232/1] المسجد العتيق. وقال محمد بن عبد الحكم ويحي بن عمر لا بأس أن تقام الجمعة في موضعين في الأمصار كبغداد ومصر. وليس هذا بخلاف في المذهب وإنما هو راجع إلى الاحتياط على كمال الصلاة بالتمكن من اتباع المأموم لإمامه , ولا يمكن ذلك غالبا مع الكثرة في المصر الكبير إلا بإقامة الجمعة في مسجدين. ويمكن ذلك في الأمصار الصغار والقرى, ولذلك لم تقم فيه الجمعة إلا في موضع انتهى. وإلى هذا المعنى يرجع ما ذكره أبوالحسن اللخمي في في تبصرته, ونصه: الجمعة تقام في مسجد واحد. وإن كان في المصر جامعان أقيمت في الأقدم منهما وأن أقيمت في الأحدث وحده أجزأت, وإن أقيمت في الجامعين مع القدرة على الاكتفاء بالواحد أجزأت من صلاها في الأقدم منهما, وأعادها الآخرون. قاله مالك في مختصر ما ليس في المختصر. وقال بعض الناس: يجزىء من أقامها أولا ويعيد من أقامها بعد. وإذا لم يجزهم جامع جاز أن تصلى في جامعين. وقال محمد بن عبد الحكم: أما في الأمصار العظام مثل مصر وبغداد فلا بأس أن يجمعوا في مسجدين. قال الشيخ رضي الله عنه: إقامتها في مسجدين أولى إذا كثر الناس وبعد من يصلي في الأفنية من الجامع, لأن الصلاة لهم حينئذ لا يأتون بها على صفتها, وقد يكون الإمام في السجود وهم في الركوع انتهى. وإذا تأملت هذا الكلام وجدته موافقا لكلام غيره من العلماء في أن تعدد الجامع لا يكون إلا في المصر الكبير. ألا تراه قال أولا وإذا لم يجزهم جامع ولم يقل جامعهم ولا جامع بلدهم لصغره, بل ما يقال فيه إنه جامع من جوامع الأمصار, فكأنه يقول: وإذا كانوا من الكثرة بحيث لا يكفيهم جامع واحد من الجوامع المعتادة في الأمصار, وخرجوا في الكثرة عن حد ذلك جاز حينئذ أن يجمعوا في جامعين. ويقوي ذلك تعقيبه بما نقله عن محمد بن عبد الحكم من جواز ذلك في الأمصار العظام كمصر وبغداد.
=وأجاب ابن البراء عن هذه الرسوم: العقود المشهودة في أمر القتل لم تتناقض، وأعرب بعضها عن معاينة الشهود القتل وتعيين القاتلين، وعين بعضهم باسمهم، وعين بعضهم بعض المشهود عليه، وبعضهم شهد بالاستفاضة، فقوي اللوث، وضعف الإهمال، فينبغي النظر في أحوال الشهود ويعتمد فيه على ما اقتضاه النظر الخالص من شوائب التقصير ويتوسم حال.
