تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

233/1] عنهم مسجدهم لصغره وإن كانوا قليلين فإنه يحوز لهم إحداث جامع آخر, فإن ذلك لا يعطيه اللفظ ويأباه المعنى. وذلك بين إن شاء الله لمن تأمله. كيف والمتأخرون عنه والناقلون كلامه كابن بشير وغيره لم يعرجوا على هذا الفهم ولا نقلوا عنه خلافا لغيره. وإذا تبين أن ظاهر المذهب على منع الجامعين في هذه القضية وجب الاقتصار على جامع واحد, وابطال الجمعة من الجامع الآخر كما تقدم. ولا عبرة في مثل هذا بسكوت الحكام عليه ولا إذنهم فيه لو ثبت أن ذلك كان عن إذنهم, لأن الإذن إنما ينفع فيما له أصل في الجواز يعتمد عليه. وقد تبين هذا المعنى على ما فيه من التفصيل الشيخ أبو عبد الله بن عبد السلام في شرحه لكتاب ابن الحاجب عند الكلام على هذه المسألة بما فيه كفاية. وهذا القدر كاف إن شاء الله تعالى فيما يتعلق بهذه المسألة بباب الفتوى, وينبغي مع ذلك أن لا يهمل ما يتعلق بها في باب الفتوى, فيحق على أهل هذه الربض أن يكون رجوعهم إلى جامع واحد عن غبطة وطيب نفس من غير منازعة تكون بينهم ولا منافسة ولا توقف من إحدى الطائفتين أن ترجع إلى الأخرى, بل يكون مقصود الكل طلب الحق حيث كان, والرغبة إلى الله تعالى في الإعانة على ما يقرب إليه ويخلص بين يديه. ومن المعلوم أن من اعظم مقاصد الاجتماع في الصلوات على إمام واحد أن يصير الكل كالشخص الواحد, فتتضافع عليهم الرحمة لاجتماع أنوار قلوبهم وسطوع ضيائها على جميعهم. وقد يكون في الجماعة من يرحم الله الكل بسببه ويغفر للجميع من أجله, فإن لم يتفق حضورهم معه في سائر الصلوات حضروا معه في الأعياد والجماعات. ورعاية هذا مما يحمل على انتظام الكل في جامع واحد مع ما في ذلك من متابعة ما كان عليه السلف رضي الله عنهم من القيام بالجمعة في موضع واحد إلا عند الضرورة القاطعة. وقد علم ما ورد في الشريعة من إجازة صلاة الخوف على ما فيها من مخالفة نظام الصلاة.

=فأجاب: إن شهد الشاهدان بالنائرة وحضوره سليما وانفصاله مجروحا فعقله على ضاربه والمجتمع معه المنفصل عنه وبه الضربة، وكذا لو كانا طائفتين وقع بينهما شرور على نحو ما تقدم، وعن ابن حبيب، عن مطرف، وابن الماجشون: إذا تفرق المتقاتلان عن جرحى فادعى أحد الجرحى على رجل معين من المقاتلة أنه جرحه، قالا سواء عين أولا، فعقله على جميع المقاتلة سواء، وليس له أن يقتص من واحد بعينه إلا بإقامة شاهد على ذلك، وعن ابن القاسم مثله، فهذا إن كان من أحد الصفين فحكمه ما تقدم، إن كان رجلان خاصة اجتماعا سالمين وانفصل أحدهما بجرح فعقله على صاحبه، وإن لم يثبت شيء من هذا فهو مجرد دعوى إن وجد بينة اقتص وإلا حلف المدعى عليه.

[ جريح في نائرة سكت أياما ثم ادعى على بعض من حضرها ]

*وسئل ابن الضابط وهو من تلامذة اللخمي، عن نائرة جرت بين طائفتين من نظر سفاقس وافترقوا عن جراحات، فجرح واحد ولم يسم ضاربه إلا بعد أيام، فكتب له فيها ثلاث مرات.

