28/1] أو أقل من ذلك أو أكثر لضعفه, فإن صب الماء على رأسه كان حارا أو باردا مرض وخاف على نفسه. فهل يكون فرضه الغسل في هذه الحال؟ أو المسح على رأسه وغسل جسده بالماء؟ أو كيف يفعل؟ راجعنا على ذلك فصلا فصلا مأجورا إن شاء الله تعالى.
وقعت عندنا أدام الله توفيقك هذه المسألة فتكلم فيها الفقهاء إلى أن ركب عليها أن لو أصابته من حالته ما تقدم فوق هذا من معصية عافانا الله برحمته وفضله كبف يصنع؟ فقال بعضهم: لا رخصة له في ذلك, وقاسها بمسألة المسافر سفر المعصية أنه لا يقصر ولا يأكل الميتة إن اضطر إليها, وقال آخرون: ليست تشبه مسألة المسافر سفر المعصية, والرخصة له في مسح رأسه إذا كان من شانه ما تقدم فوق هذا من الضعف, وسواء كان الغسل مترتبا عليه من حلال أو حرام. قال وذلك أن سفر المعصية إنما منع من القصر والفطر وأكل الميتة في احد القولين, لأنه يتقوى بذلك على المعصية التي هو فيها ساع. ومسألة الغسل ليست كذلك, إذ المعصية قد انقضت, فيقع المسح المرخص فيه وهو غير متشبث بالمعصية ولا داخل فيها والله أعلم بين لنا بفضلك هذه المسألة مأجورا, والصواب فيها, واشرح لنا ذلك والله يؤيدك ويوفقك بقدرته.
وأما الذبح بعد سلخ ذلك الموضع فينظر فيه , فان كان ذلك السلخ يكون
متلفا لا يحيى التيس بعد ترك لم يوكل بذلك الذبح , لأن الذكاه أريد به , وانما أخطا الفاعل
بما قدم من الفعل قبل الذكاه في الحالة , فلا يعود واحد إلى هذا الفعل .
يقتل القط والنمل المؤذيان
وسئل عن القط يؤذى ويأكل الفرخ أيقتل ؟
فاجاب إن عرف صاحبه أمر بالكف عن لأذى أو يضمن . ثم قال
الشيخ قيل " لابن طالب " قط أذانا هل يقتل ؟ قال نعم يقتل . ثم قال " ابن طالب
ابن ادام " إذا قتل قتل , فكيف البهائم ؟ وكان يأمرنا ونعلمه بالنمل الذين
كانوا يوذونه في سقفه , وكان لا ينكر علينا أن نقتله .
قال " القابسى " : وحدثنا بعض شيوخنا زياد أو غيره , عن " أبى عبد الله
الوقار الباجى " أنه قال : إذا وقعت نمله في قفيز دقيق لم يوكل , قيل له وايش
كان هذا الوقار ؟ قال كان من أصحاب "حمديس .
[30/2]
[31/2]
إذا تخلل الخمر طهر إناؤه
وسئل عن الرجل يعمل الخل فإذا هو كان في أول بدايته يغلى ويطلع في
الوعاء فإذا هو انتقض , فإذا صار خلا وطلب ان يصب منه صاحبه وصار الخل إلى
موضع الغليان أولا , هل يضره هذا ؟ أو كيف وجه العمل فيه إذا أراد ان
يصب ؟
فاجاب ان ما قصد به الخل فالعمل في صنعته من كثره الماء فيه غير
العمل فيما قصد به المسكر , كذا سمعت . وان ما قصد به الخل وأصاب
عامله وجه الصنعه ليس بتخمر ولا يكون مسكرا , فإذا كان كذلك ثم قصر
المكان الذي بلغ إليه الغليان , لان الغليان ليس هو الذي يحرم العصير , إنما
يحرمه ان يكون مسكرا , فإذا لم ينته إلى السكر لم ينجس وقد قالوا في الخمر
تتخلل في إنائها يجوز أكلها , ولم يشترطوا ما سالت أنت عنه , وما ذلك إلا
أنه إذا تخللت تخلل كل ما علق بالإناء منها لأنها ما دامت في الاناء فما علق
في الاناء منها فهو تخلل معها . فافهم وجه الكلام وبالله التوفيق .
