ورابعها أن أيمة المسلمين بهذه البلاد الأندلسية حرسها الله ونفعهم اقتضى نظرهم الأخذ بالقول بالجواز, فصار في سائر بلادهم عملا متبعا, والتسليم لهم والانقياد لأحكامهم نصر الله أعلام من بقي منهم, ورحم من صار إلى كرامة الله ورضوانه من سلفهم أولى وأحق من مخالفتهم فيما ضعف دليله, فإن المخالفة شر, فكيف فيما قوي دليله. وبان من فحوى سؤالك أن العذر في جامع العرص ظاهر قائم لصغر المسجد العتيق, فلتقم على ما كان عليه من مضى, لأن عملهم محمول على أنه كان لعذر ظاهر. هذا هو الظن بمن سلف, ولا تظن بأخيك المسلم سوءا
[236/1] وأنت تجد له في الخير مسلكا. وجميع ما نقله من صنف من أيمة المذهب لا يخرج كلامهم عن هذا الذي تلخص هنا ففيه مقنع وكفاية. وبالله التوفيق. قاله وخطه بيده محمد بن عبد الرحمان الكرسوطي وفقه الله.
=فأجاب: إذا فعل ذلك على وجه الخطأ فلا شيء عليه في الحكم ما لم يكن جريحا، ومن جهة التنزه فإنه يتحلل الصبي من ذلك وهو حسن، وليس بلازم، قيل: وتجري على الخلاف في المجتهد يخطئ هل يعذر بخطئه أم لا، وذلك في مسائل مشهورة.
[ من أراد أن يحجز بين متقاتلين فقتل أحدهم ]
*وسئل أبو عمران، عن رجلين حجزا بين قوم متشارين فضرب أحدهما بمزراق والآخر بعصى، فحصلت الضربتان فسي رجل فمات الرجل عن قرب وهما شريكان في الدم مع المضروب إلا أن أحدهما من الآخر في النسب فقال كل منهما: ما قتلته ضربتي.
=فأجاب: هذا إذا كان فسادهما أكثر من صلاحهما، لأن الأصل أن لا يقع فعلهما، فينظر، فإن كان لهما في القبيل وجاهة ويستحي من حضورهما ويمتثل أمرهما والمقتول ممن ضرم الحرب وأشعلها، وتقدما إليه بالكلام فلم يرجع وضرباه، فيقسم الأولياء لمن ضربهما أو ضرب أحدهما مات، وتكون الدية على العاقلة، وإن كان غير مشعل للحرب ولا صلبية فيه، بل هو واحد من الصف ففعلا به ما وقع من غير تقدم ولا زجر له، فالدية مغلظة في أموالهما، ولولا القصد الذي عضده الحال الواقعة لاقتص منهما لعظيم ما ارتكباه.
[ من أقر بما يوجب حدا ثم نزع ]
*وسئل أيضا عمن أقر بقتل العمد فعفي عنه، ثم نزع عن إقراره، هل يسقط عنه الضرب والحبس؟ فكيف بهذا في المقر بالزنى إن نزع بعد تمام الضرب هل يسقط عنه التغريب أم لا؟
=فأجاب بعد أن ترجح فيها ورأى أنه يسقط عنه وهو حقيقة القياس لأنه حد لله ليس لآدمى شيء وهو الله تعالى.
[277/2]
[278/2]
[ من وضع حجرا على حائط فسقط على شخص وقتله]
*وسئل أيضا عمن وضع حجرا على حائط ليصنع به شيئا يستره وأشباه ذلك فيقعد قوم تحت الحائط تهب ريح فتسقط الحجر على أحد القاعدين فيقتله.
=فأجاب : القول في ذلك قول الأب لأن العادة تشهد له ، إذ الآباء يعدون للبنات في ضغرهن من الهبات والعطايا ما يكون بجهازهن ، وهو يبيع على بنته ويعاوض عليها ، لكن ينظر فيما جهزها به ، هل هو في قدر قيمته على قدر ما كان وهبها أم لا ؟ فإن كانت زيادة فللبنت ، وإن كانت نقص فعلى الأب .
