المدبرة لا يوجب شيئا لأنه قد يكون قد فعل ذلك رعيا لزوجته ومداراة منه لها ليلا تذكر عنه بعض ما يكره ذكره عنه مما يتوقى عاقبته .
الثانية: سئل رحمه الله عن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مضعون عن التبتل وقوله عليه السلام له فأنا أنام وأصلي وأصوم وأفطر ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإن لضيفك عليك حقا" فيما ذكر من الحقوق التي للنفس والأهل فيقول هو لو صام ولم يفطر وصلى ولم ينم كيف يتعطل حق الضيف مع فعله ذلك وفي الممكن أن يقوم بحق الضيف مع وجود هذه الخصال المنهي عنها أن لو كانت موجودة فكيف على التي في تلك الخصال أن حق الضيف يتعطل معها؟ بين لنا ما معنى ذلك مأجورا.
فأجاب: اعلم أن للضيف على مضيفه حقوقا منها ما يتعطل بصيامة وقيامه. ومنها ما لا يتعطل بذلك، إذ قد يصح له بذل المال، وهو بتلك الحال وإطعام الطعام وهو ملتزم للصيام والقيام ولا يمكن مع ذلك ما يتعين للضيف من بشاشة وموانسة ومواكلة ومحادثة إذ الشغل بالصلاة قاطع
[