وسئل رحمه الله عن إمام مسجد جماعة ظهر عليه داء الجذام عافانا الله منه فكرهت جماعته الإئتمام به لذلك, وذهبت إلى تأخيره عن الإمامة والاستبدال بإمام آخر مكانه, وذلك بعد مدة مضت له في غمامتهم وهو على تلك الحال. هل ترى رضي الله عنك إمامته جائزة بدنا أم لا؟ وهل ترى لهذه الجماعة إجباره على التأخير عن إمامته أم لا؟ وكيف به وصل الله توفيقك إن ادعى أن الذي به غير جذام إنما داء غيره بزعمه؟ هل يكلف الأطباء النظر إليه حتى يتحقق ذلك فيه بقولهم؟ أم لا يلزم ذلك؟ إذ هذه الجماعة لا تقدح في دينه ولا في معرفته بما يتناوله في إمامته من قراءة أو غيرها, إنما يعافون مرضه المذكور خاصة. بين لنا رضى الله عنك القول في هذه المسألة كل البيان, فإنها نازلة بنا وواقعة عندنا موفقا مأجورا إن شاء الله.
فأجاب تصفحت عافانا الله وإياك سؤالك هذا ووقفت عليه. وإمامة المجذوم جائزة لا إختلاف في ذلك بين أهل العلم, لأن العيوب التي تقدح في صحة الإمامة إنما هي في الأديان لا في الأبدان, إلا أنه إذا تفاحش جذامه وقبح منظره وعلم من جيرانه أنهم يكرهون إمامته لتأذيهم بها في مخالطته لهم يشق صفوفهم بالدخول إلى المحراب والخروج عنه, فينبغي له أن يتأخر عن الإمامة بهم. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المرأة المجذومة التي رآها تطوف مع الناس: يا أمة الله لا تؤذي الناس, لو جلست في بيتك لكان خيرا لك! فإن أبى من ذلك ورفعوه إلى الإمام قضى عليه بالتأخير عن إمامتهم إذا تبين له ما ذكروه من تأذيتهم بها, لأن المنع من إذاية المسلمين واجب. وقد قال صلى الله عليه وسلم في حلول المرض على المصح إنه أذى.
[225/1] وقال صلى الله عليه وسلم: من أكل من هذه الشجرة فلا يقرب مسجدنا يؤذينا بريح الثوم, وهو أخف أذى وبالله التوفيق.
[التلثم عند المرابطين عادة حميدة]
فأبو أيوب رضي الله عنه من ولد ذلك العالم، وإليه صارت داره وبها بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأمر الله تعالى وإرادته تخصيا لأبي أيوب رحمه الله بهذه الفضيلة، وزاده تعالى إلى ذلك أن سخر له النصارى
[260/2]
[261/2]
وملوكهم بالقسطنطينية على قبره بالزنبق، فإذا كشفوا القبة التي على قبره فيستسقون ويستشفعون به إلى ربهم فيسقون وجلية الأمر والسبب في ذلك أن أبا أيوب رضي الله عنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: « إنه يموت صاحب من أصحابي بأرض القسطنطينية ويدفن إلى جنب كنيستها وهو من أهل الجنة » فلزم أبو أيوب رحمه الله المغازي إليها رجاء أن يكون هو ذلك الصاحب، فغزا مع مسلمة بن عبد الملك بن مروان إليها لما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمرض المرض الذي مات معه بأرض الروم، فأعلم أبو أيوب رحمه الله مسلمة بن عبد الملك بن مروان بما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوعده مسلمة بذلك، فلما توفي أبو أيوب رضي الله عنه وغسل وكفن ووضع في نعشه وصلى عليه ربطة مسلمة بالعمائم، وخرج به إلى الحرب وقدمه بين يديه، فلما رآه ملك الروم أرسل إلى مسلمة فقال له: ما قدر هذا الميت تخرج به إلى الحرب ترجوا أن تنصر به؟ ما أشك بفعلك هذا في ضعف عقلك وعقل أبيك الذي بعثك، فأرسل إليه مسلمة أن هذا الميت صاحب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدثني أنه سمع النبي صلى الله عليه يقول: « يموت صاحب من أصحابي بأرض القسطنطينية ويدفن إلى جنب كنيستها وهو من أهل الجنة » فلما احتضر رغب إلي في السعائة في دفنه إلى جانب الكنيسة، إذ رجا أن يكون هو ذلك الصاحب، فوعدته بذلك وأنا أرجو بحول الله وقوته أن الله سيعين على ذلك، فرد إليه الجواب مالك الروم الآن تحقق عندي وتأكد ضعف عقلك وعقل أبيك الذي بعثك، فعلى أن يتمكن لك ذلك هل هو إلا أن تولى راجعا فأنبشه، وأحرقه بالنار، فبعث مسلمة بن
=فأجاب : يثبت أن المرأة المذكورة طارئة على الموضع ، وتصدق في عدم الزوج وفقد عدة منه وبراءة الرحم ، وتتزوج بعد اعترافها بذلك كله ، ويذكر إقرارها أنها كانت زوجا لفلان بموضع كذا ، وفارقها بموت أو طلاق منذ كذا ، وأنها لم تتزوج قط إن كانت تقول ذلك ، قاله فرج(¬1).