[271/2]
[272/2]
الشهود، ويكلف ولي الدم الاجتهاد، فإن لم يأت بزائد على ما كتب على الضاربين وعينهم، ولو قيل هنا بقول المغيرة يقتل جميع من أقسم عليه لحسن لأن هذا قوي المدارك بمن يشهد على العين وارتكب من الجرم ووقع التمالي على إراقة الدماء المعصومة، لأن الحقوق من الأموال يثبت فيها صاحب الحق والقاتل يلتمس الخلوة، ولو لم تكن القاسمة إلا فيما ثبت ببينة لبطل الدم وحبس عليه، وإذا علم القاتل قبول قول المقتول عليه يحذر من وقوعه في مثل هذا فاحتيط للدماء، فانظر كيف تفطن مالك رضي الله عنه لنكته وقعت المحافظة عليها في الخلوة،فما ظنك بقوم قتلوا جهارا بمرأى من الناس ومسمع بالتشديد عليهم والأخذ ببعض ما ظهر من إقامة الحقوق المترتبة، ودفع المفاسد، فينبغي لمن انتصب للحكم المتعلق بخطاب الله تعالى ورسوله أن ينظر من نفسه ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ﴾ إلى قوله: ﴿ والله رؤوف بالعباد ﴾ فيكفي في السامع المتعظ خطاب الله تعالى واعظا ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
[ لا تقبل شهادة من شارك في عراك نتج عنه جرح وموت ]
*وسئل : عن رجل اشترى من رجل موضعا وللبائع زوجة تزوجها منذ ثمان عشرة سنة ، وكان ساق لها في عقد صداقها النصف الواحد من جميع أملاكه ، وهذا الموضع المشترى باعه والد الزوجة بتاريخ مجهول في عام أربعة وخمسين ، وتاريخ الصداق في عام أربعة وخمسين أيضا ، وبقي الموضع بيد والد الزوجة من ذلك الوقت إلى منذ عامين ، يعمره ويستغله ، وعقد والد الزوجة مع الزوج البائع في الموضع المذكور إقالة منذ عامين كما ذكرت ، ولم يذكر للزوجة في الموضع المذكور خطأ لا في عقد بيعه من والدها ولا في عقد الإقالة ، فلما باع الزوج الموضع المذكور ، قام والد الزوجة على المشتري يطلب حظ ابنته ويشفع عليه ، ولا هو الموضع محدود في الصداق ، وإنما هي السياقة للنصف من جميع أملاكه ، وأثبت والدها الصداق وقام على المشتري يطلب الحظ والشفعة ، فبينوا لنا يا سيدي ، إن كان يثبت له هذا الموضع بالصداق ، وتكون فيه شفعة حيث البيع وقع فيه والإقالة ، وهل تجب على والد الزوجة يمين : هل كان شراؤه قبل السياقة أو بعدها ، وأنتم مأجورون مشكورون ، وإن كان يا سيدي تجب اليمين على والد الزوجة ، فهل تنقلب على المشتري أم لا والله يبقيكم .
وسئل أبو علي القروي عمن قال لامرأته هي علي حرام في الدنيا والآخرة.
فأجاب بأن له نكاحها بعد زوج، وكان يلزمه أن يكون مع ذلك الظهار فإنه لازم قوله كما لو قال لها هي عليه حرام مثل أمي.
[من أقام امرأته مقام امرأة تزوجته واستحيت للشهادة عليها]
وسئل ابن عرفة عمن أوقف امرأته مكان امرأة تزوجته رجلا واستحيت للشهادة عليها، فقامت مقامها في الإشهاد عليها، وعرف بها زوجها.
فأجاب: بأن النكاح يلزم المتزوجة لأنها راضية ونابت عنها هذه في الرضى، تبقى الأخرى على زوجيتها لزوجها. ويكون إنما هذه كذبة، إذ لم يبح زوجته بهذا القدر، ولا يتخرج فيها ما في من زوج زوجته.
[من قال كل ما يعيش فيه حرام]
وسئل أبو الطيب الكندي عن قائل قال: كل ما يعيش فيه حرام.
فأجاب: أصل اليمين أن لا تدخل فيه الزوجة، لكن أهل بلدنا استعملوه في هذا الوقت فيها كالحلال عليه حرام، فإن غلب ذلك في بلد أو قصده الحالف لزمه في التي عنده لا فيمن يتزوج بعد ذلك، ولا في ماله، وأما قوله ما يسعى على نفسه حرام فلا شيء عليه.
[إذا غضب البائع وحلف ألا يبيع بأكثر من الثمن ولا بأقل]
وسئل ابن البر (¬1) عمن باع ثوبا بعشرين دينارا فاستوضعه المشتري درهما، فحلف البائع بالطلاق إن باعه منه بدينار ولا أكثر ولا أقل، فأراد أخذه بالعشرين درهما فمنعها البائع لأجل يمينه. كيف الحكم في ذلك؟
[266/4]
[267/4]
فأجاب: الثوب للمشتري ولا حنث على البائع.
[من غار على امرأته فقال إن رأتك عين فأنت طالق]
وسئل ابن الضابط عمن له امرأة مليحة فقال إذا رأتك عين فأنت طالق.
فأجاب: إن كان مراده إن انكشفت وتبدت فلا شيء عليه إلا أن يقع ذلك، وإن أرد أن لا تراها عين مطلقا حنث إذا رأتها عين.
