فأجاب الفقيه أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي غالب رحمه الله تعالى بما نصه: الحمد لله اعلم أن إقامة الجمعة في مسجدين في المصر الصغير لا يجوز ولا يختلف المذهب في ذلك. وأما المصر الكبير مثل الموضع بالمغلوب فالمذهب فيه على ثلاثة أقوال, أحدها أنها لا تقام إلا في مسجد واحد. هذا الذي ذهب إليه الإمام مالك, وهو مذهب الشافعي رضي الله عنهما. والثاني أنها تتعدد في المصر الكبير بحسب الحاجة, قاله ابن عبد الحكم من المالكية. والثالث التفصيل, وهو إن كان المصر ذا جانبين أو جوانب وبين الجانبين أو الجوانب نهر أو ما في معناه مما تتكلف المشقة في قطعه, جاز التعدد بحسب ذلك, وإلا لم يجز قاله ابن القصار من المالكية. واختار الشيخ أبو الحسن اللخمي إقامتها في مسجدين أو أكثر إذا كثر الناس وبعد من يصلي خارج من الإمام لأن الصلاة لهم حينئذ لا يأتون بها على حقيقتها المطلوبة من المأمومين من مساوقتهم لإمامهم في أركان الصلاة, فقد يكون الإمام قد رفع رأسه من الركوع وحينئذ يأتي هؤلاء بالكوع لبعدهم, وكذلك في سائر الأركان. هذا تقرير المذهب. وأجاز محمد بن الحسن إقامتها مطلقا وأجازها داوود في سائر المساجد, وليس ذلك في مذهب مالك وأصحابه. والانتقال من مذهب إلى مذهب لمن كان قد عين لنفسه مذهب إمام يتبعه كالحال اليوم, الذي اختاره في ذلك عز الدين بن عبد السلام رحمه الله وشهاب الدين القرافي رحمه الله تعالى وجملة من الأشياخ أن ذلك جائز, وإن انتقل من الأشد إلى الأخف. والمذاهب كلها طرق موصلة إلى الله تعالى, فمن سلك منها طريقا وصل بفضل الله تعالى, هذا الذي اختاره المتأخرون. وحكى سيف الدين الآمدي في كتاب الأحكام في أصول الأحكام في هذه المسألة ثلاثة أقوال: الجواز مطلقا, والمنع مطلقا, والجواز إذا لم يجد لإمامه نصا. وهذا القول الأخير هو المختار عنده.
=فأجاب: إن كان الحائط على الطريق، وموضع ممر الناس تحت الحائط لضيقه، ولا يكون فاعل ذلك فعل ما لا يجوز له فلا ضمان عليه ونحوه للأبياني.
[ فلاق الحطب تطير منه شظية فتفقأ عين إنسان ]
*وسئل الأبياني عمن فلق حطبا في موضعه وحوله صبيان صغار فأنذرهم أن يصيب أحدا منهم شيء من الحطب، فيطير شيء من ذلك فيفقأ عين أحدهم.
=فأجاب: إن كان المتقدم إليهم كبارا فلا شيء عليه، وإن كانوا صغارا فدية المفقأ عينيه على العاقلة، وعرض على أبي عمران، فقال: يجري على الخلاف في صاحب الكلب العقور إذا تقدم في ذلك إليه، وعرض على الأبياني، المسألة الأولى فقال: إن الدية في مال صانع الحجر على الطريق، أبو عمران: في مثل هذا قولان، والصحيح ما في المختلطة أن ذلك على العاقلة كمسألة من وضع شيئا في موضع لا يجوز له فمات به إنسان.
[ إذا ادعى الجارح أن المجروح زاد في جرح نفسه ]
*وسئل بعضهم عن رسم مضمنة معاينة الشهود لجرح وهو موضحة برأس فلان أشرف على العظم وأخرج منه عظاما، وعاينوه بعد خروج العظام منه، وفي العظام نقرة ظاهرة، فمن وقف على الجرح المذكور وعاينه بصفة ما ذكر شهد، فسئل الجارح فأقر بالجرح عمدا وادعى أن ما خرج من العظام مستفعل، وكذا ما جرح فيه من النقرة والصدع الذي كان باقيا على حاله، والبينة عاينت الصدع والنقر، فهل القول قول الجارح فيه وفيما ترامى إليه، أو المجروح إذ لو قبل قوله لأدى إلى تعذر القود والدية إلا أن لا تفارقه البينة؟.