[امرأة غاب عنها زوجها وأثبتت موجبات الغيبة وطلقت نفسها ثم تزوجت]
*وسئل عمن غاب عن زوجه وتركها ، فرفعت الزوجة أمرها للقاضي ، وثبت عقد بمغيب الزوج ، وبأنه من أهل الفساد والفجور وبعدمه ، وليس للزوجة من أين تعدى بنفقتها ، فأجله القاضي شهرا واحدا ، فلما تم الشهر ولم يرجع الزوج من مغيبه ، أمرها القاضي بأن تحلف وأذن لها في الطلاق ، فطلقت نفسها بحكم الاعتبار بالنفقة ، واعتدت ثلاثة أشهر ، فلما تمت العدة[231/3]ولم يرجع ، تزوجت رجلا آخر فبقيت مع الرجل الذي تزوجته أربعة أشهر وعشرين يوما ، ونفست بنتا وبقيت البنت بقيد الحياة عشرين يوما ، وماتت وزعمت الزوجة أنها لم تكن حاملا حين تزوجت الزوج الثاني ، وأن الحمل كان من الزوج الذي تزوجته ، ووافقها الزوج على ذلك ، وزعم أن البنت المولودة كانت في غير أيامها ، وأنها كانت مستسقطة ، فعسى يا سيدي جوابكم في القضية بما يجب فيها ، والله سبحانه يبقي أيامكم .
وأما مسألة البنت مع العاصب فقيام العاصب فيها بمحاسبة البنت بالنفقة مدفوع بإشهاد الأب على نفسه بما ترتب عليه لبنته وباشترائه لها بمال من قبله بسبب هبته، وقد نص علماء المذهب على أن إشهاد المنفق بالحق للمنفق عليه أو بهبة له من قبله مسقط للمحاسبة بنفقته في حياته وبعد وفاته، وكل ما عمل على بنته مما ذكر في السؤال نافذ للبنت لا سيما وهو قد سمي الأسباب الصائرة لها بالإرث في أمها، وعينها وأثمانها. ويستوي في سقوط المحاسبة بالنفقة بالسبب المذكور كون المنفق عليه في وقت الطلب صغيرا أو كبيرا، بائنا بنفسه أو باقيا مع أبيه. وهنا انتهى الغرض من التقييد في المسائل المكتتبة والحمد لله، والسلام على سيادة من يقف عليه من كاتبه بخط يده فرج ورحمة الله وبركاته.
[الكاتب برد المطلقة ثلاثا والمفتي بذلك ينهيان ويؤدبان]
وسئل ابن رشد عمن يرد المطلقة ثلاثا ويستحل جعلها واحدة، وربما وجد خطه بردها على واحدة بولاية الخال، والكاتب لا يجهل هذا القدر، وهل يؤدب الخال والشهود في ذلك؟ وما تقول فيمن سأله عدل عن زوجته فقال لا تحل لي، فقال له لم ذلك؟ قال لأني طلقتها ثلاثا، وشهد عليه آخر مقبول أنه قال لهذه الزوجة الأيمان تلزمه إن كنت لي بزوجة أبدا. هل تلفق الشهادتان أم لا؟ وما أدب من فعل هذا إن لم يعذر بجهل.
فأجاب: بأن المطلقة ثلاثا لا تحل إلا بعد زوج وهو مما أجمع عليه فقهاء الأمصار، فالكاتب برد المطلقة والمفتي بذلك جاهل وقليل العلم والمعرفة، ضعيف الدين، فعل ما لا يسوغ له بإجماع العلماء، إذ ليس من أهل الاجتهاد
[252/4]
[253/4]
فيخالف به فقهاء الأمصار مالك والشافعي والحنفي وأصحابهم، وفرضه تقليد علماء وقته، ولا تصح مخالفتهم برأيه، والواجب نهيه، فإن لم ينته أدب، وكانت جرحة تسقط شهادته وإمامته.
