وسئل ابن عبد السلام عن رجل برأسه مرض يمنعه من غسله في الجنابة ينتقل معه إلى المسح, نسي مسحه حتى توضأ فمسح رأسه, هل يجزئه كمسألة اللمعة؟ أو لا يجزئه؟
فأجاب بأنه يجزئه. وأجاب بعض أشياخه وهو الشيخ أبو الحسن المنتصر بعدم الإجزاء وصوبه غير واحد, لأنه للغسل واجب لكل الرأس اجماعا, وللوضوء قد لا يعم, وغن عم فالعموم غير واجب اجماعا, فصار كفضيلة عن واجب. ابن عرفة: وبان مسح الغسل كالغسل, والمسح لا يكفي عن الغسل انتهى. وبما أفتى ابن عبد السلام قال أبو علي بن قداح.
وسئل الشيخان الجليلان أبو علي بن قداح وأبو الحسن المنتصر عمن بقيت عليه لمعة من الجنابة, فلما غسلها بنية الوضوء أحدث قبل كمال الطهارة.
فأجاب أبو علي بن قداح بأن قال: إن قلنا أن الحدث لا يرتفع إلا بالكمال لم تطهر اللمعة من الجنابة, وإن قلنا يرتفع حدث كل عضو بالفراغ منه ارتفعت جنابة اللمعة. وأجاب أبو الحسن بأنها تطهر للجنابة مطلقا لأنها غسلت بنية الفرض.
[المسح على العمامة]
وسئل ابن رشد من حاضرة مراكش عن رجل ضعيف الجسم والدماغ متى أراد المسح على رأسه في الوضوء يزيد مرضه. وأصابته شديدة كذلك أبدا, هل يكون فرضه المسح على العهمامة ام لا؟ وهو مع ما هو سبيله من هذه الحال المذكورة تنتابه نوب من أمراض تنضاف إلى الضعف المتقدم الذكر الذي لا ينفك عنه, فإذا أصابته النوب المذكورة لم يقدر على الوضوء بالماء وإن كان حارا ويخاف من الهواء, هل يتيمم في هذه الحال الموصوفة ويكون فرضه فيها التيمم؟ أم كيف يفعل؟ وكيف لو أصاب أهله في هذه الحال, هل يتيمم لجنابته ما دام على هذه الحال ويجزئه ذلك؟ ومتى أصابته جنابة من مماسة أهله في الحال الأولى المتقدمة الذكر لا يقدر على غسل رأسه بالماء. وربما احتاج إلى الإغتسال من الوجه المذكور من الثلاثة الأشهر إلى الأربعة.
[
وبيع لحمه. فهل يسترد الثمن من البائعين؟ وهل يوكل ما بقى من اللحم أم
لا؟
فاجاب لا يوكل ويرد الثمن إذا كان قد أصابه في الأول ما لا يعيش
معه .
لا تباع ذبيحة اليهود المحرمة عليهم (طريفة) للمسلمين
وسئل عن قوم يهود ذبحوا الغنم لأنفسهم, فربما خرج لهم في ذلك
شئ يسمونه طاهورا فيبيعون ذلك ولا يبينونه, وما علمنا أن أحد منهم بين
ذلك. ومنهم من يذبح وهو جزار هذه صنعته ويبيع للمسلمين , فهل يمنع من
ذلك كل المنع؟ ويومر من وجد من اليهود بالبلد أن يذكروا ما يخرج طاهورا
ويتقدم اليهم وينهوا اشد النهى , فمن اطلع عليه عوقب؟ بين لنا ذلك .
فاجاب إذا وقع في ذبيحتهم ما لا يستحلونه فيبيعونه للمسلمين
ولا يبينونه فيمنعون من البيع في الأسواق , ولو في موضع يشترى منهم أهل
الأسواق .
تؤكل الإبل والبقر التي تعرقب ثم تذبح
وسئل "ابن أبى زيد" عن الإبل والبقر إذا عرقبها ثم أدركت ذكاته , وذلك
في عرس أو غيره, فهل تؤكل أم لا ؟
فاجاب بأنها توكل .