[من خطب بنت رجل وانعقد النكاح بينهما وسميا الصداق]
*وسئل السرقسطي عن رجل خطب بنت رجل آخر ، وانعقد النكاح بينهما وسميا الصداق ، إلا أنه لم يحضر معهم أحد ولم يشهد بذلك ، وأن الرجل أرسل الدينار على عادة البلد ، وكان بين الزوج الرجل ووالد الزوجة مواصلة قبل عقد النكاح ، بحيث كان يدخل الدار ويخرج ، وأم الزوج والزوجة لا تحتجبان منه ، ولم يزل الزوج يهدي إلى صهره المذكور في الأعياد وغيرها ، ووالد الزوجة عالم بذلك كله ، ويدخل الدار ويجده مع أهليه قد عمل كل واحد منهما على التجهيز للدخول ، إلي أن وقع بينهما شر كثير ونزاع عظيم ، فأخذت أم الزوجة الدينار ، وقالت للزوج : خذ دينارك ولا حاجة لي بك ورمت به في الزقاق ، فرفعه الزوج وحمله لداره ، ولم يزل يطالبهم بالدخول ويندبهم للصلح فأبوا إلى أن زوجها والدها من رجل آخر قبل الفصل ، فهل العقد الأول على الصبية المذكورة صحيح أم لا لعدم وقوع الإشهاد ؟
[247/3]=فأجاب : الجواب عن السؤال أعلاه والتوفيق بالله ، أن الصيغة وهي اللفظ الدال على التزويج من الولي والتزويج من الزوج ركن من أركان النكاح لا ينعقد إلا بها ، فان حصلت من الأب والزوج في النازلة فيه ، والأب مجبر حصل عقد النكاح ، فما فعله الأب بعد ذلك من تزويج ابنته من غير الأول لا يصح ؛ لأنها في عصمته حتى يفارقها بموت أو طلاق ، وإن لم تقع منهما الصيغة المنبه عليها ، لم يحصل بينهما نكاح ، وتزويج الأب بنته بعد ذلك من غيره صحيح ، فإن ادعى الزوج على الأب العقد بالصيغة لم تتوجه عليه يمين .
[
وأجاب ابن مالك إذا طلقت الزوجة عليه بعد زوج ثلاثا بقيت له زوجة.
وسئل الشيخ خير الله عمن قال لامرأته أنت طالق ما دام سبو يجري.
[272/4]
[273/4]
فأجاب بأنه تلزمه طلقة واحدة. أبو عمران: الأولى ما نص عليه ابن المواز وسحنون أنها البتة.
[من حلف لرجل: إني أتقى لله منك]
وسئل ابن زرب عن التي في سماع أبي زيد في الذي يقول لرجل إني أتقي لله منك ويحلف على هذا.
فأجاب: لو قال هذا رجل مبرز في الفضل لرجل فاسق مثل بن اللخمي الشرطي الذي يصلب ويضرب الظهور وشبهه لم أحنثه، وإذا حلف على رجل غير مشهور حنثته.
[من حلف بالطلاق أن على فرج امرأة أجنبية علامة]
وسئل عن رجل حلف بالطلاق أن فلانة بامرأة أجنبية (بياض) على فرجها.
فأجاب: يدين. قيل له فلو ثبت بشهادة نساء أنه ليس بها شيء من ذلك أتطلق عليه؟ فقال لا. فقيل لم؟ فقال لأنه لا تطلق شهادة النساء.
قيل له فلو حلف أن ذلك في صدرها أو فخذها أو ذارعيها فشهد الشهود أنهم نظروا إليها ولا شيء بها من ذلك، فقال إن كان الشهود ممن يمكن أن يعرف أنهم لا يجوز لهم النظر إلى ذلك سقطت شهادتهم، ولم تطلق عليه، وإن كانوا ممن يعذرون بالجهالة قبلت شهادتهم وطلقت عليه.
