وسئل رحمه الله عما نشأ عليه المرابطون من التلثيم الذي هو زيهم, هل يجب عليهم التزامه أو يستحب ذلك لهم؟ أو مكروه لهم يستحب لمن قام إلى العبادة منهم أن يطرحه؟ أم لا يستحب ذلك؟
فأجاب تصفحت سؤالك ووقفت عليه. وقد خلق الله الخلق أجمعين وجعلهم شعوبا وقبائل, وباعد بينهم في البلاد وخالف بينهم في الأزياء والهيئات, فلا يجب على واحد منهم الرجوع عما اختاره من زيه وهيئته إلى زي سواه وهيئته, لأن ذلك كله من قبيل الجائز المباح للعباد. قال الله عز وجل: ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ﴾ . والتلثيم للمرابطين هو زيهم الذي اختاروه لأنفسهم ونشأوا عليه وتوارثوه ودرجوا عليه سلفا عن خلف, فلا كراهة فيه عليهم, بل يستحب لهم التزامه والمحافظة عليه ويكره لهم مفارقته, لأنه شعارهم الذي تميزوا به من سائر الناس في أول أمرهم, إذ قاموا بدعوة الحق ونصرة الدين. ففي التزامهم إياه لتظهر كثرتهم ويتوفر في أعين الناس عددهم غيظ المشركين وعز المسلمين, لأنهم وجماعتهم الذابون عنهم والمجاهدون دونهم. ويكره لمن كان معروفا به منهم فنبذ الدنيا وأقبل على العبادة أن يطرحه تواضعا وزهادة من باب الشهرة, وكيلا ينسب إليه الرياء والسمعة, ومخافة أن يذكر بذلك حتى يشار إليه فيه بالأصابع, فربما دخلت عليه بذلك داخلة من قبل الشيطان, لأنه يأتي للإنسان من كل وجه. فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما استوى رجثلان صالحان أحدهما يشار إليه والثاني لا يشار إليه.
عبد الملك يقول له: علي عهد الله وميثاقه إن أمكنني الله تعالى من دفنه في الموضع الذي ذكره وأحدثت فيه ما ذكرته أن أخرب كل كنيسة في عمل الإسلام وأن أنبش موتاهم حيث كانوا وأحرقهم بالنار، فيكون الشؤم على أهل ملتك وعلى كنائسهم في جميع أعمال المسلمين من قبلك، ومن أجلك وبك وعلى يديك، وتؤكد العهود ألا تحدث كنيسة بعد ذلك في شيء من أعمال المسلمين، فأرسل إليه ملك الروم.
[261/2]
[262/2]
الآن علمت كمال عقلك وعقل أبيك الذي بعثك فتقدم بالجنازة وأدفنها حيث شئت، بلا حرب ولا شخوص ولا كلفة، والله علي عهد لأخلدن في ملتي أن يستصبح على قبره ما بقيت الدنيا، وقد بنوا على قبره قبة تحفظا منهم به، فإذا قحطوا كشفوا البناء واستشفعوا به إلى الله عز وجل فيسقيهم ويستصبحون على قبره بالزنبق، وهذا فضل كبير لأبي أيوب رضي الله عنه ورحمة الله عليه إذ شاء الله أن يكون هو الصاحب الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذ سخر الله له غير ملته بالتعظيم لقبره والحياطة له، وكذلك أيضا لمسلمة بن عبد الملك فضل كبير وفخر عظيم في صدق نيته والعزم على الحرب لدفنه حيث قال، فأجرى الله تعالى تلك المكرمة على يديه، وجعله سببا في إتمامها والحمد لله رب العالمين.
