وأجاب الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الكرسوطي بما نصه: الحمد لله حمد الشاكرين له, حسبنا الله ذو الآلاء والنعم. سألت أيها الأخ في الله أبان الله لكم معالم التحقيق عن الجامع الذي أحدث ببسطة حاطها تعالى وبجهة العرص منها- حماها الله- منذ أزيد من ثلاثين عاما, ولم يقع في سؤالك بيان هل الجمعة تقام في الموضعين في العتيق الذي هو في طرف البلد وفي المحدث الذي هو في وسط البلد بجهة العرص؟ أو في المحدث خاصة؟ وهما مسألتان. وذكرت أن فقهاء ذلك الموضع اختلفوا في المسألة واختلافهم- حفظهم الله- اختلاف صحيح إن كان في الترجيح من غير انكار للقول الآخر إن كانت الجمعة تقام في الموضعين المحدث والقديم, وإن كانت تقام في المحدث وحده فلا أعلم خلافا في صحة الجمعة, لكن الذي يقتضيه المذهب ترجيح قول من قال بصحة الصلاة في المحدث لوجوه أحدها أن الشيخ أبا الحسن اللخمي- رحمه الله- في تبصرته قال بعد ذكر الخلاف المعلوم لأهل المذهب: وإقامتها في مسجدين أولى إذا كثر الناس وبعد من يصلي في الأبنية من الجامع, لأن الصلاة لهم حينئذ لا يأتون بها على صفاتها, وقد يكون الإمام في السجود وهم في الركوع. وثانيها أنك ذكرت أن مدينتكم ذات جانبين, وبينهما خندق وقناطر, وقد قال أبو الحسن بن القصار إذا كانت المدينة ذات جانبين يشبه أن يجىء على المذهب أن يجمعوا في الجانبين. وقال بعض القرويين: يريد مع الاختيار. ونبه عليها الخمي ونقلها بالمعنى وقال يريد اختيارا وأنها تصير كالمدينتين. وثالثها أن أيمة المذهب الاثبات ذكروا أن المذهب لا يختلف في جواز فقدان الضرورة, ويظهر من نقل بعضهم أن الخلاف فيما هو ضرورة, فقال ابن بشير في كتابه الموسوم بالتهذيب(¬1): ولا تقام الجمعة في مصر واحد بجامعين إلا أن يكون كبيرا جدا. والظاهر أن
[
الذين نازعوه، وإن كان القتيل والجريح من غير الفريقين فعقله على الفريقين معا، وفيها فيمن قتل بين الصفين لا قسامة، وفي الجلاب: إن اقتتلت قبيلتان ثم افترقا عن قتيل ففيها روايتان إحداهما لا قود فيه، وديته على الفئة التي نازعته إن كان من الفئة الأخرى، ومن غيرهما ديته عليهما معا، والأخرى أن وجوده بينهما معا لوث يوجب القسامة لولاته، فيقسمون على من ادعوا قتله عليه، ويقتلونه به، ولابن رشد في الشرح: قيل في قوله: لا قسامة فيمن قتل بين الصفين، لا قسامة بحال لا بقول المقتول ولا شاهد على القتل، وهي رواية سحنون، عن ابن القاسم، وقيل القاسمة بينهم بدعوى أولياء القتيل على الطائفة التي نازعتهم، ولو دمى القتيل على أحد أو شهد به عدل كانت القسامة وهو سماع عيسى وغيره وقول أشهب لأن كونه بين الصفين لم تزد دعواه إلا قوة، ويحتمل أن يريد بقوله ولا شاهد أن يكون من طائفة المدمى، إذ لا تجوز شهادة أحد من الطائفتين على أحد من الأخرى، وعلى قول ابن حبيب إذا جرح أحد منهم فعقل جرحه على الطائفة التي نازعته، ولا يقتض لأحد بقوله إلا أن يكون له شاهد من غير الطائفتين مع شاهد من طائفة القاتل فعلى الخلاف في القسامة بغير العدل، وأما شاهد من طائفة المقتول فلا إشكال في عدم قبوله.