وسئل "القابسى" عن طائر يذبحه رجل فيضطرب في يده فيرفع السكين
ثم يعيدها فيتم الذبح , أتوكل؟
[29/2]
[30/2]
فاجاب فيها اضطراب يبين أصحابنا , فمنهم من قال هي بمنزل من
شك في صلاته فيخرج ثم يرجع بالفور فيتم صلاته وتجزئه , فكذا هذه
توكل , ومنهم من قال هي بمنزله من سلم على شك ثم رجع للإصلاح
فلا تجزئه , فكذلك هذه إذا رفع يده متيقن التمام ثم رجع فأتم فلا توكل .
قال " القابسى " : وسئل عنها ( أبو محمد ) فأجاب عنها مره بالأكل ومره بعدمه ,
فقيل له فما تقول أنت ؟ فذكر جواب " السيورى " المتقدم أما أن يحصل فيها ما
تعيش معه أم لا .
من سلخ محل الذبح ثم ذبح
وسئل عن رجل أراد ذبح تيس فعمد ألي إلى موضع منبت الشعر من
شدقيه فسلخ الجلد من ذلك الموضع إلى أن بلغ المذبح ثم ذبح .
فأجاب يجب على فاعل ذلك الأدب الوجيع بعد التقدم إليه في أن لا يفعله .
=فأجاب : بما نصه : لا خفاء بأن بقاء أمد الزوجية بين الزوجين مجهول ، وأنه لا يدر متى يقع الطلاق ومتى يقع الموت ؟ فإن كان مجهولا وقارن العقد فالصداق المبذول من الزوج بعضه عوض عن هذا الإسكان المجهول ؛ لأن السكنى من الأعواض المالية ، وهي آكد في كونها عوضا ماليا من الفرج ، وإذا كانت عوضا من الأعواض المالية ، فمحال ألا يحصل لها حظ من الصداق ، كما أن من المحال أن يشتري الرجل سلعتين فلا يجعل لأحدهما عوضا من الثمن ، فإذا ثبت أن ذلك مما يعاوض عليه الزوج وهو مجهول ، فسد العقد فيه وكان عقد النكاح عليه فاسدا ، ويجب فسخ النكاح المعقود عليه قبل الدخول في المشهور المعروف من المذهب إلا رواية شاذة وإما إن وقع الدخول ففي فسخه بعد الدخول اختلاف مشهور ، فإذا كان العقد على هذا فاسدا ، فالعقود الفاسدة يجب أن تغير ، وتغيير المنكر من أهم الشرع الأكبر ، خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس في حديث بريدة حرصا على المبالغة في تغيير الشروط الفاسدة وإبانة أحكامها ، وهذا مما يجب تغييره وإنكاره ، وإن عثر على نكاح تحقق انعقاده على هذا الشرط ، فإنه يقضي بفسخه حسبما رتبناه من المذهب ، وإذا كان اشتراط هذا يعد تدليسا وتلبيسا ، وإنما يكتبه الكتاب تحرزا من أن يوقف على خطوطهم على عقد لا يجوز ، فإنهم يمنعون من كتب هذا ويحذرون منه ، وإذا علم أن هذا هو الغالب في عقود البلد المشترط فيها هذا الشرط ، أن الإسكان لا يقع بعد العقد على حال ، وإن وقع فإنه إنما يقع نادرا من آحاد لا يميزون ولا يضبطون ، ولا يمنع هذا الشرط الفاسد إلا بحسم المادة ومنع الجميع فإنه يمنع من ذلك .