[من حلف ألا تخرج زوجته إلى بيت أبيها إلا في فرح أو حزن]
وسئل سحنون عن رجل حلف بطلاق لامرأته أن لا تخرج إلى بيت أبيها إلا في فرح أو حزن، وولد لأبيها غلام أو جارية فسر الأب، هل ترى هذا من الفرح الذي استثنى فيه وتخرج فيه أم لا؟ وكيف إن رأيته من الفرح فخرجت المرأة إلى ذلك فمات المولود بعد أيام فحزن عليه الأب، فهل ترون هذا من الحزن الذي استثنى فيه؟ وكيف إن مات له عبد كان عنده نفيسا؟
[273/4]
[274/4]
فأجاب: الولد فرح، وموته حزن، وما وصفه من العبد الذي هو للرجل وجهه فليس من الحزن الذي تقع عليه اليمين.
[من قال لزوجته اختاريني أنا أو ولدك فخرجت بولدها]
فأجاب: يضمن هذا الزيت الذي كان في الخابية ويضمن الخابية ويخسر الزيت الذي كان في المكيل لأنها جناية يده ولا يقال له ( )(¬1) بمثله كما يقال له في الذي في الخابية.
[من أخذ دابة للتقليب فتلفت]
وسئل عن الذي قال في الدابة مر وأعرض واحبس الدابة واخبر عملها فتسرق فتذهب بلصوص أو غارة أو ذئاب.
فأجاب: المصيبة من البائع لأن البيع لم يتم بعد.
وسئل عن الرجل يشتري من الرجل كل ما في وعائه من الطعام كل فقيز بكذا وكذا فتفضل فيه.
فأجاب: أنه لا يجوز له أن يشتريها جزافا ولكن يكيلها بالمد وكذا الذي يبقى من عوائد الكتان مظفرا لا يجوز إلا بالوزن أم ما يحل لا جزافا إذا كان ما اشترى منه الكتان على ما وصفت كل ربع بكذا ولا يجوز شراء الكتان مظفرا إذا لم يعلم يقينا بمبلغ خطره فيقول البائع اشتر على أن يكون ربعه وثلثه مظفرا إلا أن يعلم تظفيره.
[من اشترى بدين إلى أن ييسر الله له]
وسئل عن رجل اشترى طعاما من رجل على سوم معروف كل صاع بكذا وكذا وأن يكون الثمن إلى أن يجعل الله له سبيلا فلم يسم أجلا ولا حالا.
[249/5]
فأجاب: لا يجوز هذا ويرد إليه مثل المكيل الذي أخذ منه إن فات، وإن لم يفت فسخ البيع ويتعاملا معاملة صحيحة على بيع حلال.
[من اشترى حبا على شرط أن ينبت فلم ينبت]
وسئل عمن ابتاع طعاما للزريعة على شرط أنه ينبت فلم ينبت؟
فأجاب: عليه قيمته على أنه لا ينبت لأن القمح والشعير وإن لم ينبت ففيه منفعة للأكل وللعلوفة ويقام نابتا وغير نابت فيرد عليه ما بين القيمتين إلا أن يجد طعاما مثله غير نابت فيرده المشتري على البائع ويأخذ الثمن كله، قيل له فلو كان ما يشتري من الزرائع التي لا توكل ويوكل ما يخرج منها فاشتراها على أنها تنبت؟ فقال ها هنا يرجع بالثمن كله.
من عقر عجلا فانقطع اللبن عن أمه]
وسئل عمن عقر عجلا وانقطع عن البقرة اللبن؟
وقد وقع في كتاب المكاتب من المدونة ما يدل على التفرقة بين هذه الألفاظ التي أشرنا إليها وأيضا أن كانت الحوالة على غير دين ثابت بل على أمانة في أيدي الصيارفة، فإن ذلك لا يقتضي البراءة على الجملة إلا أن يقع ذلك بلفظ يتضمن أن المحال قد أبرأ المحيل والتزم إسقاط الطلب عنه. فهذا الذي يسق الطلب عن المحيل وقد أحال على أمانة ومذكور في المدونة وغيرها أحكام الحوالة على غير دين ثابت في الذمة. والفقه فيها ينحصر إلى ما أشرنا إليه من اعتبار لفظ المحيل والمحال، وما يتضمن من التزام وإبراء لغة أو عرفة أو مستدلا عليه بقرائن الأحوال وبالله تعالى التوفيق.
