228/1] جمعة في قريتهم ولا يتكلفوا مشقة المشي إلى غيرها لكان لهم ذلك, وفي هذا سعة. ولا يكاد يوجد في المنع من ذلك نص في المذهب. والحديث أيما قرية اجتمع فيها ثلاثون بيتا يدل على إباحته ذلك. وكذلك قول مالك في المدونة: في القرية المتصلة البيوت إلى آخر كلامه. ومن أجاز الجمعة في موضعين في المصر لرفع المشقة على الناس يجيز هذا, ومن منع منه يمنع من هذا, والصواب إباحته إن شاء الله.
قلت: تعقب ابن عرفة ابن الحاج لكل قرية أن يجمعوا ولو قربوا ولا نص في منعه قصور انتهى.
[إذا انقطعت الجمعة في المسجد القديم انتقلت إلى الحديث]
وقوله الدجال: ابن العربي شأن الدجال في ذاته عظيم، والأحاديث الواردة فيه أعظم ولقد انتهى، الخذلان بمن لا توفيق عنده إلى أن يقول إنه باطل لا تظهر على يديه آية في فتنة، ولا تكون من جهته محنة، وقد روى أبو.
[264/2]
[265/2]
عيسى، عن ابن عبدة، غريبا، وعن ابن عمر صحيحا: « وما [ من ] (¬1) نبي إلا وقد أنذر قومه المسيح الدجال، لقد أنذره نوح قومه، ولعله سيدركه بعض من رأى أو من سمع كلامي، قالوا: يا رسول الله فكيف قلوبنا يومئذ؟ قال: مثلها يعني اليوم أو خير، ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه، تعلمون أنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، وتعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت، وأنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه من كره عمله ».
ابن العربي: إنذار الأنبياء من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم بأمر الدجال تحذير للقلوب من الفتن وطمأنينة لها حتى لا يدعوها عن حسن الاعتقاد ما يطرأ عليها دون ذلك من الفتن، وكذلك تقريب النبي صلى الله عليه وسلم له زيادة في التحذير، لأنه إن لم تكن فتنة الدجال قريبة، فإن قربها منها قريب من فساد الأديان، واتباع الأئمة المضلين والافتتان بالسلاطين، ولما سمعوا ذلك فزعموا، قالوا: فكيف قلوبنا مثل إشارة منهم إلى أنهم إذا كانوا ثابتين دفعوا الشبهة باليقين، وقوله: مثلها اليوم أو خير، هذه الكلمة وأشباهها تسقط من الأحاديث، وإن رواها المستورون، فإن القلوب لم تكن عند مفارقة النبي عليه السلام إلى المنازل كهي عند حضرته، ولا بعد موته بلحظة كهي عند ظهور الفتن، وقال قال أنس: « ما نقضنا أيدينا من تربة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أنكرنا قلوبنا ».
=فأجاب : لا ترد المرأة إلا بالعيوب الأربعة خاصة وإن ألحقوا العذيطة فضررها هو عند الجماع ، ولا ضرورة تدعو لمباشرة الزوجة إلا عند الجماع ، والعيب المذكور لا يضره عند الجماع ، مع أن الخيار إنما يكون ما لم يتلذذ ، والرجل المذكور في هذا الخصام يتلذذ ويفضي إلى أهله ، فلا يحل له أن يأخذ شيئا مما أعطاه ، إما إمساك بمعروف أن تسريح بإحسان .
[من تزوج رجل يطيل الجماع ولا ينزل ، فليس لها الحق في تطليقه]
*وسئل القاضي ابن منظور عن رجل تزوج بكرا يتيمة مهملة وبنى بها ، وبقيت عنده نحو أربعة أشهر من يوم بنائه بها ، ثم نشزت عنه لدار أمها ، وطلبت بالرجوع لدارها ، فأبت في الرجوع ، وترددا معا لمجلس القاضي منذ نحو ستة أشهر ، وترد لدار زوجها وتهرب عنه ، وهي تدعي أن زوجها يمكث في جماعها مدة طويلة حتى يلحقها من ذلك ضرر عظيم لا طاقة لها به ، وتدعي مع هذا أنه يطيل الجماع . ولا ينزل ، وكان قد ظهر بها منه حمل ، فقيل لها : فهذا الحمل من حيث هو ؟ فقالت : منه ، إلا أنه مكث من حين بنائه بها نحو نصف شهر يجامع وينزل من غير طول ولا ضرر ، ثم بعد ذلك صار يطيل الجماع كثيرا ولا ينزل ، وهي الآن قد نفست الحمل الذي كان بها منه ، وهي تأبى من الرجوع له الإباية الكلية ، بحيث لا تجلس بداره ساعة واحدة ، وقد عنفت على ذلك ، وهي تأبى والرجل منكر لجميع دعواها ، والأمر قد بلغ بينهما إلى أمر عظيم ، حتى إنها تقول : تقتل ولا ترجع إليه . فبينوا لنا ما يكون حكم الله .