[273/2]

[274/2]

=فأجاب: إذا افترقت طائفتان عن هذا المجروح ممنن حضر النائرة، ولم يروم المجروح غيره، ولا قال لا أدري حتى نطق بهذا، فليحلف ويكون له عقل الجرح، وإن كان مخوفا، ولا يضر سكوته في الأيام ثم رجع عن أشياء يطول ذكرها.

[ الجريح يسمي جارحه دون بينة ]

*وسئل أيضا عن المجروح يسمي جارحه دون بينة.

*وسئل : عن رجل توفي وقامت زوجته على تركته بكتاب صداقها معه ووقع فيه وهديته نصف خادم تكون قيمتها مائة دينار واحدة ، وتمسك الورثة سوى الزوجة بمقتضي اللفظ وادعت الزوجة أن المائة دينار هي قيمة نصف الخادم ، لا قيمة جميع الخادم ، وفي رسم الصداق شهود ثلاثة أحدهم صهر الزوجة زوج بنتها من غير هذا الزوج ، والآخر صهره وكان المتوفى قد تزوج زوجة ثانية لهذه الزوجة ، فقامت عليه برسم بشهادة الشاهدين المذكورين ، يتضمن أنه شرط لها في تاريخ انعقاد زوجيتها أن الداخلة عليها حرام ، وأنه قد ملكها أمر نفسها ، وأن توقع ما شاءت من الطلاق ، وخرجت عنه وأرادت[243/3]فراقه إن سوغه الحاكم لها ، فأثبت الزوج حدوث عداوة بينه وبين الشاهدين ، وردت له بالحكم بعد رد شهادتهما بالعداوة وهل هذا قادح في الاعتماد عليها في تفسير ما وقع في الوثيقة من كون المائة دينار قيمة النصف أو الجميع ، والشاهد الثالث بربري من أيمة القرى ، وقد كتب بعد اسمه شهد على مضمنه إلا الولي ، فإنه لم يشهد عليه بل شهد على شهادة الشاهدين على ما سوى الولي ، وهذا الآن بعمل الإقليم ، فأدي لدي القاضي بها على مضمن الصداق ، وعلي المائة دينار الفضية المذكورة فيه ، إنما هي قيمة نصف الخادم ، لا قيمة جميع الخادم ، وعلى ذلك انعقد النكاح ولم يتعرض القاضي لما ذيله الشاهد بعد اسمه ، وإن لم يكن ما ذيله بعد اسمه مسقطا لتفسيره ، فهل يمكن الورثة في القدح فيه بغير العداوة ، بينوا لنا الحكم في ذلك .

فأجاب: إذا علم مراد الأبكم بقول من يترجم عنه من الشهود بواسطة الإشارة، وما اقترن بها من القرائن الدالة على ذلك بينة تنفي عنها جميع مهمات الاحتمالات، وحصل كل ما يتوقف عليه الحكم من جميع الأسباب والشروط فقد وجب الحكم له وعليه. وما ذكر في السؤال الخاص من توقف اليمين على معرفة الاسم والكنية والصفة لا أثر له، فإن ثبوت الزوجية بينهما ليس مستفادا من قولها، والجهل بالاسم وتعذر الوصول إلى معرفته لا يقدح فيما ثبت من الزوجية إذا علم من إشارتها ما يدل على أن المراد به الزوج كما قدمناه. قيل: ما أشار إليه هنا المفتي مستفاد من المدونة في غير موضع من قوله: وما علم من الأخرس بإشارة أو كتابة من طلاق أو خلع أو عتق أو نكاح أو بيع أو شراء أو قذف لزمه فيه حكم المتكلم به. ويحد قاذفه ويقتص منه وله في الجراح والحمالة، وتجوز كفحالة الأخرس. أبو حفص العطار: ولا تجوز شهادته. وقد خالفوني فيها وأنا أجعله كالمستخرج تجوز الأحكام عليه مما بينه وبين الناس ولا تجوز شهادته.