[لا يجوز سفر المسلم لبلاد الكفار إذا كانت أحكامهم تجري عليه]
وأما ما سألت عنه من الدخول إلى صقلية بالدنانير المسكوكة لشراء الأقوات فيأخذها صاحب السكة يزيد عليها وزنا من الفضة، فإذا صارت مسكوكة أخذ منها ثمن ما زاد. فإن هذا ينظر فيه أولا هل يجوز السفر إلى صقلية أم لا؟
والذي تقدمت أجوبتي فيه أنه إذا كانت أحكام الكفر جارية على من دخلها من المسلمين، فإن السفر إليها لا يجوز. وقد كان قديما أمر السلطان بجمع أهل الفتوى عندنا وسألنا عن السفر إليها ووقع في ذلك اضطراب لأجل ضرورة الناس إلى الأقوات فقلت لجماعة المفتين رحمة الله على جميعهم.
الذي أراه أن السفر إليها إذا كانت أحكام الكفر جارية على من دخل إليها لا يجوز ولا عذر بالحاجة إلى القوت إليها لا يجوز ولا عذر بالحاجة إلي القوت. والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿إنما المشتركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم علية فسوف يغنيكم الله من فضله﴾. فنبه تعالى على أن حرمة المسجد
[318/6]
وفي مسائل ابن زرب كان الشيوخ يفتون في الشرعات إذا كانت بين المسلمين, وكان ذلك في المدائن فاحتاج إليها السلطان بما لابد منه من أمور المسلمين, وكذلك في المدائن, فلا بأس بمعاوضتهم, ويبينون لأنفسهم إن أحبوا على مثال ما خرجوا عنه في الأطوال والأعراض, وقد روى عيسى عن ابن القاسم أنه لا بأس أن يبتاع منهم عند الحاجة والضرورة إليها مما هو انتفاع لعامة المسلمين. ومن جواب لسيدي موسى العبدوسي ما نصه والذي يتقلد محبكم مما قيل في بيع الأحباس ما هو المشهور في المذهب أن لا يباع الحبس بحال سواء كان محبسا أصلا, أو اشترى مما وفر من مال الأحباس, وسواء كان كاملا أو بعضا. وقد افتى ابن رشد رحمه الله فيما اشترى من مال الأحباس أن يباع إذا رأى ذلك القاضي, وكذلك افتى فيما لا منفعة له في الحال بجواز بيع القاضي له, وذكر ابن عات في طرره أن الأنقاض والأطراف من الأحباس يجوز بيعها, فانظره فإن اقتضى نظركم بيعه جاز, والله ولي التوفيق بفضله.
[تصرف الأب فيما حبسه على أولاده الصغار لا يبطله]
وسئل أبو الحسن الصغير عمن حبس على بنيه الأصاغر أملاكا فبقي يغتلها ويتصرف فيها حتى مات فطلبت زوجته ميراثها, وزعمت أن الحبس بطل بالتصرف, واسترعت شهودا أنه إنما كان يتصرف لنفسه, ويصرف الغلة في مصالحه وظهر في وثيقة الحبس أنه إنما يتصرف لأولاده المذكورين بحكم النيابة التي له.
فأجاب: لو قيم عليه في حياته, لأخذ منه بلا إشكال, وكذلك في الدار وهو متعد فيما قبض من الغلة, وأما بعد الموت
[
فأجاب: تلزمه أجرته، فإن أغلق بابه لزمه أجرة جميع المسجد، كما لو طرح ذلك في بيت من دار أو في دهليزها وأغلق الباب فإنه يلزمه أجرة جميع الدار. وقال وكما يضمن جدار المسجد بالإتلاف يضمن منفعته بالإتلاف كمنفعة الأملاك. قال النووي: وهذا كلام صحيح متعين. وإن شغل بالغلة جانبا من المسجد ولم يغلقه لزمه أجرة ما شغله، ويصرف الآخذ الأجرة في مصالح المسجد. والله تعالى أعلم.