فأجاب: الأم التي سكتت على ما فعلت ابنتها من بيع أملاكها وهي حاضرة لم تنكر ذلك ولاردته فلما ماتت البائعة قامت تدعي أنها وصي لا يلتفت إلى دعواها حتى يظهر عقد الإيصاء ويثبت فإذا أنها وصي حينئذ يقال لها لم سكتت عن رد ما فعلته المحجورة وعرضت مال المشتري للتلف إذا أخذت الأملاك من يده ثم يضع النظر بعد ذلك فيما فعلت هذه المحجورة من بيع أملاكها فإن كان جاريا على الصواب فيمضي عما يجري ذلك في كثير من تصرفاته وإن لم يكن البيع جاريا على الصواب والسداد فيرد ويرجع المشتري بالثمن الذي بذل في الأملاك على الوصي لأنها هي التي تسببت في تلف ذلك المال فتغرمه كما قال الفقهاء فيمن له خشية ولجاره حائط للسقوط فأمسك الخشبة حتى طاح الحائط فإنه يضمن ومن كتم شهادة بحق إنسان فلم يشهد له بحقه حتى تعذر الوصول إليه فإنه يغرم له ذلك الحق الذي كان يشهد له به إلى مسائل كثيرة، وكون الوصي أخذت تلك الأملاك وتصرفت فيها كما ذكر في السؤال وأخرجت ذرية الهالكة من أملاك أمهم لا ينفذ من فعلها ويدل على سوء تصرفها، قاله محمد الحفار وفقه الله تعالى.
[بيع الأرض يشمل أشجارها]
وسئل عمن باع أرضا وقام بعد مدة يدعي أن الأشجار القائمة عليها لم تدخل في البيع؟
فأجاب: الحكم الشرعي أن من باع أرضا وعليها أشجار فإن الأشجار داخلة في البيع مع الأرض فليس لهذين الأخوين حق في الأشجار، فإن
[243/5]
الأشجار داخلة في البيع مع الأرض حتى يستثنيها البائع وقت البيع ويقول أنه متمسك بها، فإن لم يستثنيها فهي داخلة في البيع مع الأرض، ثم إن سكوتهما المدة المذكورة مسقط لحقهما إن كان لهما حق صحيح فكيف وليس لهما حق في الأشجار.
[من تعين عليه حرير فأراد أن يشتري من صاحب الحق حريرا]
وسئل عمن تعين عليه حرير لغيره فأراد أن يشتري من صاحب الحق حريرا ثم يدفعه له في حقه؟
وأما ما كان في ذلك من العمائم والثياب التي يلبسها الرجل فيكون حكمه حكم ما لا يجوز اتخاذه إذا حلي بالذهب والفضة وإنما كان ذلك لأنه إذا قدمت هذه الأشياء أو حرقت خرج منها الذهب الكثير. وإنما كان حكم السمنطر ما ذكرناه لاستهلاكه وعدم تمييزه وزوال ما ينفع به من الذهب فيه فأشبه الذهب الموجود في الحيطان الذي لو يتكلف إخراجة لم يخرج منه كثير شيء وربما استغرقته الإجارة فإنه يسقط حكمه ولا يلزم مالكه فيه الزكاة، وإن كان مما لا يجوز استعماله واقتناؤه وبالله تعالى التوفيق.
[كيف يتصور الربا في السكك المغشوشة؟]
وأما سؤالك عن تصور الربي في هذه السكك المغشوشة فإنه يتصور فيها. فأما على القول الذي يمنع من بيع الحلي المركب من ذهب وفضة بأحد النوعين الذي ركب عنهما فلا خفاء في منعه للتفاضل بين السكك التي سميتها في سؤالك. وأما المجيز لذلك وهو الذي ظننت به أنه يجيزها هنا التفاضل في هذه السكك على معنى إلغاء الأقل الذي هو الثلث فأدنى، فإنه قد لا يلزم هذا ها هنا فأما في بعض السكك التي يكون ظاهرها وباطنها ما لا كبير ثمن له ولا منفعة فيه، فإنه ها هنا يعتبر الذهب قل أو كثر، لكون ما ركب معه لا ثمن له، فالمقصود في المعاوضة هذا الذهب المشار إليه، فيجتنب فيه ما يجتنب في بيع الذهب بالذهب.