=فأجاب : وقفت على السؤال المكتتب بالمقلوب ، والحكم في ذلك أن المرأة التي ولدت البنت إن لم يكن بين إصابة الزوج لها وبين ولادتها ، إلا ما ذكر من المدة دون كمال ستة أشهر ، فإن النكاح مفسوخ بحكم الشرع ؛ لأنها قد ظهر أنها تزوجت في عدة أو في استبراء من ماء فاسد عن كان قد طرأ عليها شيء ، فلا يحل لها البقاء على ذلك النكاح ، وإذا فسخ النكاح ولم يكن الزوج وطئها بعد ولادتها ، فقد انقضى استبراؤها من وطئه الذي وطئها وهي حامل ، وإن كان قد وطئها بعد الولادة فلا بد من استبرائها من ذلك الوطء بثلاث حيض ، وبعد ذلك تحل للأزواج بنكاح ، وهل لذلك الزوج أن يتزوجها بعد ذلك الاستبراء أم لا ؟ تنظر المرأة في نفسها ، فإن علمت أنها لم يطرأ عليها شيء لا مع الزوج قبل عقد النكاح ولا مع غيرة ، فلا يحل لها ولا تحل له أبدا على المشهور ؛ لأنه قد ظهر أنه تزوجها ودخل بها في العدة من الزوج الذي كان قبله ، وإن علمت أنه طرأ عليها طارئ مع ذلك الزوج أو مع غيره قبل تزوجها ، وظهر لها أن تلك البنت كانت من الوجه المحرم في الشريعة ، فلهذا الزوج أن يتزوجها بعد الاستبراء المذكور على المشهور(¬1)والسلام على من يقف عليه من كاتبه فرج .
[إذا جرت العادة بقبض نقد الصداق ولم يقع إشهاد بذلك ، فالعبرة بالإشهاد]
*وسئل عما جرت به العادة في نقد الصداق ، فإنه يشهد بقبضه من غير[232/3]قبض ، وربما يقبض فيأخذ منه قابضه من ثلاثين درهما ونحوها ، ثم يرد سائره على الزوج ، ثم يقع موت أو فراق قبل الدخول ، فتريد الزوجة أو ليها أخذه أو أخذ نصفه إذ لم تقع شهادة بقبضه ، أو يريد الزوج بعد الفراق والتحاسب له مما يجب عليه إذا كانت الشهادة قد وقعت بقبضه .
وأما مسألة لا تحل لي امرأتي إلى آخرها فهي مختلفة الشهادة لا تلفق، فإن كذب الشاهدين حلف على تكذيبه كلا منهما، ويبقى مع زوجته. وأما من يكتب مراجعة المثلثة ويصير الخال وليا فالواجب التفريق بينهما.
ويؤدبون كلهم. والشهود أن علموا إلا من عذر بجهل منهم فيسقط أدبه.
[من شهد عليه واحد بثلاث تطليقات وآخر باثنتين وآخر بواحدة]
وسئل عن قول ابن شهاب وأبي الزناد في الأيمان بالطلاق منها فيمن شهد عليه واحد بثلاث وآخر باثنتين وآخر بواحدة ذهبت منه بتطليقتين، وفي نسخة أخرى باثنتين، وأخرى بثلاث، وأخرى بثلاث ذهبت منه باثنتين.
فأجاب: ما وقع من اختلاف النسخ لا تأثير فيما يجب. فالحكم والواجب على القول بالتلفيق وقوع طلقتين كما ذكر، وهي رواية ابن القاسم ومذهبه خلاف مالهما في غيرها. سواء أرخت الشهادات أو اختلف في التواريخ أو اتفقوا، فذلك لغو على مذهب من يلفق، لأنه لو قبلت شهادته في تعيين اليوم لقبلت في الطلاق بانفراده، فبطلان الثاني دليل على بطلان الأول.
وأيضا فإن العدة لا تكون إلا من يوم الحكم، ولو اجتمع شاهدان على تاريخ واحد وجب أن تكون العدة منه لما ذكره اللخمي في تبصرته من الفرق بين أن يكون شاهد الثلاثة بتاريخه متأخرا وعن شهادة الشاهدين أو متقدما عليهما أو على أحدهما ليس له وجه يصح. وكذا قوله إذا عرفت التواريخ، هل يلزمه طلقتان أو ثلاث؟ لأن الزائد على الاثنين من باب الشك في الطلاق غلط ظاهر لا يصح، إذ لا اختلاف في أن الحاكم لا يحكم على المنكر بالشك، وإنما الخلاف هل يحكم به إذا أقر به على نفسه. قال ابن رشد ووقع في مبسوطة يحيى بن إسحاق عن مالك: من قال لامرأته أنت طالق ثلاثا البتة لا تتبعض.