[278/2]
[279/2]
=فأجاب العقد إن ثبت ببينة وأثره مشاهد لا قول للجاني، وإن أشكل المر استظهر على المجني عليه باليمين أنه ما حصل من فعله ولا من فعل أحد من سببه، ولا زاد فيه ما يلزمه غير أثر الأول.
[ العاقلة الذين يؤدون عن الجاني منهم ]
*وسئل الشيخ أبو القاسم بن مشكان القابسي، عن العاقلة الذين يؤدون
من خطب بنت خالته من أبيها فأجابه إلي ذلك ، واشتهر بين الناس ذلك ثم توفي الزوج]
*وسئل المواق عن رجل خطب بنت خالة له إلى أبيها أن يزوجها منه ، وكانت بكرا في حجر والدها المذكور ، وأرسل إليها بالخطبة والدته وخاله وعمه ، فأجابهم والد البنت إلى ذلك ، فقالوا له : وما تطلب لبنتك وما يكون النقد والهدية والكالئ ؟ فقال لهم والد البنت : قد تزوج أخوه لبنت خالته الأخرى ، وما ساق أخوه لبنت خالته في ذلك ، يسوق هو لبنتي . فشكر القوم والد الزوجة على ذلك ، ورضوا وانصرفوا ، ورجعت والدته وأعلمته بذلك ، ثم إن الرجل ووالدته دفعا لوالد البنت النقد وذلك بعدما أعلمته والدته ورضي به ، ودفعا له ما يدفع عادة من الشمع ، واشتهر في القرية أن فلانا تزوج بنت خالته ، وهنأه قرابته وأصحابه رجالا ونساء ، ودفع أيضا بعد ذلك الرجل ووالدته لوالد البنت بما اشترى حوائج للبنت والد البنت ، وتهادوا وتكررت الهدية والإعلان بها ، ثم توفي الرجل الزوج ، فهل هذه الزوجية منعقدة صحيحة ، ترثه هذه البنت وتأخذ حوائجها وحقها أم لا ؟ وإن كانت غير صحيحة فهل يرد والد البنت ما قبض من نقد وهدية أم لا ؟
وسئل الشيخ أبو الحسن الصغير عمن جرى بنيه وبين زوجته كلام بسبب ولدها، فقال لها والله ما يدخل لي بيتا، فقالت له لا بد منه، فقال إن دخل البيت فهو خروجك أنت، اختاريني أنا أو ولدك، ثم أخذت ولدها وخرجت به فبقيت أياما ثم رضيت بترك ولدها وترجع وحدها، فهل ترجع أم لا؟
فأجاب: إذا صح ما ذكرتم أن الرجل قال لها اختاريني أو اختاري ولدك بعد أن تقدم في المحاورة بينهما قوله إن دخل البيت فهو خروجك منه، وأخذت ولدها فهو الثلاث وإن لم يدخل الولد البيت، لكن يكون ذلك القول قرينة تدل على أنه أراد بقوله اختاريني أو اختاري ولدك الطلاق، فإذا مسألة كتاب التخيير والتمليك من المدونة في قوله لزوجته اختاريني أو اختاري أباك أنه ينوى إذا لم يتقدم من سياق كلامه ما يمنع تديينه، بخلاف هذه المسألة لاحتمال أن يريد في مسألة التخيير والتمليك، اختاري رضاي واختاري سخطي. وهذه المسألة تقدمت فيها قرينة تدل على الطلاق، وبالله التوفيق.