الباجي: إن كان القتيل من غير الطائفتين أو لم يعرف من أيهما هو فعقله في أموالهما، ولو مشت إحدى الطائفتين إلى الأخرى بالسلاح إلى منازلهم ضمنت كل واحدة منهما ما قتلت الأخرى رواه محمد وابن عبدوس لأن المزحوف إليها لو شاءوا لم يقتلوهم ورفعوا أمرهم إلى السلطان ليحجز بينهم، ولو عاجلوهم فناشدوهم الله، فإن أبوا فالسيف ونحوه في المدونة.
[ من رمى رضيعا على الأرض فمات قتل الرامي ]
*وسئل ابن أبي زيد عمن أخذ صبيا رضيعا فرمى به في الأرض رمية منكرة فوقع الصبي فمكث يسيرا فمات، أفي ذلك القسامة على النفس أو الدية أم لا؟
=فأجاب : وقفت يا سيدي وصل الله سيادتكم ، وحفظ مجادتكم على المسائل المكتتبة يمنى هذا الصفح ، فأما المسألة الأولي فالكراء فيها فيما بقي من مدة للزوجة الممتعة إذا لم يذكر في عقد المتعة ، إلا أن ترضي بالخروج عنه لزوجها ، فتكون هبة من الهبات ، فإن ادعي الزوج عليها دخول ذلك في المتعة وأنكرت ، فالقول قولها من غير يمين عليها على القول الصحيح في دعوى المتبرع وأما المسألة الثانية فإن الزوج الممتع فيها يصير شريكا في المتعة في قدر حظ الزوجة الممتعة مع سائر ورثة الموروث ، فإما أن يعمر الأرض معهم ، وتقسم الغلة على تلك النسبة الموروثة ، وإما أن يقتسموا الأرض قسمة الاستغلال فيعمر موضعا معينا بالتراضي أو يقتسموا قسمة تملك ، فيتعين حظ الزوجة بالقسمة ، ومن أدعى من الورثة أو الزوج أو الزوجة إلى قسمة التمليك أجبر من ابتني فيما يحتمل القسم ولا يكون الوجهان الأولان إلا بالتراضي .
وأما المسألة الثالثة فحكمها منع الزوجة من التفويت لما أمتعت فيه زوجها ؛ لأنه قد ملك عليها الانتفاع بتلك الأعيان ، فلا تصرف لها فيه إلا بإذنه ، وأما المسألة الرابعة فلا سبيل فيها إلى استغلال الزوجة بالانتفاع لنفسها فيما أمتعت فيه زوجها إلا برضاه ، فإن هي فعلت ذلك بغير إذنه ، فله عليها الكراء لمن شاء وبالله التوفيق .
[245/3][ من أنكحها أخوها بإذنها وبعد عام قامت تدعي أنها كانت غير بالغ]
*وسئل عن بكر يتيمة أنكحها أخوها بإذنها ثم بعد ذلك بنحو عام قامت تدعي أنها كانت غير بالغة عند انعقاد النكاح عليها ، وتطلب فسخه والزوج منكر لذلك ، وذكر في الصداق بالغ في سنها كما يكتب في الصداقات وأمها هي القائمة بذلك عنها إذ هي وصي عليها .
من قال لزوجته أنت طالق في الدنيا والآخرة]
وسئل عمن قال لزوجته أنت طالق في الدنيا والآخرة. هل كقوله أنت طالق أبدا أم لا؟
فأجاب: ليس عندي في هذه المسألة نص يخصها، ولكني لا أتوقف أنها من مسائل أبدا، فإن قال في الدنيا والآخرة إنما يقصد التأكيد في التأييد.
وسئل عمن قال لزوجته أنت مخلصة محنكة مسودة.
فأجاب بأنه تلزمه طلقة واحدة مملكة، ويحلف بالله أنه ما قصد التحريم، ثم يباح له أن يراجعها إن شاء. قال وبهذا أفتي بعض الفقهاء من أهل النوازل في مثل هذه النازلة.
[من قال لزوجته أنت طالق من الأرنب في الفحص]
وسئل فقهاء قرطبة عمن قال لزوجته أنت أطلق من الأرنب في فحص كذا.
[270/4]
[271/4]
فأجاب ابن عتاب بلزوم الثلاث، وأفتى ابن العطار بواحدة رجعية، إلا أن ينوي الثلاث محتجا بقول المدونة أنت طالق لا رجعة لي عليك أنها رجعية إلا أن ينوي الثلاث، وذكر القولين حمدين.