[253/4]
[254/4]
[من حلف بالطلاق ولم يدر عدده]
فأجاب: وقفت وصل الله كمال سيادتكم وحفظ سمو مجادتكم على مكتوبكم وعلى الرسم الذي ذكرتم والذي عندي في الاعتمار الذي وصفتم أن لا مبالاة به لوجهين أحدهما أن المتمسك به لم يدع الملك إذ لم يذكروا ذلك عنه وشرط اعتبار الحيازة الطويلة في الاستحقاق بها في مثل هذه اقتران دعوى المال والملك جزما، أما إذا قال الوارث لا أعرفه إلا حيازة موروثي وقد ثبت المال والملك لغيره فالحيازة ساقطة الاعتبار إذا ثبت المال والملك وكمل ذلك بما يجب من الحيازة والإعذار، والوجه الثاني أن الاعتمار هنا معلوم أصله
[231/5]
وسببه بالأمر المعتاد من الزوجية والمصاهرة وإنما تنفع الحيازة وفاقا فيما جهل أصله جملة وتأملوا مسألة نوازل ابن الحاج في دعوى ساكن الدار شراءها من وكيل القائم واستظهاره بعقد استرعاء يتضمن أنه يسكن الدار منذ عشرة أعوام ويتصرف فيها تصرف الملك والقائم الآن حاضر لا ينكر ولا يعترض فأجاب بأن إقراره بابتياعها من وكيله إقرار له بملك الدار وما استظهر به من الحيازة لا ينتفع بها وإنما تنفعه البينة العادلة على الابتياع منه أو من الوكيل حسبما أمره منه وإنما تنفع الحيازة فيما يجهل أصله انتهى وهو قول قد قيل ففي هذه المسألة من النازلة إذا سلم الملك الأصيل وينبغي هنا أن يسأل ورثة الأب المالك الهالك في الأصل عن سكوتهم بعد موته ما سببه وينظر فيما يدعون لعله ينبلج شيء وتتوجه عليهم اليمين أنهم لا يعلمون فيها ملكا للحائز وأظن المدة لم تبلغ القدر المعتبر بين الأصهار والقرابة من الخمسين ونحوها إلى أربعين على ما جرى به عمل أهل الوثائق، وأما يمين القضاء في الكالئ فهي متعذرة من الابن الموله، وإذا تعذرت سقطت فيجب الحكم بالحق دونها، ثم إذا أمكنت في المستقبل تلوفيت هكذا نص الفقهاء.
[حكم الإقالة بالتأخير والزيادة والنقصان]
فأجاب: بأن قال: أكره ذلك ابن رشد: هذا مثل ما في سماع أشهب، لأنه أجاز قطعها عند الحاجة إلى ذلك، خلاف ما في رسم البيوع الثاني من سماع أصبغ من إجازته لقطعها إذ لم تكن صحاحا مدورة، فالمقطعة يختلف في كراهة قطعها والصحاح المدورة النقص التي لا تجوز إلا بالوزن يتفق على كراهة قطعها. وأما القائمة التي تجوز عددا، فقطع الزائد منها على وزنها المعلوم جائز لمن استصرفها، ومكروه لمن بايع بها. وأما ردها ناقصة فهو مكروه في البلد الذي تجوز فيه ناقصة وحرام في البلد التي لا يجوز فيه ناقصة.
[حكم اقتضاء الدراهم عن الدوانق]
وسئل عن الرجل يشتري من البياع بالدانق والدانقين والثلاثة حتى تكثر الدوانق فتكون درهمين أو ثلاثة فيعطيه دراهم.
فأجاب بأن قال: لا أرى بذلك باسا، ودين الله يسر. ابن رشد: إنما خفف ذلك وقال: لا أرى به باسا ودين الله يسر ولم يطلق القول بإجازته، لأن الدراهم التي قضاه إياه إنما اجتمعت له قبله من دوانق مقطعة شيئا بعد شيء. وهي لو جمعت بعد أن توزن مقطعة لم يكن بد من أن تنقص عن وزن الدراهم التي قضاه إياه أو تزيد عليها.
وقد اتقى هذا المعنى في غير هذه المسألة حسبما ذكرنها في رسم القبلة وغيره وأجازه في هذه المسألة لأنها نفقات تكثر وأمر يعم، فلا يقدر على التوقي منه بأن يقضيه فيما تجمع قبله من الدوانق ذهبا أو فلوسا أو عروضا إلا بمشقة تدخل على الناس في ذلك.
[لا يجوز اقتضاء الطعام من ثمن الطعام]
وسئل فقيل له: أفيأخذ منه بكسر فاكهة فيعطيه في ذلك حنطة بعد ذلك؟
[302/6]
فأجاب: لا خير في هذا. هذا بيع الطعام بالطعام إلى أجل. ابن رشد. وهذا كما قال. لأن اقتضاء الطعام من ثمن الطعام كبيع الطعام بالطعام إلى أجل على مذهب مالك وجميع أصحابه في القول بالمنع من الذرائع.