وسئل الامام المازري رحمه الله تعالى عمن اكترى دابة وذهب بها إلى الموضع المكترى إليه ثم حملها وخرج بها ثم حط حملها ينتظر الغير فذهبت من بين يديه من غير تفريط. فأجاب: إذا فعل فعل الناس من الحط عنها وكونها بين يديه ولم يفرط في بعدها عنه ولم يعرف لها موضعا من غير تفريط فلا ضمان عليه بعد يمينه على ذلك كما يجب.
[ أجراء المركب تردهم الريح من حيث خرجوا ]
وسئل الداودي عن أجراء المركب تردهم الريح من حيث خرجوا.
[297/8]
[298/8]
فأجاب: عليهم العمل حتى يبلغوا منتهي سفرهم فإن منعهم أمر حتى فات الإبان فلا شيء لهم ويردون ما اقتصوا إن قبضوا شيئا.
وأجاب: أبو عمران: لا يذهب عملهم باطلا.
قيل: ووقعت مسألة بتونس تجري على هذا الأصل، وهو أن تاجرا اشتري مركبا واكتري له أجراء ودفع لهم الكراء وشحن ثم أخذه الروم وهو في حفرتهم قبل إقلاعه أسر التاجر وبعض العمارة ثم فدى نفسه وطلب استرجاع الإجارة من النوتية. وجوابها إن كان ذلك بشرط النقد فلا يجوز على مذهب ابن القاسم ويجب ردها وإن لم يكن شرط النقد فكذا على هذا القول ويحتمل أن يكون كذلك على مذهب ابن نافع لأنها جائحة نزلت على المركب وقول الداوي وأبي عمران جاريان على هذا.
[ هل تدخل العين في المحاصة فيما يرمى من المراكب؟ ]
وسئل أبو الحسن هل تدخل العين في المحاصة فيما يرمى من المركب، وكذا ما اشتري من الطعام للقوت أو عروض للقنية أو جارية للتسري ما لم تحل عليه فيبيعها.
الثالثة: يجب على المسلم الذكر المكلف أن لا يفر في القتال من الكافر الحربي من مثليه عددا وصبرا فإن قوي على مقاومة ثلاثة كان له ذلك، وإن كان خلاف فرضه.
الرابعة: فرض الرأس في الوضوء المسح، فلو غسله كان له ذلك ابتداء على كراهية.
الخامسة: فرض الخفين لمن لبسهما على طهارة في الوضوء المسح
[272/9] عليهما، فلو غسلهما ينوى به المسح، قال ابن حبيب أجزأه، وكان الأصل الغسل فخفف عنه بالمسح، فإذا تكلف هو الغسل رجع إلى الأصل، فظهر بذلك أن اشتراطه عدم الرجوع في الوصية لازم له وليس من باب تغيير الأحكام، لأنه كان الأصل في الوصية لا رجوع عنها، فإذا ألزم نفسه أنه لا رجوع لزمه ذلك لرجوعه إلى الأصل على ما قررنا.
وأما قوله: وأما الوصية فلا يبعد بطلانها، فإذا رجع عنها كان أبين في صحة رجوعه، قلت هذه دعوى مبنية على دعوى.
وقوله هذا بخلاف ما لو أوصى بعتق عبد أو أمة والتزم أن لا يرجع في ذلك إلى قوله: وجب بطلان الشرط إما وحده أو معها.
قلت: هذا الكلام ليس فيه تحقيق من وجوه:
الأول: أنه مبنى على الشك والتجويز فإنه قال إن أعمل هذا الشرط وإن موضوعة في لسان العرب للشك، ثم قال وكما لو دبر عبدا فإنه يمكن صرف التدبير إلى معنى الوصية، فذكر الإمكان ولم يثبت قولا عن ذلك في كلامه هذا بوجه.
الثاني: إنه فرق فيه بين الوصية بالعبد والوصية به إلى فلان، ولا نعلم أحدا من علمائنا أنه إذا التزم في وصيته أن لا رجوع أنه ليس له رجوع فرق في ذلك بينهما، بل الحكم في ذلك عندهم واحد في الأمرين معا، فقد قال الشيخ أبوإسحاق في أول كتاب التدبير من تعليقته: فلو قال هذا العبد لفلان بعد موتي لا رجوع لي في ذلك لكان لا رجوع له عن ذلك، ولا يشبه التدبير في ترك رجوعه عن ذلك، فأنت تراه لم يفرق بين الوصية به للعتق أو لفلان، فما ذكره من الفرق بينهما ما علمنا أن أحدا قاله.