الشاه القصير الذنب تجزئي في الأضحية
قال أهل الأصول : كل ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب . وقال[27/3]مالك رضي الله عنه في هذه المسألة : بني الأمر فيها على حماية الذريعة ومنع الجميع منها ، فقال : إن ذلك إن صح منهما لم يصح من غيرهما ، وأنت ترى مالكا وأصحابه رضي الله عنهم منعوا بيع ثوب بدينار إلى شهر ثم اشتراؤه بنصف دينار نقدا ، وإن كانت صورة البيعتين لا فساد فيها ، فخافوا أن يكون ذلك ذريعة إلى الحرام فمنعوه حماية على الإطلاق ، وقد جاء الشرع بمنع أكل شاتين إحداهما ميتة لا يدرون عينها لما اختلط الحلال بالحرام منعوا الجميع ، ومن قال بحماية الذرائع فالخطر في بقاء كثير من الحكام على المصالح ، بادر إلى إنكار هذا وحسم المادة فيه بمنع الكتاب والشهود والتقدمة إليهم ، ويؤرخ زمن المنع إن اعتذروا بجهل الحكم فيما قبله ، حتى يعلم من يقع بعد تاريخ النهي في مخالفة ما أمر به فيفعل به ما أمر الله تعالى به وبالله التوفيق .
ولما وقف الخطيب الشهير أبو القاسم ابن جزي رحمه الله على جواب الإمام أبي عبد الله المازري رضي الله عنه ، قد كثر في زمننا وبلدتنا وقوع الناس فيها ، وتفاقم الأمر فيها بإمتاع المرأة أو والدها للزوج في سكنى دارها واستغلال أرضها ، وذلك فاسد من ثلاثة أوجه :
والأول ما ذكره المازري من الجهالة في ذلك فيما يقابله من الصداق .
والوجه الثاني : أنه يجتمع في ذلك بيع ونكاح واجتماعهما ممنوع ، وذلك أن الزوج يبذل بعض الصداق في مقابلة الفرج وهو النكاح ، وبعضه في مقابلة ما يمتع فيه من المال .
إن أخذته بمثل ذلك، ومثله في كتاب ابن سحنون لأبيه، ويشهد له أيضا ما في الكتاب من وله: إذا علق بالأم ولا صبر له عنها، وكان لا يقبل غيرها، أو خيف عليه، فأمه أحق بأجر مثله، وفي كتاب ابن حبيب عن مالك، وهي رواية ابن وهب عنه: أن الأب أحق به إذا وجد من يرضعه باطلا أو بدون أجر المثل، ووقع هذا القول في الكتاب آخر الباب في رواية شيخنا رحمه الله، ونصه: وقد قيل: إن كان الأب موسرا أو وجد من يرضعه باطلا، قيل للأم: رديه إلى أبيه، وقد ذكر ابن المواز القولين عن مالك، واختصار البراعي على خلاف ما تكلم عليه الشيوخ، فقال: إن الأب إذا وجد من يرضعه بدون ما طلبت اأم فذلك للأب إلا أن ترضى الأم بما وجد، فهي أحق، وحمل قوله في أصل المدونة: فجري بذلك الإشارة عنده إلى ما وجد به الأب، والذي اختاره بعضهم أن تكون الأم الأحق بأجرة المثل، قال: لأن الأم لها حق في الحضانة، والظئير وإن كانت عندها فهي التي تباشر بالرضاع والمبيت، وذلك تفرقة بينه وبينها، قال: وإلى هذا رجع أبو اقاسم ابن الكاتب، وهو اختيار ابن المواز، واختيار بعضهم فيما بين الأجرتين، فإن كان يسيرا عمل على قول الأم، وإن تباينا أو وجد الأب من يرضعه باطلا عند الأم، فالقول قول الأب، ونسب بعضهم أن القول قول الأم للمدونة، والقوال الآخر لغير المدونة، والقولان، مالك كما حكيناه على الإطلاق، واختلف الشيوخ في محملهما، فقال بعضهم: إذا وجد من يرضعه عند الأم فذلك محمل القولين، وأما إن أراد تفريقه من الأم، فإن الأب لا يجاب إلى ذلك من غير خلاف، وجعل بعضهم محمل الخلاف إذا طلب الأب إرضاعه عند غير الأم، وأما لو قال الأب: إن الظئير ترضعه عند أمه لكان القول قوله من غير خلاف، والله أعلم بالصواب.
ورجح بعضهم أن الأم ترضعه بوجهين:
أحدهما: أن لها حقا في الحضانة، وقد اختلف في الحضانة هل هي حق للحاضن أو للحضون أو لهما أو هي حق لله عز وجل؟ على أربعة أقوال.