الوجه اليمين على نفي دعوى من قام عليهم فيها الآن أن يثبت المدعون كراء وإرفاقا بإعارة أو غيرها وإلا فالقول قول الحائز مع اليمين كما ذكر وأما اليد الذي لم تمر على حيازتها المدة المعتبرة وهي السنون العشرة ونحوها فترتفع بثبوت المال والملك للقائم عليها مع اليمين على العادة المتعارفة في باب الاستحقاق إلا أن يثبت لها شراء من جهة القائم من موروثه أو غيرهم بالسماع القديم الذي ليس له في مثله شهود التبايع في تاريخه فيكون الحكم لليد، وأما من تحت يديه شيء ولا يدعي الملك فلا ملك له بمجرد اليد، وإنما الملك فيه لمن أثبته، والسلام على سيادتكم من معظمها فرج.
[مسألة فيمن كان في ميراثه من زوجه التي لها عليه كالئ...]
وسئل رحمه الله عمن كانت له زوجة توفيت فأحاط بميراثها هو وابن لها منه موله، وتوفي ذلك الرجل فأحاط بميراثه زوج له أخرى وابن وبنت منها صغيران وابنه الموله، وكان لزوجه الأولى قبله كالئ صداقها وكان في اعتماره من تروك والدها موضع من حين تزوجه إياها إلى أن توفيت وبعد وفاتها إلي أن توفي هو حسبها يصلكم رسم بذلك والزوجة تريد قسمة الموضع مع أملاك زوجها وتحتج بالاعتماد والنائب عن الابن المذكور ينازع في ذلك ويقول إنما كان اعتماره إياه بسبب زوجه المذكورة حسبها ثبت في الرسم المذكور ويطلب الكالئ المنبه فعسى يا سيدي أن تتفضلوا على الرسم المذكور وتأملوا جميع ما ذكر وتعرفوا بسعة بحركم ما يكون عليه العمل في القضية وهل تتبع ذمة المتوفى بالكالي دون يمين قضاء أم لا؟
دنانير القضاء، والشيء إذا وزن مجتمعا ثم فرق زاد أو نقص. وهذه العلة موجودة في البيع وفي السلف. فأما إن استحق ذلك فيجاز في الوجهين وأما أن يستقل فلا يجوز في الوجهين، وعلى هذا اختلفوا في النقرة في الفضة تكون بين الشريكين فيأخذها أحدهما ويعطي صاحبه نصف وزنها دراهم.
[لا يجوز قضاء وصرف]
وسئل عن الرجل يكون له على الرجل دينار ناقص فيأتيه بدينار قائم ويقول له هات فضله درهما.
فأجاب بأن قال: لا خير فيه. ابن رشد: هذا صحيح بين على ما قال، لأن للدينار القائم فضلا في عينه على الدينار الناقص، فكان المقتضى قد اشترى الدينار الناقص من المقتضى منه بالدينار الناقص الذي كان له عليه، وبدرهم، فكان ذهب وفضة بذهب. ولو كان له عليه دينار إلا ثمن من الذهب التي تجري بالوزن، كالذهب العبادية والشرقية، فأتاه بدينار تام، وأخذ منه في الثمن درهما لجاز لأنهما مصارفة فيما زاد على حقه وبالله تعالى التوفيق.
[هل يباح قطع الدراهم الكبار؟]
وسئل عن الرجل الذي يقدم الذي تجوز به الدراهم النقص ويكون معه دراهم كبار فيريد أن يقطعها.
فأجاب بأن قال: يكره ابن رشد هذا كما قال: إن ذلك مكروه، مخافة أن يذهب بها إلى بلدة لا تجوز بها النقص فيغشى بها، فذلك أشد في الكراهة من قطع الدنانير المقطوعة. وقد أجاز في أول سماع أشهب قطع الدنانير المقطوعة عند الحاجة إلى ذلك. وأجاز ابن القاسم في سماع أصبغ قطعها إجازة مطلقة إذ لم تكن صحاحا مدورة. وأما قطع الدنانير الوازنة وردها ناقصة في البلد الذي لا تجوز فيها الدنانير الناقصة فذلك لا يحل ولا يجوز.
[301/6]
[حكم قطع الدنانير المقطوعة]
وسئل عن قطع الدنانير المقطوعة.