[من طلق زوجته ثلاثا ثم قال هي عليه حرام]

وسئل أبو الحسن بن خلف عمن طلق زوجه ثلاثا ثم وقعت بينهما خصومة فقال هي عليه حرام، ثم أراد الآن تزوجها بعد زوج هل له ذلك أم لا؟

فأجاب: إن علق التحريم عند ما ذكر له ارتجاعها أو عيب عليه تطليقها، أو رأى في الخصومة ما كرهه أو علم منه أنه أرد أن يتزوجها، فتحرم عليه بعقد نكاحها ثانية، ولا تحل له إلا بعد زوج. وفي النوادر: من يدعى إلى

[268/4]

[269/4]

نكاح امرأة فيقول هي طالق. ولا يقول إن تزوجتها فيلزمه إن تزوجها، وهو مثل هذا الجواب، وقاله أشهب.

[من قال: الحلال علي حرام]

وسئل مفتي سوسة أبو الربيع المزدغي عمن قال الحلال علي حرام.

وسئل هل تجوز معاملة اليهود بالبيع والشراء منهم والاستدانة أو لا؟

فأجاب: إذا اشترى الرجل وباع من اليهود على ما يجوز شرعا ولا يعمل مع بربا ولا بوجه ولا يسوغ في الشرع فذلك حلال طيب سائغ.

[ذمي استظهر على مسلم برسوم وادعى المسلم قضاء ما فيها]

وسئل عن رجل من يهود الذمة استظهر على رجل من المسلمين بثلاثة رسوم أحدها لتاريخه خمسة عشر عاما، والرسمان لتاريخهما أحد عشر عاما وذكر أنه بقيت لهم من كل واحد منها بقية وطلبه بها فادعى المسلم المذكور أنه خلصه من الرسوم المذكورة فبينوا لنا هل يكون القول قول الغريم فيحلف أنه خلصه من مضمن الرسوم ويبرأ لطول المدة أو لا يلتفت إلى قوله إلا ببينة؟ والله يديم عافيتكم.

فأجاب: من عادة اليهود لعنهم الله استحلال أموال المسلمين وذلك

[245/5]

عادة فيهم حتى ذكرها الله عنهم، والعادة أن أحدا لا يترك ماله عند غيره مدة طويلة فكيف بكافر مع مسلم، وقد قال الفقهاء إن من عرف بالتعدي والظلم فيغلب الحكم في حقه، فمن ادعى على من هذه حاله فيحلف هذا الطالب ويستحق ما طلب وبالعكس في هذه فكذلك، يقضي في قضية اليهود أن يحلف المسلم أنه خلصه من ذلك الحق فإذا حلف سقط حق اليهودي.

[مسألة من بابة المسألة السابقة]

وأجاب أبو الفرج عن هذه أيضا فقال: وأما الدنانير السفاقسية الربعية والثلثية، فهل يجوز بيعها بالوزن لما فيه من الفضة، أو بيعها بالذهب مراطلة ومفاضلة؟ ففيها نظر، والأمر فيها يحتمل والحكم متردد، فيجوز أن يقال: لا تباع بشيء من الذهب والفضة قياسا على الحلي الذي فيه الذهب والفضة على مذهب ابن القاسم، ويجوز أن يقال فيها: إنها تباع بالأقل منهما والتبع إذا كان الثلث فأدنى على قول علي بن أبي زياد وغيره. ويجوز أيضا على مذهب أشهب في الدراهم المبهرجة أنها تباع مراطلة بالفضة على وجه البدل والصرف إذا أمن أن يغش بها، قال: لأن الناس لا يقصدون بذلك التفاضل وإذا كان كذلك وكانت هذه السكة يعملها السلطان وللناس حاجة إلى التصرف بها وضرورة إلى التبايع بها، جاز بيعها بالدراهم لأن الفضة فيها في حكم التبع قيمة، وكذلك الذهب مراطلة. وبهذا كان يفتي من أدركناه من أهل العلم المحققين وخالف في ذلك غيرهم من أهل العلم. وأما المفاضلة فالأظهر المنع وبالله تعالى التوفيق.

[314/6]

[ حكم بيع الطرطار والتجارة فيه]

وأما ما سألت عنه من بيع الطرطار(¬1) فإن هذه مسألة تكلم فيها الأشياخ، ووقع فيها تنازع. والكلام فيها من وجهين: أحدهما نجاسة الطرطار وطهارته والثاني إجازة بيعه ولو كان نجسا.