[313/6]
255/7] القوري رحمه الله بما نصه: الحمد لله. الذي أتقلد الجواب به في هذه النازلة, أن قول العم هب أن التنصيص وقع على الحفيد بإحدى الصيغتين إلى آخر مقاله, يتنزل منزلة الاقرار الصريح بذلك, فيؤاخذ بمقتضاه ويترتب حكم الحبس على ذلك اللفظ ولا يعدل إلى سواه عملا بقول ابن عتاب وفتياه, وإن كان قد خالفه ابن القطان في هذا الأصل, وإذا علمنا قول ابن عتاب نظرنا في دعوى العم لا شيء للحفدة بعد ايثار الأعلى إلا من الفضل, ولا فضل إلى آخر ما حكى عنه في هذا المسطور, فالذي قاله العم صحيح, إلا أن العمل على قول المغيرة وغيره من الحكم بالتسوية وعدم إيثار الطبقة العليا على السفلى التي تليها, وقد قال بذلك القول جماعة, وأخذ من المدونة ونسبها إليها من مواضع, كمسألة ولد الأعيان, وكقوله إذا أنكح الابناء وعظمت مؤنتهم كانوا بقسم واحد مع آبائهم, وقد كنا حكينا في هذه المسألة أقوالا, منها تبدئية الأعلى مطلقا ولا شيء لمن تحتهم ممن سفل, وتبدئة الطبقة العليا أيضا, ولكن لا يحرم أبناؤهم من الاعطاء وإن قل, وتسوية الكل في الحبس من غير إيثار أحد مطلقا, والتسوية في استواء الحال لا في اختلافها, وفي الاختلاف خلاف, قيل بتبدئة الأحوج وإن كان حفيدا, ولا يعطى الولد شيئا حالتئذ لأن سنة الأحباس تبدئة الفقراء, وبه قال أشهب قائلا بتبدية الأعلى عند الاستواء, والمنسوب لابن القاسم لابد من إعطاء الآباء في حاجة ولد الولد وإن كان الآباء أغنياء, لئلا ينقطع سببهم, وأصل عبد الملك إيثار الأقرب من حبس عليه, وكذلك في المرجع, وصرح ابن رشد بمشهورية القول بإيثار المحتاج على الغني في الحبس المعقب كما أنه قال في أجوبته: إن العمل جرى بقسم هذا الحبس الموصوف أعهلاه على التسوية بين الغني والفقير, وكذلك رجح الشيخ أبو الحسن اللخمي- رحمه الله ورضي عنه- القول بالتسوية والمساواة وقال إنه أحسن نص على ولد الولد, أو دخل
وسئل بعض الشيوخ عن اكتراء الشمع.
فأجاب: الكلام على كراء الشمع فيه أولا اجتماع البيع والاجارة، وفيه قولان. ثم كراء ما لا يعرف بعينه، ثم إن الثمن مفضض على البيع والاجارة، فيسري إليه الغرر بحسب قلة ما تفنيه النار وما تبقيه إن لم يعين ما يقد ويقول فما زاد فبحسابه وما نقص كذلك ويسري إليه بيع العربان إن لم يقد فيكون من أكل المال بالباطل.
فإن قيل: ما لا يعرف بعينه إذا طبع جاز كراؤه، والشمع معلوم عند الناس وأربابه.
قلنا: هذا ضعيف. ولعل المشتري يتحيل حتى يأتي بمثلها ولأنه لا يدريه إلا صاحبه بخلاف الطبع فإذا تقرر الأمر فليرجع الكلام إلى أول مسألة: فمسألة الشمع اجتمع فيها عقدان أحدهما على الالتزام واللزوم وهو الكراء، والآخر على الجواز وعدم اللزوم وهو البيع. وفي المذهب في ذلك قولان. انظر أول الجعل والإجارة اجتماع الجعل والبيع عدم الجواز؛ والقول الثاني نقله الأشياخ. هذا حكمه. فإن وقع فاسدا ما حكمه؟ إن لم يفت رد، وإن فات فقد تقدم أن إجارة ما لا يعرف بعينه بيع وسلف بزيادة ومقتضي البيع والسلف أن يكون فيه الأقل من الثمن أو القيمة لكن هنا زيادة الإجارة فيكون له الأكثر.