قال أشهب: وهو يشبه الشريك في العبد يبيع حصته من العبد بعد عتق شريكه حصته، فمسألتكم في بيع دوالي المغروسة في الأرض المكتراة مثل ذلك سواء، الغرر المذكور فيها قائم بلا شك لتخيير رب الأرض على المشتري كما ذكرنا، ولا يخرج عن ذلك اشتراط القلع، إذ لرب الأرض منعه عن قلعها وإبقاؤها، ويدفع له قيمتها، وفي هذه زيادة في الغرر لأنه على أيه حال تكون عند الأجل، فهي أعظم غررا أو القيمة تختلف باختلاف حالها حينئذ، فما في مسألة النقض من المنع يجري في هذه بلا إشكال لما عللوها به من الغرر المذكور، لا لما أشرتم إليه من كون المقصود شراء ما يكون من الثمرة فيها الذي يفضي إلى بيع الثمار قبل طلوعها في الأصول، فإن التعليل بذلك باطل، إذ لو قدر سلامة العقد المذكور من الغرر الذي قررناه لكانت الثمرة تنشأ في الأصول على ملكه كما كانت تنشأ للغارس لها على ملكه، ولا اعتبار بالمال، إذ المال في حق كل واحد منهما غير معلوم لدوران كل واحد منهما بين أن يقلع أو يقوم عليه رب الأرض أو يجدد له الكراء ثانية في الأرض، وقد يشتري الأرض مالكها ويبقى الأصول فيها، فلو اعتبر ما أشرتم إليه في المشتري لا عتبر في المكتري الغارس، إذ لا فرق بينهما في المعنى، وإنما يفترقان في أمور طردية لا حظ بها من الاعتبار، وبالله تعالى التوفيق، وكتب عبد النور بن محمد العمراني.
[28/5]
[من له ملك في شجرة نبت من بعض أغصانها شجر
هل يكون له نصيب فيما نبت من أغصانها؟]
ويدل على صحة ما أشرنا إليه من التفرقة في الديون التي يتحاص بها مع المال المعترف به بين ما ثبت ببينة أو إقرار ما وقع في سماع أبي زيد من كتاب الوصايا فيمن قال عند موته: بيعوا ثوبي هذا وتصدقوا بثمنه. فإنه ليس لي، أو قال اغتصبته ولفلان علي مائة دينار ولفلان علي خمسون لرجل لا يعرف وإن كان ببينة فإنه يتحاص في الثوب بالذي يعرف والذي لا يعرف. انتهى بمعناه مختصرا.
قال ابن رشد معنى هذا أنه ورث بولد، وأما لو ورث بكلالة، فالذي يعرف أحق بما بقي بعد ثمن الثوب، لأن إقراره لمن لا يعرف لا يجوز، إذا كان يورث بكلالة على ما مر قبل هذا. وأما إن كان الدين ببينة بطل إقراره، فإن الثوب لا شيء له فيه، فيبطل التصدق بثمنه أنظر تمامه.
[28/6]
وأما ما قاله بعضهم أن حكمه حكم المجهول أربابه فيختلف فيه هل يصرف مصرف الفيء. أو مصرف الصدقات، فليس بصحيح لمن تأمل المسألة، وعرف حقيقتها، فإن مسألتنا أخص من تلك، وذلك واضح مما تقدم.