فأما طهارته فإنه إذا كانت سلافة العنب إذا عصرت خالطها أجزاء غليظة من مائية العنب، فإذا صارت هذه السلافة في الدن وطالت أيامها حتى تستحيل إلى أن تصير خمرا فإنه يتميز الجوهر الغليظ من الرقيق، فيطفو الرقيق ويرسب الغليظ. ولهذا كلما عتقت الخمرة رقت. فهذه الجواهر الراسبة إما أن تكون رسبت وتكاثفت بعد أن صارت خمرا، وإما أن تكون رسبت قبل أن تصير خمرا. ومن الخمر يتحلل أجزاؤها شيئا شيئا حتى يصير نجسا.

وأما مسألة بناء المحبس عليه وغرسه هل يكون ذلك لورثته, أو يكون حبسا مطلقا فيهما, أو يفرق بين القليل فيكون حبسا وفي الكثير القولان, فهذه أقوال, والخامس التفصيل بين أن يوصي به, أو قال لورثتي فذلك لهم, وإن لم يذكره فلا شيء لهم

[257/7] قل أو كثر, وهذا مذهب ابن القاسم في المدونة, وبه الفتيا وعليه العمل وقد عورضت مسألة الحبس بمسألة الشفعة, واختلف الشيوخ في كيفية الانفصال عن هذا الاعتراض, فمن قائل بالخلافية, ومن قائل بالوفاقية, واختلف ذوو الوفاقية في الكيف بما هو مسطور مشهور, وقد حصلها بعض شيوخ شيوخنا تحصيلا لا بأس به, إلا أنه أخل ببعض أقوال المسألة فقال: إن أشهد الباني حين بنائه انه لم يرد به حبسا فهو مملوك اتفاقا, ومقابله مقابلة, فإن لم يشهد بشيء وأوصى به, أو قال هو لورثني. قلت ولم يذكر في هذا القسم خلافا, وهو مما وقع فيه الخلاف, كما تقدم, قال المحصل الأول, وأما إن وقع الأمر فيهما ولم يؤمر به, فهنا محل الخلاف, وباقي تفريع مسألة البناء لا يحتاج إليه إن فرغنا على المشهور وعلى الثاني فصاحب الدار (كذا), ابن يونس قيد المدونة بإعطاء ذلك منمقوصا وعلى تقييده المعول انعطاف إن حكمنا بالرجوع في الغلة فالمرجوع به إما مكيلة في معلوم المكيلة, أو قيمته فيما جهلت مكيلته, أو إجارة المثل فيما هو مستأجر. وأما قولكم بالرجوع في عين الأشياء المحبسة لينتفع بها الحفدة المدة التي انتفع بها الأعمام, لتساويهم حاجة وعددا, فذلك مما لا سبيل إليه, بل لو اتفقوا على ذلك لم يجز لما فيه من وجوه الربا وغيره من موانع ذلك, والله الموفق بفضله انتهى.

فأجاب: أما إذا قال استأجرني بجزء من يستأجره فيما نفعله فلا يجوز لأنه مجهول، ولكن يفعل على جزء من منافع الرحى إلى مدة معلومة بمنافع الرجل في قيامه على باقي الأجزاء فإذا تملكا المنافع معا كانت الغلة بينهما مثل أن يستأجر منه ثلاثة أرباع منافعه بربع منافع الرحى ويصير منافع الرحى بينهما أرباعا ثلاثة أرباعها لمالكها وربعها للأجير فيقتسمان الغلة على هذه التجزئة ونظير هذه من استأجر عبدا ذا صنعة بأجرة معلومة ليأتيه بخراجه فيجوز ولا يجوز أن يستأجر منافعه ونظيره أيضا لو كانت لرجل دابة فقال له رجل ادفعها لي لأخدم عليها فنصف ما أكتسبه لي ونصفه لك فلا يجوز ولو قال له على أن يكون لك نصف منافع الدابة فتصير منافع الرجل (كذا)

[293/8]

[294/8]

ومنافع الدابة بينهما أنصافا فما حصل اقتسموا وتظهر فائدة هذا الفرق في مسألة الرحى مثل لو كان يطحن للناس بالدين فأفلس الذي طحن له بالأجرة فإنها من الأجير ومن رب الرحى ولو كان إنما استأجره بجزء مما يكسب لكانت الأجرة على رب الرحى، فتأمله فإنه خفي! قال الشيخ: ونزلت هذه المسألة به في خاصته ونزلت برجل من الطلبة فأفتاه بذلك وأفتي غيره بأنه لا يجوز.