وأما الأرض التي بذل الأعرابي على أن يكون للمدرسة المذكورة فإن كان رقبتها مملوكة ملكا صحيحا وأقطعها له من يصح منه الإقطاع, من الأمراء فعطيتها نافذة, وتصرف غلتها في مصالح المدرسة ولو تفرق منها الطلبة الساكنون بها, وأما إن كانت في يد الأعراب ولم يستند إلى إقطاع من يعتبر إقطاعه من أمراء المؤمنين فلا يمضي له فيها تحبيس ولا عطية, ولا يحل لمن ينتسب إلى العلم أن يقبل شيئا من ذلك مما في يد الأعراب المتغلبين على الأوطان إذ ذاك كقبول الهبة من غاصب لعين غصبه, وذلك جرحة في حق من فعله هالما به والله سبحانه أعلم وبه التوفيق.
وأجاب عنها مفتي تونس سيدي أبو القاسم البرزلي رحمه الله بما نصه: أما شراؤه هذه الدار وبناؤها مدرسة باموال قوم قصدوا ذلك بها, وأنها تكون حبسا, فعندي انها تجري على الحبس, وقد وقع ذلك بالقيروان عندنا, اشترى رجل دارا بأموال الناس ليجعلها زاوية, ولولا ذلك لم يعطوه فوقع الحكم انها حبس, وهو كالنائب عنهم, ولا يرد عليها ما ذكر في العتبية فيمن حبس ثمن عبد ليسقي الناس وإنه لما تخلف أباحوا له بيعه لأنه يجوز بيعه, وقد أكد ذلك ابن رشد بانه إنما حبسه متولي شرائه ولم يكن تحبيسه من مالكه, لأن شراء الربع ثابت لتفسه, وشراء العبد إنما هو لأجل منفعته, فإذا تقرر هذا- وبناها وأباحها للطلبة فهي حبس كالمسجد إذا أباحه للناس بالنسبة إلى المنتسب ولا بالنسبة إلى معطي المال. وأما البيت المحبس المذكور فيه الذي اشتملت عليه أقطار هذه الدار فإن أمكن أن يجعل له طريق يدخل إليه من غير تغيير في المدرسة ويخرج عنها الكراء فعل ذلك, إن لم يزل على ما هو
[
الماء للمكتري، فسألت الشيخ الأول عن الدليل فقال الأصل عدم خروج الأملاك عن مالكها إلا بيقين، وإذا اكترى الدار دخل السكني خاصة، فلا يجوز الماء إلا بنص أو عرف، فبقي على أصل ملكه لربه، فلا يخرج من يده إلا ما أقر به أو عرف، فإن أشكل بقي على ملك ربه، وفارقته. ثم بعد ذلك ظهر لي أن الماء للمكتري لأنه اكترى منه جميع منافع الدار، والماء متكون عن منافعها إذ هو متكون على سطوحها، فكان نص جوابي أن الماء للمكتري إذ هو متكون عن منافعها المكتراة فهو لمن ملك أصله، كما لو سقط حمام أو جراد على سطوحه. فبعد سبع سنين رأيت في هذا الجواب معارضة، وهو أن قولنا أكتري جميع المنافع وأن الماء من المنافع دعوى وهو يحتاج إلى دليل، فانتقلت إلى التعويل على العادة. قيل والعادة اليوم إذا اكترى الدار أن يكون له من ماء المواجل قدر ما يكفيه بالمعروف من الطبخ والغسل والشرب خاصة، فلا يجوز له بيع ولا عطية بوجه، ومن وهب ذلك أو خرج على التصرف المعتاد فإنه متعد غاصب وأما إذا كرى علوي الدار فلن كان عليه دليل مثل المناقض عليه فهو كالدار وإلا فلا يدخل إلا بالشرط على حسب ما يتفقان عليه من ماء الشرب والغسل أو أحدهما في كل شهر أو جمعة أو يوم.
قلت: وتقدمت مسألة أحكام الشعبي من اكتري دارا وفيها مطمر. قيل ويلزم على ما قال في مسألة المطمر أن صاحب الدار لا يختلف إليها إلا بإذن المكتري إذا أراد أن يسوقها للبيع أن لا يدخل المشتري إلا بإذن أو شرط لأنه مالك جميع منافع الدار، وعليه العمل.
[ اختلاف المتكاريين في مدة الخدمة ]
وسئل ابن الضابط عن اختلاف المتكاريين أو وورثتهما في مدة الخدمة.