=فأجاب : الجواب بتوفيق الله ، أن ما ذكرت المرأة هو من المصاب النازل الذي لا يلتفت إلى من يدعيه ، والوجه أن تصبر لحكم الله وقضائه ، ولا بأس[236/3]أن يوعظ بالرفق بها ، وإن رغبته في الفراق ويريد فذلك لهما ، وإن لم يرد فلتصبر وفي الصبر خير كثير ، قاله ابن منظور وفقه الله .
وسئل عمن أراد جماع زوجته فامتنعت، فقال لها بارك الله لك في نفسك ولم تكن له نية، فما الحكم في ذلك؟ وفي آخر نزل به مثل ذلك وسئل هل أراد طلاقا؟ فقال ما أردته ولا قصدت إليه.
فأجاب: إذا لم تكن للناس عادة في مثل هذا فلا طلاق عليه، وإن كانت لهم عادة فال يريدون مثل هذا فليعمل عليها.
[من قال لزوجته أمرك بيدك فقضت بأكثر من طلقة]
وسئل عمن تشاور مع زوجته فقال لها أمرك بيدك، فخرجت عن الدار وأخرجت متاعها في ذلك اليوم أو بعده، ثم بعد أيام عدة سئل الزوج عن مراده في قوله أمرك بيدك، فقال ما أردت إلا طلقة واحدة، هل يقبل منه أم لا؟.
فأجاب: إنما يحلف إذا قضت بأكثر من واحدة وقاله عندما قضت.
[من حرم زوجته وقصد في ليلة خاصة]
وسئل عمن لاعب امرأته فأراد جماعها، فقال له أنا عليك حرام مثل أمك وأختك، فقال لا أنت علي مثل أمي وأختي، وجاء مستفتيا وقال أردت بقولي لها ذلك تحريم جماعها في تلك الليلة خاصة.
فأجاب: لا يختص التحريم بتلك الليلة.
[من قال لزوجته هي حرام قاصدا معصية ارتكبتها]
وسئل الرماح عمن أقرت له زوجته أنها زنت وطلبت التوبة فتجاوز عنها على أنها لا تعود، فبقي مدة ووقع بينهما كلام، فقال لها لو كان غيرك
[257/4]
[258/4]
ما علمتني فقالت له ما عندي ما عاملتك به، فتلاجوا في الكلام فقالت له أمه اسكت عنها، فقال هي والله حرام، وهو ينوي به الزنا الذي زنت، أمها حرام هذه نية أن زناها حرام.
فأجاب: يحلف الرجل في الجامع أنه ما قصد بقوله هي حرام إلا معصية من المعاصي فعلتها ويخلى بينه وبين امرأته.
[من حلف بالثلاث وطلق طلقة واحدة]
وسئل عمن حلف لزوجه بالطلاق الثلاث إن بقيت له في عصمته، فأوقع عليها طلقة واحدة على غير فداء، فهل يبر في هذا ويرتجعها منها؟ أم ماذا يجب عليه في ذلك؟.