[291/8]
[292/8]
فإن قيل: فهل ثم طريق لجواز كراء الشمع يطبع عليه طبعا لا يخفي ولا يتمثل عليه ويعين الزمان الذي يكريه إليه؟
قيل: المواجر إنما هي الشمعة، والإجارة في مقابلة الانتفاع وهي تتعين بالوقيد. وأما بالنسبة إلى البيع فيحمل على القدر الذي جرت العادة أن يوقد وينظر إلى أجرة الكراء في ذلك الشغل فيوقف على تلك الأرطال فما ناب كل رطل من الكراء إضافة إلى ثمنه فإن كان احتياجه أقل مما حد خير بين أن يأخذ من الشمعة بقية ما عقدوه عليه بثمن يتراضيانه. ولا يقال لعلهما يتواطآن على ذلك من أول، ولا بد من تعين المدة إما بالنص أو بالعرف. انتهي. ونقلته من خط من زعم أنه نقله من خط الشيخ الصالح الحاج أبي الحجاج سيدي الحاج يوسف الأغصاوي.
[
[مسألة]
وسئل رحمه الله عمن كان قد عهد بعهد وقيل له: أترجع في العهد؟ فقال أنرجع فيه، قيل له آها فقال فأها.
فأجاب بما نصه: تأملت حفظ الله كمالكم قضية الوصية وما يرام إن تنسخ به، فرأيت رسم الوصية صحيحا سالما مما يتطرق إليه من الاعتراضات، وتأملت ما وقع في دعوى النسخ فرأيته لا ينهض ناسخا، ومن المعلوم أن ما ثبت حكمه لا يرفع إلا بأمر بين، وذلك حفظكم الله أن مدار ما قيم به في النسخ في الوصية المذكورة أن الشهود شهدوا أن العاهد قيل له أرجع في العهد؟ فقال: أنرجع فيه، فقيل له آها، فقال فآها، فقوله فآها بمنزلة ما لو قال نعم، وإذا نظرنا في الجواب بنعم وجناه يختلف باختلاف السؤال، فإذا كان السؤال بالفعل المضارع كان الجواب بها عدة كما لو قيل له: أتقوم؟ فقال: نعم، لم يشك أحد أن قوله نعم وعد بالقيام، وليس فيه ما يعطى أنه قام، لأن السؤال أبدا مقدر بعد الجواب بنعم، وكأنه حين قيل أتقوم؟ فقال نعم، أراد بنعم أقوم، وكذلك قوله نعم في جواب أتطلق؟ أتعتق؟ أتبيع؟ إلى غير ذلك من الأسئلة وعد بخلاف ما لو قال له: أقمت؟ فقال: نعم، لكان معترفا بالقيام، إذ جوابه في قوة أن لو قال نعم قمت، فقيامه وقع في عرف اللغة والشرع، وكذلك طلاقه وعتقه وبيعه وشراؤه، وعلى هذا التقرير وهو تقرير سيبويه وغيره من الأئمة يكون قول العاهد فآها في جواب من قيل له: أترجع في العهد؟ إذ جوابه أترجع في العهد وعد بالنسخ لا نسخا، لأن جوابه في قوة أن لو قال أنا أرجع بخلاف ما لو قال فآها في جواب من قال له أرجعت في العهد؟ إذ جوابه حينئذ في قوة آها رجعت، وهذا ظاهر في الفرق، جار في الطلاق والعتق والبيع والشراء وغيرها، فتأمله، نعم إن انضم إلى ذلك قرينة أو بساط أو غير ذلك مما يخرج الكلام عن وضعه وعرفه إلى معنى آخر، وكان الشهود بذلك من أهل المعرفة باللسان وما يصرفه إلى المجاز والخروج عن الحقيقة كان النسخ حينئذ
فأجاب : إذا علم مراد الأبكم بقول من يترجم عنه من الشهود بإشارة أو قرائن دالة واضحة تنفي عنها صفات الجهل وحصل جميع ما يتوقف عليه الحكم من الأسباب والشروط وجب الحكم له أو عليه . وما ذكره في السؤال من معرفة الاسم إلى آخره لا أثر له ، لأن ثبوت الزوجية ليس متوقفا على قولها ، وتعذر الوصول إلى معرفة الاسم لا يقدح فيما ثبت من الزوجية إذا علم من إشارتها أن المراد به الزوج كما تقدم .