وسئل أبو صالح عن الرحى يمسكها الرجل وتقاضي إمساكها على الثلث أو الربع من ذلك؟

فأجاب: لا يجوز لأنه لا يدري ما يأتيها من الطعام أقليلا أم كثيرا، ولعله لا يأتيها شيء فيكون جلوسه باطلا. ولكن لو جعل له كيلا معلوما من الطعام في كل يوم أو جمعة أتي الطعام أو لم يات كان ذلك جائزا ولا بأس به ولا بأس بحبس الرحى إذا كان معروفا وتكرى الأرحى إذا كانت الأداة كلها على رب الرحى وإلا غرم لغرره.

[ قسمة غلة الرحى بين الشركاء بالأيام ]

وسئل عن الشركاء في الأرحية يأخذون غلتها بالأيام أيجوز ذلك؟

الحمد لله، سيدي رضي الله عنكم، ما تقولون في رجل أوصى لرجل عند سفره، بثلث ماله إن توفي، وذلك لسلف أسلفه إياه، واشترط في الوصية أنه لا يرجع فيها، ومتى رجع فيها كان تأكيدا وتجديدا للوصية المذكورة، ثم بعد انفصاله عن محل الوصية أشهد على نفسه بالرجوع عنها وأبطل حكمها والعمل بها، وأوصى بها للفقراء والمساكين والقراء بجامع نفطة، هل يصح له الرجوع في الوصية أم لا؟

[269/9] فأجاب الشريف سيدي أبوعبدالله بما نصه:

الحمد لله تعالى جده، الأظهر أن له الرجوع في ذلك، وأن الوصية للفقراء نافذة، وذلك لأن الشرع جعل تمكن الموصى من الرجوع حكما من أحكام الوصية، فإذا التزم الموصى أن لا يرجع فقد أبطل حكم الوصية وسلك بها غير مسلكها، فصار ذلك كالمعاملات التي اشترط فيها ما ينافي أحكامها، فالشروط باطلة، ومن المعاملات ما يبطل، ومنها ما لا يبطل على ما فصل في الفقه، فكان اشتراط عدم الرجوع باطلا، وأما الوصية فلا يبعد بطلانها فإذا رجع عنها كان أبين في صحة رجوعه ونفوذ وصيته الثانية، وهذا بخلاف ما لو أوصى بعتق عبد أو أمة والتزم أن لا يرجع في ذلك، فإنه إن أعمل هذا الشرط فذلك لإمكان صرف لفظة الوصية إلى معنى التدبير على طريق الاستعارة لقرينة الالتزام، فإن العتق يقبل الأمرين الوصية والتدبير، كما لو دبر عبدا وشرط إن له الرجوع، فإنه يمكن صرف التدبير إلى معنى الوصية لقرينة الرجوع إلى غير العتق لما لم يقبل الوصية، فإذا اشترط فيها ما يغير حكمها وجب بطلان الشرط إما وحده أو معها، هذا والوصية قارنها سلف جر نفعا.

فإن قيل: اشتراط أن لا يرجع لا ينافي الوصية، إذ هو تأكيد المقصد منها، وأما الرجوع فمشروع بالقصد لا بالعرض تلافيا عند الندم.

فأجاب : فعل الأب في هذا غير صواب ، إذ ليس للأب ولا للوصي أن يهب مال محجوره ولا يصنع فيه صنعا إلا بعوض إلا ما ورد به النص ، وإن كان قد وقع لابن القاسم في المدونة شيء هو عندي خلاف هذه المسألة .

