فأجاب وفقه الله على ذلك كله بما نصه: تصفحت- رحمنا الله واياك- سؤالك هذا ووقفت عليه, ولا رخصة لهذا الرجل بما وصفه من ضعف جسمه ودماغه في المسح على عمامته في الوضوء على حال إذا لم يكن برأسه جرح يمنعه من المسح عليه بوجه من الوجوه, لأن الذي ذكرت مما يخشى أن يصيب منه بعيد, فهو من وسواس الشيطان الذي لا ينبغي ان يلتفت إليه, ومتى فعل ذلك وجب عليه الوضوء وإعادة الصلاة أبدا. وكذلك ما ذكرت من انه إذا أصابته نوب فانضاف إلى الضعف المتقدم لم يقدر على الوضوء بالماء وإن كان الماء حارا لما يخافه من الهواء, وهو من تخويف الشيطان إياه ليفسد عليه دينه, فلا رخصة له في الانتقال إلى التيمم في هذا الحال بوجه. ولس هذا القدر من الحرج الذي رفعه الله عن عباده في الدين بقوله: وما جعل عليكم في الدين من حرج. وأما الذي أصاب أهله في
[29/1] الحال الأولى فله مندوحة في الانتقال إلى التيمم إن خشي على نفسه في صب الماء على رأسه وغسله لا يجوز له أن يمسح على رأسه ويغسل سائر جسده, وقدرته على إصابة أهله في هذه الحال دليل على انه لم ينته بعد ضعف جسده ودماغه على حال لا يقدر معها على المسح على رأسه بالماء في الوضوء. وكذلك الذي أصاب أهله في الحال الثانية من النوب الذي أصابه فانضاف إلى ما كان به من ضعف جسمه ودماغه, وله أن يتيمم إذا خشي على نفسه في الغسل, وهو أعذر من الأول. ولا فرق في حكم الغسل بين أن يجب من حلال أو حرام. وبالله التوفيق لا شريك له.
[مس المصحف على غير وضوء]
وسئل عن الذي يتعاهد كثيرا دراسة القرىن في المصحف, وعن المؤدب يشكل ألواح الصبيان ولا يقدر على الوضوء في كل حين, لاسيما في البرد, هل له أن يمسكه على غير وضوء أم لا؟ وكيف بالألواح التي يكتبها الصبيان فيمحصها هو ويشكلها هل هي بمنزلة المصحف أم لا؟ بين لنا ذلك.
وسئل " السيورى " عن الشاه القصير الذنب من اصل خلقتها لا يعيبها
ولا ينقص من ثمنها .
فاجاب تجزئ في الأضحية . زاد ( ابن قداح ) : وان كان اقل من الثلث في
العادة.
يعطى من الأضحية للأجير والقريب والجار ونحوهم
وسئل هل يعطى من الأضحية للأجير ولمن يرجوا ان ينتفع به بسبب ما
يعطيه ؟ مثل من يخدم امرأته ويعلم ولده ولسقائهم بالأجر , وليست مما تدخل
في الأجر , لكن مكارمه بسبب خدمتهم , وهل قيل في الأولاد أنها غله
كالصوف واللبن فتكون الضحية بالخروف أخف من غيره ؟ أو لم يقل أحد ان
الخروف غله يستوي مع غيره ؟ وكذا في أكل اللحم فيما سوى الأضحية ؟
فاجاب ان كان لولا ما يعطيه من الضحية لم يخدمه ولم ينصفه في
[31/2]
[32/2]
الخدمه أو في وجه من وجها فلا يجوز ذلك , وان كان مكارمه لا لما ذكرناه
ولا في معناه فهو جائز . واختلف في أولاد الغنم هل هي غله آم لا , ولا شك
ان ما ثبت أنه ولد عند بائعه فهو أخف , وكذا ما غلب على الظن أنه ولد
عنده .
وسئل " التونسي " عن ذلك .
فاجاب : جائز أن يعطى من الضحية في أجاره ذابحها , وجائز ان يعطى منها لمن
يخدم الإنسان ويختص به , لأنه جائز , إلا أن يأكلها كلها فلا حرج عليه في
إعطاء من يخدمه . وأما كون الخروف غله فليس من قول أهل المدينة . قيل في سماع ( ابن القاسم ) : لا باس بإعطاء الظئر النصرانية تطلب فروه أضحية ابنها
ومن لحمها . ( ابن عرفه ) هذا يدل على إعطاء القابلة والفرن والكواش
ونحوهم , ومنعهم بعض شيوخ بلادنا .