[من علق الطلاق على محال فلا شيء عليه]
وسئل عمن سألت منه زوجته أن يشتري لها ثيابا فأكثرت عليه في ذلك واستعظم ما سألته من ذلك فقال لها عند ذلك: عليه الطلاق لا دخلت هذه البلد حتى آتيك بجميع ما في السماء وما في الأرض، فأتاها بما سألته كله. ونظيره مسألة الكتاب أنت طالق إن لم تمسى السماء، قال لا شيء عليه بجميع ما سمت له عند سؤالها. فهل ترون عليه شيئا أم لا؟
[274/4]
[275/4]
فأجاب: هذا علق على محال فلا شيء عليه إن أتاها بما سألته كله.
ونظيره مسألة الكتاب أنت طالق إن لم تمسي السماء قال لا شيء عليه.
[من طلق زوجته ثلاثا ثم راجعها دون صداق ومات]
فأجاب: ليس عليه إلا قيمة العجل لأنه لا يدري من أي شيء انقطع اللبن، فإن علم وتبين أنه من سبب العجل فعليه قيمة ما حرمه من الانتفاع بلبنها مع قيمة العجل.
[حكم تسليف الطعام الذي أفسده الماء]
وسئل عن الطعام الذي أفسده الماء فأراد جيرانه أن يتسلفوه؟
فأجاب: إن كانت المنفعة والإرفاق لمن تسلفه ولا يشترط عليه أن يرد أفضل منه فهو جائز إن شاء الله.
[لا يجوز شراء أرض غلب ربها حتى ترجع ليده]
وسئل عمن اشترى أرضا من رجل خرج عنها ممن قد غلب عليها.
فأجاب: لا يجوز شراؤها منه إلا أن يقدم البلد ويعطي أرضه ويحوزها ويملكها ملكا يعمرها ويطمئن بالدخول فيها، فإذا كان هكذا فهو جائز على
[250/5]
ما وصفت، وإذا كان قدم لا يعطي أرضه ولا يطمئن هو بالقدوم عليها فلا يجوز هذا البيع، وأما إن تكارها منه فيدخل بذلك المنفعة عليه.
[جواب آخر في المسألة]
وأجاب ابن خمير: إن كانت بيد الذي يريد شراءها وتبرأ بها إلى صاحبها ولا يغلب عليه فيها غير الذي هي في يديه فليوكل صاحب الأرض من يثق به ويشهد على وكالته ويستوثق المشتري لنفسه لكي لا يقام عليه بعد ذلك والشراء جائز، وكره ابن خمير كراءها ما لم تكن في ملكه أو يؤكل من يكريها مثل البيع سواء.
[حكم بيع طريفة اليهود]
وسئل عمن بيع اليهود للطريف؟
الحرام يجب أن تصان عن ابتذال الكفار ونجاستهم وأن صيانة هذه الحرمة لا يرخص في تركها للحاجة إليهم في حمل الطعام وجلبه إلى مكة. وكذلك حرمة المسلم لا تفتك بالحاجة إلى الطعام فإن الله سبحانة يغنيه من فضله إن شاء. فاستحسنت الجماعة هذا الاستنباط وسألني بعضهم عنه، هل وقفت عليه أو هو مما اخترعته؟ فأعلمته أني لم أقف عليه، فاستحسن ذلك وعجب منه.
ثم لما رأيت ما كان حدث في أول المجلس من الاضطراب فيحت (كذا) فيحا(¬1) إلى شيخنا وإمامنا أجمعين عبد الحميد الصائغ وقد كان انزوى وانقطع عن الفتوى لما هرم، فأتى جوابه بمثل ما أفتيت به وأن ذلك لا يجوز، واعتل بعلة أخرى لم نذكرها فقال: إنا إذا سافرنا إليهم غلت من عندهم الأقوات، وصار إليهم من قبلنا أموال عظيمة يقوون بها على محاربة المسلمين وغزو بلادهم. وكذا كان الأمر في أيامه يتقوون بما يصل إليهم من الأموال على أمور تعود بضرر المسلمين فهذا فصل من فصول سؤالك.