[من حلف الأيمان لازمة له إن راجع مطلقته أبدا]
وسئل ابن دحون عمن بارى زوجته فقيل له ارتجعها وكرر عليه في ذلك فقال الأيمان لازمة إن راجعتها أبدا.
فأجاب: إن له أن يراجعها ولا يلزمه الحنث إلا فيمن في عصمته وفيما يملك حينئذ لا فيما أفاد بعد ذلك، وذلك في مثل الزوجات يكن عنده والمشي إلى مكة، وصدقته ثلث ماله وعتق عبيده، فروجع في ذلك فقال لا فرق بينها وبين الأجنبية، ولم ير الحنث عليها واقعا، واستشهد بالمسألة التي في التمليك من حلف ألا يتزوج ولم يسم محلا بعينه أو قبيلة بعينها أن له أن يتزوج إن شاء. قال بعض شيوخنا جواب ابن دحون في المسألة صحيح وله تفسيره.
[من حلف بالأيمان اللازمة إن دخلت دار فلان لا كانت زوجة فدخلت وباراها]
وسئل ابن زرب عمن قال لزوجته الأيمان اللازمة إن دخلت دار فلان لا كنت لي زوجة، فدخلت الدار ثم باراها، فهل يجوز بعد ذلك ردها؟
وهل مباراته إياها مما تخرجه عن يمينه؟ فقال له السائل نزلت وتحير فيها أهل بلدان.
وسئل عن نظيرتها الفقيه أبو عبد الله المواق، ونص السؤال: جوابكم في مسألة وهي رجل توفي في الوباء الفارط، ولذلك نحو من ثمانية أعوام وأزيد، فلما كان الآن استظهر ذمي برسم يتضمن أنه له قبل المتوفى أزيد من ثمانية وخمسين دينارا من السكة الجارية من نحو ثمانية وعشرين عاما سالفة من الآن حسبما ظهر من تاريخ الرسم المذكور، فهل يكون القول قول الذمي المستظهر بالرسم في الباقي له من الرسم المذكور ويحلف عليه ويعطي ذلك من متروك المتوفى أولا؟
فأجاب: هذا الذي استحل عقوبته وأتحمل عهدة ذلك وينصرف لسخط الله ويمزق عقده، ولي في هذا أسوة المازري وشيخ شيوخي الحفار وما دفعه الرجل المذكور بغير وده لليهودي استحل أن يرجع به عليه.
[رجل توفي وبقيت أملاكه في اعتمار بعض أولاده ثم بعد مدة قام الورثة
يطلبون القسمة]
وسئل الحفار عن رجل توفي عن زوجة وأولاده الخمسة بل السبعة وترك المتوفى أملاكا ورؤوس بقر ما سوى ذلك وبقيت الأملاك في اعتمار ثلاثة أولاده من الورثة المشار إليهم بطول خمسة عشر عاما أولها وفاة والدهم المذكور الكائنة في عام اثنين وثمانين الماضي قريبا عن التاريخ واعتمرها الأولاد الثلاثة المشار إليهم ولم يقع قسم في ذلك كله بين الورثة بوجه إلى أن توفيت الزوجة منذ نحو أربعة أشهر سالفة وقام الورثة يطلبون القسمة في المتروك على اختلافه ويطلبون القسمة أيضا في الزرع المستفاد في عامنا هذا ولم يزدرعه غير الأولاد الثلاثة فهل يجب قسمة أو إنما يجب لهم كراء حظوظهم من الأملاك ولا يجب لهم الزرع بوجه؟
[247/5]
وأما ما سألت عنه من الحوالة على الصيارفة وأموالهم مكتسبة من الربي فإنه إذا تحقق إن جميع ما في أيديهم قد استحقه عليهم المساكين والصرف في مصالح المسلمين، فإن معاملتهم فيها اختلاف في المذهب إذا عوملوا بالقيمة وأعطوا مثل ما أخذ منهم من غير أن يحابوا أو يوهبوا فقيل لا تجوز معاملتهم لأنهم لا يستحقون المال الذي يعاملون به، له هو لغيرهم من مسكين أو غيره. وإذا كان ذلك لغيرهم لم يصح التعاوض بملك الغير دون إذنه أو إذن الشرع في ذلك.