26/7] له ولد ذكر من اولاد الموصي المذكور, ومن لا ولد له ذكر منهم فاللفظ المذكور, هل مقتضاه تمليك الموجودين من ذكور بني بني الموصي الذكور خاصة بجميع ثلث الموصي المذكور, دون ما أوصى بإخراجه منه, ولا يتملك من لم يوجد منهم بعد شيئا من الثلث المذكور إلا بعد وجوده, أو مقتضاه تمليك من وجد منهم ومن لم يوجد جميع الثلث المذكور الآن, فإن الثلث المذكور يوقف جميعه حتى ينقرض البنون المذكورون وحينئذ يمكن منه الموجودون من ذكور بنيهم فاقتضى نظره حفظه الله أن حمل اللفظ المذكور على مقتضى الظاهر منه, وهو تمليك الموجودين منهم الموصى لهم المذكورين بجميع الثلث المذكور الآن إلا ما أوصى بإخراجه منه ولا يتملك من لم يوجد منهم شيئا منه إلا بعد وجوده لأن في حمل اللفظ المذكور, على المقتضى الآخر ضررا بالموجودين من الموصى لهم المذكورين بمنعهم من التصرف الآن فيما أوصى لهم واستمرار المنع المذكور إلى انقراض البنين الذكور المذكورين وذلك ضرر ضرر جلي غير خفي, وحكم حفظه الله بقطع النزاع في ذلك حكما أنفذه وأمضاه بعد تقصيه حفظه الله تعالى الواجب في ذلك وإعماله إياه شهد على من ذكر حفظه الله تعالى بما فيه عنه وباستقلال الرسم المذكور عنده بواجبه من أشهده به بمجلس نظره من المدينة المذكورة ومنعقد أحكامه بها, وفي التاسع لشهر ربيع الثاني من عام خمسين وسبعمائة, وأمر من ذكر حفظه الله مع ذلك بأن يشترى بما ليس بمأمون من الثلث المذكور وهو العين أو ما يشبهه مالا مأمونا وهو الربع نظرا إلى قصد الموصي إذ قصده انتفاع جميع الموصى لهم بجميع الثلث الأصل إلى آخر ( )(¬1)
28/8]بذلك بعض أهل الجنات أو من سواهم بالحسبة، وعلى الحاكم أن ينظر في ذلك إذا اتصل به الأمر وإن لم يقم بتغييره قائم، بأن يبعث إليه العدول فإن شهدوا به عنده أمر بتغييره لما في ذلك من الحق لجماعة المسلمين خارج الجنات، ولا يسعه السكوت عن ذلك. وأما ما كان من ذلك أسفل الجامع المذكور فلا سبيل له إلى قطع شيء من ذلك ولا أرى تغييره بوجه، لأنا قد وجدنا من ذلك ما له مائه عام وأكثر من ذلك وأقل، بحيث لا يرى بأي معنى وضع وما كان كذلك فلا يغير عن حاله مع طول المدة المذكورة. وقد نقل الشيخ أبومحمد رحمه الله في نوادره عن سحنون قال وسأل حبيب سحنونا عما يحدث في طريق المسلمين مما فيه ضرر على عامتهم ولا يحاز ذلك بخلاف حيازة بعض الناس على بعض إلى أن يتطاول أحد هذه القنوات مثل السبعين سنة ونحوها فلا يعرض فيها وتتحرك ولا يدري بأي معنى وضع ذلك. ولا فرق بين الطريق والنهر في هذا المعنى، وإذا تقرر أن ما كان خارجا على حال ما وصفت لا سبيل إلى تغييره. وكذلك من أراد أن يحدث شيئا من ذلك فلا يمنع ما لم يضر بجاره في إحداثه ضررا بينا. وهذا إن شاء الله كاف في الغرض الذي قصدنا، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله تعالى، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وشرف كرم.
ذكر وجه الحكم بين أهل البساتين وأرباب الديار في انقطاع الشرب من وادي مصمودة واحتاجوا إلى كنس مجراه، وما يتعلق به.
الحمد لله على منحه التي تفوت الإحصاء والعد، وصلواته على المنصور بالرعب وما ضرب وما قدر على من صاحبه وأحبه وود، صلاة إذا طرقت باب القبول(¬1) أعنة الرأي وسلم تسليما كثيرا وبعد، الحمد لله. كلام في وجه الحكم بين أهل البساتين وأرباب الديار في انقطاع الشرب من وادي مصمودة واحتاجوا إلى كنس مجراه وما يتعلق بذلك وفيه بابان:
[28/8]
[29/8]
وأجاب ابن القطان: سيدي. تصفحت خطابك وما أدرجته. والجواب المتقدم على ذلك صحيح، إلا اليمين على القائمين مختلف فيها على ما أختلف فيه أهل العلم في البينة إذا لم تقبل هل هي شبهة في وجوب اليمين أم لا؟ فالذي رواه ابن القاسم عن مالك أنه ليس بشبهة وروي أن ذلك شبهة واليمين واجبة لغير المحدث. والله تعالى هو الموفق للصواب.
وأجاب ابن مالك: سيدي ووليي، ومن وفقه الله وسدده وأرشده فيما تقلده، شهادة ابن الندا وصاحبه لم تفد فائدة ولا تأثير لها في رأي بلا شك. والاسترعاء الذي دافعت له إشراق لم يثبت وقد ثبت الجدار لا بنى مضمر، فالبينة على من ادعى واليمين على من أنكر. والمدعية إشراف فتكلف البينة بقدم الضرر وقد عجزت عنها، فاليمين على القائمين يحلفان بما ينفي ذلك
[29/9] عنهما ويزاح ذلك عن حائطهما، ولهما رد اليمين. حملنا الله وإياك على الصواب والسلام.