وأجاب غيره : لم يتبين في سؤالك هل شرط الإسكان مشترط في عقد النكاح أو بعد تمامه ؟ فإن وقع الشرط في العقد وعثر عليه قبل البناء نقض ، وإن لم يعثر عليه إلا بعد الدخول لم يفسخ وثبت بصداق المثل . وإن كان الأب إنما تبرع بذلك بعد صحة العقد وسلامته فليس له أن يهب مال ابنته على غير عوض إلا في موضع مخصوص على مذهب مالك رحمه الله ، وهو إذا طلق الزوج قبل البناء البكر فيكون الأب عافيا إذ هو الذي بيده عقدة النكاح على مذهبه ، وعلى قول ابن القاسم إذا أعسر الزوج فأراد الأب أن يخفف عنه أو يرجئه الصداق على وجه النظر لابنته ، فأجازه ابن القاسم ومنعه مالك إلا أن يلتزم الأب الكراء أو غيره للزوج فيلزمه ما التزم . وأما إذا سكن الزوج مع زوجته الرشيدة في دار تملكها او في دار اكترتها فلا كراء على الزوج في ذلك إلا أن تشترط عليه وتبينه له . والله ولي التوفيق انتهى .

وقال بعضهم ولو كان الكراء مشاهرة لم يلزم الزوجة شيء لأنها [250/10] لم تملك لا رقبة ولا منفعة ، فإن ادعت الزوجة أنها اشترطت عليه الكراء وأنكر الزوج فالقول قوله وعليها البينة وإلا حلف وبرىء . وقال القابسي إن كانت المرأة هي التي دعته إلى الدخول في دار نفسها أو دار اكترتها ولم تذكر له تغريمه فلا شيء عليه ، ولو كان هو الذي اختار ذلك فعليه الكراء . وروى أشهب وابن نافع عن مالك فيمن كان يأكل مال امرأته وهي تنظر ولا تغير ولا يستأذنها فيه ثم طلبت ذلك منه فلها ذلك ، زاد ابن أبي زيد أنها تحلف ما سكتت إلا لتقوم عليه ، وقاله محمد ابن عبد الملك ، وقال أبو صالح لا شيء لها ، وكذلك إذا سكن دارها وهي تنظر لا شيء لها إذا طلبته .

[

248/11] لا سيما في أوقات تبليغ الوحي إليه وتقبله إياه بالأصول يطول تتبعها فلا يبقى بعد امتناع هذا المسك إلا أحد الوجهين اللذين احتوى عليهما كلام الشيخ الأوحد أدام الله تأبيده. وقد صار إلى أحدهما طائفة وإلى الأخرى آخرون. والسديد عندي في ذلك والعلم عند الله أن يزيل عن شخص جبريل عليه السلام ما هو به أعلم من أجزائه. وهذا ما تشهد له الأخبار إذ قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن منكبي إسرافيل يملآن الخافقين وإنه ليتضاءل من خشية الله حتى يعود كالوضع" وفي بعض الأخبار المسنده: "إن جبريل كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فأمات وانداب حتى عاد إلى حجم عدسة فلما راجعه عليه السلام قال: إنه فتح باب من أبواب السماء لم تفتح قط وانه لحادث أمر في قصة طويلة". وعقد القول في ذلك أنه يبعد تقدير انفصال أجزاء من شخص الملك بعد بقاء بقية أجزائه ملكا. ويلزم من رد ذلك أن يكون جبريل مستقرا على مقامه في الأفق وإنما جاء محمدا منه بعض أجزائه ثم الأخرى التي يقدر زوالها في شخصه، يجوز أن الله يعدمها ويفنيها ثم يعيدها كما يعدم أجزاء من جسد من ينحل وينحف ويجوز أن يزيلها عنه ولا يعدهما، بل تبقى غير متصفة بصفات الملائكة، ثم يؤلفها الله ويجمعها والله القادر على كل ممكن جائز والحمد لله رب العالمين وصلواته على نبيه الكريم.

[طلب الإجابة عن نظرية من أنكر كرامات الأولياء]

وكتب القاضي أبو بكر بن الطيب رحمه الله إلى أبي الحسن محمد بن أحمد بن المعتمر المرقى في الكرامات:

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٢٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٢٩٩