فأجاب: بيع الثمار قبل بدو صلاحها على التبقية ممتنع وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن ذلك مكروه يندب صاحبها إلى أن لا يفعل وليس ذلك عندهم بحرام، وحكي اللخمي عن المذهب قولين بالجواز والمنع إذا لم ينقد الثمن وشرط وقفه إلى أن ينظر هل تسلم الثمرة فيمضي البيع أو لا تسلم فيرد البيع فإن نقد الثمن فالمنع لا غير لقوله في الحديث « أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه » هذا كله إذا ظهرت الثمرة، وأما بيعها قبل خلقها فجماعة العلماء على التحريم إلا ما حكي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير أنهما كانا يبيعان ثمارهما العام والعامين والأعوام، قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر ولا أعلم أحدا من العلماء تابعهما على ذلك، وقد ورد النهي عن بيع الثمر قبل أن تخلق، ولا يجوز العمل بذلك ولا الفتيا به ولم يجر به عمل من كان بعدهما.
[مكتري الأرض يصاب بالجائحة هل يلزمه الكراء؟]
وسئل عن رجل اكترى أرضا وزرعها كتانا فأجيح بالفراشة وهلكت الغلة هل يسقط الكراء أم لا؟
فأجاب بأن المكتري مطلوب شرعا بما التزم إذا شاء صاحب الأرض إلا أن يشهد شهود عند القاضي أن ذلك الفراش الذي أكل الكتان كان كامنا في
[235/5]
في الأرض وأنه يسوخ فيها كما يسوخ الجراد وأنه من عيب الأرض فإن ثبت هذا بشهادة سقط الكراء.
[بيع الدقيق بالحب]
وسئل رحمه الله عن بدل الدقيق بالحب بالوزن في الرحى لأجل الزحام مع من يكون قد طحن ويأخذ صاحب الرحى أجرته من صاحب الحب هل يجوز أم لا؟.
يجوز أن يشتري التبر والقراضة والذهب المسكوك في صفقة واحدة وزنا بدراهم دون أن يعلم وزن كل صنف من ذلك على حدته. فالمعنى في المسألة أنه أراد فيها بقوله يعين التبر والقراضة والذهب. وقوله: إنه إذا وجد فيها درهما زائفا انتقص منها وزن ديار، إنما يعود على شراء الذهب المسكوك وحده بالدراهم. وأما إذا اشترى تبرا أو قراضة بدراهم فوجد فيها درهما زائفا، فإنما ينتقص من التبر أو القراضة ما يجب من الدرهم لا أكثر وهذا ما لا إشكال فيه.
[لا تباع الدراهم المختلفة الوزن عددا]
وسئل عن الرجل ابتاع دراهم عددا.
فأجاب: لا خير فيه، إلا أن يختلف وزنها قال: فإن كانت كذلك فلا بأس به.
قيل له: فإن كانت الدراهم في بلد لا ميزان فيه أترى أن تباع عددا؟ قال: لا. ابن رشد هذا بين على ما قال: إن الدراهم لا تباع عددا إلا أن لا يختلف وزنها. فإن كان يختلف وزنها لم يجز أن تباع عددا، وإن كان ذلك في بلد لا ميزان فيه لأن ذلك غرر. وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر وهذه أسئلة سئل عنها الإمام أبو عبد الله محمد بن علي المازري رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا ببركاته وعلمه.
[حلي الصبيان وسقوط الزكاة فيه(¬1)]
وسئل -رحمه الله- عن حلي الصبيان من الذهب والفضة هل عنده رخصة في سقوط الزكاة فيه؟ وفي جواز تحليتهم به. وفي جلود الذهب الذي يعد ويغزل هل يجوز بيعها بالذهب المسكوك نقدا أو بالدرهم نسيئة؟ وفي الدنانير السفاقسية التي تسمى الربعية ودنانيركم بإفريقية التي تسمى البلية واللوانية والسداسية. هل يجوز بيعها بالدنانير المرابطية والطرابلسية على وجه
[306/6]
إنما هي على قول المغيرة وهو مرجوح, فناقشه ابن الأخ في مرجوحيته وأطلعه على راجحيته عند الشيوخ, لقول ابن رشد في أجوبته إنه الذي عليه العمل, واختاره اللخمي, وقول ابن عبد السلام, لأنه الأقرب, وادعى ابن الأخ مع ذلك ان سعة المحيز في العقار, اقتضت وجود الفضل بتقدير المنصفين من الحكام, فانتقل العم إلى زعمه أن الايثار المنصوص عليه لأهل المذهب, إنما المراد به الحرمان لدلالة اللفظ لغة وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ﴾ وأبطل ابن الأخ هذا الزعم بأن هذه الإرادة في مسألة الحبس من جنس التلاعب, لأن قوله يدخلون ويؤثر الأعلى, يأبى أن يكون المراد به الحرمان, إذ الحرمان لا يقتضي دخولا, على أنه وقع في نوادر الشيخ تفسير عبد الملك مراد بالايثار بما نصه من المجموعة قال ابن القاسم قال مالك فيمن حبس على ولده أو قال على ولدي وولد ولدي فذلك سواء, فيبدأ فالابناء فيؤثرون, فإن فضل فضل كان لولد الولد. قال عبد الملك, كان
[
وقيل: يدخل في المعين غرر الكراء ووقع في كتاب محمد ما يدل على المنع والمشهور جوازه. ولو كان الكراء بسلعة بعينها لم يجز باتفاق. وأما بيع السلعة على ما يقبض ثمنا ببلد آخر ولم يضرب أجل فالمشهور جوازه إلا أن يسمي وقت الخروج ويكون قدر السير معروفا فيكون كالأجل المعين.