في أصل المدونة إذا وجد الأب وهو موسر من يرضعه بخمسين وأبت الأم إلا بمائة، الأم أحق أن ترضعه بما يرضعه به غيرها إلى آخر المسألة، فحمله ابن الكاتب وغيره على أجر رضاع مثلها لا على ما طلبت، ولا على ما وجد الزوج، ويشهد له قوله بعد: وليس للأب أن يفرق بينه وبينها إذا أراد أن ترضعه بما ترضعه به الأجنبية، فقوله آخر المسألة: فإنها أحق به بأجر رضاع مثلها، وقوله أيضا آخر الكتاب: إذا وجد من يرضعه باطلا وهو موسر لم يكن له أجرة عليها رضاعه بما ترضعه بها غيرها ويجبر الأب على ذلك، ومثله في كتاب محمد، وسواء وجد الأب من يرضعه غيرها أم لم يجد، لأن المرضعة تناوله عند الرضاعة وغيرها وهو تفريق بينه وبينها، وقال غيره: إنما تكون أحق به بأجرة المثل إذا لم يقبل غيرها.
وأما إن وجد من يرضعه عندها باطلا أو بدون أجر المثل فلا حجة لها، إلا
[26/4]
[27/4]
القاسم في أصل الأسدية جواز ذلك، واعترضوه، وجري عملهم بغيره، قال أبو الأصبغ القاضي ابن سهل: والصحيح والذي عليه العمل ما ذهب إليه أشهب وسحنون، وما احتال به المتأخرون من ابتياعه بشرط القلع غير سالم من الاعتراض، إذ لرب البقعة أخذ النقض بقيمته مقلوعا ومنع مشتريه من قلعه إلا أن يباع من دين الحق صاحب النقض فيجوز حينئذ لضرورة الدين وشبهه، وأما على الاختيار فلا يجوز، قالوا كلهم للغرر، لأن رب الأرض عليه بالخيار أن يعطيه قيمة ما اشترى مقلوعا ويقره في أرضه، فلا يدري ما اشترى هل النقض أم القيمة؟ وهي مجهولة.
وقد ذكر لي بعض ثقات أصحابنا ممن حضر معهم أنهم احتجوا أيضا بمسألة غرماء الملتقط للقطة إذا علقها بذمته، لكنه لم يضبط لي حقيقة الصورة التي اعتمدوها وجعلوها موضع الحجة، وأنا أذكر تقسيمها وأبين حكم كل قسم منها ليتضح لك أن لا حجة لهم فيها على أي وجه صورت وفي أي صورة ركبت، لأنه إن قامت بينة على الالتقاط فهي مخالفة لمسألتنا لتحقق
[27/6]
عمارة ذمته بمال غيره، وبصدد أن يأتي ربها فيثبتها إما ببينة مقالية أو حالية، وهي العفاص والوكاء، فهي معروضة لتعيين ربها في كل وقت. وكذلك إن لم تكن ببينة على الالتقاط. لكنه اعترف بها في صحته، فلا تشبه مسألة النزاع، لما قدمنا من أنها عرضة لظهور ربها، فليس فيها تعليق على إخراجها بعد الموت حتى يلزمنا فيها ما التزمناه في مسألتنا من استواء الصحة والمرض، فشتان ما بينهما. وإن لم تكن بينة ولا كان اعتراف بها في الصحة، وإنما كان عند موته ولم يعرف ذلك إلا بقوله.
فنقول إما أن يورث بولد أو بكلالة، فإن ورث بولد فالمحاصة صحيحة، وهي إذ ذاك مخالفة في مسألتنا في الصورة، ولو فرضنا في مسألتنا أن الولد فيها لكان الحكم سواء. وإن ورث بكلالة فإما أن يكون الدين الذي يحاص به ثابتا ببينة وإما أن يكون بمجرد إقراره. إن كان ببينة، فلا نسلم أن الحكم الحصاص بل يجب تقديم الدين الثابت بالبينة على ما اعترف به من اللقطة. فإن كان اللقطة لها بال كمسألتنا فهي باطلة على قول ابن القاسم في العتبية ومن الثلث على مذهب الكتاب فإن لم يكن لها بال فقيل باطلة. وقيل تكون من رأس المال.