[حكم ضرب المسلمين السكك عند الكفار]
وأما الفصل الثاني وهو ضرب السكك عندهم فإنها إن كان فيها الصلبان وما لا يجوز أن يكتب فيها، فإن المسلم لا ينبغي له أن يعين على فعل ما لا يجوز، ولا يدخل عليه. وأما إذا كان فيها ما يحرم أن يكتب، ولكن فيها أسماء الله تعالى فقد كره في المدونة معاملتهم بالسكك الإسلامية لهذا المعني وهو صيانة أسماء الله تعالى عن ابتذالها في أيديهم ولكن هذا الوجه الثاني فيه اختلاف.
وأما الفصل الثالث وهو زيادة الفضلة لصاحب السكة فإن هذا فيه من الربي نوعان:
[319/6]
261/7] فمسألة الدار إن كان خرج منها وبيضن الحوز ثم عاد بعد ذلك, فهو متعد أيضا وإن ثبت الحوز, وغن كان يتصرف لنفسه ثم غرم ذلك من ماله, وإن كان لم يخرج من الدار بطلت, لأن الحوز لم يحصل فيها حين لم يزل فيها ساكنا, وأما الأملاك التي يتصرف فيها بالإغتلال فهو محمول على أنه يغتل للأولاد على ماعقد في الحبس والصدقة, هذا قول أصبغ وقال الموثقون يبطل حين لم يخرب أصلا, وكذلك ذكروه في الصدقة ويلزم مثله في الحبس إذ لا فرق.
[لا يتعلق كالىء الزوجة بما حبسه الأب على أولاده الصغار]
وسئل أيضا عن رجل حبس على ابنين له صغيرين جل ما يملكه من الجنات, ثم بعد انعقاد الحبس تزوج امرأة ومكث معها زمانا فمات أحد الابنين, ثم مات أبوه بعد ذلك بزمان طويل نحو اثني عشر عاما, فبقي الابن الثاني فقامت عليه زوجة أبيه بكالىء صداقها قبل أبيه, ورفعته إلى بعض الطلبة, فنظروا إلى الابن, فكل من نظر إليه يقول: ليس ببالغ, فتذاكر الطلبة في توكيله هل يصلح أم لا؟ فقال بعضهم نظرنا إليه فلم ينبت, وحسبوا عمره احدى وعشرين سنة, فأمره بالتوكيل, ووكل رجلا فتحاكم هو ووكيل المرأة فاستخرج صداق المرأة بتاريخ ستة عشر عاما, واستخرج عقد الحبس له بسبعة عشر عاما, وفيه من انقرض منهما رجع إلى من بقي, حبسا مؤبدا لا يباع ولا يوهب, واستخرج من وثيقة أخرى أشهد فيها الميت على نفسه أن تصرفه في الجنات إنما هو برسم الحيازة لابنيه المذكورين وثبتت الرسوم كلها ببينة قبلت.
فأجاب: الحبس صحيح تام لا يتعلق به الكالىء المذكور, لكونه مستحدثا بعد عقد التحبيس المذكور, إذ هو محوز بتصريح الأب بأنه حائز لابنه, بل لو سكت عن ذلك لابنيه لحمل عليه, ولا يحمل على الحوز لنفسه رجوعا في الحبس المذكور, وهذا هو المنصوص فيه في غير موضع من امهات مذهبنا, والابن المذكور محكوم له بحكم البلوغ وفاقا في
[
فأجاب: كل ما ذكرت يدخل في التقويم، وهذا الصواب عندي.
[ من يؤدي ثمن ما يرمي به من السفينة تخفيفا؟ ]
وسئل ابن رشد عن أهل سفينة هاج عليهم البحر فافترقوا إلى التخفيف فخففوا فأرادوا أن يفضوا فرموا على من عنده الذهب والورق ملكا كان أو بضاعة.
فأجاب: لا يجب شيء فيما عند الركوب من الناض عموما، وإنما يجب ذلك على من يثقل المركب من الأمتعة ويخشي الغرق بسببه، هذا هو الصحيح من الأقوال، والتراجع بينهم على القيم، وهذا استحسان على غير قياس، والقياس أن يرجع فيه إلى قدر الأثقال فيه وإن اختلفت قيمتها،
[298/8]
[299/8]
فإن كان ثقل ما طرح وقيمته مثلا مائة مثل ثقل ماسلم وقيمته ألفا وعشرة آلاف القياس أن لا يرجع عليهم بخمسين على قدر ثقل متاعهم(¬1) .