تذبح الأضاحي بعد ذبح إمام الصلاة
وسئل " ابن رشد " عن ذبح الأضاحي , هل هي معتبرة بذبح الإمام الذي
تؤدى اليه الطاعة أو إمام الصلاة ؟
فاجاب : المعتبر في ذبح الضاحى الإمام الذي يصلى بالناس لأن
الأضحية معتبرة بالصلاة . والله ولى التوفيق .
إذا لم يخرج الإمام ضحيته إلى المصلى
وسئل من بعض طلبه بلنسيه فقيل له : جوابكم رضى الله عنكم في
والوجه الثالث : أنه يؤدي لأن يبقى النكاح بغير صداق ، فإن الذي ينتفع به الزوج من الاستغلال والسكنى ، ربما قد يكون مثل الصداق أو أكثر ، ولا سيما أن طالت مدة الإمتاع فيقابل الصداق بذلك ، فكأنه لم يعطها شيئا ، ولكن إنما يمنع من هذا الوجه إذا كان الإمتاع شرطا مقارنا للعقد ، فإن كان تطوعا بعد انعقاد العقد لم يمنع من هذا الوجه ؛ لأنه كأن المرأة أعطته حظا من مالها ، وذلك جائز بشرط ألا تنعقد عليه القلوب حين العقد ، ويجوز أيضا أن يكون مقارنا للعقد إذا كان الإمتاع في ملك غير ملك الزوجة ، ألا ترى[28/3]ما روي عن مالك أنه أجاز أن يقول الرجل لآخر تزوج ابنتي على أن أعطيك مائة دينار ، وذلك أن المائة الدينار من مال والد الزوجة لا من مالها ، وهو أشد من الإمتاع انتهى .
ابن عاصم وكذا لا يمتنع الإمتاع على الوجه الثاني الذي قرره الخطيب رحمه الله ، إلا إذا كان مقارنا للعقد ، فحينئذ تكون له صورة البيع والنكاح ، وأما إذا كان تطوعا بعد العقد فلا يتصور فيه ذلك .
[من تزوج امرأة أباح له والدها السكنى مدة العصمة ، والتزم ضمان الدرك]
*وسئل : ابن الحاج عمن تزوج امرأة لها دار فأباح له والدها أو أمها أو وصيها السكنى أمد العصمة دون كراء ، والتزم أحدهم ضمان الدرك في ذمته ، ثم توفي الضامن .
=فأجاب : يوقف من تركته بقدر أقل الزوجين عمرا ، كمسألة الإحرام والموصي برقيته لرجل وبخدمته لآخر ، وانظر صور الوصايا الثاني ومسائل الإحرام حيث وقعت في المدونة ، وأحسن من هذا أن تلزم المرأة الإباحة ولا ترجع على الزوج ولا على الولي بشيء أبدا ؛ لأن ذلك عرف جار . ابن رشد ولها طلب ما اغتل من ربعها مطلقا -قبل رشدها- أو بعده ، وتطلب من سكنى الدار ما كان قبل رشدها ، لا ما يسكن بعده على ما جرى به العمل من أحد قولي ابن القاسم في المدونة .
[من تزوج أو راجع زوجته من غير إشهاد]
الوجه الثاني: أن الأم أرفق به وأن لبنها أنفع له على ما روي أنه ما من لبن يرضع به الصبي أعظ بركة عليه من لبن أمه، وأما إن كانت متوفى عنها فقال في المدونة: وإن مات والد الصبي فلها أن لا ترضع وتستأجر من يرضعه
[27/4]
[28/4]
من ماله، إلا أن لا يقبل غيرها فتجبر على أن ترضعه بأجرها من ماله، وإن لم يكن للصبي مال لزمها رضاعه، قال بعضهم: يريد وإن كان يقبل غيرها، قال في المدونة: بخلاف النفقة التي لا يقبضى بها عليها، ولكن يستحب لها أن تنفق عليه إن لم يكن له مال، قال عبد الوهاب: إن لم يكن للصبي مال لم يلزمها رضاعه، وهو من فقراء المسلمين إلا أن لا يقبل غيرها فتجبر حينئذ على رضاعه، كان له مال أو لم يكن، لأن في ترك رضاعه حينئذ إتلافه، وقد قال تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها﴾، والذي قاله عبد الوهاب هو قول ابن الجلاب، قل بعضهم: وكذلك نقول: إن قبل غيرها وليس له مال: غنه لا يلزمها رضاعه، لأن جعله من فقراء المسلمين إضرار به، وقد لا يتكلف أحد فيكون في ذلك هلاكه، وقد قال مالك في غير المدونة: وإذا لم يكن لليتيم مال وليس للأم لبن أو لها لبن لا يكفيه فعليها رضاعه بخلاف النفقة.