فأجاب: القول قول ورثة المكتري في الثمن والأمد، وإن كانوا أطفالا
[278/8]
[279/8]
الجواب: أن تبين للقاضي وجه ما طلب الأخ فعله، قال الداودي: لا يكشف كان القائم على المحجور قريبا أو بعيدا إلا أن يستراب نظره، وقال غيره: وهذا إذا كان أصل المال معروفا عنده فإن لم يكن المال عنده معروفا وجب أن
[259/9] يعرف قدر ما عنده، وكذلك الأب في ابنه الصغير، قاله ابن عبدالغفور في استغائه، والى هذه الطريقة ترجع جميع تقارير أئمتنا، ابن رشد وغيره، رضي الله عنهم.
وسئل عن امرأة فقدت من عند أهلها فغابت عنهم أياما يسيرة ثم أتت على زعمها من الجبل ، فعند إقبالها استنطقها جماعة من المسلمين من أهل العدل وغيرهم فأخبرتهم بمن أخرجها على زعمها ، ثم أحضرت مجلس الحكم فاستنطقها قاضي البلد بمحضر الفقهاء فادعت على رجل من أرباب البلد عزب لم تذكره أولا ولا سمته وجاءت لا تدمي ، فأنكر الرجل المدعى عليه وكان حاضرا مدة غيبتها والبينة تشهد له أنها لم تذكره أولا ولا سمته وتيقن أنها قد أغريت عليه وسويت الدعوى . أفتتنا وفقك الله ، إن كان يصدق عليه قولها ، وكيف إن صالحها على دعواها خيفة الضرب ، وأما السجن فقد دخله وأخرج لأن يضرب ففدى نفسه من الضرب بشيء دفعه لها ، هل ترى له رجوعا بواجب الحق فيما أخذت منه تحت خوف السوط أم لا ؟ بين لنا ذلك موفقا مأجورا إن شاء الله .
فأجاب : إذا جاءت صارخة مستغيثة وعينت المذكور قبل قولها ، وهذا معنى قولهم متعلقة تدمي ، إذ ليس كل مغصوبة تقدر على التعلق بمن [236/10] غصبها ، وقد تكون ثيبا فلا يكون لها دم ، وإنما هذا اللفظ عبارة عن سرعة القيام والتشكي الدالة على عدم الطوع ، وينظر الدم في البكر إذ هو قوة على صحة دعواها . فإن كانت إنما تشكت بعد أن جاءت وسكتت لم يقبل قولها وبالله التوفيق .
ولو تتبعنا طال الكلام، وبعد المرام وما يصح التعويل عليه أن يعول في تجويز قيام علمين بمعلوم واحد بالجوهر الواحد إبطال العلل ونقضها ورفضها في بطلان العلل إلى التباس الحقائق وانقلاب الأجناس وإيضاح ذلك أن العلم علة في كون العالم عالما. وكونه عالما معلوم ومن حكم العلة أن توجب الحكم مهما وجدت وينتفي الحكم على تقدير انتفائها. وإذا قام بجوهر علم واحد بالسواد، فقد وجب كون محله عالما بالسواد فلو قام به علم آخر بذلك السواد بعينه، لما كان العلم الثاني موجبا حكما إذ الحكم قد سبق وجوبه وتحققه بالعلم الأول. وأما تحقيق وجوبه بشيء لم تصح إضافة ايجابه واقتضاؤه إلى آخر. والذي يقرر ذلك ويوضحه أن ما حدث بالقدرة وبقي واستمر له الوجود، استحال كونه مقدورا في حال بقائه من حيث ثبت الوجود لتعليق القدرة أولا فلو تعلقت به القدرة في الثاني لما كانت مقتضيه إثبات وجود ولما ظهر أثر تعلقها فوضح بذلك أن العلم الثاني لا يثبت حكما ولا يوجب معلولا لو جاز ان لا يقضي العلم الثاني حكما لوجب ذلك في العلم الأول لأنهما متماثلين(¬1) وحكم المثلين وجوب استوائهما في جملة الصفات النفسية، وإيجاب العلم كون محله عالما من صفات نفس العلم، يتوصل إلى إثبات الصفات القديمة ويقدم ذلك من وجه آخر، فيقال: إذا قررنا قيام علمين بالمحل الواحد، ثم زال أحدهما فلا ينتفي عن المحل كونه عالما بانتفاء العلم أصلا. ومن حكم العلل العقلية ثبوت معلوماتها بوجودها. وانتفاؤها عند انتفائها فإن فرض ولم يحصل الغرض من هذا الباب الكلام في علمين يتعلق أحدهما بسواد ويتعلق الثاني بسواد آخر فهو غفلة منه، فإن العلم إذا تعلق بمعلومين فهما مختلفان وإن تماثل متعلقاهما،
[