[يجوز أخذ وزن الحلي دراهم]
247/7] عليه, وأما أن يتغير أو لم يكن إخراج طريق إليه وصار لا منفعة فيه, فهو عندي يجري على مسألة ابن رشد الواقعة في نوازله في الرقعة إذا احتاطت بها البناءآت من كل جانب ختى صارت لا ينتفع بها, فإنها تباع ويجعل ثمنها في مثلها خارجا من كل جانب حتى صارت لا ينتفع بها, فإنها تباع ويجعل ثمنها في مثلها خارجا عنها للضرورة, وتصير من أحباس المدرسة المذكورة أو تجعل مسجدا ويكون من باب صرف الأحباس بعضها في بعض ولا يغير شيء من المدرسة المذكورة, وإحداث هذه المدرسة بقرب مدرسة أخرى أو جعل مسجد فيها بقرب المسجد الآخر ودعوى أن هذا ضرر فلا يقدح ذلك فيها, لأن قرب المدرسة من المدرسة ليس فيه ضرر إن احتيج إليها عمر, وما لم يحتج إليه أغلق حتى يحتاج إليه, قال السيوري فيمن أحدث منبرا عند منبر آخر في مسجد واحد فإنه يتحفظ على احدهما حنى يحتاج إليه, ومسجدها تابع لها, ويصلي فيها أهل المدرسة ولا ضرر في ذلك؛ وأما ما ذكر من قضية الدفن فهي بمنزلة صرف الأحباس بعضها في بعض, فإن كان ذلك لا يضر بالمدرسة وفيما بذل فيها لأجل الدفن منفعة لها فصرف الأحباس بعضها في بعض أو معاوضة في الحبس قد قيل به في الأحباس, وهو قول قوي في المذهب فيعول عليه هنا فيما يؤخذ من منفعة المدرسة ويبقى القبر على ما هو عليه, وإن احتيج إلى موضعه سوي أعلاه, وتقع المكنفعة كما قيل فيمن دفن في ملك غيره أنه يسوى أعلاه وينتفع بظاهره.
وأما ما ذكرت من صرف جهة من المدرسة لولده, بعد ما وقع من كونها حبسا وإباحتها للناس, وأصلها على ما ذكر فليس ذلك, وتصرف حبسا كلها على ما هو عليه, وينتج من هذا كله إن قد فعل ذلك قاصدا للتحبيس المذكور على صفة ما ذكر, فإنه ليس بجرحة, لأنه كله تأويل صحيح أو معفو عنه, إذا كان وقع خطأ وبالله التوفيق.
وقف الأمر في اليمين فلا يمين عليهم وتحلف المرأة على ما ادعاه المكتري لأنه ادعي عليهم بما عاقد عليه الميت وتبرأ مع الحلف ومع النكول يستحق عليها يمينه لأنه مدعى ما ادعاه على المكوي في حصتها فقط.
وسئل ابن أبي زيد عن الفرق بين الأجير على حفر بير فتهدم قبل تمامها فله بحساب ما حفر، وعن الثوب يهلك قبل تمام الصنعة فيه لا شيء له.
فأجاب: بأن البئر كلما حفر فيها بقيت منفعته لصاحبه والثواب لا منفعة فيه إلا بتمام العمل، قيل له فإن عمل وقد تم بالبينة فهو مستكمل وأنت توجب الإجارة في نصف البئر فهذا أحرى قال هذا لم يزل في ضمانه وإن تم، ولا ضمان عليه في البئر وبقيت التوفية بالضمان حتى يوفيه.
[ مكتري الدابة إلى مكان معين يذهب إلى غيره ]
وسئل عن المكتري من مصر إلى برقة ذاهبا وراجعا فيذهب بالدابة إلى أفريقية.
فأجاب : إن ربها مخير في أخذ نصف الكراء مع قيمة أخذ الدابة يوم التعدي أو المسمي وكراء المثل من برقة إلى أفريقيا ذاهبا أو راجعا.
وسئل عن المتعدي يجور بالدابة نحو الميل أنه يضمنها بخلاف إذا زاد عليها ما لا تعطب بمثله.