وسئل القاضي أبو سالم اليزناسني عن رجل اشترى رقعة وبها أشجار تين، ومن الأشجار المذكورة شجرة قديمة، ثم أن الشجرة القديمة أخذ منها أغصان ودفنت في الرقعة المبيعة المذكورة، وأمتد أيضا منها غصن وعرق في الرقعة، ونبت من جميع ذلك كله أشجار، ثم أبرز الحس أن لرجل آخر ثلثا واحدا في الشجرة القديمة المذكورة، فطلب من المشتري المذكور بأن يمكنه من ثلثه من جميع ما دفن وما امتد من الشجرة التي له فيها الثلث المذكور، فمنعه من ذلك مشتري الرقعة المذكورة، فهل يكون لصاحب الثلث في الشجرة القديمة ثلث في جميع ما دفن وما امتد منها في الرقعة المذكورة أم لا؟ بينوا لنا ذلك مأجورين، والله يديم عافيتكم، والسلام عليكم ورحمة الله.
فأجاب: الجواب لصاحب الثلث الثلث في جميع ما غرس من الشجرة المشتركة، وله قلع نصيبه والذهاب به حيث شاء، وبالله التوفيق، وكتب إبراهيم بن محمد بن إبراهيم اليزناسني لطف الله به.
[من اشترى أملاكا ثم استشفعت في يده...]
وسئل سيد أبو الحسن الصغير رحمه الله عن مسألة رجل يعرف بابن القواس، كان اشترى من امرأة -وكلاهما كانا من أهل سلجماسة -حظا كان لها في بحيرة وفي دمنة على الإشاعة فيهما، وثلثا محوزا مفروزا في منة أخرى، ووقع عقد التبايع بينها بالإسكندرية، وشهد عليهما بذلك حجاج من أهل بلدهما المذكور، ثم إنه استشفع على المبتاع المذكور بسجلماسة بعد وصوله إليها الحظ المشاع من ذلك في البحيرة والدمنة، وبقي بيده الثلث المفروز من ذلك خاصة، وكان وقع البيع الموصوف في ثلاث صفقات شملها رسم واحد، وحضر لهذا الاستشفاع رجل يعرف بابن وشن، ومكث ابن وشن هذا المذكور بعد حضوره هذا الاستشفاع نحو عام ونصف، ثم قام على ابن القواس المذكور، وادعى أن اشتراءه المبيع الموصوف إنما كان تولي ذلك له
[29/5]
فأما الفصل الثاني فبناه الأصحاب وفقهم الله أجمعين، وجعلني وإياهم لطريق الهدى متبعين، على ما زعموه عن الفصل الأول، من أنه لما كان اعترافا في الصحة، وجب كونه من رأس المال، وقد تقرر بطلانه فيما أمليناه. ثم على تسليم أنه من رأس المال زعموا أن النظر في إخراجها لغير المعهود إليه في كتاب الوصية، حتى غلا بعضهم وزعم أن الناظر في الثلث متعد في صرفها وذلك بعد مضي ثمانية أشهر من موت العاهد المذكور. وهذا كما ترى غير مرضي عنه، فإنه غلو ظاهر، وبعد كثير، وجل أصحابه لا يرضون منه ذلك، ثم أقول هب أن الواجب الإخراج من رأس المال، فالنظر في صرفها إنما هو لصاحب العهد لا إلى غيره، فإن القائل بأن الصرف إلى غيره مخطئ لا شك فيه وعلى صارفه بغير إذن صاحب العهد درك عظيم فيما بنيه وبين الله تعالى، وذلك أنه لما صدر الموصي وصيته بأنه عهد بجميع ثلثه وختمها بما يفعل الناظر في باقي ثلثه، وتوسط في أثناء ذلك الإقرار المذكورة وغيره مما اعترف به من الكفارات وغيرها، وقال في خاتمه: على نظر فلان، واستثنى منه فصلا واحدا، جعل النظر فيه إلى إمام الجامع الأعظم وسكت عما سواه، وكان قال: إذا مت فادفعوا كتابي هذا لفلان المعهود إليه بالنظر في وصيته ممن له معرفه بمواضع الألفاظ، وشدا(¬1) طرفا من الأصول، وعرف ما ذكره الفقهاء في صيغة الوصية، فلا يشك ولا يرتاب أن النظر في جميع ما اشتمل عليه كتاب عهده إنما لفلان المذكور، سواء كان مما يتعين إخراجه من الثلث أو مما أوجب الحكم فيه أن يكون من رأس
[29/6]
المال، فإذا انضاف إلى هذا القول الشهود ما فهمنا عنه إلا أن النظر لفلان في جميع ما تضمنه الكتاب، كان النظر أتم، وإلا فالنظر الأول وحده كاف.