فأجاب : على الطالب إثبات وفاة المطلوب وعدة ورثته ، فإذا فعل ذلك وقف الورثة على الإقرار بالمعاملة ، فإن أقروا وادعوا الدفع فعليهم البينة ، وإلا حلف الطالب أنه ما قبض من الثمن شيئا ولا أسقطه عن موروثهم بوجه من الوجوه وأخذه من التركة . وكذا إن أنكروا المعاملة لحقتهم اليمين أنهم لا يعلمون أباهم عامل الطالب فيما ذكره ، فإذا حلفوا سقطت دعواه وكان للورثة جميعا . وكذا الحكم في الهدية المذكورة للثواب .
وسئل ابن أبي زيد عمن باع جارية من رجل فأنكر المشتري ، هل يحل له وطؤها ؟
فأجاب : إن لم يجد عليه بينة بالشراء فليحلفه ويبرأ ، ويعد ذلك منه كتسليمها بالثمن للبائع ويحل له وطؤها إن رضي بقبولها ، وإن لم يقبلها فليبعها على هذا التسليم ويشهد عدلين أنه إنما باعه على ذلك ويقبض ثمنها الذي باع به الأول ويوقف ما زاد عليه ، فمتى أقر المشتري الأول فهو له . ورأيت لسحنون في كتاب ابنه أنها لا تحل للبائع وإنما ذلك إذا لم يرض .
[من طلب بصداق زوجته فادعى الفقر وأشهد الجيران]
وسئل المازري عمن طلب بصداق زوجته فادعى الفقر وطلب بالبينة فأتى بجمع ذكر أنهم جيرانه مطلعون على أحواله ، منهم من يتوسم فيه الخير ، شهدوا بأنه فقير لا مال له . وكيف إن لم يجد سواهم ؟
فأجاب : لا يقضى في عدالة الشهود في مثل هذا بالتوسم ؛ ولكن إذا علم العدول بفقره ووجب حبسه كان تخفيف حبسه وقصر مدته بقدر قوة الظن بصدق الشهود المتوسم فيهم الخير أو ضعف الظن بهم .
[254/10] [شهادة العدل الواحد]
وكذلك حال من علم من أمره انه سيدعي الرسالة مع إقراره بالله وتصديق رسله فإن هذا وإن لم يكن كافرا بالله فإنه كافر كذاب بكذبه على الله، والله لا يظهر المعجزات على أيدي الكذابين سواء كانوا كفارا أو غير كفار. فإن قالوا: وهل يجوز أن يظهر الله الكرامة على يد ولي يدعيها لنفسه
[252/11] ويزعم ان الله أكرمه بفعلها؟ قيل له: إن قصد بذلك تعظيم نفسه وتطاول بها على الخلق فهذا رجل عامي منزلته دون منزلة العامة فضلا عن ان يلحق بدرجة الأولياء المخلصين ومن هذا قدر عمله في نفسه فليس من الأولياء وان كان هذا العبد الصالح ممن يدعي الكرامة لنفسه ليحث بها أتباعه وأشياعه على طاعة الله ويجمع بها دواعي المسلمين على عبادة الله والانقطاع إليه ويرغبهم بذلك في التوكل عليه وترك القدح والاضطراب القاطع على العبادة فهذا عبد صالح وولي الله، وليس ظهور ذلك على يديه وادعاؤه في ذلك لنفسه مفسدا لدلالة معجزة الرسل لأنه يقول لست برسول، وإنما خصصت بهذا بحبي للرسول واتباعي له وانقطاعي إلى موافقته. فبان الفرق بين الأمرين.
فإن قال قائل: أيجوز أن يظهر الله أجناس هذه الآيات الخارقة للعادة على يد ضال يدعي الربوبية كفرعون والدجال وما جري مجراهما أم لا؟