فأجاب: إن كان متعديا يتعدي إلى شبهة فليس كالمتعدي إلى غير شبهة فالزائد على حمل الدابة جاز على ظهر الدابة والمتعدي فعله لا شبهة له فيه.
وسئل عمن يكري داره فتعطل، فهل العمل على قول الغير أنه يجبر؟ أو على قول ابن القاسم أنه لا يجبر؟
فأجاب: إن كان العرف على أن السر على رب الدار فعليه أن يطر.
[279/8]
[280/8]
[ من أراد أن يجري ساقية دار الدبغ في أم قديمة على أن يخملها ]
وسئل أبو القاسم بن زيتون عن ساقية محبسة لها أم يخرج منها ما يبقي منها بعد(¬1) وجرت العادة بأن أهل هذا الموضع يقيمون للأم الإخلاء متى أحتيج إلى ذلك فأراد أن يحدث دارا للدبغ يخرج قناتها إلى هذا الأم على أنها متى احتاجت إلى خلاء فتحها، فهل يصح ذلك ويجوز أن يؤدي فيه أم لا؟
وكتب إلى القاضي أبي سعيد عثمان بن منظور بما نصه: قام عند قاضي الغربية وفقها الله وحرسها الوصى أبوجعفر أحمد بن محمد الملاح، وذكر أنه اشترى موضعا مشتركا بينه وبين أخيه محجوره أبي البركات الذي إلى نظره بإيصاء والده أبي يحيى أن يكون فيه لأخيه من الفائد والعائد ما تظهر بركاته وسأل من الفقيه الأمير أبي إسحاق البليشي المذكور في العقدين بمحوله أن يدفع له من المال ما يدفع في مقابل حظه من الموضع الذي اشترى كما ذكر فلم يخالف في ذلك، بل قال إنه راغب في دفع الأمانة بأسرها وأن يزيلها من يده، ويصرفها عن أمانته لما يتوقع عليها ولكن قال إنه يريد أن يبرأ من ذلك ولا يلحقها من تطرق وحضر شهيد الرسم الأسفل من الرسمين بمحوله وأديا بالشهادة على نص ما تضمنه الرسم المشار إليه وعلى أن الموصى ما سلم في المال لأخيه وفي استقراره بيد الأمين حسبما شرط والدهما رحمه الله بمحضره وعلى عينه وبمجلس القاضي المذكور وقبل شهادتهما واقتضى نظره أن شاور في ذلك قاضي مالقة أستاذها وعالمها قريبه الفقيه أبا عمر بن منظور أبقى الله بركته وطلبتها الفقهاء الفضلاء الأعلام أمتع الله بحياتهم في القضية المذكورة هل يفتح فيها النظر؟ وهل يأذن في صرفها على يد الأمين المذكور لما في نقلها من أمانة إلى ذمة مع رغبة الأمين في ذلك مع ما وقع من طلب الوصي أن يدفع بعضها في مقابل الحظ الذي اشتراه من الملك المشار إليه أم لا؟ وسأل جوابه وجوابهم على ذلك متفضلين مأجورين، والله سبحانه يمتع بحياتكم، والسلام الكريم يخص جميعكم ورحمة الله وبركاته، وكتب محمد بن عبدالله بن محمد بن منظور وفقه الله بتاريخ العشر الأواخر لشوال عام ثلاثين وسبعمائة عرف الله بركاته، ووقع في السؤال الإحالة على رسمين، وهما أن الملاح لما حضرته الوفاة رحمه الله استحضر ولده أحمد، وعهد إليه بالنظر بعد وفاته على أخيه أبي البركات، واستحضر الفقيه أبا إسحاق البليشي ودفع
قال محمد بن عياض : ذكرها الشعبي في نوازله عن ابن بطال ، وذكرها ابن سهل أيضا قالا : قال الشيوخ بقرطبة إذا ذكرت امرأة عند القاضي أن رجلا اختدعها وافتضها وشهد عند القاضي أن هذا الرجل ممن لا ينسب إليه شيء من هذا لطهارته وحسن حاله ، وشهد عنده أنها هي منسوبة إلى الردى جلدت حد الفرية وجلدت حد الزنى لإقرارها به . وقال غيرهم إن لم ترجع حتى جلدت . قال محمد : إنها أوجبوا الحد بقولها اختدعني ولو قالت قهرني فإن ابن المواز قال لا تحد للزني ، وقال هو قول مالك وابن القاسم ، وقاله ابن الماجشون . وكذلك اختلف في حد القذف إذا أتت تدمي ورمت رجلا صالحا ، فروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك تحد ، كقول الشعبي عن أشياخ قرطبة . وروى أصبغ عن مالك لا حد عليها . وأما إن كانت لا تدمي فتجد قولا واحدا . وأما إن رمت غير صالح فلا حد عليها قولا واحدا ، رواها ابن حبيب عن مالك وابن الماجشون ، وقال ابن الماجشون إن كان رجلا خيارا فلا يلزمه صداق ولا أدب ، وقاله أصبغ ، وأما إن كان متهما فيوجع ضربا ، قاله مالك وابن القاسم ، واختلف في الصداق فقال أشهب وابن الماجشون لها عليه صداق المثل إن كان متهما . زاد ابن حبيب عن ابن الماجشون : أولم يعرف بسفه ولا حلم ، وقال ابن القاسم لا صداق لها إلا أن يشهد رجلان أنه احتملها وغاب عليها فتحلف وتأخذ صداقها ، وقاله مالك .