منه, وفي عدم امتثال ما امر به إخلال بالقصد المذكور لأن المال غير المأمون معرض للضياع وبتقدير عدم الضياع تستغرقه النفقة فلا يبقى لمن يوجد بعد من الموصى لهم المذكورين شيء وذلك إخلال بين وضرر متعين, ولذلك كمل الإشهاد عليه حفظه الله في تاريخه وعلى أن لا رجوع لمن يوجد بعد
[27/7] على الموجودين الآن بغلة ما تملكوه بوجه ولا على حال وبذلك مع جميع ما تقدم شهد على من ذكر أعزه الله تعالى يحيى بن محمد (بن محمد الجراوي)(¬1) ومحمد بن يحيى بن محمد بن رشيد الفهري وتقيده عقبة شهد على (ذلك)(¬2) خط شهيديه رحمهما الله تعالى.ونص الثاني وهو مقيد أسفل الأول بعد سطر افتتاحه من أوله إلى ىخره أشهد قاضي الجماعة بمدينة فاس محمد بن أحمد ابن عبد الملك الفشتالي حفظه الله وحرسها باستقلال الرسم المقيد فوقه استقلالا تاما لصحته عنده وثبوته لديه بالواجب وشهد عليه أعزه الله بذلك من أشهده به بمجلس نظره من المدينة المذكورة وموضع أحكامه بها وذلك في أوائل جمادى الثانية من عام ثمانية وخمسين وسبعمائة ممن قابل ذلك بأصله المتنسخ منه فألفاه مماثلا له, ونقل شهادته من الثاني منها إلى هنا في أوائل ربيع الثاني من عام ستين وسبعمائة يحيى بن محمد بن أحمد بن محمد الصنهاجي, ومحمد بن عبد الملك بن أحمد الفشتالي انتهى.
الباب الأول: إذا خرب سده وتعطل شربه قال القاضي أبوالحسن الماوردي رحمه الله في الأحكام السلطانية له في البلد إذا تعطل شربه أو انهدم سوره فإصلاحه على بيت المال، فإن أعوز بيت المال، فعلى ذوي المكنة منهم، ولا يتعين أحدهم في الأمر به، فإن شرع ذوو المكنة في عمله وباشروا القيام به سقط على المحتسب الأمر به، ولا يلزم الاستئذان في بناء ما كان مهدوما، ولو أرادوا هدم ما يريدون بناءه من المشرم المستهدم لم يكن لهم الإقدام على هدمه إلا باستيذان والي الأمر دون المحتسب، ويأذن لهم في هدمه بعد تضمينهم القيام بعمارته.
قلت: فإن تعذر هذا كله وتعذر الانتفاع بالشرب المذكور إلا بعد إصلاح ومؤنة وثبت ذلك ببينة عادلة وتعين لإصلاحها أهل البساتين وأرباب الدور فالحكم فيه والله الموفق للصواب أن ذلك لازم لمن أخذ منه الماء كأصحاب الفنادق والحمامات أو حمل منه قادوسا لداره لصهريج أو خصه أو لعرصة له، ولا شيء على أصحاب الدور فيما نصبوا على ذلك من الكنف والمراحيض بعد انتفاع أصحاب هذه المنافع المقصودة، إذ حكم المطرح في موضع لا ينتفع به وربما كان ضرره بما يمر عليه أكثر من منفعته لضرره بأساسات الحيطان وندوة البيوت. وما ينتفعون به من ذلك إنما هو على وجه النفع لمن تمت منفعته وفضلت عنه تلك الفضلة، وليس ذلك كمن نصب رحا تحت رحا وما ينتفع به من ماء فيجريه الأنهار، لأنها أعيان قائمة، ومنفعة ذلك ليس لها عين قائمة، ويشهد لهذا الاعتبار أحد الأقوال في الغاصب حيث فرق فيه بين الاستعمال والاستغلال، وإذا كان لا يلزم الغاصب فكيف بهؤلاء؟
قلت: ولا شيء أيضا على أصحاب الرشوحات التي تسري تحت الأرض لآبارهم لأن تلك الرشوحات لا يقدر على منعها، فقد قال أصبغ فيما حكى عنه ابن حبيب فيمن له عين في أرضه ولجاره أرض إلى جانبه، فتنبع في أرضه عيون فأراد صاحب العين سد ما نبع من مائه في أرض جاره خيفة
[29/8]
[