ونص الثاني وهو مقيد أسفل الرسم المنصوص آنفا بعد افتتاحه من أوله إلخ لما ثبت عند قاضي الجماعة بمدينة فاس محمد بن محمد بن أحمد المقري أبقى الله بركته وحرسها, رسم الإيصاء المقيد هذا على ظهره واستقل لديه بواجبه! وسئل منه حفظه الله النظر في مقتضي لفظه منه وهو اللفظ الذي نصه: ويعطى الثلث المذكور بأجمعه لذكور بني بنيه من الذكور ولمن يتزيد لبنيه الذكور, والحكم بما يظهر له في ذلك رفعا للنزاع وقطعا لمادته, إذا وقع تنازع بين من
[
مسألة: فإن قيل فما الحكم في هذه القنوات والمراحيض والكراسي التي تصب في النهر المذكور هل تنقطع ويمنع من أراد إحداث شيء من ذلك أم لا؟ فالجواب أن ذلك يحتاج إلى تفصيل وبيان، فنقول والله المستعان: أما ما كان من ذلك كله في موضع دخول النهر المذكور إلى حد ميضات جامع الأندلس، شرفه الله بإقامة الذكر فيه، فقطعه لازم وتغييره واجب، لأن أصل ما سيق له إلى ذلك الحد الطهارة وكذلك ما بنيت المقاصد عليه، وإذا كان الأصل ما سيق له الطهارة وجب قطع كل ما يؤدي إلى تغييره ونقله عن أصله، ويدل على ذلك ما ذكره الشيخ أبوالوليد بن رشد في أجوبته، وهو أنه سئل عن ماء جار في جنات وعليه أرحى وأهل جنات يسقون منه ثمارهم ويصرفون ما يحتاجون إليه لمنافعهم وشربهم، فبنى بعضهم عليه كرسيا للحدث واحتج بأن ذلك لا يغيره لكثرته، وحجة الآخرين بأنه وإن لن يغيره فإنه يقذره ويعيبه وربما رسبت الأقذار في قراره، وإن ذلك مما يضيفه علينا، فهل يباح ما فعل أو يغير ذلك عليه؟ وأما القدر الذي يجري من ذلك في الماء الجاري فادعى إلى تقديره فيه مضرة على من ينتفع به.
فأجاب رحمه الله: الحكم بهذا الضرر واجب، والقضاء به لازم، قام
[27/8]
[
وترك المتحلقين في الجامع على ما هم فيه واسع إن شاء الله. قال بذلك عبيد الله بن يحيى وابن لبانة ومحمد بن وليد وسعيد بن معاذ. ابن سهل هذا الجواب على الإطلاق في ترك هؤلاء المتحلقين غير صحيح، إنما يباح ذلك إذا كان فيهم من يوثق بفهمه وعلمه ودينه، ويؤمن عليه التكلم فيما لا يحسنه والفتوى بما لا يعلمه، فهو يتكلم معهم فيما يعلم، ويبصر الجاهل مالا يفهم. فإذا كان هذا هكذا أبيح له وللمسلمين معه التحلق والتعلم في غير أوقات الصلوات حين لا يضرون بالمصلين. وقد ذكر أبو البختري أن
[28/9] علي ابن أبي طالب رضي الله عنه دخل المسجد فإذا برجل يخوف الناس، فقال ما هذا؟ فقيل رجل يذكر الناس، فقال ليس برجل يذكر الناس ولكنه يقول أنا فلان بن فلان فاعرفوني. فأرسل إليه أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه. وروي عن ابن عباس مثله، وما حكوه عن مالك في جوابهم مصحف قطعا، وكذلك ما في جوابهم، وتركنا شرحه كراهة التطويل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
[ من أدخل خشبا في حائط جاره وأحدث مطبخا يؤذيه دخانه]
وسئل ابن عتاب عمن أحدث درجا في داره يلاصق حائط جاره وأدخل فيه خشبا ومطبخا يؤذيه دخانه.