وقيل بل تجوز معاملتهم من غير محاباة، لأن المساكين لم يستحقوا أعيان ما بأيديهم، وإنما استحقوا مقداره، ولو وجدوا سبيلا إلى أداء كل ما صار في ذمتهم من الربي لحل لهم هذا المال. ولم يبق للمساكين فيه حق.
وإذا كان إنما يستحق المساكين مقداره لا عينه فبدلوه بعرض يساويه، ولا مضرة على المساكين فيه، جازت معاوضتهم، بخلاف ما أشير إليه في توجيه
[316/6]
القول الآخر من أن مال الغير لا تصح المعاوضة به، وإن أذن مستحقه، لأن ذلك إنما يكون في مال استحق الغير عينه، وهذا لم يستحقه عينه. فإذا وقعت المعاوضة بالقيمة على وجه لا ضرورة فيه على المساكين، بل ربما كان خيرا لهم بأن يعطوا مالا ظاهرا إن تمكن منهم إمام عادل لم يقدروا على إخفائه، وما كان من المال خفيا قد لا يتمكن منه الإمام فإن المعاوضة حينئذ جائزة.
فهذا حكم معاملتهم بما في أيديهم من أموال الربي والحوالة عليهم جائزة على هذا الأصل.
فأجاب رحمه الله بم نصه: الحمد الله دائما؛ إذا فضل عن حاجته وإقامة حاله والتوسع عليه- كما ذكرتم- ثم فضل؛ صرف في حاجة مسجد آخر, وكان ذلك أولى من اختزانه وتعريضه لاغتيال يد خائنة, وما يعد من ذلك حفظا, هو عين التضييع, فإنه إذا لم يبن(¬1) به بيت من بيوت الله عز وجل ويمنع به خرابه واختزانه, وكان عرضه لما ذكرنا, كان ذلك اضاعة له, ولو قلنا إنه يشتري بالفضل ربع لحبس زاد الفضل وعاد الخراب, ولو خرجنا بالنفقة من إقامة المسجد عن التوسعة في الحاجة كنا مبذرين ومضيعين لهذا المال, ولما سئل مالك رحمه الله- عما جاء في حديث من إضاعة المال, قال ألا ترى قول الله تعالى ﴿ ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ﴾ وهو منعه من حقه, ووضعه في غير حقه, وقد قال أشهب رحمه الله في الرقيق المحبس في السبيل: إن فضل من غلتهم عن عيشهم شيء فرق على فقراء ذلك الثغر, فإن فضل عنهم, ففي أقرب الثغور إليهم, ألا تراه- رحمه الله- كيف صرف الفضل إلى فقرائه, ثم إلى فقراء الثغر صدقة, وإن لم يكن ذلك من نوع المحبس عليه, ولكنه لما رأى والله أعلم أن القصد إعانة الثغر في الجملة وحمايته, صرف الفضل إلى فقرائه, ثم إلى فقراء أقرب الثغور, فكيف بالصرف ها هنا في حاجة نوع المحبس عليه, إذ المساجد كلها بيوت الله عز وجل, ولم ير رحمة الله أن يشترى بالفضل رقيق آخر يحبس مع الأصل, ولا أن يختزن الفضل ولا أن ينفق نفقة تبذير, وقد قال أيضا سخنون رحمه الله لما سئل عن زيت المسجد يكون كثيرا, قال تجعل فتائل غلاظ ولم ير بيعه, وقال لا بأس أن يوقد به في مسجد آخر وهو اختيار مالك رحمه الله لمعنى ما اخترناه والله تعالى أعلم.
[259/7] [فضلة أحباس المسجد هل يستأجر منها أئمتها؟]
وسئل الأستاذ أبو سعيد بن لب رحمه الله عن فضلة أحباس المسجد هل يستأجر منها أئمتها أم لا؟
فأجاب: قبل هذا من الزمان كانوا هنا يسألون عن ذلك وأما اليوم فلا، وإن الذي يفعلونه فيه الاجارة والسلف، وكنت أشرت عليهم بشيء فعله حينئذ قوم والغالب اليوم أنهم لا يفعلونه، وذلك أني قلت لهم إذا كان المنسج مثلا يكرى بدرهمين فيكون كراؤه بدرهم واحد وغرس مثل الغرس الذي في المنسج يؤديه له عند انقضاء أربعة أيام أو خمسة أو ما هو معروف من المدة التي يتم فيها نسجه، ثم إذا رد المنسج والغرس الذي وقع به الكراء رد للنيار الغرس الذي قطع الذي كان في المنسج بعد أن يكون طبع عليه بطابع أو يعلم عليه علامة لغيبته عليه، فإن كان الحائك ينسج لنفسه فما أخذ لأحد شيئا وما أعطى متاعه غيره وإن كان ينسج للناس فالعادة عند الناس اليوم أن الحائك يأخذ الغرس لنفسه والعادة كالشرط انتهي.