ابن سهيل: تكلمنا مع ابن مالك بعد ذلك في وجه سقوط شهادة الشاهدين فقال إنما رأيت سقوط شهادتهما لأنهما شهدا بمدة طويلة من آخر معرفتهما الجدار لا بمثبتين الأفرش فيها(¬1). ويحتمل أن يكون الإحداث من حينئذ فكان يستحق بالقدم، إذ ليس من الضرر المتزايد كدخان الفرن وضرر الدخان وشبهه إن ثبت أن القائمين علما بذلك في هذه المدة كلها.
قلت: فإن قال القائم لا أدرى متى أحدث؟ قال يحلف على ذلك أنه محدث ولا أدرى متى أحدث.
وسئل ابن القطان عن اليمين المذكورة في جوابه كيف تكون؟ فقال يحلف القائمان في مقطع الحق أن ذلك محدث وأن إشراق أحدثته ثم تهدم عنها وسكت عن ذكر الدخان إذا لم يثبته القائمان.
وسئل ابن لبابة: عمن صب ماء جداره على حائط جاره.
فأجاب: الذي يجب أن يمنع المشتري من صب ماء حائطه في هذه الجنان حتى يثبت أن ذلك حق له واجب تشهد به البينة، وذلك بعد أن يثبت توكيل نسائهما لهما على المخاصمة عنهما فيه.
وسئل من قبل عياض بما نصه يقع في البال أدام الله عز معظمي نتائج وسؤالات ومباحث تحقيقية إن استقصي النظر فيها خولف ما جرى عليه رسم الفتيا والحكم ، وإن تغوفل عنها بقيت في النفس حزة ، وقد تقدم لي سؤال وسؤالان من هذا الباب من ذلك أعزك الله ما جرى به الرسم في القضاء لمن أثبت حقا على غائب أو ميت أو محجور وشبهه من اختلاف يمين الاستبراء المعلومة ، وهي موضوعة على تقدير دعاوي المحكوم عليه إن كان حاضرا وتسويغ حجته . فإذا حلف حكم للقائم بما أثبته ، وقد يكون بين وقت الحكم له وبين تأتي القبض مدة طويلة من جمع مال المحكوم عليه أو بيع عقاره أو المخاصمة فيما يثبت له من ديون وتقرير الدعاوي في هذه المدة متمكنة وفرض حجج المحكوم عليه والمخاصمة فيما يثبت سائغة غير مستحيلة ولا ممتنعة ، وإعمالها أولى من سقوطها للدين المذكور أو توجيه الغائب إليه به كما لو كان حاضرا فقام المطلوب بحجة من الحجج ، فيلزم المدعى عليه بهذا الذي هو الطالب اليمين عليها فحلف ثم كسرنا مال المطلوب وبعنا ربعه وطال الأمد في ذلك فقام المطلوب حينئذ يدعي أنه قضى خصمه أثناء ذلك من وجه وجهه ، أو أن الطالب وهبه أو أخذه أو استحال بدينه لكانت دعوى توجب اليمين . فإن اتبعنا القياس في المسألة الاولى لم يكن فرق ووجب تجديد اليمين حين قبض الدين ، والناس على خلافه . فما وجه هذا عندك ؟ وكيف إن كان الدين الذي ثبت على الغائب نحو ما حلف يمين الاستبراء عند قيامه لأول نجم ، هل يلزمه تكرار اليمين للنجم الآخر لأنه إنما حلف أولا لما اقتضاه وحاز ؟ أم تجزئية اليمين الأولى للجميع ؟ كما قالوا فيمن حلف مع شاهده في حق ثم ظهر له أن في شهادة ذلك الشاهد حقا آخر مما ينفع به الشاهد واليمين أن اليمين الاولى تجزئة ، فرغبتي تأمل هذا الفصل وتدبر هذا السؤال والجواب عليه بما توجر وتحمد عليه إن شاء الله .