فأجاب قرأت ما خاطبتنا به وما أدرجت طيه. وإذ قد ثبت عندك ما ذكرت ولم يثبت عندك ما أظهره من أعذرت إليه مما ذكر في عقد الاسترعاء الذي شهد فيه عندك شاهداه وعرفت أحدهما ولم تعرف الآخر، فالقضاء بتغير ما أحدثوا واجب، وإزالته وإعادة الحال على ما كانت عليه أولا لازم، واليمين يضعف على يحيى وهند، فأنفذ ذلك من نظرك موفقا للصواب إن شاء الله.
فأجاب : الوجه في هذا أن يعيد شاهدا الأصل شهادتهما عند القاضي المخرج إليه الحكم عند(¬1) القاضي الأول وعند من يبعثه لذلك إن كان في بلد آخر ، ولا يباح للمشهود عليه أن يجرح الشاهد عليه إذا كان مبرزا للعدالة بالإسفاه إن دعا إلى ذلك ، وإنما يباح له تجريحه بالعداوة والهجرة ، إذ قد يكون ذلك في الصالح البائن في الفضل والصلاح . هذا الذي أختاره مما قيل في ذلك ، ويجرح الشاهد بالعداوة من هو مثله في العدالة وفوقه ودونه ، بخلاف التجريح في الإسفاه ، وبالله التوفيق .
[اشهاد القاضي بثبوت العقد حكم بعدالة البينة]
وسئل من بطليموس عن بينة شهدت عند قاض في عقد وأشهد على نفسه بثبوته عنده ، ثم عزل القاضي وولي غيره ، والشهود أحياء ، هل يكررون الشهادة عند القاضي الثاني أم لا ؟ وهل يجري إشهاد القاضي على نفسه بثبوت العقد عنده مجرى الحكم أو مجرى الشهادة على الشهادة لا يشهد شهوده ما دام شهود الأصل أحياء ؟ وكيف إن كان أحد شهود الأصل توكل في الحق المطلوب في العقد الذي شهد فيه ؟ هل تصح شهادته وهو يوكل في ذلك الحق المطلوب في العقد الذي شهد فيه ؟ هل تصح شهادته وهو يوكل في ذلك الحق أم لا ؟
فأجاب : إشهاد القاضي على نفسه بثبوت العقد عنده حكم بعدالة البينة عنده ، فلا يلزم أن يعيد الشهود شهادتهم عند غيره ، لأن ذلك يوجب أن [26/10] لا يحكم بشهادتهم إلا بعد علمه بعدالتهم أو بعد تزكيتهم عنده وإذا ثبت عنده أن القاضي الأول أشهد بثبوت العقد عنده قضى بشهادتهم بعد الإعذار دون تزكية وإن لم يعرف عدالتهم ، وبالله التوفيق .
[ سؤال القاضي عياض عن يمين الحكم فيمن أثبت دينا على غائب]
وأما الحديث الثاني وهو العنقود المأخوذ من الجنة وبقاؤه ما بقيت الدنيا لو أخذه فليس ينبغي أن يمثل ذلك بالبركة كطعام أم سليم ولا بأنه ينمو كما ينمو ويجتني منه ما يقوت، فكل ذلك مقايسة لطعام الجنة بطعام الدنيا. ولا
[26/11] مناسبة بين فواكه الجنة وفواكه الدنيا في هذه المعاني، بل ينبغي أن يعلم أن فواكه الجنة غير مقطوعة ولا ممنوعة وإن قطوفها دانية. وليس المعنى بقطعها أن تقطع بعينها وتوصل إلى المعدة بالنقلة، بل تلك الفواكه تبقي ولا تنقص ولا يتعرض لذواتها، وإنما ذواتها أسباب لحدوث أمثالها في ذات الإنسان فيكون غذاء الأرواح في الجنة بما يحدث فيها من أمثال تلك الفواكه، ولا يفهم هذا إلا بمثال فلنمثل هذا في المعرفة فإنها غذاء القلب، ومعلوم أن وجودها في قلب المعلم سبب لوجودها في قلب المتعلم، وليس ذلك سببا لانتقالها أو نقصانها