قلت: وفي طرر ابن عات: وما بقي من الغزل في المنسج عند القطع لربه إلا أن يكون في بلد قد تعارفوا فيه أنه لا يخرج بالخضرة وان الحائك ينتفع به فيكون للحائك وكأنه من الإجارة، ولا يجوز للحائك اشتراطه من الإجارة لأنه شيء بعينه لا يقبضه إلا بعد فراغه من نسج الثوب.
قيل: وفيه مع ذلك علة أخرى وهي جهالة قدره لأنه لا يدري أيكون قصيرا أو
[295/8]
[296/8]
[ الزيادة في كراء رباع الحبس بعد تمام العقد ]
وسئل محي الدين النووي- رحمه الله- عمن استأجر حبسا على جهة عامة بأجرة مثله ثم زاد إنسان في الإجارة بعد التفرق من مجالس الإجارة وإستقرار العقد، هل يفسخ العقد أم يجوز للناظر أو لغيره فسخه والحالة هذه؟
270/9] وأجاب سيدي أبوعبدالله المقري: الحمد لله، وبه أستعين، الجواب أن ينظر في هذه المسألة، فإن كان السلف للوصية فهو سلف جر نفعا، وإن كان قبلها فهو هدية مديان، وكلاهما منهي عنه، والمذهب أن النهي يدل على الفساد إلا بدليل، والأصل عدم الدليل، ومعنى الفساد في العقود أن لا تترتب آثارها عليها، وهذا يوجب بطلان هذه الوصية بالأصل فكيف بعد الرجوع، وإن كان بعدها فقد وقعت صحيحة في الظاهر، فإذا كان الرجوع في الوصية من أحكامها الثابتة لذاتها لم يسقط اشتراط خلافه، لقوله عليه السلام في شأن بريرة: ((اشتريها واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن أعتق)) وقوله: ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط)) وقوله: ((كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد)) هذا هو المختار من القولين في اشتراط خلاف كل ما يوجبه الحكم، على أن هنا زيادة، وهي أن صحة الرجوع عن الوصية كالفصل لها من التدبير، إذ هو أشهر الفروق بينهما، حتى إن ابن الحاجب على علمه بالفقه والأصول فصله بسلبها فقال على غير الوصية ولا يخفي على مثله ما في تعريف الماهية بسلب غيرها من العيب، وذلك أن الضرورات تبيح المحظورات، فإن كان هذا لم يؤمن أن يكون إسقاط كإسقاط الفصل يوجب بطلان الحقيقة، فتبطل الوصية، ثم يصير أمرها إن صحت غير وصية، إلا أن تكون هبة لم تقبض، فلا تصح، فتأمله، فإذا كانت هذه الوصية عندي باطلة صحت وصية الفقراء والمساكين وحدها من غير مزاحم لها، هذا ما عندي، وكتب محمد بن أحمد المقري حامدا مصليا.
[تعقيب الغبريني على فتوى التلمسانيين الشريف والمقري]
ثم سئل سيدي أبوالقاسم الغبريني عما عنده في هذين الجوابين المسطرين أعلاه، هل يوافق عليهما أم لا؟
وأما إذا أنفق في دارها من ماله وهي سفيهة وقال والدها أنفقت من مالها وأقر له بالتصرف ، فقال أصبغ بن محمد إن أثبت الزوج أنه ولي البنيان فالقول قوله أنه أنفق من ماله مع يمينه فيكون له الرجوع بذلك وهو قول ابن القاسم ؛ وقال ابن رشد إن كانت النفقة فائتة مستهلكة فلا حق للزوج فيها إلا أن تقوم له بينة على النفقة وعلى أنه إنما أنفقها بإذن الوالد على وجه السلف على ابنته ، وإن كانت النفقة غير مستهلكة وكان البنيان قائما فله أن يأخذ ما كان فيه من نقض إن قامت له البينة على ولاية البنيان بعد يمينه في مقطع الحق أنه أنفق من ماله ، إلا أن يشاء والد الزوجة أن يأخذ النقض لابنته بقيمته مقلوعا ، ولا يفيد إقرار الأب للزوج بولاية النفقة في دار زوجته إن كانت الابنة لم تخرج من ولاية أبيها بعد .