[
وهذا التحقيق إذا كان لا تحتمله عقول الخلق وأفهامهم القاصرة، فينبغي أن لا يتعرض له فإنهم لما ألفوا في الدنيا أن الشئ لا يحصل في نفوسهم إلا بالانتقال لم يفهموا أمور الجنة إلا كذلك، لأن الشيء عندهم هي الأجسام، وذهلوا عن مثال المعرفة والمرآة كما ذكرت. وأما امتناع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخذه وامتناع فواكه الجنة في الدنيا فكامتناع صورة المرآة في الجهة بدلا عن العين وذلك غير ممكن، لأن الصفة التي تتهيأ بها الحدقة لقبول صور المرئيات لا توجد في الجبهة،
[27/11] فكذلك الصفة التي بها يحصل إدراك عالم الآخرة غير حاصلة في النفس قبل الموت، وإن كانت حاصلة فهي محجوبة بالأجفان المغمضة بعضها ببعض فإنه لا يتصور أن تقبل صور المرئيات ما لم يرتفع الحجاب وهذه الشهوات وأما النفس في العالم فهي حجاب عن إدراك عالم الآخرة وما فيها وقد ينقشع هذا الحجاب على الندور بهبوب رياح العطف لمن تعرض لنفحات الرحمة بتصفية باطنه وقطع همه عن الدنيا وإقباله على الله تعالى وجل بكنه همته فيكون ذلك الإنقشاع في لحظة كالبرق الخاطف، ثم يعود ولكن يظهر في تلك اللحظة ما ظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في عرض الحائط. ومن انقشع عن هذا الحجاب فهو الذي يسمي نبيا أو وليا وقوله عليه السلام: ((لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا)). معناه أنه في نفسه مما لا يفني وليس الأكل منه بطريق نقلة وإفناء، بل بطريق أنه فياض بأمثاله على الأرواح فيضا ما، لا ينقطع، فلو انتقل إلى الدنيا لبقي على حاله ولكن انتقاله غير ممكن وقوله عليه السلام: ((إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني)) لا يريد به شيئا من جنس طعام الدنيا. وإنما أراد به ما كان جبريل عليه السلام يتعاهده به من أمور هي أغذية قلبه وروحه. ويشغله عن الإلتفات إلى شهوات جسده استغراقه به فيكون قائما في رفع الجوع مقام الطعام والشراب، والله أعلم.
[
عنها حاكيا له من غير زيادة حرف ولا نقصان حرف لا في بساط ولا عرف، فيكون كمن يخرج الوصية من داخل الدار إلى رجل عند الباب، فإن زاد أو نقص فالفرض عليه السكوت، لأن التقليد فاته والأجتهاد فاته انتهي. وقال ابن الصلاح: إذا لم يجد مسألته بعينها ونصها مسطورة فلا سبيل له إلى القول(¬1) فيها قياسا على ما عنده من المسطور وإن اعتقده من قبيل قياس لا فارق، لأن القاصر معرض لأن يعتقد ماليس من هذا القبيل، وإنما يتم في حق من عرف موارد الشرع ومصادره، انتهي.
وفي الحالة الثانية من الفرق الثامن والعشرين من قواعد شهاب الدين القرافي- رحمه الله- من هذا المعني ما يكشف الغما(¬2) ويشفي الغليل، ونصها: ومما قدمنا من غير تعلم جرأة أهل الوقت على الفتوي، وتحاملهم على المذهب بما تأباه الديانة والتقوى، عصمنا الله وإياكم من متابعة الهوى، ومن علينا وعليكم بجنة المأوى.
ولنرجع بعد تحصيل هذه المقدمة الشافية، الجامعة الكافية، إلى تتبع ألفاظ السؤال، والتنبيه على ما يتعلق بها من المباحث والأقوال، فنقول وبالله نعتصم، من كل مايصم:
أما قولكم فهل يجوز لهذا المقلد أن يقلد غير المشهور في مسألته أو يفتي به بقصد التوسعة على نفسه وعلى غيره مستندا في ذلك لقوله عليه السلام:﴿ إن الله يحب أن توتي رخصه كما يحب أن توتى عزائمه﴾ ولقوله عليه الصلاة والسلام: ﴿ بعثت بالحنيفية السمحة السهلة﴾، والأخذ بالرخص محبوب﴿ ودين الله يسر﴾، ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج؟﴾.
فجوابه أن المقلد بعد اطلاعه على الراجح أو الأرجح من قولي إمامه أو أقواله لا يجوز له تقليد المرجوح لا باعتبار نفسه ولا باعتبار حمل غيره عليه، لأن العمل بالراجح أو الأرجح واجب، ويظهر من كلام الشيخ القاضي المحقق
[27/12]
[28/12]