[ من اكترى دابة ثم حط عنها ينتظر الغير فذهبت ]
وسئل المازري اكتري دابة وذهب بها إلى الموضيع المكتري إليه ثم حملها وخرج بها ثم حط حملها ينظر الغير فزهقت من بين يديه من غير تفريط.
فأجاب: إذا فعل فعل الناس من الحط عنها وكونها بين يديه ولم يفرط في بعدها عنه ففاتته ولم يعرف لها موضعا من غير تفريط فلا ضمان عليه بعد يمينه على ذلك كما يجب.
[ حكم من استأجر حارسا ثم أتى بغيره فهل يضمن أم لا؟ ]
وسئل ابن أبي زيد عن قوم استأجروا حارسأ ليحرس لهم طعاما أو زيتونا فذهب وأجلس غيره وهو لا يقدر على الحراسة أيضمن ما ذهب من الطعام؟
[283/8]
[284/8]
فأجاب: نعم إلا أن يكون المستخلف مطيقا على الحرس فلا ضمان عليه. قيل الصواب الضمان مطلقا إلا أن يكون استخلف لضرورة.
[ من اكتري دابة معينة فزاد عليها فماتت ]
وسئل عمن أكرى دابة أياما معينة إلى بلد معينة وشرط عليه إلا ينزع عنها بردعة لدبرة فيها فزاد على الأيام التي اكتراها لها فهلكت ولم يعلم شيء إلا بقوله.
فأجاب: إن هلكت في المدة المشترطة ولم يعلم إلا بقوله فالقول قوله ويحلف ولا ضمان عليه. وإن هلكت في المدة الزائدة ولم يكن له عذر في حبسها ضمن قيمتها يوم حبسها، إن شاء ربها طلبه بذلك، وإن تبين له عذر في حبسها وهو مما لا يعذر به فلا ضمان عليه في الدابة، ويلزمه كراء الزيادة.
[ من باع خابية مكسورة فضاع ما وضع فيها ]
وسئل محمد ابن عبد الملك الخولاني عمن باع خابية مكسورة دلس به وهو يعلم أن المشتري يعمل فيها الزيت وصب فأهرق.
وسئل رحمه الله من قبل فقيه الجزيرة الخضراء أبي إسحاق الموري بما نصه: يا سيدي أبقاكم الله مصباحا للدين، وعلما للمهتدين، جوابكم رضي الله عنكم على المنصوص بعد، وذلك أن امرأة قامت على وصيها من قبل والدها طالبة ترشيدها وتملكها مالها وذلك بعد دخول زوجها بها منذ من نحو عشرين عاما، ولما ذكر لها أنها تريد أن تبيع عليها من أخيها حظها من رحى في شركته، وهذه الرحى من أغبط الأملاك عندنا فامتنعت أمها من
[
وسئل عياض عن رجل رفع إلى الأمير رفعا يذكر فيه أن لحفيدي ابن ابني حقا ، وأنا المقدم عليه فصرفه الأمير إلى أحد قضاته ، فوصل الرجل بالتوقيع إلى القاضي الذي صرف إليه مع خصمه المرفوع إليه ، فقال خصمه لما وقف على الرفع أنت إنما رفعت في حفيدك ابن ابنك عبد الله ولم تسم الحفيد ، وهما ابنان ، فأيهما صرف حكمه معي هذا أم الثاني ؟ فقال الرافع إنما رفعت عن هذا وسماه للقاضي في توقيفه(¬1) وليس لحفيدي الثاني عندك حق وأنا أضمن لك ما قام به عليك هذا الآخر ، فامتنع الخصم من الحكومة معه لذلك ، فهل ترى وفقك الله أن له أن يخاصم عن حفيده بالتوقيع وهو لم يسمه في رفعه أم لا ؟ وهل يجتزىء بتسميته للقاضي في التوقيف عن تسميته في الرفع أم لا ؟ بين لنا ذلك مأجورا إن شاء الله .