وقال عيسى بن دينار إذا قال بنيت لها بنفقتي ولم تدفع إلي النفقة وقالت هي قد دفعت له ذلك ، فالقول قوله مع يمينه . وإن قال بنيت ذلك لنفسي فسواء كان بنيانه بإذنها أو بغير إذنها ليس له إلا قيمته منقضوا . ووقع في ثمانية أبي زيد : قال أصبغ ومن بني أو غرس في مال امرأته وأنفق فيها فقالت امرأته بمالي أنفقت وعملت فالبنيان والغرس لي والأرض أرضي ، وقال الزوج بل بمالي ولم يكن في يدي مال وإنما غرسته لنفسي بإذنك ، فالقول قولها ولها أرضها بما فيها من الغرس والبنيان ، ولزوجها عليها قيمة ذلك مقلوعا إن أحبت ، وإلا أمرته بقلعه عن أرضها ، وهو عندي بمنزلة الغاصب لأنه أقر لها أنها أرضها . وبالله التوفيق .
[شهود العامة والتزكية الناقصة]
وسئل ابن مشكان عمن خاصم رجلا في مزرعة فقام أحدهما ببيع صحيح بشهادة ، وقام الآخر بشهادة جماعة زكيت وكتب في تزكيتها أنهم الآن من أهل الخير والصلاح ممن تقبل شهادتهم فيما شهدوا به . ثم إن أحد شهود التزكية مضى على شهادته ورجع الآخر عن شهادته وقال لا أعلم الموضع ولا حده ، فلمن تكون المزرعة المذكورة ؟
[
والذي أقول وعليه أصحابنا والسلف من أيمة المسلمين والفقهاء أصحاب الحديث أن الله تعالى يظهر على أيدي الصالحين والأولياء الكرامات الخارقة للعادات ويخص أولياء من ذلك بما شاء مما يرفع أقدارهم ويميزهم ممن سواهم ويبينون به عمن قصر عن رتبتهم.
[250/11] وأما شبه من أنكر ذلك من المعتزلة وأهل البدع فإنما هو أن ذلك يفسد دلالة معجزات الرسل عليهم السلام على صدقهم، ويسد على المكلفين طريق المعرفة بين النبي والمتنبي، ويخلط المعجزات بالكرامات. هذه عهدتهم التي عليها مدار كلامهم والقول في هذا معهم متشعب كثير.
ومن الدلالة على صحة قولنا وإفساد ما ذهبوا إليه أن المعجزات في قولنا وقولهم، ليست معجزات لأنفسها وأجناسها، ولا بكونها خارقة للعادة، وإنما هي معجزة دالة على صدق النبي لكونها خارقة للعادة وإنما هي(¬1) بها الرسول وجعلها دلالة على نبوته وأمارة يميز بها من سائر الخلق. وهي في كلتا الحالتين من مقدورات القديم سبحانه. والذي يوضح هذا أن اختراع الأجسام والحواس وكل ما لا يقدر عليه أحد من الخلق إلا الله وحده فليس بدلالة إذا وقع مع عدم التحدي والاحتجاج على صدق أحد من الرسل. وكذلك ما يظهره الله من الآيات والمعجزات والزلازل والظلم والأمور الخارقة للعادة ليست معجزة لأحد مع عدم التحدي إلى فعل مثلها والاحتجاج بها ولكنها صنع الله فاعل ما شاء حتى إذا فعل شيئا من ذلك من غير تحدي الرسول واحتجاجه به. وقوله إنه آية وأن الله يدل به على صدقي فيما أدعيه من الرسالة صار ذلك آية له، ودلالة على صدقه ولو أطلع الله الشمس من مغربها وأقلب(¬2) الدجلة ذهبا وأظهر دابة تكلم الناس من غير احتجاج أحد بذلك لم تكن هذه الأعاجيب من فعله سبحانه دلالة لأحد.