[لا يبرأ الزوج من كالىء الصداق إلا ببينة]
وسئل عن رجل تزوج امرأة بصداق عاجل وآجل ، فدخل بها وبقى معها حتى حل أجل الكالىء وبعده بسنين توفيت المرأة المذكورة وقام ورثتها يطلبون الميراث في تركتها من صداق وغيره ، فادعى الزوج البراءة من جميع الصداق عاجله وآجله ، وكان في عقد الصداق شرطه أنه لا براءة للزوج في [237/10] الدفع إلا ببينة ، هل يلزمه إقامته بينة أم لا ؟ ويكون القول قوله أم كيف يكون الأمر ؟ مأجورا إن شاء الله تعالى .
237/11] إذا يجوز ثبوت ضد أحد العلمين مع ثبوت العلم الثاني بأن يجهل السوادين ويعلم الثاني وكل عرضين جاز ثبوت ضد أحدهما مع ثبوت الثاني فهما مختلفان، فاستمرت الدلالة، وسلمت من القوادح وما تشبث به بعض الأيمة أن قال: لو جوزنا قيام عرضين متماثلين بالجوهر لم نأمن قيام أعداد لا تحصى منها.
ولو قلنا بذلك لثبتت أعراض من غير أن يتوصل إليها بالأدلة والعلوم الصرورية لو سوغنا ذلك لم نأمن قيام أجناس من الأعراض بالجوهر لم نعلم أصلها ولم نحط بها علما. وهي التي يصدر منها إحكام الفعل وإتقانه وتخصيصه ببعض الأوقات والصفات دون الإرادات والقدر والعلوم.
وهذا تتوجه عليه أسئلة ولكنها طريقة سليمة عند السبر والتقسيم والاعتبار والاختبار. ومن أقوى ما يدل أنه لو جاز صدور كون العالم عالما عن علمين مثلين لجاز اختراع مقدور بقدرتين مؤثرتين في اختراع، ولا يلزم على ذلك مقدور بين قدرتين أحدهما تؤثر في السبب فإنهما مختلفان ونظير العلمين المتماثلين أن يتماثل تعلق القدرتين بالمقدار الواحد.
وهذه الأدلة تتعلق ببحور في التوحيد لا تنكسر ولولا توقي في الإبرام ومجانبة الإطناب في الكلام لجمعت أكثر من خمسين طريقا إيضاحا للمقصد وتحقيقا، فإن رسم الشيخ الجليل الأوحد أدام الله علومه وكبت حاسده وعدوه، بسط القول في ذلك بسطته متمئلا أمره منتجحا بالانتداب لإشارته مهتزا بالتسرع إلى مرضاته، لا زالت نعم الله عليه ضافية وأيامه من الغير صافية.
وكتب له أيضا أسبغ له عزت قدرته على الشيخ الأوحد نعماه، وأدام في الدرج العلية ارتقاه، وعصم من دواعي الفناء إلى أمد مدد البقاء فناه والحمد لله عدد أفضاله وكفى والصلاة والسلام على المبلغ عن الله أنباءه محمد وآله.
هذا وقد ذكر أدام الله أيامه وتابع عليه إنعامه سؤالا هو لعمر الله الأمد الأقصا والتشبث بالحمل الأعلى والمباحثة عن مكنون الأسرار
[