[راكب مركب رفع يده فرمت قفة معلقة في البحر]
وسئل عمر بن إسماعيل المهدوي عمن مشى لبلد في مركب لقضاء حاجة ، فرفع يده فجاءت في قفة معلقة فرمتها في البحر فادعى صاحبها أن فيها دنانير ودراهم وقامت عليه بينة وهو ينكر ، هل يلزمه شيء مما ذكر أم لا ؟
فأجاب : لا يقبل قوله في الدنانير والدراهم ، وإنما له قيمة القفة على ما يظهر فيها وعلى ما يشبه أن يحمل فيها على الأغلب على أقل ذلك مع يمينه أن هذا أو أزيد منه كان فيها حتى يثبت أكثر منه . فقيل له : لأي شيء [248/10] كان القول قوله مع أنه لا يعرف ما فيها ؟ لأنه لو ادعى معرفته بعد الإنكار لم يقبل منه ، فجهله حجة عليه وكذلك إنكاره .
فأجاب : بأنه لم يجر في استعمال العادة جعله فيها ، والحكم للأغلب
في حكم القفة وما يعمل فيها ورفعها في ذلك المحل ، ولو شهد العرف بأنه يعمل فيها العين لقبل قوله في أقل ما يسافر به مثله في الأغلب في مثل هذا السفر. وأما دعوى المطلوب فراغها أو ما فيها فمقبول منه لا يضره تقدم إنكاره ، لأنه رجوع منه عن العدد الذي توجبه الشهادة إلى ما لا تمنعه الشهادة منه ولا شهادة الحال لفقد علمه لأنه تقدمه ، وذكر قول مالك فيمن أنكر أصل حق ثم طلب المخرج منه .
[تصرف الزوج في أملاك زوجته يقضي فيه بحكم العادة]
هذا ما ارتضاه شيخنا رحمه الله وذلك أن من مذهبه نفي الأحوال وإبطال القول بها وأن كون العلم عالما عين العلم والقاضي يميل إلى القول بالأحوال، ويزعم أن كون العالم عالما حال زائدة على الذات والعلم وربما ينفي الأحوال في بعض أجوبته. واستقام قول شيخنا على مقتضى أصله، وإنما تردد القاضي لما أشرت إليه فإنه لم يستفد العلم بكون العالم عالما مع عدم العلم بثبوت العلم واستدل على ذلك بأن قال من يعتقد نفي الأعراض يعلم ضرورة كونه متالما ومتلذذا ويجهل أن كون الألم واللذة صفتين زائدتين على الذات واستقصاء القول في ذلك يتعلق بأمر عظيم من الكلام. والصحيح عندي الحكم بتكفيرنا في الصفات مع القول بالأحوال.
وقد أجاب القاضي عنه في الهداية وأما ما ذكره القاضي عند امتناع من التكفير فإن ذلك يفضي إلى تفكير كثير من أيمتنا فهذا من أعظم
[247/11] القصص فإن الله قد عصم أهل الحق عن اختلاف يفضي إلى التكفير والتبري ومآل اختلافهم إلى عبارات لا يعظم موقعها في المعاني. وخصص الله بالخلاف المتهافت من المعتزلة فلم يستمر اثنان من رؤسائهم على مذهب، بل قطع كل منهم بتكفير صاحبه واطرد لأهل الحق الاتفاق إلا في مسألتين: إحداهما أن القاضي يميل إلى أن الباقي باق لنفسه مع قطع شيخنا بأن البقاء صفة للباري ونفي البقاء بمثابة نفي العلم، وكذلك اثبت ابن كلاب للقدم معنى وصرفه شيخنا إلى صفات النفس فينبغي أن يقال: فأما القاضي فلم يقطع قوله بنفي البقاء بل ردد فيه كلامه وهذا دابه في الأصول وقد أثبته في مواضع والذي قاله ابن سعيد فسهل وأن نفي الصفة يفضي إلى نفي حكمها وإثبات صفة لا يعظم خطرها إذا لم تدل على الحدوث.