بل يحدث عن تلك المعرفة في قلب المتعلم آلاف ولا ينقص منها شئ. ومثاله أيضا الصورة التي تحدث في المرآة من الصورة المقابلة لها فلو قابلت الصورة الواحدة ألف مرآة لحدث فيها ألف صورة من غير أن تنتقل الصورة وتنتقص، ولو تصور أن يكون للمرآة لذة بما يحدث فيه من أثر الفواكه لقيل إنها اغتدت وتنعمت وتفكهت، بل لو جعل غير المعرفة غذاء للقلب ولذيذا عنده لذة دائمة من أسباب يستعار لها اسم الفواكه. وهي غير مقطوعة ولا ممنوعة، فقد ظن ظانون أن المعرفة هي عين الفواكه في الجنة، وأن الفواكه كناية عن المعارف التي تقوم مقام الفواكه في اللذة، ولكن تلك اللذة تدرك بعد الموت وان اتساع صدره بالمعارف، هو اتساع جنته وأن جنة كل إنسان بقدر سعة معرفته بالله تعالى وجل وبجلاله وحكمته وأفضاله، ولذلك لا يضيق البعض من أهل الجنة عن البعض. وأما أهل الحق فإنهم جعلوا هذه المعارف سببا لاستحقاق الجنة لأعين الجنة. وعلي كل مذهب، ففواكه الجنة لا تعين بالطريق التي ذكرتها.
قلت: قال بعض الشيوخ فتح الباب بالفتيا في إقليمنا بغير مذهب مالك لا يسوغ، وهذا هو الذي فعله سحنون والحارث لما وليا القضاء فرقا حلق جميع المخالفين ومنعا الفتوي بغير مذهب مالك، فيجب على الحاكنم المنع وتأديب المفتي به بحسب حاله بعد نهيه عن ذلك. وفي آخر أحكام ابن سهل وأول مدارك القاضي، واللفظ للمدارك، وفي كتاب الحكم المنتصر إلى الفقيه أبي إبراهيم، وكان الحكم ممن طالع الكتب ونقر عن أخبار الرجال تنقيرا لم يبلغ فيه شأوه كثير من أهل العلم، فقال في كتابه: وكل من زاغ عن مذهب مالك أنه ممن رين على قلبه، وزين له سوء عمله. وقد نظرنا طويلا في أخبار الفقهاء وقرأنا ما صنف من أخبارهم إلى يومنا لهذا فلم نر مذهبا من المذاهب غير أسلم منه، وإن فيهم الجهمية والرافضة والخوارج والمرجئة والشيعة إلا مذهب مالك ما سمعنا أن أحدا ممن تقلد مذهبه قال شيء من هذه البدع، فالاستمساك به نجاة إن شاء الله، انتهي. ولغيره عن الخليفة الحكم المنتصر بالله: من خالف مذهب مالك بالفتوى وبلغنا خبره أنزلنا به من النكال ما يستحقه، وجعلناه عبرة لغيره.فقد اختيرت فوجدت أن مذهب مالك وأصحابه أفضل المذاهب، ولم أر في أصحابه ولا فيمن تقلد بمذهبه غير معتقد للسنة والجماعة، فليتمسك الناس بهذا ولينهوا أشد النهي عن تركه، ففي العمل بمذهبه جميع النجاة. انتهي.
ثم لا يجوز لهذا المقلد أن يفتي إلا بالنص لا بالنظر والقياس. وقد جاء من كذب على عالم فكأنما كذب على الرسول، ومن كذب على الرسول فكأنما كذب على الله ومن كذب على الله فليتبوأ مقعده من النار. وفي مدخل ابن طلحة ما نصه: وإذا رجع إلى مقلد رجوع اضطرار كرجل يذكر المسائل كمن يحفظ المدونة والعتبية والواضحة والموازية وما جمع منها كالنوادر ونحو ذلك، فإن استفتي مثل هذا فالفرض عليه ألا يفتي في مسألة حتى تنزل حسبما هي في ديوان من هذه الكتب، فيكتب الجواب
[26/12]
[27/12]