وسئل ابن عتاب وأصحابه، كتب لهم بها ابن سهل سنة ست وخمسين وأربعمائة، يسألهم عن دارين متجاورتين وبين الدارين حائط لأحد الرجلين، وله على الحائط رف قد خرجت أكلبه إلى داره، فأراد صاحب الرف أن يبنى على أطراف الأكلب حائطا بآجر أو غيره ويرجعه لحجرة أو غرفة يريد إنشاءها، فمنعه صاحب الدار وقال الهواء لي لأنه بإزاء هواء دارى، وإنما لك إخراج الرف إلى ناحيتي لا غير. وكيف إن أراد صاحب الرف إزالته ورفع حائطه وإعادة الرف كما كان، هل له ذلك أم لا؟
فأجاب: ليس لصاحب الرف ما أراد من البناء على أطراف الأكلب
[30/9] ويمنع منه، وإنما يملك الهواء من ملك قاعته. وله رفع الحائط وإعادة الرف عليه على نحو ما كان في الخروج.
وأجاب ابن القطان: لصاحب الرف أن يبنى على أطراف أكلبه ما شاء لا يمنع من ذلك وأمن أعلى حائطه من غير ضرر إلا من الريح والضوء وشبهه فليس بضرر.
وأجاب ابن مالك بمنع صاحب الرف مما ذهب إليه إلا أن يأذن له معترضه. وكانت جرت بطليطلة بيني وبين موسى بن القساط قاضي وادي الحجارة، وجواب ابن القطان عندي أشبه، والله أعلم بالصواب. وفي كتاب ابن سحنون من سؤال حبيب عن رف بخطور خارجة لرجل إلى دار جاره ولا قطب عليه، فأراد أن يضع عليه القطب فمنعه جاره، قال سحنون ليس له منعه وإعمار ضفة الخطور لهذا. وقال فيمن له رف خارج إلى دار جاره فبنى جاره جدار الرف وأراد أن يعلى بناءه على الرف ليس له أن يبنى فوقه، لأن صاحب الرف قد ملك سماءه. ابن سهيل: وهذه تدل عندي على ما نص إليه ابن القطان، وقال سحنون في جواب حبيب من أراد أن يطين حائطه من دار جاره فمنعه قال ليس له منعه أن يدخل داره فيطين حائطه. وكذلك لو قلعت الريح ثوبا عن كتفي رجل لم يكن له أن يمنعه أن يدخل فيأخذه أو فيخرجه إليه.
[تعليق حوانيت من حيطان الجامع على أن تكون محبسة عليه]
27/10] فأجاب : تصفحت يا سيدي أعزك الله بطاعته وتولاك بكرامته ونفعك باجتهادك وفهمك وبحثك عن حقائق الأشياء بحسن تدربك ، وأدام الإمتاع بك وأنام أعين الحوادث عنك برحمته . وما ذكرته أعزك الله من أن يمين الحكم فيمن أثبت دينا على غائب وشبهها إذا كان موضوعها استيفاء حق الغائب فيما عسى أن يدعيه فيلزم على قياس ذلك إذا استحلف ثم تأخر القضاء أن تعاد عليه ، إذ لو كان حاضرا فادعى عليه أنه قضاه بعد ذلك أو وهبه لكان له أن يستحلفه والناس على خلاف ذلك ، فالجواب عليه أن ما الناس عليه من أن اليمين لا تعاد عليه هو الصواب ، إذ لو أعيدت عليه اليمين ثانية عند القضاء بذلك لاحتمال أن يكون حقه قد وصل إليه في خلال تلك المدة لوجب أن تعاد عليه أيضا كما لو حلف وجاء أن يقبض الحق لاحتمال أن يكون قد وصل إليه حقه مع من بعث إليه به معه في طريقه من المسجد الجامع إلى دار القاضي إلى ما لا نهاية له ، وذلك مما لا خفاء في بطلانه ، واليمين الأولى التي استحلف بها لا نص على وجوبها لعدم الدعوى عليه بما يوجبها إلا أن أهل العلم رأوا ذلك عليه على سبيل الاستحسان نظرا للغائب وحيطة عليه وحفظا على ماله للشك في بقاء الدين عليه وسقوطه عنه . فإذا حلف مرة وتأخر القضاء لم يصح أن يحلف ثانية بالتوهم المحتمل ، ولا يشبه ذلك إذا كان صاحبه حاضرا فادعى عليه أنه قد قضاه بعد ذلك أو وهبه إياه ، لأن اليمين واجبة عليه في هذا الموضوع لنص قول النبي صلى الله عليه وسلم « البينة على من ادعى واليمين على من أنكر »(¬1) . ولو تأخر بعد يمينه إلى أن جاء الغائب وأقام معه مدة ثم غاب لوجب أن لا يقضى حقه حتى يحلف ثانية ، لأن الشك ها هنا حاصل كما كان أول مرة .