وسئل ابن القاسم عن المركب يطرح من حمولته إذا اشتد البحر.
فأجاب بأن قال إن جاء ببينة على ما طرح حاصص به أصحاب المتاع وإلا لم يقبل قوله، وعن ابن عبد الحكم يصدقون إذا حضر زمن الهول فأدعى من طرح له متاع كثير، وقال رب السفينة بل هو أقل فيرجع في هذا إلى
وعن أبي محمد إذا ادعى صاحب المتاع أن صفة متاعه كذا وقال البائعون هو دون الصفة فالقول قولهم مع أيمانهم وإن جهلوا فالقول قول صاحب الشيء. وعن ابن أخى هشام إذا زعم صاحب السفينة أنه رمى بعض شحنته لهول وكذبه أصحاب الشحنة ولم يكونوا معه في مركب فهو مصدق في العروض دون الطعام عند ابن القاسم إلا ببينة، ولابن القاسم في الواضحة: إذا طرح شيء عند الخوف فكل واحد من أهل المركب مصدق مع يمينه في ثمن متاعه المطروح والسالم مالم يتبين كذبه بما يستكثر.
[ من أكرى مركبا من موضع لآخر فردتهم الريح إلى غيره ]
الثالث: أن قوله لو دبر عبده بشرط أن له الرجوع فإنه يمكن صرف لفظ التدبير إلى معنى الوصية يقتضى أن الحكم عنده فيمن قال لعبده أنت حر عن دبر منى ولى الرجوع متى أردت أن ذلك له، ويكون حكمه حكم الوصية، ونحن من رواء المنع في ذلك وعدم التسليم، فقد قال مالك فيمن قال لعبده
[273/9] في كتابه أنه لا يسافر ولا ينكح، فإن فعلت شيئا بغير إذني فمحو كتابك بيدي، قال مالك ليس محو كتابته بيده إن فعل المكاتب شيئا من ذلك بغير إذنه، وليدفع ذلك سيده إلى السلطان، قال الباجي لأن مقتضى الكتابة اللزوم، فإذا اشترط فيها ضد ذلك من الخيار للسيد أو غيره لم يصح الشرط، وثبتت الكتابة على مقتضاها، قلت: وهذا جار في التدبير إذا اشترط أن له الرجوع فيه متى شاء، وقال في كتاب ابن المواز فيمن دبر أمة على أن ما تلده رقيق مضى التدبير، قال الباجي: وجهه أن هذا عقد يتضمن العتق، فإذا اشترط فيه شرطا فاسدا بطل الشرط ونفذ العتق، كما لو قال أنت حر على أن ما تكتسب في المستقبل لي لصح العتق وبطل الشرط.
الرابع: أن قوله: لإمكان صرفها لفظ الوصية إلى معنى التدبير على طريق الاستعارة لقرينة الالتزام، فإن العتق يقبل الأمرين قول من لم يحقق ما قال أئمتنا، فإنهم رأوا أن التدبير عتق موقوف على الموت يخرج من الثلث، والوصية بالعتق يجوز له فيها الرجوع، فلزمهم الفرق بينهما، فقالوا: التدبير وصية التزم فيها الموصى أن لا رجوع له فيها لعادة عندهم وعرف في ذلك، فلزمه ما ألزم نفسه من ذلك، فلزمهم أن يقولوا في ذلك في جميع الوصايا التي التزم فيها عدم الرجوع، وسووا بينها في الحكم، فليست الوصية الملتزم فيها عدم الرجوع محمولة على التدبير بطريق الاستعارة كما ظنه، بل هما من باب واحد، وعلتها واحدة كما بيناه.
وقوله: هذا والوصية قارنها سلف جر نفعا، قلت إن ثبت المقارنة وأعذر فيها إلى من يجب فيه الإعذار ولم يكن عنده مدفع فذلك قادح في الوصية.