فأجاب : الذي أراه ، والله الموقف ، أن إبهام الحفيد هنا غير مانع للحكومة ، إذ الرافع يعين مطلبه ، والمرفوع بالحقيقة مع الخصم إنما هو الرافع المقدم ، وقد أعلم أنه إنما يتكلم بتقدم ، فله الكلام عمن يقول إنه رفع [240/10] عنه مع من يقول إن خصمه إن كان لم يسمه . وكما ليس للخصم أن يعترضه في هذا ولا في تعيين الحق بأن يقول ليس هذا هو الحق الذي رفعت معي فيه ، بل هو حق آخر كنت تطلبني به قبل هذا وخصام غير الذي عينت الآن وهو مبهم في الرفع وبالله التوفيق .
وسئل عن رجل غاب عنه بقره عندما ضرب عليهم العدو وادعى بهم على أهل قرية فشكا ذلك إلى حاكم الجهة فوجه فيهم فأفتى بمن أمكن منهم ، فأقر بعضهم وغرم بعض العدوة ، وأنكر الباقون فسجنوا وطال سجنهم نحو الشهرين ، وهما أخوان من أهل العافية لا يعرف لهم مثل هذا ، وأبى صاحب البقر أن يخرجهما حتى يغرموا . بين لنا وجه الحكم في ذلك وهل يجوز إقرار هذا الغارم عليهم أم لا ؟ مأجورا إن شاء الله .
وأما ما ذكره أدام الله به الإمتاع من أن امتناع انخراق العوائد في غير زمان النبوءات، مما لا يدرك العلم به ضرورة، فما وجه ادعاء العلم الضروري في ذلك، فسبيل التحقيق في ذلك من أكبر ما في دهرنا وعصرنا أنه انقلبت
[240/11] الدجلة في جريتها ذهبا سائلا وتربت(¬1) الحر الأرض أو تفلقت أشجارها وزعم أن ذلك ظهر وانتشر، وذاع واشتهر، فيعلم بضرورة العقل كذبه، والمستريب في كذب المخبر على هذا الوجه لا يعد من أحزاب العقلاء. ولو أخبر مخبر لبيت بأن السقف الذي يظله من فوقه انقلب ذهبا أو أحاط بذلك أهل التواتر علما يتشكك العاقل في كذب المخبر. وعلي هذا القاعدة ثبت صدق المخبرين علما شاهدوه تواتر إذ اطردت العادة أن العقلاء مع تباين أغراضهم وهممهم لا يطيقون على نقل ما زعموا أنهم شاهدوه وهم فيه مفترون محترصون من غير سبب جامع لهم على الكذب ولم تقدر سببا يجمعهم من قهر وفسق وغيره لاشتهر في مجرى العادة ذكره ولتفاوض به الناس. فلو جاز تقدير انخراق العادة من كل وجه لاتفق أهل التواتر على الكذب أقرب الإمكان من غيض البحار وسيلان الدجلة بالذهب عن اشتهار وانتشار، وهذا يفضي إلى التشكك في الإخبار عن وجود الأنبياء، إذ سبيل التوصل إلى دركه(¬2)، التواتر المستجمع بشرائط مربوطة، ثم الذي ينبغي للمحصل أن لا يغفل عنه أنا إذا ادعينا علما ضروريا متعلقا بمجاري العادات فليس من التحقيق أن يناقش مدعي الضرورة ويطالب بإيضاح ما قاله بقضية الأدلة إذ الطلب بالأدلة لا مجال لها في الضرورات.