التشبه بالأعاجم في اللباس]
وسئل الفقيه الصالح المفتي أبو عبد الله المواق عن الدرندين هل يجوز لباسه؟ وهو ثوب رومي يضمحل التشبه به في جنب منفعته إذ هو ثوب مقتصد ينتفع به ويقي البرد.
فأجاب: ليس كل ما فعلته الجاهلية منهيا عن ملابسته إلا ما نهت الشريعة عنه ودلت القواعد على تركه. والمراد بالأعاجم الذين نهينا عن التشبه بهم الأكاسرة في ذلك الزمان في سرفهم ونحوه. ويختص النهي بما يفعلونه على خلاف مقتضى شرعنا وأما ما فعله على وجه الندب أو الإيجاب أو الإباحة في شرعنا فلا نترك ذلك لأجل تعاطيهم إياه لأن الشرع لا ينهي عن التشبه بفعل ما أذن له فيه. وقد جعل عليه السلام الخندق على المدينة تشبها بالأعاجم
[28/11] حتى تعجب الأحزاب منه ثم علموا أنه بدلالة سلمان الفارسي. عليه فالدرندين المذكور من هذا اللباس مقتصد، لا سرف فيه ينتفع به ويقي البرد وقد صح أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لبس جبة رومية ضيقة الكمين. ووجه آخر أيضا وهو منصوص للأيمة المعتبرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى العرب أن يتشبهوا بالعجم، ولم يأت أنه نهى وفدا قدم عليه من وفود العجم أن ينقلوا عن زيهم لزي العرب ويرشح هذا المأخذ فتوى ابن رشد بجواز تلثيم المرابطين، بل استحبه لهم، قال لأنه زيهم به عرفوا وهم حماة الدين. قال ولا حرج على من صلى منهم ملثما بخلاف غيره انتهى.
قلت: وأقام الشيخ أبو الحسن مثل فتوي ابن راشد هذه من قوله في المدونه: ومن صلي محتزما أو جمع شعره إلخ.
أبي عبد الله بن عبد السلام التونسي- رحمه الله- في كتاب النكاح من شرح ابن الحاجب أن العامي له أن يقلد الشاذ ويعمل به، فإن قال: القول الشاذ قد ينصره الفقيه ويختاره المجتهد ويقلده العامي انتهي. وذكر ابن مزين عن عيسي ابن دينار عن ابن القاسم عن مالك أنه قال ليس كل ما قال رجل قولا وإن كان له فضل يتبع عليه لقول الله تعالى:﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾. قال أبو عمر بن عبد البر فإن قال قصري وقلة علمي يحملني على التقليد، قيل له أما من قلد فيما نزل به من أحكام شريعته عالما يتفق له على علمه فيصدق في ذلك عما يخبره به فمعذور، لأنه قد أتي بنا عليه وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله، ولا بد له من تقليد عالمه فيما جهله، لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق به يخبره عن القبلة لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك. ولكن من كانت هذه خاله هل تجوز له الفتوى في شرائع دين الله فيحمل غيره على إباحة الفروج وإراقة الدماء واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك وتصييرها إلى غير من كانت يده بقول لا يعرف صحته ولا قام له الدليل عليه، وهو مقر أن قائله يخطىء ويصيب، وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب فيما خالفه فيه. فإن من أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعني بحفظه للفروع لزمه أن يجيزه للعامة، وكفى بهذا جهلا بما رود في القرآن. قال الله تعالى: ﴿ ولا تقف ماليس به علم(وقال) أتقولون على الله ما لا تعلمون﴾. وقد أجمع العلماء أن ما لم يتبين ولم يستيقن فليس بعلم وإنما هو ظن، والظن لا يغني من الحق شيئا انتهى.