وسئل الفقيه أبو محمد سيدي عبد النور بن أحمد الشريف العمراني - رحمه الله - عن رجل من أهل الرفاهية معروف بالعين والعرض كانت له زوجة كان والدها أيضا من أهل الرفاهية معروفا بالعين والعرض إلا أنه دون الأول ، وقد مات رحمة الله تعالى عليه ولم تقم بينة على أن ابنته المذكورة يحصل لها من تركته كبير طائل ، فماتت المذكورة بعد أن أوصت بشيء معين وأوصت ببقية ثلثها للمساكين ، وشهد عليها رجل من أهل العدل قبل موتها بثلاثة أيام بعد أن ندبها إلى أن تعين تركتها خوف أن يقع النزاع فيها بعد موتها فإنها قالت له لا أترك إلا كذا وكذا أشياء سمتها . فلما ماتت زعمت مدبرة لها أنها تركت مالا غير ما سمته مدفونا ببيت سكناها مع زوجها المذكور ، فخالف في ذلك أخو الزوج بوكالة عنه لمغيبه مسجونا في المراهين بفاس ، وزعم الوكيل المذكور أن المال المذكور إن كان فهو مال موكله المذكور ، واحتج باشتهاره بالمالية مع أنه لم يوجد في بيته حين تقييد تركة زوجه المذكورة ما يليق برفاهيته ، وذكرت المدبرة أنها أخرجت عند موت سيدتها من دارها وصارت عند أخت سيدتها وهي إحدى ورثتها ، وكان بين الأختين نزاع وشنئان على ما خلفه والدهما ، وزعمت الأخت الحية أن الميتة قلعت من دار أبيها مالا وأنها سألتها عنه في مرضها فقالت لها مال أبي في هذا البيت مدفون ولم تعين لها الجهة ، وذكرت أنها ذكرت ذلك أيضا مرتين ، ووجد بيد الوكيل كتاب من الزوج يوصيه فيه بالرفق بالمدبرة وأن لا يخرجها من الدار ويبقى مفتاح المخزن بيدها .
قيل له: بل يجوز ذلك ولا يكون ما يظهر على يديه مفسدا لدلالة معجزات الرسل، لأن في خلقة مدعي الربوبية من بناء تناهيه وتصوره وحركته وسكونه وتغير حالاته وتعاقب الحوادث على ذاته ما يدل دلالة قاطعة على كذبه، وأنه محدث مخلوق ومدبر مربوب. والنبي لا يكون إلا محدث وحدوثه لا ينفي نبوته وإنما امتنع اظهار الآيات على يد المتنبي من أجل أن حدوثه لا يبطل كونه نبيا. فإذا ظهرت الآيات على يديه فسدت دلالتها واختلط النبي بالمتنبي وخرج القديم سبحانه بفعلها عن أن يكون قادرا على التفرقة بين النبي والمتنبي جهة الدلالة وإقامة الحجة. والله قد تعالى عن العجز عن شيء من المقدورات، وهذه جملة مقنعة فيما استدعى عن الشيخ أيده الله بطاعته جوابه والله ولي صوابه وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلي الله على سيدنا محمد نبيه وسلم تسليما.
[253/11] [أسئلة تسعة عن مسائل مختلفة]
وسئل القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله من مدينة إشبيلية(¬1) حرسها الله تعالى عن عدة مسائل.
الأولى ما جاء في الخبر: "إن الميت إذا فرغ من دفنه أنه يجلس للسؤال حتى إنه يسمع خفق نعال المتولين لدفنه حين ينصرفون عنه" هل المراد بالتجليس الجسد أم الروح؟
فإن قلنا: المراد بذلك الجسد فنحن نرى جسدا مطروحا لا حراك به ولو بقي أياما حتى تنفصل أعضاؤه لا نرى له جلوسا.
وإن قلنا: إن ذلك لا تدركه أبصارنا فهل هذا الجسد الذي تدركه أبصارنا مطروحا بيننا هو الذي أجلس للسؤال بحيث لا تدركه أبصارنا أم هو غيره؟ بين لنا ذلك وإن قلنا إنه الروح استرحنا من السؤال ولكن مذهب أهل السنة أنه الجسد، فحينئذ يفتقر إلى بيان ذلك.